السلام عليكم نقرا لكم كتاب الطب النبوي لشمس الدين محمد بن ابي بكر بن ايوب الزرعي الدمشقي الشهير بابن القيم الجوزيه يقراه عليكم عبد الباري الطشاني بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلوات على اشرف المرسلين محمد خاتم النبيين واله وصحبه اجمعين اما بعد فهذه فصول نافعه في هديه صلى الله عليه وسلم في الطب الذي تطبب به ووصفه لغيره نبين ما فيه من الحكمه التي تعجز عقول اكبر الاطباء عن الوصول اليها فنقول وبالله نستعين ومنه نستمد الحول والقوه فصل المرض نوعان مرض القلوب ومرض الابدان وهما مذكوران في القران ومرض القلوب نوعان مرض مرض شبهه وشك ومرض شهوه وغيما في القران قال تعالى في مرض الشبهه في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال تعالى وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا اراد الله بهذا مثلا وقال تعالى في حق من دعي الى تحكيم القران والسنه فابى واعرض واذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم اذا فريق منهم معرضون وان يكن لهم الحق ياتوا اليه مذعنين افي قلوبهم مرض ام ارتابوا ام يخافون ان يحيف الله عليهم ورسوله بل اولئك هم الظالمون فهذا مرض الشبهات والشكوك واما مرض الشهوات فقال تعالى يا نساء النبي لستن كاحد من النساء ان اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض فهذا مرض شهوه الزنا والله اعلم. فصل واما مرض الابدان فقال تعالى ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج. وذكر مرض البدن في الحج والصوم والوضوء لسر بديع يبين لك عظمه القران والاستغناء به لمن فهمه وعقله عن سواه وذلك ان قواعد طب الابدان ثلاثه حفظ الصحه والحميه عن المؤذي واستفراغ المواد الفاسده فذكر سبحانه هذه الاصول الثلاثه في هذه المواضع الثلاثه فقال في ايه الصوم فمن كان منكم مريضا او على سفر فعده من ايام اخر فاباح الفطر للمريض لعذر المرض وللمسافر طلبا لحفظ صحته وقوته لاللا يذهبهما الصوم في السفر لاجتماع شده الحركه وما يوجبه من التحليل وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل فتخور القوه وتضعف فاباح للمسافر الفطر حفظا لصحته وقوته عما يضعفها وقال في ايه الحج فمن كان منكم مريضا او به اذى من راسه ففديه من صيام او صدقه او نسك فاباح للمريض ومن به اذى من راسه من قمل او حكه او غيرهما ان يحلق راسه في الاحرام استفراغا لماده الابخره الرديئه التي اوجبت له الاذى في راسه باحتقانها تحت الشعر فاذا حلق راسه ففتحت المسام فخرجت تلك الابخره منها فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذن حباسه والاشياء التي يؤذن حباسها ومدافعتها عشره الدم اذا هاج والمني اذا تتابع والبول والغائط والريح والقيء والعطاس والنوم والجوع والعطش وكل واحد من هذه العشره يوجب حبسه داء من الادواء بحبسه وقد نبه سبحانه باستفراغ ادناها وهو البخار المحتقن في الراس على استفراغ ما هو اصعب منه كما هي طريقه القران التنبيه بالادنى على الاعلى واما الحميه فقال تعالى في ايه الوضوء وان كنتم مرضى او على سفر او جاء احد منكم من الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فاباح للمريض العدول عن الماء الى التراب حميه له ان يصيب جسده ما يؤذيه وهذا تنبيه على الحميه عن كل مؤذن له من داخل او خارج فقد ارشد سبحانه عباده الى اصول الطب الثلاثه ومجامع قواعده ونحن نذكر هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ونبين ان هديه فيه اكمل هدي فاما طب القلوب فمسلم الى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ولا سبيل الى حصوله الا من جهتهم وعلى ايديهم فان صلاح القلوب ان تكون عارفه بربها وفاطيرها وباسمائه وصفاته وافعاله واحكامه وان تكون مؤثره لمرضاته ولمحابه متجنبه لمناهيه ومساخطه ولا صحه لها ولا حياه البت الا بذلك ولا سبيل الى تلقيه الا من جهه الرسل وما يظن من حصول صحه القلب بدون اتباعهم فغلط ممن يظن ذلك وانما ذلك حياه نفسه البهيميه الشهوانيه وصحتها وقوتها وحياه قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل ومن لم يميز بين هذا وهذا فليبكي على حياه قلبه فانه من الاموات وعلى نوره فانه منغمس في بحار الظلمات فصل واما طب الابدان فانه نوعان نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقه وبهيمه فهذا لا يحتاج فيه الى معالجه طبيب كطب الجوع والعطش والبرد والتعب باضاضها وما يزيلها والثاني ما يحتاج الى فكر وتامل كدفع الامراض المتشابهه الحادثه في المزاج بحيث يخرج بها عن الاعتدال اما الى حراره او بروده او يبوسه او رطوبه او ما يتركب من اثنين منها وهي نوعان اما ماديه واما كيفيه اعني اما ان يكون بانصباب ماده او بحدوث كيفيه والفرق بينهما ان امراض الكيفيه تكون بعد زوال المواد التي اوجبتها فتزول موادها ويبقى اثرها كيفيه في المزاج وامراض الماده اسبابها معها تمدها واذا كان سبب المرض معه فالنظر في السبب ينبغي ان يقع اولا ثم في المرض ض ثانيا ثم في الدواء ثالثا او الامراض الاليه وهي التي تخرج العضو عن هيئته اما في شكل او تجويف او مجرى او خشونه او ملامسه او عدد او عظم او وضع فان الاعضاء اذا تالفت وكان منها البدن سمي تالفها اتصالا والخروج عن الاحتدال فيه يسمى تفرق الاتصال او الامراض العامه التي تعم المتشابهه والاليه والامراض المتشابهه هي التي يخرج بها المزاج عن الاعتدال وهذا الخروج يسمى مرضا بعد ان يضر بالفعل اضرارا محسوسا وهي على ثمانيه اضرب اربعه بسيطه واربعه مركبه والبسيطه البارد والحار والرطب واليابس والمركبه الحار الرطب والحار اليابس والبارد الرطب طب والبارد اليابس وهي اما ان تكون بانصباب ماده او بغير انصباب ماده وان لم يضر المرض بالفعل يسمى خروجا عن الاعتدال صحه وللبدن ثلاثه احوال حال طبيعيه وحال خارجه عن الطبيعه وحال متوسطه بين الامرين فالاولى بها يكون البدن صحيحه والثانيه يكون بها مريضا والحال الثالثه هي متو وسطه بين الحالتين فان الضد لا ينتقل الى ضده الا بمتوسط وسبب خروج البدن عن طبيعته اما من داخله لانه مركب من الحار والبارد والرطب واليابس واما من خارج فلان ما يلقاه قد يكون موافقا وقد يكون غير موافق والضرر الذي يلحق الانسان قد يكون من سوء المزاج بخروجه عن الاعتدال وقد يكون من فساد العضو وقد يكون من ضعف في القوى او الارواح الحامله لها ويرجع ذلك الى زياده ما الاعتدال في عدم زيادته او نقصان ما الاعتدال في عدم نقصانه او تفرق ما الاعتدال في اتصاله او اتصال ما الاعتدال في تفرقه او امتداد ما الاعتدال في انقباضه او خروج ذي وضع وشكل عن وضعه وشكله بحيث يخرجه عن اعتداله فالطبيب هو الذي يفرق ما يضر الانسان جمعه او يجمع فيه ما يضره تفرقه او ينقص منه ما يضره زيادته او يزيد فيه ما يضره نقصه فيجلب الصحه المفقوده او يحفظها بالشكل والشبه ويدفع العله الموجوده بالضد والنقيض ويخرجها او يدفعها بما يمنع من حصولها بالحميه وسترى هذا كله فييه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم شافيا كافيا بحول الله وقوته وفضله ومعونته فصل فكان من هديه صلى الله عليه وسلم فعل التداوي في نفسه والامر به لمن اصابه مرض من اهله او اصحابه ولكن لم يكن من هديه ولا هدي اصحابه استعمال هذه الادويه المركبه التي تسمى اقربين بل كان غالب ادويتهم بالمفردات وربما اضافوا الى المفرد ما يعاونه او يكسر ثورته وهذا غالب طب الامم على اختلاف اجناسها من العرب والتركي واهل البوادي قاطبه وانما عني بالمركبات الروم واليونانيون واكثر طب الهند بالمفردات وقد اتفق الاطباء على انه متى امكن التداوي بالغذاء لا يعدل الى الدواء ومتى امكن بالبسيط لا يعدل الى المركب قالوا وكل داء قدر على دفعه بالاغذيه والحميه لم يحاول دفعه بالادويه قالوا ولا ينبغي للطبيب ان يولع بسقي الادويه فان الدواء اذا لم يجد في البدن داء يحلله او وجد داء لا يوافقه او وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه او كيفيته تشبث بالصحه وعبث وارباب التجارب من الاطباء طبهم بالمفردات غالبا وهم احد فرق الطب الثلاث والتحقيق في ذلك ان الادويه من جنس الاغذيه والامه والطائفه التي غالب اغذيتها المفردات امراضها قليله جدا وطبها بالمفردات واهل المدن الذين غلبت عليهم الاغذيه المركبه يحتاجون الى الادويه المركبه وسبب ذلك ان امراضهم في الغالب بمركبه فالادويه المركبه انفع لها وامراض اهل البوادي والصحاري مفرده فيكفي في مداواتها الادويه المفرده فهذا برهان بحسب الصناعه الطبيه ونحن نقول انها هنا امرا اخر نسبه طب الاطباء اليه كنسبه طب الطرقيه والعجائز الى طبهم وقد اعترف به حذاقهم وائمتهم فان ما عندهم من العلم بالطب منهم من يقول هو قياس ومنهم من يقول هو تجربه ومنهم من يقول الهامات ومنامات وحدس صائب ومنهم من يقول اخذ كثير منه من الحيوانات البهيميه كما نشاهد السنانير اذا اكلت ذوات السموم تعمد الى السراج فتلغ في الزيت تتداوى به وكما رؤيت الحيات اذا خرجت من بطون الارض وقد غشيت ابصارها تاتي الى ورق الرازيانج فتمر عيونها عليها وكما عهد من الطير الذي يحتقن بماء البحر عند انحباس طبعه وامثال ذلك مما ذكر في مبادئ الطب واين يقع هذا وامثاله من الوحي يوحيه الله الى رسوله بما ينفعه ويضره فنسبه ما عندهم من الطب الى هذا الوحي كنسبه ما عندهم من العلوم الى ما جاءت به الانبياء بل ها هنا من الادويه التي تشفي من الامراض ما لم يهتدي اليها عقول اكابر الاطباء ولم تصل اليها علومهم وتجاربهم واقيستهم من الادويه القلبيه والروحانيه وقوه القلب واعتماده على الله والتوكل عليه والالتجاء اليه والانطراح والانكسار بين يديه والتذلل له والصدقه والدعاء والتوبه والاستغفار والاحسان الى الخلق واغاثه الملهوف والتفريج عن المكروب فان هذه الادويه قد جربتها الامم على اختلاف اديانها ومللها فوجدوا لها من التاثير في الشفاء ما لا يصل اليه علم اعلم الاطباء ولا تجربته ولا قياسه وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا امورا كثيره ورايناها تفعل ما لا تفعل الادويه الحسيه بل تصير الادويه الحسيه عندها بمنزله الادويه الطرقيه عند الاطباء وهذا جار على قانون الحكمه الالهيه ليس خارجا عنها ولكن الاسباب متنوعه فان القلب متى اتصل برب العالمين وخالق الداء والدواء ومدبر الطبيعه ومصرفها على ما يشاء كانت له ادويه اخرى غير الادويه التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه وقد علم ان الارواح متى قويت وقويت النفس والطبيعه تعاونا على دفع الداء وقهره فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه وفرحت بقربها من بارئها وانسها به وحبها له وتنعمها بذكره وانصراف قوها كلها اليه وجمعها عليه واستعانتها به وتوكلها عليه ان يكون ذلك لها من اكبر الادويه وتوجب لها هذه القوه دفع الالم بالكليه ولا ينكر هذا الا اجهل الناس واعظمهم حجابا واكثفهم نفسا وابعدهم عن الله وعن حقيقه الانسان وسنذكر ان شاء الله السبب الذي به ازالت قراءه الفاتحه داء اللدغه عن اللديغ التي رقي بها فقام حتى كان ما به قلبه القلب الداء او الالم الذي ينقلب منه صاحبه فهذان نوعان من الطب النبوي نحن بحول الله نتكلم عليهما بحسب الجهد والطاقه ومبلغ علومنا القاصره ومعارفنا المتلاشيه جدا وبضاعتنا المزجاه ولكن نستوهب من بيده الخير كله ونستمد من فضله فانه العزيز الوهاب فصل روى مسلم في صحيحه من حديث ابي الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لكل داء دواء فاذا اصيب دواء الداء برا باذن الله عز وجل وفي الصحيحين عن عطاء عن ابي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انزل الله من داء الا انزل له شفاء وفي مسند الامام احمد من حديث زياد بن علاقه عن اسامه بن شريك قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت الاعراب فقالوا يا رسول الله انتداوى فقال قال نعم يا عباد الله تداووا فان الله عز وجل لم يضع داء الا وضع له شفاء غير داء واحد قالوا ما هو؟ قال الهرم وفي لفظ ان الله لم ينزل داء الا انزل له شفاء علمه من علمه وجاهله من جهله وفي المسند من حديث ابن مسعود يرفعه ان الله عز وجل لم ينزل داء الا انزل له شفاء علمه من علمه وجاهله من جهله وفي المسند والسنن عن ابي خزامه قال قلت يا رسول الله ارايت رقا نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاه نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله فقد تضمنت هذه الاحاديث اثبات الاسباب والمسببات وابطال قول من انكرها ويجوز ان يكون قوله لكل داء دواء على عمومه حتى يتناول الادواء القاتله والادواء التي لا يمكن طبيبا ان يبرئها ويكون الله عز وجل قد جعل لها ادويه تبرئها ولكن طوى علمها عن البشر ولم يجعل لهم اليها سبيلا لانه لا علم للخلق الا ما علمهم الله ولهذا علق النبي صلى الله عليه وسلم الشفاء على مصادفه الدواء للداء فانه لا شيء من المخلوقات الا له ضد فكل داء له ضد من الدواء يعالج بضده فعلق النبي صلى الله عليه وسلم البر بموافقه الداء للدواء وهذا قدر زائد على مجرد وجوده فان الدواء ما جاوز درجه الداء في الكيفيه او زاد في الكميه على ما ينبغي نقله الى داء اخر ومتى قصر عنها لم يفي بمقاومته وكان العلاج قاصرا ومتى لم يقع المداوي على الدواء لم يحصل الشفاء ومتى لم يكن الزمان صالحا لذلك الدواء لم ينفع ومتى كان البدن غير قابل له او القوه عاجزه عن حمله او ثم مانع يمنع من تاثيره لم يحصل البرء لعدم المصادفه ومتى تمت المصادفه حصل البرء ولا بد وهذا احسن المحملين في الحديث والثاني ان يكون من العام المراد به الخاص لا سما والداخل في اللفظ اضعاف الخارج منه وهذا يستعمل في كل لسان ويكون المراد ان الله لم يضع داء يقبل الدواء الا وضع له دواء فلا يدخل في هذا الادواء التي لا تقبل الدواء وهذا كقوله تعالى في الريح التي سلطها على قوم عاد تدمر كل شيء بام امر ربها اي كل شيء يقبل التدمير ومن شان الريح ان تدمره ونظائره كثيره ومن تامل خلق الاضاضاد في هذا العالم ومقاومه بعضها لبعض ودفع بعضها ببعض وتسليط بعضها على بعض تبين له كمال قدره الرب تعالى وحكمته واتقانه ما صنعه وتفرده بالربوبيه والوحدانيه والقهر وان كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه كما انه الغني بذاته وكل ما سواه محتاج بذاته وفي هذه الاحاديث الصحيحه الامر بالتداوي وانه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد باضاضها بل لا يتم حقيقه التوحيد الا بمباشره الاسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا وان تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الامر والحكمه ويضعفه من حيث يظن معطلها ان تركها اقوى في التوكل فان تركها عجزا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشره الاسباب والا كان معطلا للحكمه والشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلا ولا توكله عجزا وفيها رد على من انكر التداوي وقال ان كان الشفاء قد قدر فالتداوي لا يفيد وان لم يكن قدر فكذلك وايضا فان المرض حصل بقدر الله وقدر الله لا يدفع ولا يرد وهذا السؤال هو الذي اورده الاعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم واما افاضل الصحابه فاعلم بالله وحكمته وصفاته من ان يردوا مثل هذا وقد اجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما شفى وكفى فقال هذه الادويه والرقى والتقى هي من قدر الله فما خرج شيء عن قدره بل يرد قدره بقدره وهذا الرد من قدره فلا سبيل الى الخروج عن قدره بوجه ما وهذا كرد قدر الجوع والع العطش والحر والبرد باضاضها وكر العدو بالجهاد وكل من قدر الله الدافع والمدفوع والدفع ويقال لمرد هذا السؤال هذا يوجب عليك الا تباشر سببا من الاسباب التي تجلب بها منفعه او تدفع بها مضره لان المنفعه والمضره ان قدرتا لم يكن بد من وقوعهما وان لم تقدرا لم يكن سبيل الى وقوعه وفي ذلك خراب الدين والدنيا وفساد العالم وهذا لا يقوله الا دافع للحق معاند له فيذكر القدر ليدفع حجه المحق عليه كالمشركين الذين قالوا لو شاء الله ما اشركنا ولا اباؤنا ولو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا اباؤنا فهذا قالوه دفعا لحجه الله عليهم بالرسل وجواب هذا السائل ان يقال بقي قسم ثالث لم تذكره وهو ان الله قدر كذا وكذا بهذا السبب فان اتيت بالسبب حصل المسبب والا فلا فان كان قدر لي السبب فعلته وان لم يقدره لي لم اتمكن من فعله قيل فهل هل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك وولدك واجيرك اذا احتج به عليك فيما امرته به ونهيته عنه فخالفك فان قبلته فلا تلم من عصاك واخذ مالك وقذف عرضك وضيع حقوقك وان لم تقبله فكيف يكون مقبولا منك في دفع حقوق الله عليك وقد روي في اثر اسرائيلي ان ابراهيم الخليل قال يا رب ممن اداء قال مني قال فمن من الدواء؟ قال مني قال فما بال الطبيب؟ قال رجل ارسل الدواء على يديه وفي قوله صلى الله عليه وسلم لكل داء دواء تقويه لنفس المريض والطبيب وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه فان المريض اذا استشعرت نفسه ان لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء وبرد من حراره الياس وانفتح له باب الرجاء ومتى قويت نفسه ان بعثت حرارته الغريزيه وكان ذلك سببا لقوه الارواح الحيوانيه والنفسانيه والطبيعيه ومتى قويت هذه الارواح قويت القوى التي هي حامله لها فقهرت المرض ودفعته وكذلك الطبيب اذا علم ان لهذا الداء دواء امكنه طلبه والتفتيش عليه وامراض الابدان على ويزان امراض القلوب وما جعل الله للقلب مرضا الا جعل له شفاء بضده فان علمه صاحب الداء واستعمله وصاد فداء قلبه ابراه باذن الله تعالى فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاحتماء من الدخم والزياده في الاكل على قدر الحاجه والقانون الذي ينبغي مراعاته في الاكل والشرب في المسند وغيره عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ما ملا ادمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن ادم لقيمات يقمن صلبه فان كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه فصل الامراض نوعان امراض ماديه تكون عن زياده ماده افرطت في البدن حتى اضرت بافعاله الطبيعيه وهي الامراض الاكثريه وسببها ادخال الطعام على البدن قبل هضم الاول والزياده في القدر الذي يحتاج اليه البدن وتناول الاغذيه القليله النفع البطيئه الهضم والاكثار من الاغذيه المختلفه التراكيب المتنوعه فاذا ملا الادمي بطنه من هذه الاغذيه واعتاد ذلك اورثته امراضا متنوعه منها البطيء الزوال او سريعه فاذا توسط في الغذاء وتناول منه قدر الحاجه وكان معتدلا في كميته وكيفيته كان انتفاع البدن به اكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير ومراتب الغذاء ثلاثه احدها مرتبه الحاجه والثانيه مرتبه الكفايه والثالثه مرتبه الفضله فاخبر النبي صلى الله عليه وسلم انه يكفيه لقيمات يقمن صلبه فلا تسقط قوته ولا تضعف معها فان تجاوزها فلياكل في ثلث بطنه ويدع الثلث الاخر للماء والثالث للنفس وهذا من انفع مال البدن والقلب فان البطن اذا امتلا من الطعام ضاق عن الشراب فاذا اورد عليه الشراب ضاق عن النفس وعرض له الكرب والتعب وصار محمله بمن منزله حامل الحمل الثقيل هذا الى ما يلزم ذلك من فساد القلب وكسل الجوارح عن الطاعات وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع فامتلاء البطن من الطعام مضر للقلب والبدن هذا اذا كان دائما او اكثريا واما اذا كان في الاحيان فلا باس به فقد شرب ابو هريره بحضره النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن حتى قال والذي بعثك بالحق لا اجد له مسلكا واكل الصحابه بحضرته مرارا حتى شبعوا والشبع المفرط يضعف القوى والبدن وان اخصبه وانما يقوى البدن بحسب ما يقبل من الغذاء لا بحسب كثرته ولما كان في الانسان جزء ارضي وجزء هوائي وجزء مائي قسم النبي صلى الله عليه وسلم طعامه وشرابه ونفاسه على الاجزاء الثلاثه ثلاثه فان قيل فاين حظ جزء النار؟ قيل هذه مساله تكلم فيها الاطباء وقالوا ان في البدن جزءا ناريا بالفعل وهو احد اركانه واستقصاته ونازعهم في ذلك اخرون من العقلاء من الاطباء وغيرهم وقالوا ليس في البدن جزء ناري بالفعل واستدلوا بوجوه احدها ان ذلك الجزء الناري اما ان يدعى انه نزل عن الاثير واختلط بهذه الاجزاء المائيه والارضيه او يقال انه تولد فيها وتكون والاول مستبعد لوجهين احدهما ان النار بالطبع صاعده فلو نزلت لكانت بقاسر من مركزها الى هذا العالم الثاني ان تلك الاجزاء الناريه لابد في نزولها ان تعبر على كره الزمهرير التي هي في غايه البرد ونحن نشاهد في هذا العالم ان النار العظيمه تنطف فئ بالماء القليل فتلك الاجزاء الصغيره عند مرورها بكره الزمهرير التي هي في غايه البرد ونهايه العظم اولى بالانطفاء واما الثاني وهو ان يقال انها تكونت ها هنا فهو ابعد وابعد لان الجسم الذي صار نارا بعد ان لم يكن كذلك قد كان قبل صيرورته اما ارضا واما ماء واما هواء لانحصار الاركان في هذه الاربعه وهذا الذي قد صار نارا كان مختلطا باحد هذه الاجسام ومتصلا بها والجسم الذي لا يكون نارا اذا اختلط باجسام عظيمه ليست بنار ولا واحد منها لا يكون مستعدا لان ينقلب نارا لانه في نفسه ليس بنار والاجسام المختلطه به بارده فكيف يكون مستعدا لانقلابه نارا وان قلتم لما لا تكون هناك اجزاء ناريه تقلب هذه الاجسام وتجعلها نارا بسبب مخالطات اياها قلنا الكلام في حصول تلك الاجزاء الناريه كالكلام في الاول فان قلتم انا نرى في رش الماء على النوره المنطفئه تنفصل منها نار واذا وقع شعاع الشمس على البلوره ظهرت النار منها واذا ضربنا الحجر على الحديد ظهرت النار وكل هذه الناريه حدثت عند الاختلاط وذلك يبطل ما قررتموه في القسم الاول ايضا قال المنكرون نحن لا ننكر ان تكون المصاكه الشديده محدثه للنار كما في ضرب الحجاره على الحديد او تكون قوه تسخين الشمس محدثه للنار كما في البلوره لكننا نستبعد ذلك جدا في اجرام النبات والحيوان اذ ليس في اجرامها من الاستكاك ما يوجب حدوث النار ولا فيها من الصفاء والصقال ما يبلغ الى حد البلوره كيف وشعاع الشمس يقع على ظاهرها فلا تتولد النار البته فالشعاع الذي يصل يصل الى باطنها كيف يولد النار الوجه الثاني في اصل المساله ان الاطباء مجمعون على ان الشراب العتيق في غايه السخونه بالطبع فلو كانت تلك السخونه بسبب الاجزاء الناريه لكانت محاله اذ تلك الاجزاء الناريه مع حقارتها كيف يعقل بقاؤها في الاجزاء المائيه الغالبه دهرا طويلا بحيث لا تنطفئ مع ان نرى النار العظيمه تطفا بالماء القليل الوجه الثالث انه لو كان في الحيوان والنبات جزء ناري بالفعل لكان مغلوبا بالجزء المائي الذي فيه وكان الجزء الناري مقهورا به وغلبه بعض الطبائع والعناصر على بعض يقتضي انقلاب طبيعه المغلوب الى طبيعه الغالب فكان يلزم بالضروره انقلاب تلك الاجزاء الناريه القليله جدا الى طبيعه الماء الذي هو ضد النار الوجه الرابع ان الله سبحانه وتعالى ذكر خلق الانسان في كتابه في مواضع متعدده يخبر في بعضها انه خلقه من ماء وفي بعضها انه خلقه من تراب وفي بعضها انه خلقه من المركب منهما وهو الطين وفي بعضها انه خلق من صلصال كالفخار وهو الطين الذي ضربته الشمس والريح حتى صار صلصالا كالفخار ولم يخبر في موضع واحد انه خلقه من نار بل جعل ذلك خاصيه ابليس وثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلقت الملائكه من نور وخلق ابليس من مارج من نار وخلق ادم مما وصف لكم وهذا صريح في انه خلق مما وصفه الله في كتابه فقط ولم يصف لنا سبحانه خلقه من نار ولا ان في مادته شيئا من النار الوجه الخامس ان غايه ما يستدلون به ما يشاهدون من الحراره في ابدان الحيوان وهي دليل على الاجزاء الناريه وهذا لا يدل فان اسباب الحراره اعم من النار فانها تكون من النار تاره وعن الحركه اخرى وعن انعكاس الاشعه وعن سخونه الهواء وعن مجاوره النار وذلك بواسطه سخونه الهواء ايضا وتكون عن اسباب اخر فلا يلزم من الحراره النار ننتهي هنا من قراءه هذا الفصل وننتقل للذي يليه فصل وكان علاجه صلى الله عليه وسلم للمرض ثلاثه انواع احدها بالادويه الطبيعيه والثاني بالادويه الالهيه والثالث بالمركب من الامرين ونحن نذكر الانواع الثلاثه من هديه صلى الله عليه وسلم فنبدا بذكر الادويه الطبيعيه التي وصفها واستعملها ثم نذكر الادويه الالهيه ثم المرك ركبه وهذا انما يشير اليه اشاره فان رسول الله صلى الله عليه وسلم انما بعث هاديا وداعيا الى الله والى جنته ومعرفا بالله ومبينا للامه مواقع رضاه وامرا لهم بها ومواقع سخطه وناهيا لهم عنها ومخبرهم اخبار الانبياء والرسل واحوالهم مع اممهم واخبار تخليق العالم وامر المبدا والمعاد وكيف كيفيه شقاوه النفوس وسعادتها واسباب ذلك واما طب الابدان فجاء من تكميل شريعته ومقصودا لغيره بحيث انما يستعمل عند الحاجه اليه فاذا قدر الاستغناء عنه كان صرف الهمم والقوى الى علاج القلوب والارواح وحفظ صحتها ودفع اسقامها وحميتها مما يفسدها هو المقصود بالقصد الاول واصلاح البدن بدون اصلاح القلب لا ينفع وفساد البدن مع اصلاح القلب مضرته يسيره جدا وهي مضره زائله تعقبها المنفعه الدائمه التامه وبالله التوفيق ذكر القسم الاول وهو العلاج بالادويه الطبيعيه فصل في هديه في علاج الحمى ثبت في الصحيحين عن نافع عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال انما الحمى او شده الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء وقد اشكل هذا الحديث على كثير من جهاله الاطباء وراه منافيا لدواء الحمى وعلاجها ونحن نبين بحول الله وقوته وجهه وفقهه فنقول خطاب النبي صلى الله عليه وسلم نوعان عام لاهل الارض وخاص ببعضهم فالاول كعامه خطابه والثاني كقوله لا تستقبلوا القبله بغائط ولا بول ولا تستدبروها ولكن شرقوا او غربوا فهذا ليس بخطاب لاهل المشرق ولا المغرب ولا العراق ولكن لاهل المدينه وما على سمتها كالشام وغيرها وكذلك قوله ما بين المشرق والمغرب قبله واذا عرف هذا فخطابه في هذا الحديث خاص باهل الحجاز وما والاهم اذ كان اكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليوميه العرضيه الحادثه عن شده حراره الشمس وهذه ينفعها الماء البارد شربا واغتسالا فان الحمى حراره غريبه تشتعل بالقلب وتنبث منه بتوسط الروح والدم في الشرايين والعروق الى جميع البدن فتشتعل فيه اشتعالا يضر بالافعال الطبيعيه وهي تنقسم الى قسمين عرضيه وهي الحادثه اما عن الورم او الحركه او اصابه حراره الشمس او القيض الشديد ونحو ذلك ومرضيه وهي ثلاثه انواع وهي لا تكون الا في ماده اولى ثم منها يسخن جميع البدن فان كان مبدا تعلقها بالروح سميت حمى يوم لانها في الغالب تزول في يوم ونهايتها ثلاثه ايام وان كان مبدا تعلقها باخلاط سميت عفانيه وهي اربعه اصناف صفراويه وسوداويه وبلغوميه ودمويه وان كان مبدا تعلقها بالاعضاء الصلبه الاصليه سميت حما دق وتحت هذه الانواع اصناف كثيره وقد ينتفع البدن بالحمى انتفاعا عظيما لا يبلغه الدواء وكثيرا ما يكون حمى يوم او حمى العفن سببا لانضاج مواد غليظه لم تكن تنضج بدونها وسببا لتفتح سدد لم تكن تصل اليها الادويه المفتحه واما الرمد الحديث والمتقادم فانها تبرئ اكثر انواعه براء عجيبا سريعا وتنفع من الفالج واللقوه والتشنج الامتلائي وكثيرا من الامراض الحادثه عن الفضول الغليظه وقال لي بعض فضلاء الاطباء ان كثيرا من الامراض نستبشر فيها بالحمى كما يستبشر المريض بالعافيه فتكون الحمى فيه انفع من شرب الدواء بكثير فانها تنضج من الاخلاق والمواد الفاسده ما يضر بالبدن فاذا انضجتها صادفها الدواء متهيئه للخروج بنضاجها فاخرجها فكانت سببا للشفاء واذا عرف هذا فيجوز ان يكون مراد الحديث من اقسام الحميات العرضيه فانها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد وسقي الماء البارد المثلوج ولا يحتاج صاحبها مع ذلك الى علاج اخر فانها مجرد كيفيه حاره متعلقه بالروح فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفيه بارده تسكنها وتخمد لهبها من غير حاجه الى استفراغ ماده او انتظال نضج ويجوز ان يراد به جميع انواع الحميات وقد اعترف فاضل الاطباء جالينوس بان الماء البارد ينفع فيها قال في المقاله العاشره من كتاب حيله البرء ولو ان رجلا شابا حسن اللحم خصب البدن في وقت القيض وفي وقت منتهى الحمى وليس في احشائه ورم استحم بماء بارد او سبح لانتفع بذلك وقال ونحن نامر بذلك بلا توقف وقال الرازي في كتابه الكبير اذا كانت القوه قويه الحمى حاده جدا والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق ينفع الماء البارد شربا وان كان العليل خصب البدن والزمان حار وكان معتادا لاستعمال الماء البارد من خارج فليؤذن فيه وقوله الحمى من فيح جهنم هو شده لهبها وانتشارها ونظيره قوله شده الحر من فيح جهنم وفيه وجهان احدهما ان ذلك انموذج ورقيقه اشتقت من جهنم ليستدل بها العباد عليها ويعتبر بها ثم ان الله سبحانه ظهورها باسباب تقتضيها كما ان الروح والفرح والسرور واللذه من نعيم الجنه اظهرها الله في هذه الدار عبره ودلاله وقدر ظهورها باسباب توجبها والثاني ان يكون المراد التشبيه بها فشبه شده الحمى ولهبها بفوح جهنم وشبه شده الحر به ايضا تنبيها للنفوس على شده عذاب النار وان هذه الحراره العظيمه مشبهه بفيحها وهو ما يصيب من قرب منها من حرها وقوله فابدوها روي بوجهين بقطع الهمزه وفتحها رباعي من ابرد الشيء اذا صيره باردا مثل اسخنه اذا صيره ساخنا والثاني بهمزه الوصل مضمومه من برد الشيء يبرده وهو افصح لغه واستعمالا والرباعي لغه رديئه عندهم قال الحماسي اذا وجدت لهيب الحب في كبدي اقبلت نحو سقاء القوم ابترد هبني بردت ببرد الماء ظاهره فمن لنار على الاحشاء تتقد وقوله بالماء فيه قولان احدهما انه كل ماء وهو الصحيح والثاني انه ماء زمزم واحتج اصحاب هذا القول بما رواه البخاري في صحيحه عن ابي حمزه نصر بن عمران الضبعي قال كنت اجالس ابن عباس بمكه فاخذتني الحمى فقال ابردها عنك بماء زمزم فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء او قال بماء زمزم وراوي هذا قد شك فيه ولو جزم به لكان امرا لاهل مكه بماء زمزم اذ هو متيسر عندهم ولغيرهم بما عندهم من الماء ثم اختلف من قال انه على عمومه هل المراد به الصدقه بالماء او استعماله على قولين والصحيح انه استعماله واظن ان الذي حمل من قال المراد الصدقه به انه اشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى ولم يفهم وجهه مع ان لقوله وجها حسنا وهو ان الجزاء من جنس العمل فكما اخمد لهيب العطش عن الظمان بالماء البارد اخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقا ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث واشارته واما المراد به فاستعماله وقد ذكر ابو نعيم وغيره من حديث انس يرفعه اذا حمكم فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر وفي سنن ابن ماجه عن ابي هريره يرفعه الحمى من كير جهنم فنحوها عنكم بالماء البارد وفي المسند وغيره من حديث الحسن عن سمره يرفعه الحمى قطعه من النار فابردوها عنكم بالماء البارد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا حم دعا بقربه من ماء فافرغها على راسه فاغتسل وفي السنن من حديث ابي هريره قال ذكرت الحمى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبها رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبها فانها تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد لما كانت الحمه يتبعها حميه عن الاغذيه الرديئه وتناول الاغذيه والادويه النافعه وفي ذلك اعانه على تنقيه البدن ونفي اخباثه وفضوله وتصفيته من مواده الرديئه وتفعل فيه كما تفعل النار في الحديد في نفي خبثه وتصفيه جوهره كانت اشبه الاشياء بنار الكير التي تصفي جوهر الحديد وهذا القدر هو المعلوم عند اطباء الابدان واما تصفيتها القلب من ودرنه واخراجها خبائثه فامر يعلمه اطباء القلوب ويجدونه كما اخبرهم به نبيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن مرض القلب اذا صار معي برئه لم ينفع فيه هذا العلاج فالحمى تنفع البدن والقلب وما كان بهذه المثابه فسبه ظلم وعدوان وذكرت مره وانا محموم قول بعض الشعراء يسبها زارت مكفره الذنوب وودعت تبا لها من زائر ومودعي قالت وقد عزمت على ترحالها ماذا تريد فقلت الا ترجعي فقلت تبا له اذ سب ما نهى رسول الله عن سبه ولو قال زارت مكفره الذنوب بلصبها اهلا بها من زائر ومودعي قالت وقد عزمت على ترحالها ماذا تريد فقلت الا تقلعي لكان اولى به ولاقلعت عنه فاقلعت عني سريعا وقد روي في اثر لا اعرف حاله حمى يوم كفاره سنه وفيه قولان احدها ان الحمى تدخل في كل الاعضاء والمفاصل وعدتها 360 مفصلا فتكفر عنه بعدد كل مفصل ذنوب يوم والثاني انها تؤثر في البدن تاثيرا لا يزول بالكليه الى سنه كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم من شرب الخمر لم تقبل له صلاه 40 يوما ان اثر الخمر يبقى في جوف العبد وعروقه واعطائه 40 يوما والله اعلم قال ابو هريره ما من مرض يصيبني احب الي من الحمى لانها تدخل في كل عضو مني وان الله سبحانه يعطي كل عضو حظه من الاجر وقد روى الترمذي في جامعه من حديث رافع بن خديج يرفعه اذا اصابت احدكم الحمى وانما الحمى قطعه من النار فليطفئها بالماء البارد ويستقبل نهرا جاريا فليستقبل جريه الماء بعد الفجر وقبل طلوع الشمس وليقل بسم الله اللهم اشف عبدك وصدق رسولك وينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثه ايام فان برئ والا ففي خمس فان لم يبرا في خمس فسبع فانها لا تكاد تجاوز السبع باذن الله قلت وهو ينفع فعله في فصل الصيف في البلاد الحاره على الشرائط التي تقدمت فان الماء في ذلك الوقت ابرز ما يكون لبعده من ملاقاه الشمس ووفور القوى في ذلك الوقت لما افادها النوم والسكون وبرد الهواء فيجتمع قوه القوى وقوه الدواء وهو الماء البارد على حراره الحمى العرضيه او الغب الخالصه اعني التي لا ورم معها ولا شيء من الاعراض الرديئه والمواد الفاسده فيطفئها باذن الله لا سما في احد الايام المذكوره في الحديث وهي الايام التي يقع فيها بحران الامراض الحاده كثيرا لا سما في البلاد المذكوره لرقه اخلاط سكانها وسرعه انفعالهم عن الدواء النافع فصل في هديه في علاج استطلاق البطن في الصحيحين من حديث ابي المتوكل عن ابي سعيد الخدري ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان اخي يشتكي بطنه وفي روايه استطلق بطنه فقال اسقه عسلا فذهب ثم رجع فقال قد سقيته فلم يغني عنه شيئا وفي لفظ فلم يزده الا استطلاقا مرتين او ثلاثا كل ذلك يقول له اسقه عسلا فقال له في الثالثه او الرابعه صدق الله وكذب بطن اخيك وفي صحيح مسلم في لفظ له ان اخي عرب بطنه اي فسد هضمه واعتلت معدته والاسم العرب بفتح الراء والذرب ايضا والعسل فيه منافع عظيمه فانه جلاء للاوساخ التي في العروق والامعاء وغيرها محلل للرطوبات اكلا وطلاء نافع للمشايخ واصحاب البلغم ومن كان مزاجه باردا رطبا وهو مغذي للطبيعه حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه مذهب لكفيات الادويه الكريهه منق للكبد والصدر مدر للبول موافق لسعال الكائن عن البلغم واذا شرب حادهن الورد نفع من نهش الهوام وشرب الافيون وان شرب وحده ممزوجا بماء نفع من عضه الكلب الكلب واكل الفطر القتال واذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثه اشهر وكذلك ان جعل فيه القثاء والخيار والقرع والباذنجان ويحفظ كثيرا من الفاكهه سته اشهر ويحفظ جثه الموتى ويسمى الحافظ الامين واذا لطخ به البدن المقمل والشعر قتل قمله وصئبانه وطول الشعر وحسنه ونعمه وان اكتحل به جلى ظلمه البصر وان استن به بيض الاسنان وسقلها وحفظ صحتها وصحه اللثه ويفتح افواه العروق ويدر الطمث ولعقه على الريق يذهب البلغم ويغسل خمل المعده ويدفع الفضلات عنها ويسخنها تسخينا معتدلا ويفتح سددها ويفعل ذلك بالكبد والك والمثانه وهو اقل ضررا لسدد الكبد والطحال من كل حلو وهو مع هذا كله مامون الغائله قليل المضار مضر بالعرض للصفراوين ودفعها بالخل ونحوه فيعود حينئذ نافعا له جدا وهو غذاء مع الاغذيه ودواء مع الادويه وشراب مع الاشربه وحلو مع الحلو وطلاء مع الاطليه ومفر فرح مع المفرحات فما خلق لنا شيء في معناه افضل منه ولا مثله ولا قريب منه ولم يكن معول القدماء الا عليه واكثر كتب القدماء لا ذكر فيها للسكر البته ولا يعرفونه فانه حديث العهد حدث قريبا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشربه بالماء على الريق وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحه لا يدرك الا الفطن الفاضل وسنذكر ذلك ان شاء الله عند ذكر هديه في حفظ الصحه وفي سنن ابن ماجه مرفوعا من حديث ابي هريره من لعق ثلاث غدوات كل شهر لم يصبه عظيم البلاء وفي اثر اخر عليكم بالشفائين العسل والقران فجمع بين الطب البشري والالهي وبين طب الابدان وطب الارواح وبين الدواء الارضي والدواء السمائي اذا عرف هذا فهذا الذي وصف له النبي صلى الله عليه وسلم العسل كان استطلاق بطنه عن تخمه اصابته عن امتلاء فامره بشرب العسل لدفع الفضول المجتمعه في نواحي المعده والامعاء فان العسل فيه جلاء ودفع للفضول وكان قد اصاب المعده اخلاط لزجه تمنع استقرار الغذاء فيه للزوء جتها فان المعده لها خمل كخمل المنشفه فاذا علقت بها الاخلاط اللزجه افسدتها وافسدت الغذاء فدواؤها بما يجلوها من تلك الاخلاط والعسل جلاء والعسل من احسن ما علج به هذا الداء لا سما ان مزج بالماء الحار وفي تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع وهو ان الدواء يجب ان يكون له مقدار وكميه بحسب حال الدواء ان قصر عنه لم يزله بالكليه وان جاوزه اوهن القوى فاحدث ضررا اخر فلما امره ان يسقيه العسل سقاه مقدارا لا يفي بمقاومه الداء ولا يبلغ الغرض فلما اخبره علم ان الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجه فلما تكرر ترداده الى النبي صلى الله عليه وسلم اكد عليه المعاوده ليصل الى المقدار المقاوم للداء فلما تكررت الشرابات بحسب ماده الداء برئ باذن الله واعتبار مقادير الادويه وكيفياتها ومقدار قوه المرض والمريض من اكبر قواعد الطب وفي قوله صلى الله عليه وسلم صدق الله وكذب بطن اخيك اشاره الى تحقيق نفع هذا الدواء وان بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه ولكن لكذب البطن وكثره الماده ده الفاسده فيه فامره بتكرار الدواء لكثره الداء وليس طبه صلى الله عليه وسلم كطب الاطباء فان طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن قطعي الهي صادر عن الوحي ومشكاه النبوه وكمال العقل وطب غيره اكثره حدث وظنون وتجارب ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوه فانه انما ينتفع به من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفاء له وكمال التلقي له بالايمان والاذعان فهذا القران الذي هو شفاء لما في الصدور ان لم يتلقى هذا التلقي لم يحصل به شفاء الصدور من ادوائها بل لا يزيد المنافقين الا رجسا الى رجسهم ومرضا الى مرضهم واين يقع طب الابدان منه فطب النبوه لا يناسب الابدان الطيبه كما ان شفاء القران لا يناسب الارواح الطيبه والقلوب الحيه فاعراض الناس عن طب النبوه كاعضهم عن الاستشفاء بالقران الذي هو الشفاء النافع وليس ذلك لقصور في الدواء ولكن لخبث الطبيعه وفساد المحل وعدم قبوله والله الموفق وقد اختلف الناس في قوله تعالى يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه فيه شفاء للناس هل الضمير في فيه راجع الى الشراب او راجع الى القران على قولين الصحيح منهما رجوعه الى الشراب وهو قول ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتاده والاكثرين فانه المذكور والكلام سيق لاجله ولا ذكر للقران في الايه وهذا الحديث الصحيح وهو قوله صدق الله كالصريح فيه والله تعالى اعلم فصل في هديه في الطاعون وعلاجه والاحتراز منه في الصحيحين عن عامر بن سعد بن ابي وقاص عن ابيه انه سمعه يسال اسامه بن زيد ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاع طاعون فقال اسامه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعون رجز ارسل على طائفه من بني اسرائيل وعلى من كان قبلكم فاذا سمعتم به بارض فلا تدخلوا عليه واذا وقع بارض وانتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه وفي الصحيحين ايضا عن حفصه بنت سيرين قالت قال انس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعون شهاده لكل مسلم الطاعون من حيث اللغه نوع من الوباء قاله صاحب الصحاح وهو عند اهل الطب ورم رديء قتال يخرج معه تلهب شديد مؤلم جدا يتجاوز المقدار في ذلك ويصير ما حوله في الاكثر اسود او اخضر او اكم ويؤول امره الى التقرح سريعا وفي الاكثر يحدث في ثلاث مواضع في الابط وخلف الاذن والارنبه وفي اللحوم الرخوه وفي اثر عن عائشه انها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال غده كغده البعير يخرج في المراق والابط قال الاطباء اذا وقع الخراج في اللحوم الرخوه والمغابن وخلف الاذن والارنبه وكان من جنس فاسد سمي يسمى طاعونا وسببه دم رديء مائل الى العفونه والفساد مستحيل الى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه وربما رشح دما وصديدا ويؤدي الى القلب كيفيه رديئه فيحدث القيء والخفقان والغشيء وهذا الاسم وان كان يعم كل ورم يؤدي الى القلب كيفيه رديئه حتى يصير لذلك قتال فانه يختص به الحادث في اللحم الغددي لانه لرداءته لا يقبله من الاعضاء الا ما كان اضعف بالطبع وارداؤه ما حدث في الابط وخلف الاذن لقربها من الاعضاء التي هي اراس واسلمه الاحمر ثم الاصفر والذي الى السواد فلا يفلت منه احد ولما كان الطاعون يكثر في الوباء وفي البلاد الحربيه عبر عنه بالوبا وباء كما قال الخليل الوباء الطاعون وقيل هو كل مرض يعم والتحقيق ان بين الوباء والطاعون عموما وخصوصا مطلقا فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونا وكذلك الامراض العامه اعم من الطاعون فانه واحد منها والطواعين خراجات وقروح واورام رديئه حادثه في الموا واضع المتقدم ذكرها قلت هذه القروح والاورام والخراجات هي اثار الطاعون وليست نفسه ولكن الاطباء لما لم تدرك منه الاثر الظاهر جعلوه نفس الطاعون والطاعون يعبر به عن ثلاثه امور احدها هذا الاثر الظاهر وهو الذي ذكره الاطباء والثاني الموت حادث عنه وهو المراد بالحديث الصحيح في قوله الطاعون شهاده لكل مسلم والثالث السبب الفاعل لهذا الداء وقد ورد في الحديث الصحيح انه بقيه رجز ارسل على بني اسرائيل وورد فيه انه وخذ الجن وجاء انه دعوه نبي وهذه العلل والاسباب ليس عند الاطباء ما يدفعها كما ليس عندهم ما يدل عليها والرسل تخبر بالامور الغائبه وهذه الاثار التي ادرك ها من امر الطاعون ليس معهم ما ينفي ان تكون بتوسط الارواح فان تاثير الارواح في الطبيعه وامراضها وهلاكها امر لا ينكره الا من هو اجهل الناس بالارواح وتاثيراتها وانفعال الاجسام وطبائعها عنها والله سبحانه قد يجعل لهذه الارواح تصرفا في اجسام بني ادم عند حدوث الوباء وفساد الهواء كما يجعل لها تصرفا عند غلبه بعض المواد الرديئه التي تحدث للنفوس هيئه رديئه ولا سما عند هيجان الدم والمره السوداء وعند هيجان المني فان الارواح الشيطانيه تتمكن من فعلها بصاحب هذه العوارض ما لا تتمكن من غيره ما لم يدفعها دافع اقوى من هذه الاسباب من الذكر والدعاء والابتهال والتضرع والصدقه وقراءه القران فانه يستنز زل لذلك من الارواح الملكيه ما يقهر هذه الارواح الخبيثه ويبطل شرها ويدفع تاثيرها وقد جربنا نحن وغيرنا هذا مرارا لا يحصيها الا الله وراينا لاستنزال هذه الارواح الطيبه واستجلاب قربها تاثيرا عظيما في تقويه الطبيعه ودفع للموالد الرديئه وهذا يكون قبل استحكامها وتمكنها فمن وفقه الله بادر عند احساسه باسباب الشر الى هذه الاسباب التي تدفعها عنه وهي له من انفع الدواء واذا اراد الله عز وجل انفاذ قضائه وقدره اغفل قلب العبد عن معرفتها وتصورها وارادتها فلا يشعر بها ولا يريدها ليقضي الله فيه امرا كان مفعولا وسنزيد هذا المعنى ان شاء الله تعالى ايضاحا وبيانا عند الكلام على التداوي بالرقى والعوذ النبويه والاذكار والدعوات وفعل الخيرات ونبين ان نسبه طب الاطباء الى هذا الطب النبوي كنسبه طب الطرقيه والعجائز الى طبهم كما اعترف به حذاقهم وائمتهم ونبين ان الطبيعه الانسانيه اشد شيء انفعالا عن الارواح وان قوى العوذ والرقى والدعوات فوق قوى الادويه حتى انها تبطل قوى السموم القاتله والمقصود ان فساد الهواء جزء من اجزاء السبب التام والعله الفاعله للطاعون وان فساد جوهر الهواء الموجب لحدوث الوباء وفساده يكون لاستحاله جوهره الى الرداءه لغلبه احدى الكيفيات الرديئه عليه كالعفونه والنتن والسميه في اي وقت كان من اوقات السنه وان كان اكثر حدوثه في اواخر الصيف وفي الخريف غالبا لكثره اجتماع الفضلات المراريه الحاده وغيرها في فصل الصيف وعدم تحللها في اخره وفي الخريف لبرد الجو وردغه الابخره والفضلات التي كانت تتحلل في زمن الصيف فتنحصر فتسخن وتعفن فتحدث الامراض العفنه ولا سما اذا صادفت البدن مستعدا قابلا رهلا قليل الحركه كثير المواد فهذا لا يكاد يفلت من العطب واصح الفصول فيه فصل الربيع قال ابو قراط ان في الخريف اشد ما يكون من الامراض واقتل واما الربيع فاصح الاوقات كلها واقلها موتى وقد جرت عاده الصياضله ومجهزي الموتى انهم يستدينون ويتسلفون في الربيع والصيف على فصل الخريف فهو ربيعهم وهم اشوق شيء اليه وافرح بقدومه وقد روي في حديث اذا طلع النجم ارتفعت العاهه عن كل بلد وفسر بطلوع الثريا وفسر بطلوع النبات زمن الربيع ومنه النجم والشجر يسجدان فان كمال طلوعه وتمامه يكون في فصل الربيع وهو الفصل الذي ترتفع فيه الافات واما الثريا فالامراض تكثر وقت طلوعها مع الفجر وسقوطها قال التميمي في كتاب ماده البقاء اشد اوقات السنه فسادا واعظمها بليه على الاجساد وقتان احدهما وقت سقوط الثريا للمغيب عند طلوع الفجر والثاني وقت طلوعها من المشرق قبل طلوع الشمس على العالم بمنزله من منازل القمر وهو وقت تصرم فصل الربيع وانقضائه غير ان الفساد الكائن عند طلوعها اقل ضررا من الفساد الكائن عند سقوطها وقال ابو محمد بن قتيبه يقال ما طلعت الثريا ولا نات الا بعاهه في الناس والابل وغروبها اعوه من طلوعها اعوه اي اشد عاهه واصابه من عاهى الشيء اذا اصابته افه وفي الحديث قول ثالث ولعله اولى الاقوال به ان المراد بالنجم الثريا وبالعاه الافه التي تلحق الزرع والثمار في فصل الشتاء وصدر فصل الربيع فحصل الامن عليها عند طلوع الثريا في الوقت المذكور ولذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمره وشرائها قبل ان يبدو صلاحها والمقصود الكلام على هديه صلى الله عليه وسلم عند وقوع الطاعون فصل وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم للامه في نهيه عن الدخول الى الارض التي هو بها ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه كمال التحرز منه فان في الدخول في الارض التي هو بها تعريضا للبلاء وموافاه له في محل سلطانه واعانه الانسان على نفسه وهذا مخالف للشرع والعقل بل تجنبه الدخول الى ارضه من باب الحميه التي ارشد الله سبحانه عنه اليها وهي حميه عن الامكنه والاهويه المؤذيه واما نهيه عن الخروج من بلده ففيه معنيان احدهما حمل النفوس على الثقه بالله والتوكل عليه والصبر على اقضيته والرضا به والثاني ما قاله ائمه الطب انه يجب على كل محترز من الوباء ان يخرج من بدنه الرطوبات الفضليه ويقلل الغذاء ويميل الى التدبير المجفف من كل وجه الا الرياضه والحمام فانهما يجب ان يحذرا لان البدن لا يخلو غالبا من فضل رديء كامل فيه فتثيره الرياضه والحمام ويخلطانه بالكيموس الجيد وذلك يجلب عله عظيمه بل يجب عند وقوع الطاعون السكون والدعه وتسكين هيجان الاخلاط ولا يمكن الخروج من ارض الوباء والسفر منها الا بحركه شديده وهي مضره جدا هذا كلام افضل الاطباء والمتاخرين فظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما فان قيل ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تخرج فرارا منه ما يبطل ان يكون اراد هذا المعنى الذي ذكرتموه وانه لا يمنع الخروج لعارض ولا يحبس مسافرا عن سفره قيل لم يقل احد لم يقل احد طبيب ولا غيره ان الناس يتركون حركاتهم عند الطواعين ويصيرون بمنزله الجمادات وانما ينبغي فيه التقليل من الحركه بحسب الامكان والفر منه لا موجب لحركته الا مجرد الفرار منه ودعته وسكونه انفع لقلبه وبدنه واقرب الى توكله على الله تعالى واستسلامه لقضائه واما من لا يستغني عن الحركه كالصناع والاج الاجراء والمسافرين والبرد وغيرهم فلا يقال لهم اتركوا حركاتكم جمله وان امروا ان يتركوا منها ما لا حاجه لهم اليه كحركه المسافر فارا منه والله تعالى اعلم وفي المنع من الدخول الى الارض التي قد وقع بها عده حكم احدها تجنب الاسباب المؤذيه والبعد منها الثاني الاخذ بالعافيه التي هي ماده المعاش والمعاد الثالث الا يستنشقوا الهواء الذي قذ عفوا وفسد فيمرضون الرابع الا يجاور المرضى الذين قد مرضوا بذلك فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس امراضهم وفي سنن ابي داوود مرفوعا ان من العرق التلف قال ابن قتيبه العرق مداناه الوباء ومداناه المرضى الخامس حميه النفوس عن الطيره والعدوى فانها تتاثر بهما فان الطيره على من تطير بها وبالجمله ففي النهي عن الدخول في ارضه الامر بالحذر والحميه والنهي عن التعرض لاسباب التلف وفي النهي عن الفرار منه الامر بالتوكل والتسليم والتفويض فالاول تاديب وتعليم والثاني تفويض وتسليم وفي الصحيح ان عمر بن الخطاب خرج الى الشام حتى اذا كان بسرغ لقيه ابو عبيده بن الجراح واصحابه فاخبروه ان الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا فقال لابن عباس ادعو لي المهاجرين الاولين قال فدعوتهم فاستشارهم واخبرهم ان الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا فقال له بعضهم خرجت لامر فلا نرى ان ترجع عنه وقال اخرون معك بقيه الناس واصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نرى ان تقدمهم على هذا الوباء فقال عمر ارتفعوا عني ثم قال ادعوا لي الانصار فدعوتهم له فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال ارتفعوا عني ثم قال ادع لي من ها من مشيخه قريش من مهاجره الفتح فدعوتهم له فلم يختلف عليه منهم رجلان قالوا نرى ان ترجع جع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فاذن عمر في الناس اني مصبح على ظهر فاصبح عليه فقال ابو عبيده بن الجراح يا امير المؤمنين افرا من قدر الله تعالى قال لو غيرك قالها يا ابا عبيده نعم نفر من قدر الله تعالى الى قدر الله تعالى ارايت لو كان لك ابل فهبطت واديا له عدوتان احدا داهما خصبه والاخرى جدبه الست ان رعيتها الخصبه رعيتها بقدر الله تعالى وان رعيتها الجدبه رعيتها بقدر الله قال فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجاته فقال ان عندي في هذا علما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اذا كان بارض وانتم بها فلا تخرجوا فرارا منه واذا سمعتم به بارض فلا ولا تقدموا عليه فصل في هديه في داء الاستسقاء وعلاجه في الصحيحين من حديث انس بن مالك قال قدم رهط من عرينه وعكل على النبي صلى الله عليه وسلم فازتووا المدينه فشكوا ذلك الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو خرجتم الى ابل الصدقه فشربتم من ابالها والبانها ففعلوا فلما صحوا عمدوا الى الرعاه فقتلوهم واستاقوا الابل وحاربوا الله ورسوله فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثارهم فاخذوا فقطع ايديهم وارجلهم وسمل اعينهم والقاهم في الشمس حتى ماتوا والدليل على ان هذا المرض كان الاستسقاء ما رواه مسلم في صحيحه في هذا الحديث انهم قالوا انا اجتوينا المدينه فعظمت بطوننا وارتهشت اعضاؤنا وذكر تمام الحديث والجوى داء من ادواء الجوف والاستسقاء مرض مادي سببه ماده غريبه بارده تتخلل الاعضاء فتربو لها اما الاعضاء الظاهره كلها واما المواضع الخاليه من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والاخلاط واقسامه ثلاثه لحم وهو اصعبها وزقا وطبلا ولما كانت الادويه المحتاج اليها في علاجه هي الادويه الجالبه التي فيها اطلاق معتدل وادرار بحسب الحاجه وهذه الامور موجوده في ابوال الابل والبانها امرهم النبي صلى الله عليه وسلم بشربها فان في لبن اللقاح جلاء وتلينا وادرا وتلطيفا وتفتيحا للسدد اذا كان اكثر رعيها الشيح والقيصوم والبابونج والاقحوان والاذخر وغير ذلك من الادويه النافعه للاستسقاء وهذا المرض لا يكون الا مع افه في الكبد خاصه او مع مشاركه واكثرها عن السدد فيها ولبن اللقاح العربيه نافع من السدد لما فيه من التفتيح والمنافع المذكوره قال الرازي لبن اللقاح يشفي اوجاع الكبد وفساد المزاج وقال الاسرائيلي لبن اللقاح ارق الالبان واكثرها مائيه وحده واقلها غذاء فلذلك صار اقواها على تلطيف الفضول واطلاق البطن وتفتيح السدد ويدل على ذلك ملوحته اليسيره التي فيه لافراط حراره حيوانيه بالطبع ولذلك صار اخص الالبان بتطريه الكبد وتفتيح سددها وتحليل صلابه الطعام اذا كان حديثا والنفع من الاستسقاء خاصه اذا استعمل لحرارته التي يخرج بها من الضره مع بول الفصيل وهو حار كما يخرج من الحيوان فان ذلك مما يزيد في ملوحته وتقطيعه الفضول واطلاقه البطن فان تعذر انحداره واطلاقه البطن وجب ان يطلق بدواء مسهل قال صاحب القانون ولا يلتفت الى ما يقال من ان طبيعه اللبن مضاده لعلاج الاستسقاء قال واعلم ان لبن النوق دواء نافع لما فيه من الجلاء برفق وما فيه من خاصيه وان هذا اللبن شديد المنفعه فلو ان انسانا اقام عليه بدل الماء والطعام شفي به وقد جرب ذلك في قوم دفعوا الى بلاد العرب فقادتهم الضروره الى ذلك فعوفوا وانفع الابوال بول الجمل الاعرابي وهو النجيب انتهى وفي القصه دليل على التداوي والتطبب وعلى طهاره بول ماكول اللحم فان التداوي بالمحرمات غير جائز ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالاسلام بغسل افواههم وما اصابته ثيابهم من ابوالها للصلاه وتاخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجه وعلى مقابله الجاني بمثل ما فعل فان هؤلاء قتلوا الراعي وسملوا عينيه ثبت ذلك في صحيح مسلم وعلى قتل الجماعه واخذ اطرافهم بالواحد وعلى انه اذا اجتمع في حق الجاني حد وقصاص استوفيا معا فان النبي صلى الله عليه وسلم قطع ايديهم وارجلهم حدا لله على جراتهم وقتلهم لقتلهم الراعي وعلى ان المحارب اذا اخذ المال وقتل قطعت يده ورجله في مقام واحد وقتل وعلى ان الجنايات اذا تعددت تغلظت عقوباتها فان هؤلاء ارتدوا بعد اسلامهم وقتلوا النفس ومثلوا بالمقتول واخذوا المال وجاهروا بالمحاربه وعلى ان حكم رده المحاربين حكم مباشرهم فانه من المعلوم ان كل واحد منهم لم يباشر القتل بنفسه ولا سال النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وعلى ان قتل الغيله يوجب قتل القاتل حدا فلا يسقطه العفو ولا تعتبر فيه المكافاه وهذا مذهب اهل المدينه واحد الوجهين في مذهب احمد اختاره شيخنا وافتى به شيخ الاسلام ابن تيميه الحنبلي فصل في هديه في علاج الجرح في الصحيحين عن ابي حازم انه سمع سهل بن سعد سعد يسال عما ذوي به جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم احد فقال جرح وجهه وكسرت رباعيته وهشمت البيضه على راسه وكانت فاطمه بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم وكان علي بن ابي طالب يسكب عليها بالمجن فلما رات فاطمه الدم لا يزيد الا كثره اخذت قطعه حصير فاحرقتها حتى اذا صارت رمادا الصقته بالجرح فاستمسك الدم برماد الحصير المعمول من البردي وله فعل قوي في حبس الدم لان فيه تجفيفا قويه وقله لذع فان الادويه القويه التجفيف اذا كان فيها لذع هيجت الدم وجلبته وهذا الرماد اذا نفح وحده او مع الخل في انف الراعف قطع رعافه وقال صاحب القانون البردي ينفع من النزف ويمنعه ويذر على الجراحات الطريه فيدملها والقرطاس المصري كان قديما يعمل منه ومزاجه بارد يابس ورماده نافع من اكله الفم ويحبس نفث الدم ويمنع القح الخبيثه ان تسعى فصل في هديه في العلاج بشرب العسل والحجامه والكي في صحيح البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشفاء في ثلاث شربه عسل وشرطه محجم وكيه نار وانا انهى امتي عن الكي قال ابو عبد الله المازلي الامراض الامتلائيه اما ان تكون دمويه او صفراويه او بلغوميه او سوداويه فان كانت دمويه فشفاؤها اخراج الدم وان كانت من الاقسام الثلاثه الباقيه فشفاؤها بالاسهال الذي يليق بكل خلط منها وكانه صلى الله عليه وسلم نبه بالعسل على المسهلات وبالحجامه على الفصد وقد قال بعض الناس ان الفصد يدخل في قوله شرطه محجم فاذا اعي الدواء فاخر الطب الكي فذكره صلى الله عليه وسلم من الادويه لانه يستعمل عند غلبه الطباء لقو والادويه وحيث لا ينفع الدواء المشروب وقوله انا انهى امتي عن الكي وفي الحديث الاخر وما احب ان اكتوي اشاره الى ان يؤخر العلاج به حتى تدفع الضروره اليه ولا يعجل التداوي به لما فيه من استعجال الالم الشديد في دفع الم قد يكون اضعف من الم الكي انتهى كلامه وقال بعض الاطباء الامراض المزاجيه اما ان تكون بماده او بغير ماده والماديه منها اما حاره او بارده او رطبه او يابسه او ما تركب منها وهذه الكيفيات الاربع منها كيفيتان فاعلتان وهما الحراره والبروده وكيفيتان منفعلتان وهما الرطوبه واليبوسه ويلزم من غلبه احدى الكيفيتين الفاعلتين استصحاب كيفيه منفعله معها وكذلك كان لكل واحد من الاخلاط الموجوده في البدن وسائر المركبات كيفيتان فاعله ومنفعله فحصل من ذلك ان اصل الامراض المزاجيه هي التابعه لاقوى كيفيات الاخلاط التي هي الحراره والبروده فجاء كلام النبوه في اصل معالجه الامراض التي هي الحاره والبارده على طريق التمثيل فان كان المرض حارا عالجناه باخراج الدم بالفصل كان او بالحجامه لان في ذلك استفراغا للماده وتبريدا للمزاج وان كان باردا عالجناه بالتسخين وذلك موجود في العسل فان كان يحتاج مع ذلك الى استفراغ الماده البارده فالعسل ايضا يفعل في ذلك لما فيه من الانضاج والتقطيع والتلطيف والجلاء والتليين فيحصل بذلك استفراغ تلك الماده برفق وامن من نكايه المسهلات القويه واما الكي فلان كل واحد من الامراض الماديه اما ان يكون حادا فيكون سريع الافضاء لاحد الطرفين فلا يحتاج اليه فيه واما ان يكون مزمنا وافضل علاجه بعد الاستفراغ الكي في الاعضاء التي يجوز فيها الكي لانه لا يكون مزنا الا عن ماده بارده غليظه قد رسخت في العضو وافسدت مزاجه واحالت جميع ما يتصل اليه الى مشابهه جوهرها فيشتعل في ذلك العضو فيستخرج بالكي تلك الماده من ذلك المكان الذي هي فيه باثناء الجزء الناري الموجود بالكي لتلك الماده فتعلمنا بهذا الحديث الشريف اخذ معالجه الامراض الماديه جميعها كما استنبطنا معالجه الامراض الساذجه من قوله صلى الله عليه وسلم ان شده الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء فصل واما الحجامه ففي سنن ابن ماجه من حديث جباره بن المغلس وهو ضعيف عن كثير بن سليم قال سمعت انس بن مالك يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مررت ليله اسري بي بملا الا قالوا يا محمد مر امتك بالحجامه وروى الترمذي في جامعه من حديث ابن عباس هذا الحديث وقال فيه عليك بالحجامه يا محمد وفي الصحيحين من حديث طاوص عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم احتجم واعطى الحجام اجره وفي الصحيحين ايضا عن حميد الطويل عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه ابو طيبه فامر له بصاعين من طعام وكلم مواليه فخفضوا عنه من ضريبته وقال خير ما تداويتم به الحجامه وفي جامع الترمذي عن عباد بن منصور قال سمعت عكرمه يقول كان لابن عباس غلمه ثلاثه حجامون فكان اثنان يغلان عليه وعلى اهله وواحد لحجمه وحجم اهله قال وقال ابن عباس قال نبي الله صلى الله عليه وسلم نعم العبد حجام يذهب الدم ويخفف الصلب ويجلو عن البصر وقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عرج به ما مر على ملا من الملائكه الا قالوا عليك بالحجامه وقال ان خير ما يحتجمون فيه يوم 17 ع ويوم 19 ع ويوم 21 وقال ان خير ما تداويتم به السعوط واللدود والح الحجامه والمشي وان رسول الله صلى الله عليه وسلم لد فقال من لدني فكلهم امسكوا فقال لا يبقى احد في البيت الا لد الا العباس قال هذا حديث غريب ورواه ابن ماجه فصل واما منافع الحجامه فانها تنقي سطح البدن اكثر من الفصد والفصد لاعماق البدن افضل والحجامه تستخرج الدم من نواحي الجلد قلت والتحقيق في امرها وامر الفصد انهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والاسنان والامزجه والبلاد الحاره والازمنه الحاره والامزجه الحاره التي الدم فيها في غايه النضج الحجامه فيها انفع من الفصد بكثير فان الدم ينضج ويروق ويخرج الى سطح الجسد الداخل فتخرج الحجامه ما لا يخرجه الفصد ولذلك كانت انفعه للصبيان من الفصد ولمن لا يقوى على الفصد وقد نص الاطباء على ان البلاد الحاره الحجامه فيها انفع وافضل من الفصد وتستحب في وسط الشهر وبعد وسطه وبالجمله في الربع الثالث من ارباع الشهر لان الدم في اول الشهر لم يكن بعد قد هاج وتبيغ وفي اخره يكون قد سكن واما في وسطه وبعيده فيكون في نهايه التزيد. قال صاحب القانون ويامر باستعمال الحجامه لا في اول الشهر لان الاخلاق لا تكون قد تحركت وهاجت ولا في اخره لانها تكون قد نقصت بل في وسط الشهر حين تكون الاخلاق هائجه بالغه في تزايدها لتزايد النور في جرم القمر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال خير ما تداويتم به الحجامه والفصد وفي حديث خير الدواء الحجامه والفصاد انتهى وقوله صلى الله عليه وسلم خير ما تداويتم به الحجامه اشاره الى اهل الحجاز والبلاد الحاره لان دمائهم رقيقه وهي اميل الى ظاهر ابدانهم لجذب الحراره الخارجه لها الى سطح الجسد واجتماعها في نواحي الجلد ولان مسام ابدانهم واسعه وقواهم متخلخله ففي الفصل لهم خطر والحجامه تفرق اتصالي ارادي يتبعه استفراغ كلي من العروق وخاصه العروق التي لا تفصد كثيرا ولفصد كل واحد منها نفع خاص ففصد الباسليق ينفع من حراره الكبد والطحال والاورام الكائنه فيهما من الدم وينفع من اورام الرئه وينفع الشوصه وذات الجنب وجميع الامراض الدمويه العارضه من اسفل الركبه الى الورك وفصد الاكحل ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن اذا كان دمويا وكذلك اذا كان الدم قد فسد في جميع البدن وفصد القفال ينفع من العلل العارضه في الراس والرقبه من كثره الدم او فساده وفصد الوجين ينفع من وجع الطحال والربو والبهو ووجع الجبين والحجامه على الكاهل تنفع من وجع المنكب والحلق والحجامه على الاخداعين تنفع من امراض الراس واجزائه كالوجه والاسنان والاذنين والعينين والانف والحلق اذا كان حدوث ذلك عن كثره الدم او فساده او عنهما جميعا قال انس رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم في الاخذعين والكاهل وفي الصحيحين عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم ثلاثه واحده على كاهله واثنتين على الاخدعين وفي الصحيح عنه انه احتجم وهو محرم في راسه لصداع كان به وفي سنن ابن ماجه عن علي نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بحجامه الاخذعين والكاهل وفي سنن ابي داوود من حديث جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم احتج جم في وركه منن كان به فصل واختلف الاطباء في الحجامه على نقره القفا وهي القمحوه وذكر ابو نعيم في كتاب الطب النبوي حديثا مرفوعا عليكم بالحجامه في جوزه القمحوه فانها تشفي من خمسه ادواء ذكر منها الجذام وفي حديث اخر عليكم بالحجامه في جوزه القمحذوه فانها شفاء من 72 داء فطائفه منهم استحسنته وقالت انها تنفع في جحوظ العين والنتوء العارض فيها وكثير من امراضها ومن ثقل الحاجبين والجفن وتنفع من جربه وروي ان احمد بن حنبل احتاج اليها فاحتجم في جانبي قفاه ولم يحتجم في النقره وممن كرهها صاحب القانون وقال انها تورث النسيان حقا كما قال سيدنا ومولانا وصاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم فان مؤخر الدماغ موضع الحفظ والحجامه تذهبه انتهى كلامه ورد عليه اخرون وقالوا الحديث لا يثبت وان ثبت فالحجامه انما تضعف مؤخر الدماغ اذا استعملت بغير ضروره فاما اذا استعملت لغلبه الدم عليها فانها نافعه له طبا وشرعا فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه احتجم في عده اماكن من قفاه بحسب ما اقتضاه الحال في ذلك واحتجم في غير القفا بحسب ما دعت اليه حاجته فصل والحجامه تحت الذقن تنفع من وجع الاسنان والوجه والحلقوم اذا استعملت في وقتها وتنقي الراس والكفين والحجامه على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن وهو عرق عظيم عند الكعب وتنفع من قخذين والساقين وانقطاع الطمث والحكه العارضه في الانثيين والحجامه في اسفل الصدر نافعه من دمام الفخذ وجربه وبثوره ومن النقرس والبواسير والفيل وحكه الظهر فصل في هديه في اوقات الحجامه روى الترمذي في جامعه من حديث ابن عباس يرفعه ان خير ما تحتجمون فيه يوم الساب عشره او 19 ع ويوم 21 وفيه عن انس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم في الاخدعين والكاهل وكان يحتجم ل 17 و19 وفي 21 وفي سنن ابن ماجه عن انس مرفوعا من اراد الحجامه فليتحرى 17 او 19 او 21 ولا يتبيغ باحدكم الدمع فيقتله وفي سنن ابي داوود من حديث ابي هريره مرفوعا من احتجم لسبع عشره او 19 ع 21 كانت شفاء من كل داء وهذا معناه من كل داء سببه غلبه الدم وهذه الاحاديث موافقه لما اجمع عليه الاطباء ان الحجامه في النصف الثاني وما يليه من الربع الثالث من ارباعه انفع من اوله واخره واذا استعملت عند الحاجه اليها نفعت اي وقت كان من اول الشهر واخره قال الخلال اخبرني عصمه بن عصام قال حدثنا حنبل قال كان ابو عبد الله احمد بن حنبل يحت تجم اي وقت هاج به الدم واي ساعه كانت وقال صاحب القانون اوقاتها في النهار الساعه الثانيه او الثالثه ويجب توقيتها بعد الحمام الا في من دمه غليظ فيجب ان يستحم ثم يحم ساعه ثم يحتجم انتهى وتكره عندهم الحجامه على الشبع فانها ربما اورثت سددا وامراضا رديئه ولا سما اذا كان الغذاء رديئا غليظا وفي اثر الحجامه على الريق دواء وعلى الشبع داء وفي 17 من الشهر شفاء واختيار هذه الاوقات للحجامه فيما اذا كانت على سبيل الاحتياط والتحرز من الاذى وحفظا للصحه واما في مداواه الامراض فحيث ما وجد الاحتياج اليها وجب استعمالها وفي قوله لا يتبيغ باحدكم الدم فيقتله دلاله على ذلك يعني لالا يتبيغ فحذف حرف الجر مع ان ثم حذفت ان والتبيغ الهيج وهو مقلوب البغي وهو بمعناه فانه بغي الدم وهيجانه وقد تقدم ان الامام احمد كان يحتجم اي وقت احتاج من الشهر فصل واما اختيار ايام الاسبوع للحجامه فقال الخلال في جامعه اخبرنا حرب بن اسماعيل قال قلت لاحمد تكره الحجامه في شيء من الايام قال قد جاء في الاربعاء والسبت وفيه عن الحسين بن حسان انه سال ابا عبد الله عن الحجامه اي وقت تكره فقال في يوم السبت ويوم الاربعاء ويقولون يوم الجمعه وروى الخلال عن ابي سلمه وابي سعيد المقبوري عن ابي هريره مرفوعا من احتجم يوم الاربعاء او يوم السبت فاصابه بياض او برص فلا يلومن الا نفسه وقال الخلال اخبرنا محمد بن علي بن جعفر ان يعقوب بن بختان حدثهم قال سئل احمد عن النوره والحجامه يوم السبت ويوم الاربعاء فكرهها وقال بلغني عن رجل انه تنور واحتجم يعني يوم الاربعاء فاصابه البرص فقلت له كانه تهاون بالحديث قال نعم وفي كتاب الافراد للدار قطني من حديث نافع قال لي عبد الله بن عمر تبيغ بي الدم فاب لي حجاما ولا يكن صبيا ولا شيخا كبيرا فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الحجامه تزيد الحافظ حفظا والعاقل عقلا فاحتجموا على اسم الله تعالى ولا تحتجموا الخميس والجمعه والسبت والاحد واحتجموا الاثنين وما كان من جذام ولا برص الا نزل يوم الاربعاء قال الدار قطني تفرد به زياد بن يحيى وقد رواه ايوب عن نافع وقال فيه واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء ولا تحتجموا يوم الاربعاء وقد روى ابو داوود في سننه من حديث ابي بكره انه كان يكره تكره الحجامه يوم الثلاثاء وقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعه لا يرقا فيه الدم فصل وفي ضمن هذه الاحاديث المتقدمه استحباب التداوي واستحباب الحجامه وانها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال وجواز احتجام المحرم وان ال قطع شيء من الشعر فان ذلك جائز وفي وجوب الفديه عليه نظر ولا يقوى الوجوب وجواز احتجام الصائم فان في صحيح البخاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم ولكن هل يفطر بذلك ام لا مساله اخرى الصواب الفطر بالحجامه لصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير معارض واصح ما يعارض به حديث حجامته وهو صائم ولكن لا يدل على عدم الفطر الا بعد اربعه امور احدها ان الصوم كان فرضا الثاني انه كان مقيما الثالث انه لم يكن به مرض احتاج معه الى الحجامه الرابع ان هذا الحديث متاخر عن قوله افطر الحاجم والمحجوم فاذا ثبتت هذه المقدمات الاربع امكن الاستدلال بفعله صلى الله عليه وسلم على بقاء الصوم مع الحجامه والا فما المانع ان يكون الصوم نفلا يجوز الخروج منه بالحجامه وغيرها او من رمضان لكنه في السفر او من رمضان في الحضر لكن دعت الحاجه اليها كما تدعو حاجه من به مرض الى الفطر او يكون فرضا من رمضان في الحضر من غير حاجه اليها لكنه مبقا على الاصل وقوله افطر الحاجم والمحجوم ناقل قل ومتاخر فتعين المصير اليه ولا سبيل الى اثبات واحده من هذه المقدمات الاربع فكيف باثباتها كلها وفيها دليل على استئجار الطبيب وغيره من غير عقد ايجاره بل يعطيه اجره المثل او ما يرضيه وفيها دليل على جواز التكسب بصناعه الحجامه وان كان لا يطيب للحر اكل اجرته من غير تحريم عليه فان النبي صلى الله عليه وسلم اعطاه اجره ولم يمنعه من اكله وتسميته اياه خبيثا كتسميته للثوم والبصل خبيثين ولم يلزم من ذلك تحريمهما وفيها دليل على جواز ضرب الرجل الخراج على عبده كل يوم شيئا معلوما بقدر طاقته وان للعبد ان يتصرف فيما زاد على خراجه ولو منع من التصرف فيه لكان كسبه كله خراجا ولم يكن لتقديره فائده بل زاد على خراجه فهو تمليك من سيده له يتصرف فيه كما اراد والله اعلم فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قطع العروق والكي ثبت في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث الى ابي بن كعب طبيبا فقطع له عرق وكواه عليه ولما رمي سعد بن معاذ في اكحله حسمه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ورمت فحاسمه ثانيه والحسم هو الكي وفي طريق اخر ان النبي صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ في اكحله بمشقص ثم حاسمه سعد بن معاذ او غيره من اصحابه وفي لفظ اخر ان رجلا من الانصار رمي في اكحله بمشقص فامر النبي صلى الله عليه وسلم فكوي وقال ابو عبيد وقد اتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل نعت له الكي فقال اكووه وارضفوه قال ابو عبيده الرضف الحجاره تسخن ثم تكمد بها وقال الفضل بن دكين حدثنا سفيان عن ابي زبير عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم كاواه في اكحله وفي صحيح البخاري من حديث انس انه كوي من ذات الجنب والنبي صلى الله عليه وسلم حي وفي الترمذي عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم كوى اسعد بن زراره من الشوكه وقد تقدم الحديث المتفق عليه وفيه وما احب ان اكتوي وفي لفظ اخر وانا انهى امتي عن الكي وفي جامع الترمذي وغيره عن عمران بن حصين ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي قال فابتلينا فاكتوينا فما افلحنا ولا انجحنا وفي لفظ نهينا عن الكي وقال فما افلحنا ولا انجعنا قال الخطابي انما كوى سعدا ليرقا الدم من جرحه وخاف عليه ان ينزف فيهلك والكي مستعمل في هذا الباب كما يكوى من تقطع يده او رجله واما النهي عن الكي فهو ان يكتوي طلبا للشفاء وكانوا يعتقدون انه متى لم يكتوي هلك فنهاهم عنه لاجل هذه النيه وقيل انما نهى عنه عمران بن حسين خاصه لانه كان به ناصور وكان موضعه خطرا فنهى عن كيه فيشبه ان يكون النهي متصرفا الى الموضع المخوف منه والله تعالى اعلم وقال ابن قتيبه الكي جنسان كي الصحيح لاللا يعتل فهذا الذي قيل فيه لم يتوكل من اكتوى لانه يريد ان يدفع القدر عن نفسه والثاني كي الجرح اذا والعضو اذا قطع ففي هذا الشفاء واما اذا كان الكي للتداوي الذي يجوز ان ينجح ويجوز الا ينجح فانه الى الكراهه اقرب انتهى وثبت ثبت في الصحيح من حديث السب الفا الذين يدخلون الجنه بغير حساب انهم الذي لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقد تضمنت احاديث الكي اربعه انواع احدها فعله والثاني عدم محبته له والثالث الثناء على من تركه والرابع النهي عنه ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى فان فعله يدل على جوازه وعدم محبته له لا يدل على المنع منه واما الثناء على تاركه فيدل على ان تركه اولى وافضل واما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهه او عن النوع الذي لا يحتاج اليه بل يفعل خوفا من حدوث الداء والله اعلم فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصرع اخرجا في الصحيحين من حديث عطاء بن ابي رباح قال ابن عباس الا اريك امراه من اهل الجنه قلت بلى قال هذه المراه السوداء اتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت اني اسرع واني اتكشف فادعوا الله لي فقال ان شئت صبرت ولك الجنه وان شئت دعوت الله لك ان يعافيك فقالت اصبر قالت فاني اتكشف فادعوا الله الا اتكشف فدعا لها قلت الصرع صرعان صرع من الارواح الخبيثه الارضيه وصرع من الاخلاق الرديئه والثاني هو الذي يتكلم فيه الاطباء في سببه وعلاجه واما صرع الارواح فائمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه ويعترفون بان علاجه مقابله بله الارواح الشريفه الخيره العلويه لتلك الارواح الشريره الخبيثه فتدفع اثارها وتعارض افعالها وتبطلها وقد نص على ذلك ابو قراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع وقال هذا انما ينفع في الصرع الذي سببه الاخلاط والماده واما الصرع الذي يكون من الارواح فلا ينفع فيه هذا العلاج اما جهله الاطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقه فضيله فاولئك ينكرون صرع الارواح ولا يقرون بانها تؤثر في بدن المصروع وليس معهم الا الجهل والا فليس في الصناعه الطبيه ما يدفع ذلك والحس والوجود شاهد به واحالتهم ذلك على غلبه بعض الاخلاط هو صادق في بعض اقسامه لا في كلها وقدماء الاطباء كانوا يسمون هذا الصرع المرض الالهي وقالوا انه من الارواح واما جالينوس وغيره فتاولوا عليهم هذه التسميه وقالوا انما سموها بالمرض الالهي لكون هذه العله تحدث في الراس فتضر بالجزء الالهي الظاهر الذي سكنه الدماغ وهذا التاويل نشا لهم من جهلهم بهذه الارواح واحكامها وتاثيراتها وجاءت الاطباء فلم يثبتوا الا صرع الاخلاق حده ومن له عقل ومعرفه بهذه الارواح وتاثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم وعلاج هذا النوع يكون بامرين امر من جهه المشروع وامر من جهه المعالج فالذي من جهه المصروع يكون بقوه نفسه وصدق توجهه الى فاطر هذه الارواح وبارئها والتعوذ الصحيح الذي قد تواطا عليه القلب واللسان فان هذا نوع محاربه والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح الا لامرين ان يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا وان يكون الساعد قويا فمتى تخلف احدهما لم يغني السلاح كثير طائل فكيف اذا عدم الامران جميعا يكون القلب خرابا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه ولا سلاح له والثاني من جهه المعالج بان يكون فيه هذان الامران ايضا حتى ان من المعالجين من يكتفي بقوله اخرج منه او يقول بسم الله او يقول لا حول ولا قوه الا بالله والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول اخرج عدو الله انا رسول الله وشاهدت شيخنا يرسل الى المصروع من يخاطب الروح التي فيه ويقول قال لك الشيخ اخرجي فان هذا لا يحل فيفيق المصروع وربما خاطبها بنفسه وربما كانت الروح مارده فيخرجها بالضرب فيفيق المصروع ولا يحس بالم وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارا وكان كثيرا ما يقرا في اذن المصروع افحسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم الينا لا ترجعون وحدثني انه قراها مره في اذن المصروع فقالت الروح نعم ومد بها صوته قال فاخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى كلت يداي من الضرب ولم يشك الحاضرون بانه يموت لذلك الضرب ففي اثناء الضرب قالت انا احبه فقلت لها هو لا يحبك قالت انا اريد ان احج به فقلت لها هو لا يريد ان يحج معك فقالت انا ادعه كرامه لك قال قلت لا ولكن طاعه لله ولرسوله قالت فانا اخرج منه قال فقعد المصروع يلتفت يمينا وشمالا وقال ما جاء بي الى حضره الشيخ قالوا له وهذا الضرب كله فقال وعلى اي شيء يضربني الشيخ ولم اذنب ولم يشعر بانه وقع به الضرب البته وكان يعالج بايه الكرسي وكان يامر بكثره القراءه للمصروع ومن يعالجه بها وبقراءه المعوذتين وبالجمله فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره الا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفه واكثر تسلط الارواح الخبيثه على اهله تكون من جهه قله دينهم وخراب قلوبهم والسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبويه والايمانيه فتلقى الروح الخبيثه الرجل اعزل لا سلاح معه وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا الصرع هو مرض عصبي ينتج من تهيج خلايا المخ ويمتاز بحصول نوبات تشنجات في جميع اعضاء الجسم وقرص اللسان بالاسنان ويعقب التشنجات تقلص في جميع عضلات الجسم لمده قصيره يتبعها ارتخاء العضلات ودخول المريض في نوم عميق ويكون المريض اثناء النوم غائبا تماما عن وعه يدري اطلاقا ما حدث وعلاجه اعطاء مهدئات ولكن بعض الحالات النفسيه المسماه بالهستيريا العصبيه تشابه في اعراضها الظاهره الصرع مما لا تخفى على فطنه الاطباء ففي هذه الحالات الاخيره قد يفيد الضرب او التعذيب او العقاب كعلاج لمثل هذه الحالات ولو كشف الغطاء لرايت اكثر النفوس البشريه صرعا مع هذه الارواح الخبيثه وهي في اسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها وبها الصرع الاعظم الذي لا يفيق صاحبه الا عند المفارقه والمعاينه فهناك يتحقق انه كان هو المصروع حقيقه وبالله المستعان وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح الى الايمان بما جاءت به الرسل وان تكون الجنه والنار نصب عينيه وقبله قلبه ويستحضر اهل الدنيا وحلول المثولات والافات بهم ووقوعها خلال الديار كمواقع القطر وهم صرعا لا يفيقون وما اشد اعداء هذا الصرع ولكن لما عمت البليه به بحيث ينظر الانسان لا يرى الا مصروعا لم يصر مستغربا ولا مستنكرا بل صار لكثره المصروعين عين المستنكر المستغرب خلافه فاذا اراد الله بعبد خيرا افاق من هذه الصعه ونظر الى ابناء الدنيا مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم فمنهم من اطبق به الجنون ومنهم من يفيق احيانا قليله ويعود الى جنونه ومنهم من يجن مره ويفيق اخرى فاذا افاق عمل اهل الافاقه والعقل ثم يعاوده الصرع فيقع في التخبيط فصل واما صرع الاخلاط فهو عله تمنع الاعضاء النفيسه عن الافعال والحركه والانتصاب منعا غير تام وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سده غير تامه فيمتنع نفوذ الحس والحركه فيه وفي الاعضاء نفوذا ما من غير انقطاع بالكليه وقد يكون لاسباب اخر كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح او بخار رديء يرتفع اليه من بعض الاعضاء او كيفيه لاذعه فينقبض الدماغ لدفع المؤذيت تشنج في جميع الاعضاء ولا يمكن ان يبقى الانسان معه منتصبا بل يسقط ويظهر فيه الزبد غالبا وهذه العله تعد من جمله الامراض الحادثه باعتبار وقت وجوده المؤلم خاصه وقد تعد من جمله الامراض المزمنه باعتبار طول مكثها وعسر برئها لا سما ان جاوز في السن 25 سنه وهذه العله في دماغه وخاصه في جوهره فان صرع هؤلاء يكون لازما قال ابو قراط ان الصرع يبقى في هؤلاء حتى يموتوا اذا عرف هذا فهذه المراه التي جاء الحديث انها كانت تصرع وتنكشف يجوز ان يكون صرعها من هذا النوع فوعدها النبي صلى الله عليه وسلم الجنه بصبرها على هذا المرض ودعا لها الا تنكشف وخيرها بين الصبر والجنه وبين الدعاء لها بالشفاء من غير ضمان فاختارت الصبر والجنه وفي ذلك دليل على جواز ترك المعالجه والتداوي وان علاج الارواح بالدعوات والتوجه الى الله يفعل ما لا يناله علاج الاطباء وان تاثيره وفعله وتاثر الطبيعه عنه وانفعالها اعظم من تاثير الادويه البدنيه وانفعال الطبيعه عنها وقد جربنا هذا مرارا نحن وغيرنا وعقلاء الاطباء معترفون بان في فعل القوى النفسيه وانفعالاتها في شفاء الامراض عجائب وما على الصناعه الطبيه اضروا من القوم وسفلتهم وجهالهم والظاهر ان صرع هذه المراه كان من هذا النوع ويجوز ان يكون من جهه الارواح ويكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خيرها بين الصبر على ذلك مع الجنه وبين الدعاء لها بالشفاء فاختارت الصبر والستر والله اعلم فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج عرق النساء. روى ابن ماجه في سننه من حديث محمد بن سيرين عن انس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول دواء عرق النساء اليه شاه اعرابيه تذاب ثم تجزا ثلاثه اجزاء ثم تشرب على الريق في كل يوم جزء. عرق النساء وجع يبتدئ من مفصل الورك وينزل من خلف على الفخذ وربما امتد على الكعب وكلما طالت مدته زاد نزوله ويهزل معه الرجل والفخذ وهذا الحديث فيه معنى لغوي ومعنى طبي فاما المعنى اللغوي فدليل على جواز تسميه هذا المرض بعرق النساء خلافا لمن منع هذه التسميه وقال النساء هو العرق نفسه فيكون من باب اضافه الشيء الى نفسه وهو ممتنع وجواب هذا القائل من وجهين احدهما ان العرق اعم من النساء فهو من باب اضافه العام الى الخاص نحو كل الدراهم وبعضها الثاني ان النساء هو المرض الحلل بالعرق والاضافه فيه من باب اضافه الشيء الى محله وموضعه قيل وسمي بذلك ذلك لان المه ينسي ما سواه وهذا العرق ممتد من مفصل الورك وينتهي الى اخر القدم وراء الكعب من الجانب الوحشي فيما بين عظم الساق والوتر واما المعنى الطبي فقد تقدم ان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم نوعان احدهما عام بحسب الازمان والاماكن والاشخاص والاحوال والثاني خاص بحسب هذه الامور او بعضها وهذا من هذا القسم فان هذا خطاب للعرب واهل الحجاز ومن جاورهم ولا سما اعراب البوادي فان هذا العلاج من انفع العلاج لهم فان هذا المرض يحدث من يبس وقد يحدث من ماده غليظه لزجه فعلاجها بالاسهال والاليه فيها الخاصيتان الانضاج والتليين ففيها الانضاج والاخراج وهذا المرض يحتاج علاجه الى هذين الامرين وفي تعيين الشاه الاعربيه قله فضولها وصغر مقدارها ولطف جوهرها وخاصيه مرعاها لانها ترعى اعشاب البر الحاره كالشيح والقيصوم ونحوها وهذه النباتات اذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها بعد ان يلطفها تغذيه بها ويكسبها مزاجا الطف ولا سيما الاليه وظهور فعل هذه النباتات في اللبن اقوى منه في اللحم ولكن الخاصيه التي في الاليه من الانضاج والتليين لا توجد في اللبن وهذا مما تقدم ان ادويه غالب الامم والبوادي بالادويه المفرده وعليه اطباء الهند واما الروم واليونان فيعتنون بالمركبه وهم متفقون كلهم على ان من عاده الطبيب ان يداوي بالغذاء فان عجز فبالمفرد فان عجز فبما كان اقل تركيبا وقد تقدم ان غالب عادات العرب واهل البوادي الامراض البسيطه فالادويه البسيطه تناسبها وهذه لبساطه اغذيتهم في الغالب واما الامراض المركبه فغالبا تحدث عن تركيب الاغذيه وتنوعها واختلافها فاختيرت لها الادويه المركبه والله تعالى اعلم فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج يبس الطبع واحتياجه الى ما يمشيه ويلينه. روى الترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه من حديث اسماء بنت عميس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بماذا كنت تستمشين؟ قالت بالشبرم. قال حار جار. ثم قالت استمشيت بالسنا والسنى نبات يستعمل كملين لحالات الامساك قالت استمشيت بالسنى فقال لو كان شيء يشفي من الموت لكان السنا وفي سنن ابن ماجه عن ابراهيم بن ابي عبله قال سمعت عبد الله بن ام حرام وكان مما صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلتين يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عليكم بالسنى والسنوت فان فيهما شفاء من كل داء الا السام قيل يا رسول الله وما السام؟ قال الموت قوله بما تستمشين اي تليين الطبع حتى يمشي ولا يصير بمنزله الواقف فيؤذي باحتباس النجو ولهذا سمي الدواء المسهل مشيا على وزن فعيل وقيل لان المسهول يكثر المشي والاختلاف للحاجه وقد روي بماذا تستشفين فقالت بالسبرم او بالشبرم وهو من جمله الادويه اليتوعيه وهو قشر عرق شجره وهو حار يابس في الدرجه الرابعه واجوده المائل الى الحمره الخفيف الرقيق الذي يشبه الجلد الملفوف وبالجمله فهو من الادويه التي اوصى الاطباء بترك استعمالها لخطرها وفرط اسهالها وقوله صلى الله عليه وسلم حار جار ويروى حار يار قال ابو عبيد واكثر كلامهم بالياء قلت وفيه قولان احدهما ان الحار الجار بالجيم الشديد الاسهال فوصفه بالحراره وشده الاسهال وكذلك هو قاله ابو حنيفه الدينواري والثاني وهو الصواب ان هذا من الاتباع الذي يقصد به تاكيد الاول ويكون بين التاكيد اللفظي والمعنوي ولهذا يراعون فيه اتباعه في اكثر حروفه كقولهم حسن بسن اي كامل الحسن وقولهم حسن قسن بالقاف ومنه شيطان ليطان وحار جار مع ان في الجار معنى اخر وهو الذي يجر الشيء الذي يصيبه من شده حرارته وجذبه له كانه ينزعه ويسلخه ويار اما لغه في جار كقولهم صهري وصهريج والصهاري والصهاريج واما اتباع مستقل واما الثناء ففيه لغتان المد والقصر وهو نبت حجازي افضله المكي وهو دواء شريف مامون الغائله قريب من الاعتدال حار يابس في الدرجه الاولى يسهل الصفراء والسوداء ويقوي جرم القلب وهذه فضيله شريفه فيه وخاصيته النفع من الوسواس السوداوي ومن الشقاق العارض في البدن ويفتح العضله وانتشار الشعر ومن القمل والصداع العتيق والجرب والبثور والحكه والصرع وشرب مائه مطبوخا اصلح من شربه مدقوقا ومقدار الشربه منه الى ثلاثه دراهم ومن ماءه الى خمسه دراهم وان طبخ معه شيء من زهر البنفسجي والزبيب الاحمر المنزوع العجم كان اصلح قال الرازي السنا والشاهرج يسهلان الاخلاط المحترقه وينفعان من الجرب والحكه والشربه من كل واحد منهما من اربعه دراهم الى سبعه دراهم واما السنوت ففيه ثمانيه اقوال احدها انه العسل والثاني انه رب عكه السمن يخرج خوطه سوداء على السمن حكاهما عمر بن بكر السكسكي الثالث انه حب يشبه الكمون وليس به قاله ابن الاعرابي الرابع انه الكمون الكرماني الخامس انه الرازيانج حكاهما ابو حنيفه الدينواري عن بعض الاعراب السادس انه الشبت. السابع انه التمر. حكاهما ابو بكر ابن السني الحافظ. الثامن: انه العسل الذي يكون في زقاق السمن حكاه عبد اللطيف البغدادي. قال بعض الاطباء وهذا اجدر بالمعنى واقرب الى الصواب اي يخلط السناء مدقوقا بالعسل المخالط للسمن ثم يلعق فيكون اصلح من استعماله مفردا لما في العسل والسمن من اصلاح السنه واعانته على الاسهال والله اعلم وقد روى الترمذي وغيره من حديث ابن عباس يرفعه ان خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامه والمشي المشي هو الذي يمشي الطبع ويلينه ويسهل خروج الخارج فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حكه الجسم وما يولد القمل جاء في الصحيحين من حديث قتاده عن انس بن مالك قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما في لبس الحرير لحكه كانت بهما وفي روايه ان عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما شكوا القمل الى النبي صلى الله عليه وسلم في غازات لهما فرخص لهما في قمص الحرير ورايته عليهما هذا الحديث يتعلق به امرا احدهما فقهي والاخر اخر طبي فاما الفقهي فالذي استقرت عليه سنته صلى الله عليه وسلم اباحه الحرير للنساء مطلقا وتحريمه على الرجال الا لحاجه او مصلحه راجحه فالحاجه اما من شده البرد ولا يجد غيره او لا يجد ستره سواه ومنها الباسه للحرب والمرض والحكه وكثره القمل كما دل عليه حديث انس هذا الصحيح والجواز اصح الروايتين عن الامام احمد واصح قولي الشافعي اذ الاصل عدم التخصيص والرخصه اذا ثبتت في حق بعض الامه لمعنى تعدت الى كل من وجد فيه ذلك المعنى اذ الحكم يعم بعموم سببه ومن منع منه قال احاديث التحريم عامه واحاديث الرخصه يحتمل اختصاصها بعبد الرحمن بن عوف والزبير ويحتمل تعديها الى غيرهما واذا احتمل الامران كان الاخذ بالعموم اولا ولهذا قال بعض الرواه في هذا الحديث فلا ادري ابلغت الرخصه من بعدهما ام لا والصحيح عموم الرخصه فانه عرف خطاب الشرع في ذلك ما لم يصرح بالتخصيص وعدم الحاق غير من رخص له اولا به كقوله لابي برده تجزيك ولن تجزي عن احد بعدك وكقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في نكاح من وهبت له خالصه لك من دون المؤمنين وتحريم الحرير انما كان سدا للذريعه ولهذا ابيح للنساء وللحاجه والمصلحه الراجحه وهذه قاعده ما حرم لسد الذرائع فانه يباح عند الحاجه والمصلحه الراجحه كما حرم النظر سدا لذريعه الفعل واوبح منه ما تدعو اليه الحاجه والمصلحه الراجحه وكما حرم التنفل بالصلاه في اوقات النهي سدا لذريعه المشابهه الصوريه بعباد الشمس وابويحت للمصلحه الراجحه وكما حرم ربا الفضل سدا لذريعه ربا النسيئه وابيح منه ما تدعو اليه الحاجه من العرايا جمع عريه بزنه قضيه وهي النخله يعطيها صاحبها لفقير لينتفع بثمرتها الى سنه فتدفعه الحاجه الى ان ياخذ بثمرتها تمرا قبل ان تحرز ثمرتها فلا يضر الفضل حينئذ وقد اشبعنا الكلام فيما يحل ويحرم من لباس الحرير في كتاب التحبير لما يحل ويحرم من لباس الحرير فصل واما الامر الطبي فهو ان الحرير من الادويه المتخذه من الحيوان ولذلك يعد في الادويه الحيوانيه لان مخرجه من الحيوان وهو كثير المنافع جليل الموقع ومن خاصيته تقويه القلب وتفريحه والنفع من كثير من امراضه ومن غلبه المره السوداء والادواء الحادثه عنها وهو مقو للبصر اذا اكتحل به والخام منه وهو المستعمل في صناعه الطب حار يابس في الدرجه الاولى وقيل حار رطب فيها وقيل معتدل في صناعه الطب واذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحراره في مزاجه مسخنا للبدن وربما برد البدن بتسمينه اياه قال الرازي الابريسم اسخن من الكتان وابرد من القطن يربي اللحم وكل لباس خشن فانه يهزل ويصلب البشره وبالعكس قلت والملابس ثلاثه اقسام قسم يسخن البدن ويدفئه وقسم يدفئه ولا يسخنه وقسم لا يسخنه ولا يدفئه وليس هناك ما يسخنه ولا يدفئه اذ ما يسخنه فهو اولى بتدفئته فملابس الاوبار والاصواف تسخن وتدفئ وملابس الكتان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن فثياب الكتان بارده يابسه وثياب الصوف حاره يابسه وثياب القطن معتدله الحراره وثياب الحرير الين من القطن واقل حراره منه قال صاحب المنهاج ولبسه لا يسخن كالقطن بل هو معتدل وكل لباس املس ثقيل فانه اقل اسخانا للبدن واقل عونا في تحلل ما يتحلل منه واحرى ان يلبس في الصيف وفي البلاد الحاره ولما كانت ثياب الحرير كذلك وليس فيها شيء من اليبس والخشونه الكائنتين في غيرها صارت نافعه من الحكه اذ الحكه لا تكون الا عن حراره ويبس وخشونه فلذلك رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن في لباس الحرير لمداواه الحكه وثياب الحرير ابعد عن تولد القمل فيها اذ كان مزاجها مخالفا لمزاج ما يتولد منه القمل واما القسم الذي لا يدفئ ولا يسخن فالمتخذ من الحديد والرصاص والخشب والتراب ونحوها فان قيل فاذا كان لباس الحرير اعدل اللباس واوفقه للبدن فلماذا حرمته الشريعه الكامله الفاضله التي اباحت الطيبات وحرمت الخبائث؟ قيل هذا السؤال يجيب عنه كل طائفه من طوائف المسلمين بجواب فمنكروا الحكم والتعليل لما رفعت قاعده التعليل من اصلها لم تحتج الى جواب هذا السؤال ومثبتوا التعليل والحكم وهم الاكثرون منهم من يجيب عن هذا بان الشريعه حرمته لتصبر النفوس عنه وتتركه لله فتثاب على ذلك لا سما ولها عوض عنه بغيره ومنهم من يجيب عنه بانه خلق في الاصل للنساء كالحليه بالذهب فحرم على الرجال لما فيه من مفسده تشبه الرجال بالنساء ومنهم من قال حرم لما يورثه من الفخر والخيلاء والعجب ومنهم من قال حرم لما يورثه للبدن لملاسته من الانوثيه والتخنث وضد الشهامه والرجوليه فان لبسه يكسب القلب صفه من صفات الاناث ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الاكثر الا وعلى شمائله من التخنث والتانث والرخاوه ما لا يخفى حتى لو كان من اشهم الناس واكثرهم فحوليه ورجوليه فلا بد ان ينقصه لبس الحرير منها وان لم يذهبها ومن غلظت طباعه وكثفت عن فهم هذا فليسلم للشارع الحكيم ولهذا كان اصح القولين انه يحرم على الولي ان يلبسه الصبي لما ينشا عليه من صفات اهل التانيث وقد روى النسائي من حديث ابي موسى الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان الله احل لاناث امتي الحرير والذهب وحرمه على ذكورها وفي لفظ حرم لباس الحرير والذهب على ذكور امتي واحل لاناثهم وفي صحيح البخاري عن حذيفه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج وان يجلس عليه وقال هو لهم في الدنيا ولكم في الاخره فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج ذات الجنب روى الترمذي في جامعه من حديث زيد بن ارقم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت ذات الجنب عند الاطباء نوعان حقيقي وغير حقيقي فالحقيقي ورم حار يعرض في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للاضلاع وغير الحقيقي الم يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظه مؤذيه تحتن بين الصفاقات فتحدث وجعا قريبا من وجع ذات الجنب الحقيقي الا ان الوجع في هذا القسم ممدود وفي الحقيقي ناخس قال صاحب القانون قد يعرض في الجنب والصفاقات والعضل التي في الصدر والاضلاع ونواحيها اورام مؤذيه جدا موجعه تسمى شوصه وبر برساما وذات الجنب وقد تكون ايضا اوجاعا في هذه الاعضاء ليست من ورم ولكن من رياح غليظه فيظن انها من هذه العله ولا تكون قال واعلم ان كل وجع في الجنب قد يسمى ذات الجنب اشتقاقا من مكان الالم لان معنى ذات الجنب صاحبه الجنب والغرض به ها هنا وجع الجنب فاذا عرض في الجنب الم عن اي سبب كان نسب اليه وعليه حمل كلام ابي قراط في قوله ان اصحاب ذات الجنب ينتفعون بالحمام وقيل المراد به كل من به وجع جنب او وجع رئه من سوء مزاج او من اخلاط غليظه او لذاعه من غير ورم ولا حمى قال بعض الاطباء واما معنى ذات الجنب في لغه اليونان فهو ورم الجنب الحار وكذلك ذلك ورم كل واحد من الاعضاء الباطنه وانما سمي ذات الجنب ورم ذلك العضو اذا كان ورما حارا فقط ويلزم ذات الجنب الحقيقي خمسه اعراض وهي الحمى والسعال والوجع الناخس وضيق النفس والنبض المنشاري والعلاج الموجود في الحديث ليس هو لهذا القسم لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظه فان القسطى البحري وهو العود الهندي على ما جاء مفسرا في احاديث اخر صنف من القسط اذا دق دقا ناعما وخلط بالزيت المسخن ودلك به مكان الريح المذكور او لعق كان دواء موافقا لذلك نافعا له محللا لمادته مذهبا لها مقويا للاعضاء الباطنه مفتحا للسدد والعود المذكور في منافعه كذلك قال المسيحي العود حار يابس قابض يحبس البطن ويقوي الاعضاء الباطنه ويطرد الريح ويفتح السدد نافع من ذات الجنب ويذهب فضل الرطوبه والعود المذكور جيد للدماغ قال ويجوز ان ينفع القسط من ذات الجنب الحقيقيه ايضا اذا كان حدوثها عن ماده بلغميه لا سما في وقت انحطاط العله والله اعلم وذات الجنب من الامراض الخطره وفي الحديث الصحيح عن ام سلمه انها قالت بدا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضه في بيت ميمونه وكان كلما خف عليه خرج وصلى بالناس وكان كلما وجد ثقلا قال مروا ابا بكر فليصلي بالناس واشتد شكواه حتى غمر ومن شده الوجع اجتمع عنده نساؤه وعم عمه العباس وام الفضل بنت الحرث واسماء بنت عميس فتشاوروا في لده فلدوه وهو مغمور فلما افاق قال من فعل بي هذا هذا من عمل نساء جئنا منها هنا واشار بيده الى ارض الحبشه وكانت ام سلمه واسماء لدتاه فقالوا يا رسول الله خشينا ان يكون بك ذات الجنب قال فبما لددتموني قالوا بالعود الهندي وشيء من ورس وقطران من زيت فقال ما كان الله ليقذفني بذلك الداء ثم قال عزمت عليكم الا يبقى في البيت احد الا لد الا عم العباس وفي الصحيحين عن عائشه رضي الله تعالى عنها قالت لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشار الا تلدوني فقلنا كراهيه المريض للدواء فلما افاق قال الم انهكم الا تلوني لا يبقى منكم احد الا لد غير عم العباس فانه لم يشهدكم قال ابو عبيد عن الاصمعي اللدود ما يسقى الانسان في احد شقي الفم اخذ من لديدي الوادي وهما جانباه واما الوجور فهو في وسط الفم قلت واللدود بالفتح هو الدواء الذي يلد به والسعوط ما ادخل من انفه وفي هذا الحديث من الفقه معاقبه الجاني بمثل ما فعل سواء اذا لم يكن فعله محرما لحق الله وهذا هو الصواب المقطوع به لبضعه عشر دليلا قد ذكرناه في موضع اخر وهو منصوص احمد وهو ثابت عن الخلفاء الراشدين وترجمه المساله بالقصاص في اللطمه والضرب وفيها عده احاديث لا معارض لها البته فيتعين القول بها فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصداع والشقيقه روى ابن ماجه في سننه حديثا في صحته نظر هو ان النبي صلى الله عليه وسلم كان اذا صدع غلف راسه بالحناء ويقول انه نافع باذن باذن الله من الصداع والصداع الم في بعض اجزاء الراس او في كله فما كان منه في احد شقي الراس لازما يسمى شقيقه وان كان شاملا لجمعه لازما يسمى بيضه وخوذه تشبيها ببيضه السلاح التي تشتمل على الراس كله وربما كان في مؤخر الراس او في مقدمه وانواعه كثيره واسبابه مختلفه وحق حقيقه الصداع سخونه الراس واحتماؤه لما دار فيه من البخار الذي يطلب النفوذ من الراس فلا يجد منفذا فيصدعه كما يصدع الوعاء اذا حمي ما فيه وطلب النفوذ فكل شيء رطب اذا حمي طلب مكانا اوسع من مكانه الذي كان فيه فاذا عرض هذا البخار في الراس كله بحيث لا يمكنه التفشي والتحلل وجال في الراس سمي السدر والصداع يكون عن اسباب عديده احدها من غلبه واحده من الطبائع الاربعه والخامس يكون من ق المعده فيالم الراس لذلك الورم للاتصال من العصب المنحدر من الراس بالمعده والسادس من ريح غليظه تكون في المعده فتصعد الى الراس فتصدعه والسابع يكون من ورم في عروق المعده فيالم الراس بالم المعده للاتصال الذي بينهما والثامن صداع يحصل من امتلاء المعده من الطعام ثم ينحدر ويبقى بعضه نيئا فيصدع الراس ويثقله والتاسع يعرض بعد الجماع لتخلل الجسم فيصل اليه من حر الهواء اكثر من قدره والعاشر صداع يحصل بعد القيء والاستفراغ اما لغلبه اليبس واما لتصاعد الابخره من المعده اليه والحادي عشر صداع يعرض عن شده الحر وسخونه الهواء والثاني عشر ما يعرض من شده البرد وتكاثف الابخره في الراس وعدم تحللها والثالث عشر ما يحدث من السهر وحبس النوم والرابع عشر ما يحدث من ضغط الراس وحمل الشيء الثقيل عليه والخامس عشر ما يحدث من كثره الكلام فتضعف قوه الدماغ لاجله والسادس عشر ما يحدث من كثره الحركه والرياضه المفرطه والساب عشر ما يحدث من الاعراض النفسانيه كالهموم والغموم والاحزان والوسواس والافكار الرديئه والثام عشر ما يحدث من شده الجوع فان الابخره لا تجد ما تعمل فيه فتكثر وتتصاعد الى الدماغ فتؤلمه والتاسع عشر ما يحدث من ورم في صفاق الدماغ ويجد صاحبه كانه يضرب بالمطارق على راسه والعشر ما يحدث بسبب الحمى لاشتعال حرارتها فيه فيتالم والله اعلم فصل وسبب صداء الشقيقه ماده في شرايين الراس وحدها حاصله فيها او مرتقيه اليها فيقبلها الجانب الاضعف من جانبيه وتلك الماده اما بخاريه واما اخلاط حاره او بارده وعلامتها الخاصه بها ضربان الشرايين وخاصه في الدموي واذا ضبطت بالعصائب ومنعت الضربان سكن الوجع وقد ذكر ابو نعيم في كتاب الطب النبوي له ان هذا النوع كان يصيب النبي صلى الله عليه وسلم فيمكث اليوم واليومين ولا يخرج وفيه عن ابن عباس عباس قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عصب راسه بعصابه وفي الصحيح انه قال في مرض موته وراساه وكان يعصب راسه في مرضه وعصب الراس ينفع في وجع الشقيقه وغيرها من اوجاع الراس فصل وعلاجه يختلف باختلاف انواعه واسبابه فمنه ما علاجه بالاستفراغ ومنهما علاجه بتناول الغذاء ومنهما علاجه بالسكون والدعا ومنهما علاجه بالضمادات ومنهما علاجه بالتبريد ومنه ما علاجه بالتسخين ومنهما علاجه بان يجتنب سماع الاصوات والحركات اذا عرف هذا فعلاج الصداع في هذا الحديث بالحناء هو جزئي لا كلي وهو علاج نوع من انواعه فان الصداع اذا كان من حراره ملتهبه ولم يكن من ماده يجب استفراغها نفع فيه الحناء نفعا ظاهرا واذا دق وضمضت به الجبهه مع الخل سكن الصداع وفيه قوه موافقه للعصب اذا ضمض به سكن اوجاعه وهذا لا يختص بوجع الراس بل يعم الاعضاء وفيه قبض تشد به الاعضاء واذا ضمض به موضع الورم الحار والملتهب سكنه وقد روى البخاري في تاريخه وابو داوود في السنن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شكى اليه احد وجعا في راسه الا قال احتجم ولا شكى اليه وجعا في رجليه الا قال له اختضب بالحناء وفي الترمذي عن سلمى ام رافع خادمه النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان لا يصيب النبي صلى الله عليه وسلم قرحه ولا شوكه الا وضع عليها الحناء فصل والحناء بارد في الاولى يابس في الثانيه وقوه شجر الحناء واغصانها مركبه من قوه محلله اكتسبتها من جوهر فيها مائي حار باعتدال ومن قوه قابضه اكتسبتها من جوهر فيها ارضي بارد ومن منافعه انه محلل نافع من حرق النار وفيه قوه موافقه للعصب اذا ضمض به وينفع اذا مضغ الفم والسلاق العارض فيه ويبرئ القلاع الحادث في افواه الصبيان والضماذ به ينفع من الاورام الحاره الملتهبه ويفعل في الخراجات فعل دم الاخوين واذا خلط نوره مع الشمع المصفى ودهن الورد ينفع من اوجاع الجنب ومن خواصه انه اذا بدا الجدري يخرج بصبي فخضبت اسافل رجليه بحناء فانه يؤمن على عينيه ان يخرج فيها شيء منه وهذا صحيح مجرب لا شك فيه واذا جعل نوره بين طي ثياب الصوف طيبها ومنع السوس عنها واذا نقع ورقه في ماء عذب يغمره ثم عصر وشرب من صفوه 40 يوما كل يوم 20 درهما مع 10 دراهم سكر ويغذى عليه بلحم الضان الصغير فانه ينفع من ابتداء الجذام بخاصيه فيه عجيبه وحكي ان رجلا تشققت اظافير اصابع يده وانه بذل لمن يبرئه مالا فلم يجد فوصفت له امراه ان يشرب عشره ايام حناء فلم يقدم عليه ثم نقعه بماء وشربه فبرئ ورجعت اظافيره الى حسنها والحناء اذا الزمت به الاظفار معجونا حسنها ونفعها واذا عجن بالسمن وضمض به بقايا الاورام الحاره التي ترشح ماء اصفر نفعها ونفع من الجرب المتقرح المزمن منفعه بليغه وهو ينبت الشعر ويقويه ويحسنه ويقوي الراس وينفع من النفاطات والبثور العارضه في الساقين والرجلين وسائر البدن فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في معالجه المرضى بترك اعطائهم ما يكرهونه من الطعام والشراب وانهم لا يكرهون على تناولها روى الترمذي في جامعه وابن ماجه عن عقبه بن عامر الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فان الله عز وجل يطعمهم ويسقيهم قال بعض فضلاء الاطباء ما اغذر فوائد هذه الكلمه النبويه المشتمله على حكم الهيه لا سما للاطباء ولمن يعالج المرضى وذلك ان المريض اذا عافى الطعام او الشراب فذلك لاشتغال الطبيعه بمجاهده المرض او لسقوط شهوته او نقصانه لضعف الحراره الغريزيه او خمودها وكيف ما كان فلا يجوز حينئذ اعطاء الغذاء في هذه الحاله واعلم ان الجوع انما هو طلب الاعضاء للغذاء لتخلف الطبيعه به عليها عوض ما يتحلل منها فتجذب الاعضاء القصوى من الاعضاء الدنيا حتى ينتهي الجذب الى المعده فيحس الانسان بالجوع فيطلب الغذاء واذا وجد المرض اشتغلت الطبيعه بمادته وانضاجها واخراجها عن طلب الغذاء او الشراب فاذا اكره المريض على استعمال شيء من ذلك تعطلت به الطبيعه عن فعلها واشتغلت بهضمه وتدبيره عن انضاج ماده المرض ودفعه فيكون ذلك سببا لضرر المريض ولا سما في اوقات البحارين او ضعف الحار الغريزي او خموده فيكون ذلك زياده في البليه وتعجيل نازله المتوقعه ولا ينبغي ان يستعمل في هذا الوقت والحال الا ما يحفظ عليه قوته ويقويها من غير استعمال مزعج للطبيعه البته وذلك يكون بما لطف قوامه من الاشربه والاغذيه واعتدال مزاجه كشراب اللينوفر والتفاح والورد الطري وما اشبه ذلك ومن الاغذيه امراق الفراريج المعتدله المطيبه فقط وان عاش قواه بالاراييج العطره الموافقه والاخبار الساره فان الطبيب خادم الطبيعه ومعينها لا معيقها واعلم ان الدم الجيد هو المغذي للبدن وان البلغم دم فج قد نضج بعض النضج فاذا كان بعض المرضى في بدنه بلغم كثير وعدم الغذاء عطفت الطبيعه عليه اعطفت الطبيعه عليه وطبخته وانضجته وصي يرته دما وغذت به الاعضاء واكتفت به عما سواه والطبيعه هو القوه التي وكلها الله سبحانه بتدبير البدن وحفظه وصحته وحراسته مده حياته واعلم انه قد يحتاج في الندره الى اجبار المريض على الطعام والشراب وذلك في الامراض التي يكون معها اختلاط العقل وعلى هذا فيكون الحديث من العام المخصوص او من المطلق الذي قد دل على تقييده دليل ومعنى الحديث ان المريض قد يعيش بلا غذاء اياما لا يعيش الصحيح في مثلها وفي قوله صلى الله عليه وسلم فان الله يطعمهم ويسقيهم معنى لطيف زائد على ما ذكره الاطباء لا يعرفه الا من له عنايه باحكام القلوب والارواح وتاثيرها في طبيعه البدن وانفعال الطبيعه عنها كما تنفعل هي كثيرا عن الطبيعه ونحن نشير اليه اشاره فنقول النفس اذا حصل لها ما يشغلها من محبوب او مكروه او مخوف اشتغلت به عن طلب الغذاء والشراب فلا تحس بجوع ولا عطش بل ولا حر ولا برد بل تشتغل به عن الاحساس بالمؤلم الشديد الالم فلا تحس به وما من احد الا وقد وجد في نفسه ذلك او شيئا منه واذا اشتغلت النفس بما داهمها وورد عليها لم تحس بالم الجوع فان كان الوارد مفرحا قوي التفريح قام لها مقام الغذاء فشبعت به وانتعشت قواها وتضاعفت وجرت الدمويه في الجسد حتى تظهر في سطحه فيشرق وجهه وتظهر دمويته فان الفرح يوجب انبساط دم القلب فينبعث في العروق فتمتلئ به فلا تطلب الاعضاء معلومها من الغذاء المعتاد لاشتغالها بما هو احب اليها والى الطبيعه منه والطبيعه اذا ظفرت بما تحب اثرته على ما هو دونه وان كان الوارد مؤلما او محزنا او مخوفا اشتغلت بمحاربته ومقاومته ومدافعته عن طلب الغذاء فهي في حال حربها في شغل عن طلب الطعام والشراب فان ظفرت في هذا الحرب انتعشت قواها واخلفت عليها نظير ما فاتها من قوه الطعام والشراب وان كانت مغلوبه مقهوره انحطت قواها بحسب ما حصل لها من ذلك وان كانت الحرب بينها وبين هذا العدو سجالا فالقوه تظهر تاره وتخفى اخرى وبالجمله فالحرب بينهما على مثال الحرب الخارج بين العدوين المتقابلين والنصر للغالب والمغلوب اما قتيل واما جريح واما اسير فالمريض له مدد من الله تعالى يغذيه به زائدا على ما ذكره الاطباء من تغذيته بالدم وهذا المدد بحسب ضعفه وانكساره وانطراحه بين يدي ربه عز وجل فيحصل له من ذلك ما يوجب له قربا من ربه فان العبد اقرب ما يكون من ربه اذا انكسر قلبه ورحمه ربه قريبه منه فان كان ولي له حصل له من الاغذيه القلبيه ما تقوى به قوى طبيعته وتنتعش به قواه اعظم من قوتها وانتعاشها بالاغذيه البدنيه وكلما قوي ايمانه وحبه لربه وانسه به وفرحه به وقوي يقينه بربه واشتد شوقه اليه ورضاه به وعنه وجد في نفسه من هذه القوه ما لا يعبر عنه ولا يدركه وصف طبيب ولا يناله علمه ومن غلظ طبعه وكثفت نفسه عن فهم هذا والتصديق به فلينظر حال كثير من عشاق الصور الذين قد امتلات قلوبهم بحب ما يعشقونه من صوره او جاه او مال او علم وقد شاهد الناس من هذا عجائب في انفسهم وفي غيرهم وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يواصل في الصيام الايام ذوات العدد وينهى اصحابه عن الوصال ويقول لست كهيئتكم اني اظل يطعمني ربي ويسقيني ومعلوم ان هذا الطعام والشراب ليس هو الطعام الذي ياكله الانسان بفمه والا لم يكن مواصلا ولم يتحقق الفرق بل لم يكن صائما فانه قال اظل يطعمني ربي ويسقيني وايضا فانه فرق بينه وبينهم في نفس الوصال وانه يقدر منه على ما لا يقدرون عليه فلو كان ياكل ويشرب بفمه لم يقل لست كهيئتكم وانما فهم هذا من الحديث من قل نصيبه من غذاء الارواح والقلوب وتاثيره في القوه وانعاشها واغتذائها به فوق تاثير الغذاء الجسماني والله الموفق فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العذره وفي العلاج بالسعوط ثبت في الصحيحين انه قال خير ما تداويتم به الحجامه والقسط البحري ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذره وفي السنن والمسند عنه من حديث جابر بن عبد الله قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشه وعندها صبي تسيل من خراه دما فقال ما هذا؟ فقالوا به العذره او وجع في راسه فقال ويلكن لا تقتلن اولادكن ايما امراه اصاب ولدها عذره او وجع في راسه فلتاخذ قسطا هندي فلتحكه بماء ثم تصعطه اياه فامرت عائشه رضي الله عنها فصنع ذلك بالصبي فبراء قال ابو عبيد عن ابي عبيده العذره تهيج في الحلق من الدم فاذا علج منه قيل قد عذر به فهو معذور انتهى وقيل العذره قرحه تخرج فيما بين الاذن والحلق وتعرض للصبيان غالبا واما نفع السعوط منها بالقسط المحكوك فلان العذره مادتها دم يغلب عليه البلغم لكن تولده في ابدان الصبيان وفي القسط تجفيف يشد الله ويرفعها الى مكانها وقد يكون نفعه في هذا الداء بالخاصيه وقد ينفع في الادواء الحاره والادويه الحاره بالذات تاره وبالعرض اخرى وقد ذكر صاحب القانون في معالجه سقوط الله القسط مع الشب اليمني وبذر المرو والقسط البحري المذكور في حديث فهو العود الهندي وهو الابيض منه وهو حلو وفيه منافع عديده وكانوا يعالجون اولادهم بغمز لها وبالعلاق وهو شيء يعلقونه على الصبيان فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وارشدهم الى ما هو انفع للاطفال واسهل عليهم والسعوط ما يصب في الانف وقد يكون بادويه مفرده ومركبه تدق وتنخل وت تعجن وتجف ثم تحل عند الحاجه ويسعط بها في انف الانسان وهو مستلق على ظهره وبين كتفيه ما يرفعهما لينخفض راسه فيتمكن السعوط من الوصول الى دماغه ويستخرج ما فيه من الداء بالعطاس وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم التداوي بالسعوط فيما يحتاج اليه فيه وذكر ابو داوود في سننه ان النبي صلى الله عيه عليه استعط فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المفؤود روى ابو داوود في سننه من حديث مجاهد عن سعد قال مرضت مرضا فاتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي وقال لي انك رجل مفؤود فاتي الحرث ابنك لدى من ثقيف فانه رجل يتطبب فلياخذ سبع مرات من عجوه المدينه فليجئهن بنواهن ثم ليدذلك بهن المفؤود الذي اصيب فؤاده فهو يشتكيه كالمبطون الذي يشتكي بطنه واللدود ما يسقاه الانسان من احد جانبي الفم وفي التمر خاصيه عجيبه لهذا الداء ولا سما تمر المدينه ولا سما العجوه منه وفي كونها سبعا خاصيه اخرى تدرك بالوحي وفي الصحيحين من حديث عامر بن سعد بن ابي وقاص عن ابيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصبح بسبع ثم تمرات من تمر العاليه لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر وفي لفظ من اكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسي والتمر حار في الثانيه يابس في الاولى وقيل رطب فيها وقيل معتدل وهو غذاء فاضل حافظ للصحه لا سما لمن اعتاد الغذاء به كاهل المدينه وغيرهم وهو من افضل الاغذيه في البلاد البارده والحاره التي حرارتها في الدرجه الثانيه وهو لهم انفع منه لاهل البلاد البارده لبروده بواطن سكانها وحراره بواطن سكان البلاد البارده ولذلك يكثر اهل الحجاز واليمن والطائف وما يليهم من البلاد المشابهه لها من الاغذيه الحاره ما لا يتاتى لغيرهم كالتمر والعسل وشاهدناهم يضعون في اطعمتهم من الفلفل والزنجبيل فوق ما يضعه غيرهم نحو عشره اضعاف او اكثر وياكلون الزنجبيل كما ياكل غيرهم الحلوى ولقد قد شاهدت من يتنقل به منهم كان يتنقل بالنقل ويوافقهم ذلك ولا يضرهم لبروده اجوافهم وخروج الحراره الى ظاهر الجسد كما تشاهد مياه الابار تبرد في الصيف وتسخن في الشتاء وكذلك تنضج المعده من الاغذيه الغليظه في الشتاء ما لا تنضجه في الصيف واما اهل المدينه فالتمر لهم يكاد ان يكون بمنزله الحنطه لغير غيرهم وهو قوتهم ومادتهم وتمر العاليه من اجود اصناف تمرهم فانه متين الجسم لذيذ الطعم صادق الحلاوه والتمر يدخل في الاغذيه والادويه والفاكهه وهو يوافق اكثر الابدان مقو للحار الغريزي ولا يتولد عنه من الفضلات الرديئه ما يتولد عن غيره من الاغذيه والفاكهه بل يمنع لمن اعتاده من تعفن الاخلاق وفسادها وهذا الحديث من الخطاب الذي اريد به الخاص كاهل المدينه ومن جاورهم ولا ريب ان للامينه اختصاصا ينفع كثير من الادويه في ذلك المكان دون غيره فيكون الدواء الذي قد نبت في هذا المكان نافعا من الداء ولا يوجد فيه ذلك النفع اذا نبت في مكان غيره لتاثير نفس التربه او الهواء او هما جميعا فان للارض خواصا وطبائع يقارب اختلافها اختلاف طبائع الانسان وكثير من النبات يكون في بعض البلاد غذاء ماكولا وفي بعضها سما قاتلا ورب ادويه لقوم اغذيه لاخرين وادويه لقوم من امراض هي ادويه لاخرين في امراض سواها وادويه لاهل بلاد تناسب غيرهم ولا تنفعهم واما خاصيه السبع فانها قد وقعت قدرا وشرعا فخلق الله عز وجل السماوات سبعا والاراضين سبعا والايام سبعه والانسان كمل خلقه في سبعه اطوار وشرع الله لعباده الطواف سبعا والسعي بين الصفا والمروه سبعا ورمي الجمار سبعا سبعا وتكبيرات العيدين سبعا في الاولى وقال صلى الله عليه وسلم مروه بالصلاه لسبع واذا صار للغلام سبع سنين خير بين ابويه في روايه وفي روايه اخرى ابوه احق به من امه وفي ثالثه امه احق به وامر النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه ان يصب عليه من سبع قرب وسخر الله الريح على قوم عاد سبع ليالي ودعا النبي صلى الله عليه وسلم ان يعينه الله على قومه بسبع كسبع يوسف ومثل الله سبحانه ما يضاعف به صدقه المتصدق بحبه انبتت سبع سنابل في كل سنبله 100 حبه والسنابل التي راها صاحب يوسف سبعا والسنين التي زرعوهابا سبعا وتضاعف الصدقه الى 700 ضعف الى اضعاف كثيره ويدخل الجنه من هذه الامه بغير حساب فلا ريب ان لهذا العدد خاصيه ليست لغ غيره والسبعه جمعت معاني العدد كله وخواصه فان العدد شفع ووتر والشفع اول وثان والوتر كذلك فهذه اربع مراتب شفع اول وثان ووتر اول وثان ولا تجتمع هذه المراتب في اقل من سبعه وهي عدد كامل جامع لمراتب العدد الاربعه اعني الشفعه والوتر والاوا وائل والثواني ونعني بالوتر الاول الثلاثه وبالثاني الخمسه وبالشفع الاول الاثنين وبالثاني الاربعه وللاطباء اعتناء عظيم بالسبعه ولا سما في البحارين وقد قال ابو قراط كل شيء في هذا العالم فهو مقدر على سبعه اجزاء والنجوم سبعه والايام سبعه واسنان الناس سبعه اولها طفل الى سبعه ثم صبي الى اربعه عشره ثم مراهق ثم شاب ثم كهل ثم شيخ ثم هرم الى منتهى العمر والله تعالى اعلم بحكمته وشرعه وقدره في تخصيص هذا العدد هل هو لهذا المعنى او لغيره ونفع هذا العدد من هذا التمر من هذا البلد من هذه البقعه بعينها من السم والسحر بحيث تمنع اصابته من الخوا واصل التي لو قالها ابو قراط وجالينوس وغيرهما من الاطباء لتلقاها عنهم الاطباء بالقبول والاذعان والانقياد مع ان القائل انما معه الحدث والتخمين والظن فمن كلامه كله يقين وقطع وبرهان ووحي اولى ان تتلقى اقواله بالقبول والتسليم وترك الاعتراض وادويه السموم تاره تكون بالخاصيه كخواص كثير من الاحجار والجواهر واليواقيت والله اعلم فصل ويجوز نفع التمر المذكور في بعض السموم فيكون الحديث من العام المخصوص ويجوز نفعه لخاصيه تلك البلد وتلك التربه الخاصه من كل سم ولكن ها هنا امر لابد من بيانه وهو ان من شرط انتفاع العليل بالدواء قبوله واعتقاده النفع به فتقبله الطب الطبيعه فتستعين به على دفع العله حتى ان كثيرا من المعالجات تنفع بالاعتقاد وحسن القبول وكمال التلقي وقد شاهد الناس من ذلك عجائب وهذا لان الطبيعه يشتد قبولها له وتفرح النفس به فتنتعش القوه ويقوى سلطان الطبيعه وينبعث الحار الغريزي فيساعد على دفع المؤذي وبالعكس يكون كثير من الادويه نافعا لتلك العله فيق يقطع عمله سوء اعتقاد العليل فيه وعدم اخذ الطبيعه له بالقبول فلا يجدي عليها شيئا واعتبر هذا باعظم الادويه والاسقيه وانفعها للقلوب والابدان والمعاش والمعاد والدنيا والاخره وهو القران الذي هو شفاء من كل داء كيف لا ينفع القلوب التي لا تعتقد فيه الشفاء والنفع بل لا يزيدها الا مرضا على مرضها وليس لشفاء القلوب دواء قط انفع من القران فانه شفاؤها التام الكامل الذي لا يغادر فيها سقما الا ابراه ويحفظ عليها صحتها المطلقه ويحميها الحميه التامه من كل مؤذن ومضر ومع هذا فاعراض اكثر القلوب عنه وعدم اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه انه كذلك وعدم استعماله والعدول عنه الى الادويه التي ركب بنو جنسها حال بينها وبين الشفاء به وغلبت العوائد واشتد الاعراض وتمكنت العلل والادواء المزمنه من القلوب وتربى المرضى والاطباء على علاج بني جنسهم وما وصفه لهم شيوخهم ومن يعظمونه ويحسنون به ظنونهم فعظم المصاب واستحكم الدواء وتركبت امراض وعلل اعيا عليهم علاجها وكلما عالجوها بهذه العلاجات الحادثه تفاقم امرها وقويت ولسان الحال ينادي عليهم ومن العجائب والعجائب جمه قرب الشفاء وما اليه وصول كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في دفع ضرر الاغذيه والفاكهه واصلاحها بما يدفع ضررها ويقوي نفعها. ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن جعفر قال رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم ياكل الرطب بالقثاء والرطب حار رطب في الثانيه يقوي المعده البارده ويوافقها ويزيد في الباه ولكنه سريع التعفن معطش معكر للدم مصضع مولد للسدد ووجع المثانه ومضر بالاسنان والقثاء بارد رطب في الثانيه مسكن للعطش منعش للقوى بشمه لما فيه من العطريه مطفئ لحراره المعده الملتهبه واذا جفف بذره ودق واستحلب بالماء وشرب سكن العطش وادر البول ونفع من وجع المثانه واذا دق ونخل دلك به الاسنان جلالها واذا دق ورقه وعمل منه ضماض مع الميفخنج نفع من عضه الكلب الكلب وبالجمله فهذا حار وهذا بارد وفي كل منهما صلاح الاخر وازاله لاكثر ضرره ومقاومه كل كيفيه بضدها ودفع ثورتها بالاخرى وهذا اصل العلاج كله وهو اصل في حفظ الصحه بل علم الطب كله يستفاد من هذا وفي استعمال ذلك وامثاله في الاغذيه والادويه اصلاح لها وتعديل ودفع لما فيها من الكيفيات المضره لما يقابلها وفي ذلك عون على صحه البدن وقوته وخصبه قالت عائشه رضي الله عنها سمنوني بكل شيء فلم اسمن فسمنوني بالقثاء والرطب فسمنت وبالجمله فدفع ضرر البارد بالحار والحار بالبارد والرطب باليابس واليابس بالرطب وتعديل احدهما بالاخر من ابلغ انواع العلاجات وحفظ الصحه ونظير هذا ما تقدم من امره بالسنى والسنوت وهو العسل الذي فيه شيء من السمن يصلح به السنا ويعدله فصلوات الله وسلامه على من بعث بعماره القلوب والابدان وبمصالح الدنيا والاخره فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الحميه الدواء كله شيئان حميه وحفظ صحه فاذا وقع التخليط احيج الى الاستفراغ الموافق وكذلك مدار الطب كله على هذه القواعد الثلاث والحميه حميتان حميه عما يجلب المرض وحميه عما يزيده فيقف على حاله فالاولى حميه الاصحاء والثانيه حميه المرضى فان المريض اذا احتمى وقف مرض رضه عن التزايد واخذت القوى في دفعه والاصل في الحميه قوله تعالى وان كنتم مرضى او على سفر او جاء احد منكم من الغائط او جاء احد منكم من الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا فتيمموا صعيدا طيبا فحمى المريض من استعمال الماء لانه يضره وفي سنن ابن ماجه وغيره عن ام المنذر بنت قيس الانصاريه قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وعلي ناقه من مرض ولنا دوال معلقه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ياكل منها وقام علي ياكل منها فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي انك ناقه حتى كف قالت وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي من هذا اصب فانه انفع لك وفي لفظ فقال من هذا فاصب فانه اوفق لك وفي سنن ابن ماجه ايضا عن صهيب قال قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر فقال اذن فكل فاخذت تمرا فاكلت فقال اتاكل تمرا وبك رمد فقلت يا رسول الله امضغ من الناحيه الاخرى فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حديث محفوظ عنه صلى الله عليه وسلم ان الله اذا احب عبدا دا حماه من الدنيا كما يحمي احدكم مريضه عن الطعام والشراب وفي لفظ ان الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا واما الحديث الدائر على السنه كثير من الناس الحميه راس الدواء والمعده بيت الداء وعودوا كل جسم معتاد فهذا الحديث انما هو من كلام الحرث ابن كل طبيب العرب ولا يصح رفعه الى النبي صلى الله عليه وسلم قاله غير واحد من ائمه الحديث ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ان المعده حوض البدن والعروق اليها وارده فاذا صحت المعده صدرت العروق بالصحه واذا سقمت المعده صدرت العروق بالسقم وقال الحرث راس الطب الحميه والحميه عندهم للصحيح في المضره بمنزله التخليط للمريض والناقه وانفع ما تكون الحميه للناقه من المرض فان طبيعته لم ترجع بعد الى قوتها والقوه الهاضمه ضعيفه والطبيعه قابله والاعضاء مستعده فتخليطه يوجب انتكاسها وهو اصعب من ابتداء مرضه واعلم ان في منع النبي صلى الله عليه وسلم لعلي من الاكل من الدوالي وهو ناقه احسن التدبير فان الدوالي اقناء ماء من الرطب تعلق في البيت للاكل بمنزله عناقيد العنب والفاكهه تضر بالناقه من المرض لسرعه استحالتها وضعف الطبيعه عن دفعها فانها بعد لم تتمكن قوتها وهي مشغوله بدفع اثار العله وازالتها من البدن وفي الرطب خاصه نوع ثقل على المعده فتشتغل بمعالجته واصلاحه عما هي بصدده من ازاله بقيه المرض واثار اره فاما ان تقف تلك البقيه واما ان تتزايد فلما وضع بين يديه السلق والشعير امره ان يصيب منه فانه من انفع الاغذيه للناقه فان في ماء الشعير من التبريد والتغذيه والتلطيف والتلبين وتقويه الطبيعه ما هو اصلح للناقه ولا سما اذا طبخ باصول السلق فهذا من اوفق الغذاء لمن في معدته ضعف ولا يتولد عنه من الاخلاط ما يخاف ف منه وقال زيد بن اسلم حمى عمر رضي الله عنه مريضا له حتى انه من شده ما حماه كان يمص النوى وبالجمله فالحميه من اكبر الادويه قبل الداء فتمنع حصوله واذا حصل فتمنع تزايده وانتشاره فصل ومما ينبغي ان يعلم ان كثيرا مما يحمى عنه العليل والناقه والصحيح اذا اشتدت الشهوه اليه ومالت اليه الطبيعه فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعه عن هضمه لم يضره تناوله بل ربما انتفع به فان الطبيعه والمعده تتلقيانه بالقبول والمحبه فيسطحان ما يخشى من ضرره وقد يكون انفع من تناول ما تكرهه الطبيعه وتدفعه من الدواء ولهذا اقر النبي صلى الله عليه وسلم صهيبا وهو ارمد على تناول التمرات اليسيره وعلم انها لا تضره ومن هذا ما يروى عن علي انه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ارمد وبين يدي النبي صلى الله عليه وسلم تمر ياكله فقال يا علي تشتهيه ورمى اليه بتمره ثم باخرى حتى رمى اليه سبعا ثم قال حسبك يا علي ومن هذا ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث عكرمه عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم عاد رجلا فقال له ما تشتهي فقال اشتهي خبز بر وفي لفظ اشتهي كعكا فقال النبي صلى الله عليه وسلم من كان عنده خبز بر فليبعث الى اخيه ثم قال اذا اشتهى مريض احدكم شيئا فليطعمه ففي هذا الحديث سر طبي لطيف فان المريض اذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق طبيعي وكان فيه ضرر ما كان انفع واقل ضررا مما لا يشتهيه وان كان نافعا في نفسه فان صدق شهوته ومحبه الطبيعه له تدفع ضرره وبغض الطبيعه وكراهتها للنافع قد يجلب لها منه ضررا وبالجمله فاللذيذ المشت تقبل الطبيعه عليه بعنايه فتهضيمه على احمد الوجوه سيما عند انبعاث النفس اليه بصدق الشهوه وصحه القوه والله اعلم فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الرمد بالسكون والذعه وترك الحركه والحميه مما يهيج الرمد وقد تقدم ان النبي صلى الله عليه وسلم حمى صهيبا من التمر وانكر عليه اكله وهو ارمد وحمى عليا من الرطب لما اصابه الرمد وذكر ابو نعيم في كتاب الطب النبوي انه صلى الله عليه وسلم كان اذا رمدت عين امراه من نسائه لم ياتها حتى تبرا عينها الرمد ورم حار يعرض في الطبقه الملتحمه من العين وهو بياضها الظاهر وسببه صباب احد الاخلاط الاربعه او ريح حاره تكثر كميتها في الراس والبدن فينبعث منها قسط الى جهد العين او ضربه تصيب العين فترسل الطبيعه اليها من الدم والروح مقدارا كثيرا تروم بذلك شفائها مما عرض لها ولاجل ذلك يورم العضو المضروب والقياس يوجب ضده واعلم انه كما يرتفع من الارض الى الجو بخا ان احدهما حار يابس والاخر حار رطب فينعقدان سحابا متراكمه ويمنعان ابصارنا من ادراك السماء فكذلك يرتفع من قعر المعده الى منتها مثل ذلك فيمنعان النظر ويتولد عنهما علل شتى فان قويت الطبيعه على ذلك ودفعته الى الخياشيم احدث الزكام وان دفعته الى الله والمنخارين احدث الخناق وان دفع دفعته الى الجنب احدث الشوصه وان دفعته الى الصدر احدث النزله وان انحدر الى القلب احدث الخبطه وان دفعته الى العين احدث رمدا وان انحدر الى الجوف احدث السيلان وان دفعته الى منازل الدماغ احدث النسيان وان ترطبت اوعيه الدماغ منه وامتلات به عروقه احدث النوم الشديد ولذلك كان النوم رطبا والسهر يابس وان طلب البخار النفوذ من الراس فلم يقدر عليه اعقبه الصباع والسهر وان مال البخار الى احد شقي الراس اعقبه الشقيقه وان ملك قمه الراس ووسط الهامه اعقبه داء البيضه وان برد منه حجاب الدماغ او سخن او ترطب وهاجت منه ارياح احدث العطاس وان اهاج الرطوبه البلغوميه فيه حتى غلب الحار الغريزي احدث الاغماء والسكتات وان اهاج المره السوداء حتى اظلم هواء الدماغ احدث الوسواس وان فاض ذلك الى مجاري العصب احدث الصرع الطبيعي وان ترطبت مجامع عصب الراس وفاض ذلك في مجاريه اعقبه الفالج وان كان البخار من مره صفراء ملتهبه محميه للدماغ احدث البرسام فان شاركه الصدر في ذلك كان سرساما فافهم هذا الفصل والمقصود ان اخلاط البدن والراس تكون متحركه هائجه في حال الرمد والجماع مما يزيد حركتها وثورانها فانه حركه كليه للبدن والروح والطبيعه فاما البدن فيسخن بالحركه لا محاله والنفس تشتد حركتها طلبا للذه واستكمالها والروح تتحرك تبعا لحركه النفس والبدن فان اول تعلق الروح من البدن بالقلب ومنه ينشا الروح وينبت في الاعضاء واما حركه الطبيعه فلان ترسل ما يجب ارساله من المني على المقدار الذي يجب ارساله وبالجمله فالجماع حركه كليه عامه يتحرك فيها البدن وقواه وطبيعته واخلاطه والروح والنفس فكل حركه فهي مثيره للاخلاق مرققه ثقه لها توجب دفعها وسيلانها الى الاعضاء الضعيفه والعين في حال رمدها اضعف ما يكون فاضر ما عليها حركه الجماع قال ابو قراط في كتاب الفصول وقد يدل ركوب السفن ان الحركه تثور الابدان هذا مع ان في الرمد منافع كثيره منها ما يستدعيه من الحميه والاستفراغ وتنقيه الراس والبدن من فضلاتهما وعفوناتهما والكف عما يؤذي النفس والبدن من الغضب والهم والحزن والحركات العنيفه والاعمال الشاقه وفي اثر سلفي لا تكره الرمد فانه يقطع عروق العمى ومن اسباب علاجه ملازمه السكون والراحه وترك مس العين والاشتغال بها فانضاد ذلك يوجب انصباب المواد اليها وقد قال بعض السلف مثل اصحاب محمد مثل العين ودباء العين ترك مسها والمقصود عدم التكلم في اصحابه صلى الله عليه وسلم وقد روي في حديث مرفوع الله اعلم به علاج الرمد تخطير الماء البارد في العين وهو من اكبر الادويه للرمد الحار فان الماء دواء بارد يستعان به على طفء حراره الرمد اذا كان حارا ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لامراته زينب وقد اشتكت عينها لو فعلت كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خيرا لك واجدر ان تشفي تنضحين في عينك الماء ثم تقولين اذهب الباس رب الناس واشف انت الشافي لا شفاء الا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما وهذا مما تقدم مرارا انه خاص ببعض البلاد وبعض اوجاع العين فلا تجعل كلام النبوه الجزئيه الخاصه كليا عاما ولا الكلي العام جزئيا خاصه فيقع من الخطا وخلاف الصواب ما يقع والله اعلم فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الخدران الكلي الذي يجمد معه البدن ذكر ابو عبيد في غريب الحديث من حديث ابي عثمان النهدي ان قوما مروا بشجره فاكلوا منها فكانما مرت بهم ريح فاجمدتهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم قرسوا الماء في الشنان وصبوا عليهم فيما بين الاذانين ثم قال ابو عبيد قرسوا يعني بردوا وقول الناس قد قرس البرد انما هو من هذا بالسين ليس بالصاد والشنان الاسقيه والقرب الخلقان يقال للسقاء شن وللقربه شنه وانما ذكر الشنان دون الجره لانها اشد تبريدا للماء وقوله بين الاذانين يعني اذان الفجر والاقامه فسمى الاقامه اذانا انتهى كلامه قال بعض الاطباء وهذا العلاج من النبي صلى الله عليه وسلم من افضل علاج هذا الداء اذا كان وقوعه بالحجاز وهي بلاد حاره يابسه والحار الغريزي ضعيف في بواطن سكانها وصب الماء البارد عليهم في الوقت المذكور وهو ابرد اوقات اليوم يوجب جمع الحار الغريزي المنتشر في البدن الحامل لجميع قواه فيقوي القوه الدافعه ويجتمع من اقطار البدن الى باطنه الذي هو محل ذلك الداء ويستظهر بباقي القو على دفع المرض المذكور فيدفعه باذن الله عز وجل ولو ان ابو قراط او جالينوس او غيرهما وصف هذا الدواء لهذا الذاء لخضعت له الاطباء وعجبوا من كمال معرفته فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في اصلاح الطعام الذي يقع فيه الذباب وارشاده الى دفع مضرات السموم باضاضها في الصحيحين من حديث ابي هريره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اذا وقع الذباب في اناء احدكم فانقلوه فان في احد جناحي هداء وفي الاخر شفاء". وفي سنن ابن ماجه عن ابي سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال احد جناحي الذباب سم والاخر شفاء فاذا وقع في الطعام فامقولوه فانه يقدم السم ويؤخر الشفاء هذا الحديث فيه امران امر فقهي وامر طبي فاما الفقهي فهو دليل ظاهر الدلاله جدا على ان الذباب اذا مات في ماء او مائع فانه لا ينجسه وهذا قول جمهور العلماء ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك ووجه الاستدلال به ان النبي صلى الله عليه وسلم امر بمقله وهو غمسه في الطعام ومعلوم انه يموت من ذلك ولا سما اذا كان الطعام حاجسه لكان امرا بافساد الطعام وهو صلى الله عليه وسلم انما امر باصلاحه ثم على هذا الحكم الى كل ما لا سائله كالنحله والزنبور والعنكبوت واشباه ذلك اذ الحكم يعم بعموم علته وينتفي لانتفاء سببه فلما كان سبب التنجي هو الدم المحتقن في الحيوان بموته وكان ذلك مفقودا فيما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته ثم قال من لم يحكم بنجاسه عظم الميته اذا كان هذا ثابتا في الحيوان الكامل مع ما فيه من الرطوبات والفضلات وعدم الصلابه فثبوته في العظم الذي هو ابعد عن الرطوبات والفضلات واحتقان الدم اولا وهذا في غايه القوه فالمصير اليه اولى واول من حفظ عنه في الاسلام انه تكلم بهذه اللفظه فقال ما لا نفس له سائله ابراهيم النخعي رضي الله عنه وعنه تلقاها الفقهاء والنفس في اللغه يعبر عنها عن الدم ومنه نفست المراه بفتح النون اذا حاضت ونفست بضمها اذا ولدت واما المعنى الطبي فقال ابو عبيد معنى امقلوه اغمسوه ليخرج الشفاء منه كما خرج الداء يقال للرجلين هما يتماقلان اذا تغاطا في الماء واعلم ان في الذباب عندهم قوه سميه يدل عليها الورم والحكه العارضه عن لسعه وهي بمنزله السلاح فاذا سقط فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه فامر النبي صلى الله عليه وسلم ان يقابل تلك السميه بما اودعه الله سبحانه في جناحه الاخر من الشفاء فيغمس كله في الماء والطعام فيقابل الماده السميه الماده النافعه فيزول ضررها وهذا طب لا يهتدي اليه كبار الاطباء وائمتهم بل هو خارج من مشكاه النبوه ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج ويقر لمن جاء به بانه اكمل الخلق على الاطلاق وانه مؤيد بوحي الهي خارج عن القوى البشريه وقد ذكر غير واحد من الاطباء ان لسع الزنبور والعقرب اذا دلك موضعه بالذباب نفع منه نفعا بينا وسكنه وما ذاك الا للماده التي فيه من الشفاء واذا دلك به الورم الذي يخرج في شعر العين المسمى شعره بعد قطع رؤوس الذباب ابراه فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج البثره ذكر ابن السني في كتابه عن بعض ازواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج في اصبعي بثره فقال عندك ذريره قلت نعم قال ضعيها عليها وقال قولي اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير صغر ما بي الذريره دواء هندي يتخذ من قصب الذريره وهي حاره يابسه تنفع من اورام المعده والكبد والاستسقاء وتقوي القلب لطيبها وفي الصحيحين عن عائشه انها قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريره في حجه الوداع للحل والاحرام والبثره خراج صغير يكون عن ماده حاره تدفعها الطبيعه فتسترق مكانا من الجسد تخرج منه فهي محتاجه الى ماء ينضجها ويخرجها والذرره احد ما يفعل بها ذلك فان فيها انضاجا واخراجا مع طيب رائحتها مع ان فيها تبريدا للناريه التي في تلك الماده ولذلك قال صاحب القانون انه لا افضل لحرق النار من الذريره بدهن الورد والخل فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الاورام والخراجات التي تبرا بالبط والبزل يذكر عن علي انه قال دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل يعوده بظهره ورم فقالوا يا رسول الله بهذه مده قال بطوا عنه قال علي فما برحت حتى بطت والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد ويذكر عن ابي هريره ان النبي صلى الله عليه وسلم امر طبيبا ان يبط بطن رجل اجوى بطن فقيل يا رسول الله هل ينفع الطب؟ قال الذي انزل الداء انزل الشفاء فيما شاء. الورم ماده في حجم العضو لفضل ماده غير طبيعيه تنصب اليه وتوجد في اجناس الامراض كلها. والمواد التي يكون عنها من الاخلاط الاربعه والمائيه والريح. واذا اجتمع الورم سمي خراجا وكل ورم حار يؤول امره الى احد ثلاثه اشياء اما تحلل واما جمع مده المده في ظني هو الصديد والماده المتجمعه اما تحلل واما جمع مده واما استحاله الى الصلابه فان كانت القوه قويه استولت على ماده الورم وحللته وهي اصلح الحالات التي يؤول حال الورم اليها وان كانت دون ذلك انضجت الماده واحالتها مده بيضاء وفتحت لها مكانا اسالتها منه وان نقصت عن ذلك احالت الماده مده غير مستحكمه النضج وعجزت عن فتح مكان في العضو تدفعها منه فيخاف على العضو الفساد بطول لبثها فيه فيحتاج حينئذ الى اعانه الطبيب بالبط او غيره لاخراج تلك تلك الماده الرديئه المفسده للعضو وفي البط فائدتان احداهما اخراج الماده الرديئه المفسده والثانيه منع اجتماع ماده اخرى اليها تقويها واما قوله في الحديث الثاني انه امر طبيبا ان يبطن رجل اجوى البطن فالجوى يقال على معان منها الماء المنتن الذي يكون في البطن يحدث عن الاستسقاء وقد اختلف الاطباء في بذله لخروج هذه الماده فمنعه طائفه منهم لخطره وبعد السلامه معه وجوزته طائفه اخرى وقالت لا علاج له سواه وهذا عندهم انما هو في الاستسقاء الزقي فانه كما تقدم ثلاثه انواع طبلي وهو الذي ينتفخ معه البطن بماده ريحيه اذا ضربت عليه سمع له صوت كصوت الطبل ولحمي وهو الذي يربو معه لحم جميع البدن بماده بلغميه تفشو مع الدم في الاعضاء وهو اصعب من الاول وزقي وهو الذي يجتمع معه في البطن الاسفل ماده رديئه يسمع لها عند الحركه خضخضه كخضخضه الماء في الزق وهو اردب انواعه عند الاكثرين من الاطباء وقالت طائفه اردا انواعه اللحمي لعموم الافه به ومن جمله علاج الزقي اخراج ذلك الماء بالبذل ويكون ذلك بمنزله فصد العروق لاخراج الدم الفاسد لكنه خطر كما تقدم وان ثبت هذا الحديث فهو دليل على جواز بذله والله اعلم فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المرضى بتطيب نفوسهم وتقويه قلوبهم روى ابن ماجا في سننه من حديث ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الاجل فان ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب نفس المريض في هذا الحديث نوع شريف جدا من اشرف انواع العلاج وهو الارشاد الى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعه وتنتعش به القوه وينبعث به الحار الغريزي فيتساعد على دفع العله او تخفيفها الذي هو غايه تاثير الطبيب وتفريح نفس المريض وتطيب قلبه وادخال ما يسره عليه له تاثير عجيب في شفاء علته وخفتها فان الارواح والقوى تقوى بذلك فتساعد الطبيعه على دفع المؤذي وقد شاهد الناس كثيرا من المرضى تنتعش شقواه بعياده من يحبونه ويعظمونه ورؤيتهم له ولطفهم به ومكالمتهم اياه وهذا احد فوائد عياده المرضى التي تتعلق بهم فان فيها اربعه انواع من الفوائد نوع يرجع الى المريض ونوع يعود على العائد ونوع يعود على اهل المريض ونوع يعود على العامه وقد تقدم في هديه صلى الله عليه وسلم انه كان يسال المريض عن شكواه وكيف يجده ويساله عما يشتهيه ويضع يده على جبهته وربما وضعها بين ثدييه ويدعو له ويصف له ما ينفعه في علته وربما توضا وصب على المريض من وضوءه وربما كان يقول للمريض لا باس عليك طهور ان شاء الله تعالى وهذا من كمال اللطف وحسن العلاج والتدبير فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الابدان بما اعتادته من الادويه والاغذيه دون ما لم تعتده هذا اصل عظيم من اصول العلاج وانفع شيء فيه واذا اخطاه الطبيب ضر المريض من حيث يظن انه ينفعه ولا يعدل عنه الا ما يجده من الادويه في كتب الطب الا طبيب جاهل فان ملائمه الادويه والاغذيه للابدان بحسب استعدادها وقبولها وهؤلاء اهل البوادي والاكارون وغيرهم لا ينجع فيهم شراب اللينوفر والورد الطري ولا المغلى ولا يؤثر في طباعهم شيئا بل عامه ادويه اهل الحضر واهل الرفاهيه لا تجدي عليهم والتجربه شاهده بذلك ومن تامل ما ذكرناه من العلاج النبوي راه كله موافقا لعاده العليل وارضه وما نشا عليه فهذا اصل عظيم من اصول العلاج يجب الاعتناء به وقد صرح به افاضل اهل الطب حتى قال طبيب العرب بل اطبهم الحارث بن كلذه وكان فيهم كابراط في قومه الحميه راس الدواء والمعده بيت الداء وعودوا كل بدن معتاد وفي لفظ عنه الازم دواء واء والازم الامساك عن الاكل يعني به الجوع وهو من اكبر الادويه في شفاء الامراض الامتلائيه كلها بحيث انه افضل في علاجها من المستفرغات اذا لم يخف من كثره الامتلاء وهيجان الاخلاق وحدتها وغليانها وقوله المعده بيت الداء المعده عضو عصبي مجوف كالقرعه في شكله مركب من ثلاث طبقات مؤلفه من شضايا دقيقه عصبيه تسمى الليف ويحاط بها لحم وليف احدى الطبقات بالطول والاخرى بالعرض والثالثه بالور وفم المعده اكثر عصبا وقعرها اكثر لحما وفي باطنها خمل وهي محصوره في وسط البطن واميل الى الجانب الايمن قليلا خلقت على هذه الصفه لحكمه لطيفه من الخالق الحكيم سبحانه وهي بيت الداء وكانت محلا للهضم الاول وفيها ينضج الغذاء وينحدر منها بعد ذلك الى الكبد والامعاء ويتخلف منه فيها فضلات عجزت القوه الهاضمه عن تمام هضمها اما لكثره الغذاء او لرداءته او لسوء ترتيب في استعماله له او لمجموع ذلك وهذه الاشياء بعضها مما لا يتخلص الانسان منه غالبا فتكون المعيده بيت الداء لذلك وكانه يشير بذلك الى الحث على تقليل الغذاء ومنع النفس من اتباع الشهوات والتحرز عن الفضلات واما العاده فلانها كالطبيعه للانسان ولذلك يقال العاده طبع ثان وهي قوه عظيمه في البدن حتى ان امرا واحدا اذا قيس الى ابدان مختلفه العادات كان مختلف النسبه اليها وان كانت تلك الابدان متفقه في الوجوه الاخرى مثال ذلك ابدان ثلاثه حاره المزاج في سن الشباب احدها عود تناول الاشياء الحاره والثاني عود تناول الاشياء البارده والثالث عود تناول الاشياء المتوسطه فان الاول متى تناول عسلا لم يضر به والثاني متى تناوله اضر به والثالث يضر به قليلا فالعاده ركن عظيم في حفظ الصحه ومعالجه الامراض ولذلك جاء العلاج النبوي باجراء كل بدن على عادته في استعمال الاغذيه والادويه وغير ذلك فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تغذيه المريض بالطف ما اعتاده من الاغذيه في الصحيحين من حديث عروه عن عائشه انها كانت اذا مات الميت من اهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن الا اهلها وخاصتها امرت ببرمه من تلبينه فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينه عليها ثم قالت كلنا منها فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول التلبينه مجمه لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن وفي السنن من حديث عائشه ايضا قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بالبغيض النافع التلبين قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا اشتكى احد من اهله لم تزل البرمونه على النار حتى ينتهي احد طرفيه يعني يبرا او يموت وعنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قيل له ان فلانا وجع لا يطعم الطعام قال عليكم بالتلبينه فحسوا اياها ويقول والذي نفسي بيده انها تغسل بطن احدكم كما تغسل احداكن وجهها من الوسخ التلبين هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن ومنه اشتق اسمه قال الهروي سميت تلبينه لشبهها باللبن لبياضها ورقتها وهذا الغذاء هو النافع للعليل وهو الرقيق النضيج لا الغليظ النيء واذا شئت ان تعرف فضل التلبينه فاعرف فضل ماء الشعير بل هي افضل من ماء الشعير لهم فانها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته والفرق بينها وبين ماء الشعير انه يطبخ صحاحا والتلبينه تطبخ منه مطحونا وهي انفع منه لخروج خاصيه الشعير بالطحن وقد تقدم ان للعادات تاثيرا في الانتفاع بالادويه والاغذيه وكانت عاده القوم ان يتخذوا ماء الشعير منه مطحونا لا صحاح وهو اكثر تغذيه واقوى فعلا واعظم جلاء وانما اتخذه اطباء المدن منه صحاحا ليكون ارق والطف فلا يثقل على طبيعه المريض وهذا بحسب طبائع اهل المدن ورخاوتها وثقل ماء الشعير المطحون عليها والمقصود ان ماء الشعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا ويجلو جلاء ظاهرا ويغذي غذاء لطيفا واذا شرب حاج اجلاؤه اقوى ونفوذه اسرع وانماؤه للحراره الغريزيه اكثر وتلميسه لسطوح المعده اوفق وقوله صلى الله عليه وسلم فيها مجمه لفؤاد المريض يروى بوجهين بفتح للميم والجيم وبضم الميم وكسر الجيم والاول اشهر ومعناه انها مريحه له اي تريحه وتسكنه من الاجمام وهو الراحه وقوله ويذهب ببعض الحزن او الحزن هذا والله اعلم لان الغم والحزن يبردان المزاج ويضعفان الحراره الغريزيه لميل الروح الحامل لها الى جهه القلب الذي هو منشاها وهذا الحساء يقوي الحراره الغريزيه بزيادته في مادتها فتزيل اكثر ما عرض له من الغم والحزن وقد يقال وهو اقرب انها تذهب ببعض الحزن بخاصيه فيها من جنس خواص الاغذيه المفرحه فان من الاغذيه ما يفرح بالخاصيه والله اعلم وقد يقال ان قوى الحزين تضعف باستيلاء اليبس على اعضائه وعلى معدته خاصه لتقليل الغذاء وهذا الحساء يرطبها ويقويها ويغذيها ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض لكن المريض كثيرا ما يجتمع في معدته خلط مراري او بلغمي او صدي وهذا الحزاء يجلو ذلك عن المعده ويسروه ويحذره ويميعه ويعدل كيفيته ويكسر ثورته فيريحها ولا سما لمن عادته الاغتذاء بخبز الشعير وهي عاده اهل المدينه اذ ذاك وكان هو غالب قوتهم وكانت الحنطه عزيزه عندهم والله اعلم فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السم الذي اصابه بخيبر من اليهود ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ان امراه يهوديه اهدت الى النبي صلى الله عليه وسلم شاه مصليه بخيبر فقال ما هذا؟ قالت هديه وحذرت ان تقول من الصدقه فلا ياكل منها فاكل منها النبي صلى الله عليه وسلم واكل الصحابه ثم قال امسكوا ثم قال للمراه هل سممت هذه الشاه؟ قالت من اخبرك بهذا قال هذا العظم لساقها وهو في يده قالت نعم قال لما قالت اردت ان كنت كاذبا ان يستريح منك الناس وان كنت نبيا لم يضرك. قال فاحتجم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثه على الكاحل وامر اصحابه ان يحتجموا فاحتجموا فمات بعضهم وفي طريق اخرى واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من اجل الذي اكل من الشاء حجمه ابو هند بالقرن والشفره وهو مولا لبني بياضه من الانصار وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجاعه الذي توفي في فقال ما زلت اجد من الاكله التي اكلت من الشاه يوم خيبر حتى كان هذا اوان انقطاع الابهر مني فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا قال موسى بن عقبه معالجه السم تكون بالاستفراغات وبالادويه التي تعارض فعل السم وتبطله اما بكيفياتها واما بخواصها فمن عدم الدواء فليب بادر الى الاستفراغ الكلي وانفعه الحجامه لا سما اذا كان البلد حازمان حاوه السميه تسري الى الدم فتنبعث في العروق والمجاري حتى تصل الى القلب فيكون الهلاك فالدم هو المنفذ الموصل للسم الى القلب والاعضاء فاذا بادر المسموم واخرج الدم خرجت معه تلك الكيفيه السميه التي خالطته فان كان استفراغا تاما لم يضره السم بل اما ان يذهب واما ان يضعف فتقوى عليه الطبيعه فتبطل فعله او تضعفه ولما احتجم النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في الكاهل وهو اقرب المواضع التي تمكن فيها الحجامه الى القلب فخرجت الماده السميه مع الدم لا خروجا كليا بل بقي اثرها مع ضعفه لما يريد الله سبحانه من تكميل مراتب الفضل كلها له فلما اراد الله اكرامه بالشهاده ظهر تاثير ذلك الاثر الكامل من السم ليقضي الله امرا كان مفعولا وظهر سر قوله تعالى لاعدائه من اليهود افكلما جاءكم رسول بما لا تهوى انفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتل فجاء بلفظ كذبتم بالماضي الذي وقع منه وتحقق وجاء بلفظ تقتلون بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه والله اعلم فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السحر الذي سحرته اليهوديه قد انكر هذا طائفه من الناس وقالوا لا يجوز جز هذا عليه وظنوه نقصا وعيبا وليس الامر كما زعموا بل هو من جنس ما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من الاسقام والاوجاع وهو مرض من الامراض واصابته به كاصابته بالسم لا فرق بينهما وقد ثبت في الصحيحين عن عائشه رضي الله عنها انها قالت سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ان كان لا يخيل اليه انه ياتي نساءه ولم ياتيهن وذلك اشد ما يكون من السحر قال القاضي عياض والسحر مرض من الامراض وعارض من العلل يجوز عليه صلى الله عليه وسلم كانواع الامراض مما لا ينكر ولا يقضح في نبوته واما كونه يخيل اليه انه فعل الشيء ولم يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخله في شيء من صدقه لقيام الدليل والاجماع على عصمته من هذا وانما هذا فيما يجوز طروه عليه في امر دنياه التي لم يبعث لسببها ولا فضل من اجلها وهو فيها عرضه للافات كسائد البشر فغير بعيد انه يخيل اليه من امورها ما لا حقيقه له ثم ينجلي عنه كما كان والمقصود ذكر هديه في علاج هذا المرض وقد روي عنه نوعان احدهما وهو ابلغ ما استخراجه وتبطيله كما صح عنه صلى الله عليه وسلم انه سال ربه سبحانه في ذلك فدل عليه فاستخرجه من بئر فكان في مشط ومشاطه وجف طلعه ذكر فلما استخرجه ذهب ما به حتى كانما نشط من عقال فهذا من ابلغ ما يعالج به المطبوب وهذا بمنزله ازاله الماده الخبيثه وقلعها من الجسد بالاستفراغ والنوع الثاني الاستفراغ في المحل الذي يصل اليه اذى السحر فان للسحر تاثيرا في الطبيعه وهيجان اخلاقها وتشويش مزاجها فاذا ظهر اثره في عضو وامكن استفراغ الماده الرديئه من ذلك العضو نفع جدا وقد ذكر ابو عبيد في كتاب غريب الحديث له باسناده عن عبد الرحمن بن ابي ليلى ان النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على راسه بقرن حين طب قال ابو عبيد معنى طب اي سحر وقد اشكل هذا على من قل علمه وقال ما للحجامه والسحر وما الرابطه بين هذا الداء وهذا الدواء ولو وجد هذا القائل ابو قراط او ابن سينا او غيرهما قد نص على هذا العلاج لتلقاه بالقبول والتسليم وقال قد نص عليه من لا نشك في معرفته وفضله فاعلم ان ماده السحر الذي اصيب به النبي صلى الله عليه وسلم انتهت الى راسه الى احدى قواه التي فيه بحيث كان يخيل اليه انه يفعل الشيء ولم يفعله وهذا تصرف من الساحر في الطبيعه والماده الدمويه بحيث غلبت تلك الماده على البطن المقدم منه فغيرت مزاجه عن طبيعته الاصليه والسحر مركب من تاثيرات الارواح الخبيثه وانفعال القوى الطبيعيه عنها وهو سحر التمزيجات وهو اشد ما يكون من السحر ولا سما في الموضع الذي انتهى اليه السحر واستعمال الحجامه على ذلك المكان الذي تضررت افعاله بالسحر من انفع المعالجه اذا استعملت على القانون الذي ينبغي قال ابو قراط الاشياء التي ينبغي ان تستفرغ يجب ان تستفرغ من المواضع التي هي اليها اميل بالاشياء الاشياء التي تصلح لاستفراغها وقالت طائفه من الناس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اصيب بهذا الداء وكان يخيل اليه انه فعل الشيء ولم يفعله ظن ان ذلك عن ماده دمويه او غيرها مالت الى جهه الدماغ وغلبت على البطن المقدم منه فازالت مزاجه عن الحاله الطبيعيه له وكان استعمال الحجامه اذك من ابلغ الادويه وانث المعالجه فاحتجم وكان ذلك قبل ان يوحى اليه ان ذلك من السحر فلما جاءه الوحي من الله تعالى واخبره انه قد سحر عدل الى العلاج الحقيقي وهو استخراج السحر وابطاله فسال الله سبحانه فدله على مكانه فاستخرجه فقام كانما نشط من عقال وكان غايه هذا السحر فيه انما هو في جسده وظاهر جوارحه لا على عقله وقلبه ولذلك لم يكن يعتقد صحه ما يخيل اليه من اتيان النساء بل يعلم انه خيال لا حقيقه له ومثل هذا قد يحدث من بعض الامراض والله اعلم فصل ومن انفع علاجات السحر الادويه الالهيه بل هي ادويته النافعه بالذات فانه من تاثيرات الارواح الخبيثه السفليه ودفع تاثير تاثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الاذكار والايات والدعوات التي تبطل فعلها وتاثيرها وكلما كانت اقوى واشد كانت ابلغ في النشره وذلك بمنزله التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه فايهما غلب الاخر قهره وكان الحكم له فالقلب اذا كان ممتلئا من الله مغمورا بذكره وله له من التوجهات والدعوات والاذكار والتعوذات ورد لا يخلو به يطابق فيه قلبه لسانه كان هذا من اعظم الاسباب التي تمنع اصابه السحر له ومن اعظم العلاجات له بعد ما يصيبه وعند السحره ان سحرهم انما يتم تاثيره في القلوب الضعيفه المنفعله والنفوس الشهوانيه التي هي معلقه بالسفليات ولهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال واهل البوادي ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد ومن لا نصيب له من الاوراد الالهيه والدعوات والتعوذات النبويه وبالجمله فسلطان تاثيره في القلوب الضعيفه المنفعله التي يكون ميلها الى السفليات قالوا والمسحور هو الذي يعين على نفسه فانا نجد قلبه متعلقا بشيء كثير الالتفات اليه فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات والارواح الخبيثه انما تتسلط على ارواح تلقاها مستعده لتسلطها عليها بميلها الى ما يناسب تلك الارواح الخبيثه وبفراغها من القوه الالهيه وعدم اخذها للعده التي تحاربها بها فتجدها فارغه لا عده معها وفيها ميل الى ما يناسبها فتتسلط عليها ويتمكن تاثيرها فيها بالسحر وغيره والله اعلم. فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستفراغ بالقيء روى الترمذي في جامعه عن معدان بن ابي طلحه عن ابي الدرداء ان النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضا فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال صدق انا صببت له وضوءه قال الترمذي وهذا اصح شيء في الباب القيء احد الاستفراغات الخمسه التي هي اصول الاستفراغ وهي الاسهال والقيء واخراج الدم وخروج الابخره والعرق وقد جاءت بها السنه اما الاسهال فقد مر في حديث خير ما تداويتم به المشي وفي حديث الثناء واما اخراج الدم فقد تم في احاديث الحجامه واما استفراغ الابخره فنذكره ره عقيب هذا الفصل ان شاء الله واما الاستفراغ بالعرق فلا يكون غالبا بالفصد بل بدفع الطبيعه له الى ظاهر الجسد فتصادف المسام مفتحه فيخرج منها والقيء استفراغ من اعلى المعده والحقنه من اسفلها والدواء من اعلاها واسفلها والقيء نوعان نوع بالغلبه والهيجان ونوع بالاستدعاء والطلب فاما الاول فلا يسوغ حبسه ودفعه الا اذا افرط وخيف منه التلف فيقطع بالاشياء التي تمسكه واما الثاني فانفعه عند الحاجه اذا روعي زمانه وشروطه التي تذكر واسباب القيء عشره احدها غلبه المره الصفراء وطوفوها على راس المعده فتطلب الصعود الثاني من غلبه بلغوم لزج قد تحرك في المعده واحتاج تتاج الى الخروج. الثالث ان يكون من ضعف المعيده في ذاتها فلا تهضم الطعام فتقذفه الى جهه فوق. الرابع ان يخالطها خلط رديء ينصب اليها فيسيء هضمها ويضعف فعلها. الخامس ان يكون من زياده الماكول او المشروب على القدر الذي تحتمله المعده فتعجز عن امساكه فتطلب دفعه وقذفه. السادس ان يكون من عدم موافقه الماكول والمشروب لها وكراهتها له فتطلب دفعه وقذفه السابع ان يحصل فيها ما يثور الطعام بكيفيته وطبيعته فتقذف به الثامن القرف وهو موجب غثيان النفس وته من الاعراض النفسانيه كالهم الشديد والغم والحزن وغلبه اشتغال الطبيعه والقوى الطبيعيه به واهتمامها بوروده عن تدبير البدن واصلاح الغذاء وانضاجه وهضمه فتقذفه المعده وقد يكون لاجل تحرك الاخلاق عند تخبط النفس فان كل واحد من النفس والبدن ينفعل عن صاحبه ويؤثر كيفيته في كيفيته العاشر نقل الطبيعه بان يرى من يتقيا فيغلبه هو القيء من غير استدعاء فان الطبيعه نقاله له واخبرني بعض حذاق الاطباء قال كان لي ابن اخت حذق في الكحل فجلس كحاله فكان اذا فتح عين الرجل وراى الرمد وكحله رمد وتكرر ذلك منه فترك الجلوس قلت له فما سبب ذلك قال نقل الطبيعه فانها نقاله قال واعرف اخر كان راى خراجا في موضع من جسم رجل يحكه فحك هو ذلك الموضع فخرجت فيه خراجه قلت وكل هذا لابد فيه من استعداد الطبيعه وتكون الماده ساكنه فيها غير متحركه فتتحرك لسبب من هذه الاسباب فهذه اسباب لتحرك الماده لانها هي الموجبه لهذا العارض فصل ولما كانت الاخلاط في البلاد الحاره والازمنه الحاره ترق وتنجذب الى فوق كان القيء فيها انفع ولما كانت في الازمنه البارده والبلاد البارده تغلظ ويصعب جذبها الى فوق كان استفراغها بالاسهال انفع وازاله الاخلاط ودفعها يكون بالجذب والاستفراغ والجذب يكون من ابعد الطرق والاستفراغ من اقربها والفرق بينهما ان الماده اذا كانت عامله في الانصباب او الترقي لم تستقر بعد فهي محتاجه الى الجذب فان كانت متصاعده جذبت من اسفل وان كانت منصبه جذبت من فوق واما اذا استقرت في موضعها استفرغت من اقرب الطرق اليها فمتى اضرت الماده بالاعضاء العليا اجتذبت من اسفل ومتى اضرت بالاعضاء السفلى اجتذبت من فوق ومتى استقرت استفرغت من اقرب مكان اليها ولهذا ذا احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله تاره وفي راسه اخرى وعلى ظهر قدمه تاره فكان يستفرغ ماده الدم المؤذي من اقرب مكان اليه والله اعلم فصل والقيء ينقي المعده ويقويها ويحد البصر ويزيل ثقل الراس وينفع قروح الكلى والمثانه والامراض المزمنه كالجذام والاستسقاء والفالج والرعشه وينفع اليرقان وينبغي ان يستعمله الصحيح في الشهر مرتين متواليتين من غير حفظ دور ليتدارك الثاني ما قصر عنه الاول وينقي الفضلات التي انصبت بسبب والاكثار منه يضر المعده ويجعلها قابله للفضول ويضر بالاسنان والبصر والسمع وربما صدع عرقا ويجب ان يجتنبه من به ورم في الحلق او ضعف في الصبر او دقيق الرقبه او مستعد لنفس الدم او عسر الاجابه له واما ما يفعله كثير من سيئي التدبير وهو ان يمتلئ من الطعام ثم يقذفه ففيه افات عديده منها انه يعجل الهرم ويوقع في امراض ردئه ويجعل القيء له عاده والقيء مع اليبوسه وضعف الاحشاء وهزال المراق او ضعف المستقيء خطر واحمد اوقاته الصيف والربيع دون الشتاء والخريف وينبغي عند القيء ان يعصب العينين ويقمط البطن ويغسل الوجه بماء بارد عند الفراغ وان يشرب عاقبه شراب التفاح مع يسير من مصطفعه نفعا بينا والقيء يستفرغ من اعلى المعده ويجذب من اسفل والاسهال بالعكس قال ابو قراط وينبغي ان يكون الاستفراغ في الصيف من فوق اكثر من الاستفراغ بالدواء وفي الشتاء من اسفل. فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الارشاد الى معالجه احذق الطبيبين. ذكر مالك في موطئه عن زيد بن اسلم ان رجلا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرح فاحتقن الدم. وان الرجل دعا رجلين من بني انمار فنظرا اليه فزعم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما ايكما اطب فقالا اوفي الطب خير يا رسول الله فقال انزل الدواء الذي انزل الداء ففي هذا الحديث انه ينبغي الاستعانه في كل علم وصناعه باحذق من فيها فالاحذق فانه الى الاصابه اقرب وهكذا يجب على المستفتي ان يستعين على ما نزل به بالاعلم فالاعلم لانه اقرب اصابه ممن هو دونه وكذلك من خفيت عليه القبله فانه يقلد اعلم من يجده وعلى هذا فطر الله عباده كما ان المسافر في البر والبحر انما سكون نفسه وطمانينته الى احذق الدليلين واخبرهما وله يقصد وعليه يعتمد فقد اتفقت على هذا الشريعه والفطره والعقل وقوله صلى الله عليه وسلم انزل الدواء الذي انزل الداء قد جاء مثله عنه في احاديث كثيره فمنها ما رواه عمرو بن دينار عن هلال بن بساف قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده فقال ارسلوا الى طبيب فقال قائل وانت تقول ذلك يا رسول الله قال نعم ان الله عز وجل لم ينزل داء الا انزل له دواء وفي الصحيحين من حديث ابي هريره يرفعه ما انزل الله من داء الا انزل له شفاء وقد تقدم هذا الحديث وغيره واختلف في معنى انزال الداء والدواء فقالت طائفه انزاله اعلام العباد به وليس بشيء فان النبي صلى الله عليه وسلم اخبر بعموم الانزال لكل داء ودوائه اكثر الخلق لا يعلمون ذلك ولهذا قال عالمه من علمه وجاهله من جاهله وقالت طائفه انزالهما خلقهما ووضعهما في الارض كما في الحديث الاخر ان الله لم يضع داء الا وضع له دواء وهذا وان كان اقرب من الذي قبله فلفظه الانزال اخص من لفظه الخلق والوضع فلا ينبغي اسقاط خصوصيه اللفظه بلا موجب وقالت طائفه انزالهما بواسطه الملائكه الموكلين بمباشره الخلق من داء ودواء وغير ذلك فان الملائكه موكله بامر هذا العالم وامر النوع الانساني من حين سقوطه في رحم امه الى حين موته فانزال الداء والدواء مع الملائكه وهذا اقرب من الوجهين قبله وقالت طائفه ان عامه الادواء واء والادويه هي بواسطه انزال الغيث من السماء الذي تتولد به الاغذيه والاقوات والادويه والادواء والات ذلك كله واسبابه ومكملاته وما كان منها من المعادن العلويه فهي تنزل من الجبال وما كان منها من الاوديه والانهار والثمار فداخل في اللفظ على طريق التغليب والاكتفاء عن الفعلين بفعل واحد يتضمنها وهو معروف من لغه لغه العرب بل وغيرها من الامم كقول الشاعر علفتها تبنا وماء باردا حتى غدت هماله عيناها وقال الاخر ورايت زوجك قد غدى متقلدا سيفا ورمحا وقال الاخر وزججنا الحواجب والعيون وهذا احسن مما قبله من الوجوه والله اعلم وهذا من تمام حكمه الرب عز وجل وتمام ربوبيته فانه كما ابتلى عباده بالادواء اعانهم عليها بما يسره لهم من الادويه وكما ابتلاهم بالذنوب اعانهم عليها بالتوبه والحسنات الماحيه والمصائب المكفره وكما ابتلاهم بالارواح الخبيثه من الشياطين اعانهم عليها بجند من الارواح الطيبه وهم الملائكه وكما ابتلاهم بالشهوات اعانهم على قض قضائها بما يسره لهم شرعا وقدرا من المشتهيات اللذيذه النافعه فما ابتلاهم سبحانه بشيء الا اعطاهم ما يستعينون به على ذلك البلاء ويدفعونه به ويبقى التفاوت بينهم في العلم بذلك والعلم بطريق حصوله والتوصل اليه وبالله المستعان فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تضمين من طب الناس وهو جاهل بطب. روى ابو داوود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن. هذا الحديث يتعلق به ثلاثه امور امر لغوي وامر فقهي وامر طبي فاما اللغوي فالطب بكسر الطاء في لغه العرب يقال على معان منها الاصلاح يقال طب اذا اصلحته ويقال له طب بالامور اي لطف وسياسه قال الشاعر واذا تغير من تميم امرها كنت الطبيب لها براي ثاقبي ومنها الحذق قال الجوهري كل حاذق طبيب عند العرب قال ابو عبيد اصل طب الحذق بالاشياء والمهاره بها يقال للرجل طب وطبيب اذا كان كذلك وان كان في غير علاج المريض وقال غيره رجل طبيب اي حاذق سمي طبيبا لحذقه وفطنته قال علقمه فان تسالوني بالنساء فانني خبير بادواء النساء طبيب اذا شاب راس المرء او قل ماله فليس له في ودهن نصيب وقال انره ان تغدقي دوني القناع فانني طب باخذ الفارس المستلائم اي ان ترخي عني قناعك وتستري وجهك رغبه عني فاني خبير حاذق باخذ الفارس الذي قد لبس لامه حربه ومنها العاده يقال ليس ذلك بطبي اي عادتي قال فروه بن مسيك فما ان طبنا جبن ولكن منايانا ودوله اخرنا وقال احمد بن الحسين ومتيه طبي فيهم غير انني بغيض الي الجاهل المتغافل ومنها السحر يقال رجل مطبوب اي مسحور وفي الصحيح من حديث عائشه لما سحرت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس الملكان عند راسه وعند رجليه فقال احدهما ما بال الرجل؟ قال الاخر مطبوب قال من طبه؟ قال فلان اليهودي قال ابو عبيد انما ما قالوا للمسحور مطبوب لانهم كنوا بالطب عن السحر كما كنوا عن اللديغ فقالوا سليم تفاؤلا بالسلامه وكما كنوا بالمفازه عن الفلات المهلكه التي لا ماء فيها فقالوا مفازه تفاؤلا بالفوز من الهلاك ويقال الطب لنفس الدواء قال ابن ابي الاسلت الا من مبلغ حسان عني اسحر كان طبك ام جنون واما قول الحماسي فان كنت مطبوبا فلا زلت هكذا وان كنت مسحورا فلا برئ السحر فانه اراد بالمطبوب الذي قد سحر واراد بالمسحور العليل بالمرض قال الجوهري ويقال للعليل مسحور وانشد البيت ومعناه ان كان هذا الذي قد عراني منك ومن حبك اسال الله دوامه ولا اريد زواله سواء كان سحرا او مرضا والطب مثلث الطاء فالمفتوح الطاء الطب هو العالم بالامور وكذلك الطبيب يقال له طب ايضا والطب بكسر الطاء فعل الطبيب والطب بضم الطاء اسم موضع قاله ابن السكيت وانشد فقلت هل انهلتم بطب ركابكم بجائزه الماء التي طاب طيبها وقوله صلى الله عليه وسلم من تطبب ولم يقل من طب لان لفظ التفاعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفه وانه ليس من اهله كتحلم وتشجع وتصبر ونظائرها وكذلك بنوا تكلف على هذا الوزن قال الشاعر وقيس سعيلان ومن تقيسا واما الامر الشرعي فايجاب الضمان على الطبيب الجاهل فاذا تعاطى علم الطب وعامله ولم يتقدم له به معرفه فقد هجم بجهله على اتلاف الانفس واقدم بالتهور على ما لم يعلمه فيكون قد غرر بالعليل فيلزمه الضمان لذلك وهذا اجماع من اهل العلم قال الخطابي لا اعلم خلافا في ان المعالجه اذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا والمتعاطى علما او عملا لا يعرفه متعد فاذا تولد من فعله التلف ضمن الديه وسقط عنه القود لانه لا يستبد بذلك بدون اذن المريض وجنايه المتطبب في قول عامه الفقهاء على عاقلته قلت الاقسام خمسه احدها طبيب حاذق اعطى الصنعه حقها ولم تجني يده فتولد من فعله الماذون من جهه الشارع ومن جهه من يطبه تلف العضو او النفس او ذهاب صفه فهذا لا ضمان عليه اتفاقا فانها سرايه ماذون فيه وهذا كما اذا ختن الصبي في وقت وسنه قابل للختان واعطى الصنعه حقها فتلف العضو او الصبي لم يضمن وكذلك اذا بط من عاقل او غيره ما ينبغي بطه في وقته اي فتح بطنه على الوجه الذي ينبغي فتلف به لم يضمن وهكذا سرايه كل ماذون فيه لم يتعدى الفاعل في سببها كسرايه الحد بالاتفاق وسرايه القصاص عند الجمهور خلافا لابي حنيفه رحمه الله في ايجابه للضمان بها وسرايه التعزير وضرب الرجل امراته والمعلم الصبي والمستاجر الدابه خلافا لابي حنيفه والشافعي رحمهم الله في ايجابهما الضمان في ذلك واستثنى الشافعي رحمه الله ضرب الدابه وقاعده الباب اجماعا ونزاعا ان سرايه الجنايه مضمونه بالاتفاق وسرايه الواجب مهدره بالاتفاق وما بينهما ففيه النزاع فابو حنيفه رحمه الله اوجب ضمانه مطلقا واحمد ومالك رحمه مهما الله اهدرا ضمانه وفرق الشافعي رحمه الله بين المقدر فاهذر ضمانه وبين غير المقدر فاوجب ضمانه فابو حنيفه رحمه الله نظر الى ان الاذن في الفعل انما وقع مشروطا بالسلامه واحمد ومالك رحمهم الله نظرا الى ان الاذن اسقط الضمان والشافعي رحمه الله نظر الى ان المقدر لا يمكن النقصان منه فهو بمنزل منزله النص واما غير المقدر كالتعزيرات والتاديبات فاجتهاديه فاذا تلف بهما ضمن لانه في مظنه العدوان فصل القسم الثاني متطبب جاهل باشرت يده من يطبه فتلف به فهذا ان علم المجني عليه انه جاهل لا علم له واذن له في طبه لم يضمن ولا يخالفه هذه الصوره ظاهر الحديث فان السياق وقوه الكلام يدل على انه غر العليل واوهمه انه طبيب وليس كذلك وان ظن المريض انه طبيب واذن له في طبه لاجل معرفته ضمن الطبيب ما جنت يده وكذلك ان وصف له دواء يستعمله والعليل يظن انه وصفه لمعرفته وحذقه فتلف به ضمنه والحديث ظاهر فيه او صريح. القسم الثالث طبيب حاذق اذن له واعطى الصنعه حقها لكنه اخطات يده وتعدت الى عضو صحيح فاتلفه مثل ان سبقت يد الخاتن الى الكامره فهذا يضمن لانها جنايه خطا ثم ان كانت الثلث فما زاد فهو على عاقلته فان لم يكن عاقل فهل تكون الديه في ماله او في بيت المال على قولين هما روايتان عن احمد وقيل ان كان الطبيب ذميا ففي ماله وان كان مسلما ففيه الروايتان فان لم يكن بيت المال او تعذر تحميله فهل تسقط الديه او تجب في مال الجاني فيه وجهان اشهرهما سقوطها القسم الرابع الطبيب الحاذق الماهر بصناعته اجتهد فوصف للمريض دواء فاخطا طا في اجتهاده فقتله فهذا يخرج على روايتين احداهما ان ديه المريض في بيت المال والثانيه انها على عاقله الطبيب وقد نص عليهما الامام احمد في خطا الامام والحاكم القسم الخامس طبيب حاذق اعطى الصنعه حقها فقطع سلعه من رجل او صبي او مجنون بغير اذنه او اذن وليه او ختن صبيا بغير اذن وليه فتلف فقال بعض اصحابنا يضمن لانه تولد من فعل غير ماذون فيه وان اذن له البالغ او ولي الصبي والمجنون لم يضمن ويحتمل الا يضمن مطلقا لانه محسن وما على المحسنين من سبيل وايضا فانه ان كان متعديا فلا اثر لاذن الولي في اسقاط الضمان وان لم يكن متعديا فلا وجه لضمانه فان قلت هو متعد عند عدم الاذن غير متعد عند الاذن قلت العدوان وعدمه انما يرجع الى فعله هو فلا اثر للاذن وعدمه فيه وهذا موضع نظر فصل والطبيب في هذا الحديث يتناول من يطبه بوصفه وقوله وهو الذي يخص باسم الطبائ عي وبمروده وهو الكحال وبمبضعه ومراهمه وهو الجرائحي وبموساه وهو الخاتن وبريشته وهو الفاصد وبمحاجمه ومشرطه وهو الحجام وبخلعه ووصله ورباطه وهو المجبر وبمكواته وناره وهو الكواء وبقربته وهو الحاق وسواء كان طبه لحيوان بهيم او انسان فاسم الطبيب يطلق لغه على هؤلاء كلهم كما تقدم وتخصيص الناس له ببعض انواع الاطباء عرف حادث كتخصيص لفظ الدابه بما يخصها به كل قوم فصل والطبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه 20 امرا احدها النظر في نوع المرض من اي الامراض هو الثاني النظر في سببه من اي شيء حدث والعله الفاعله التي كانت سبب حدوثه ما هي؟ الثالث قوه المريض وهل هي مقاومه للمرض او اضعف منه فان كانت مقاومه للمرض مستظهره عليه تركها والمرض ولم يحرك بالدواء ساكنا الرابع مزاج البدن الطبيعي ما هو الخامس المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي السادس سن المريض السابع عادته الثامن الوقت الحاضر من فصول السنه وما يليق به التاسع بلد المريض وتربته العاشر حال الهواء في وقت المرض الحادي عشر النظر في الدواء المضاد لتلك العله الثاني عشر النظر في قوه الدواء ودرجته والموازنه بينها وبين قوه المريض الثال عشر الا يكون كل قص قصده ازاله تلك العله فقط بل ازالتها على وجه يامن معه حدوث اصعب منها فمتى كان ازالتها لا يؤمن معها حدوث عله اخرى اصعب منها ابقاها على حالها وتلطيفها هو الواجب وهذا كمرض افواه العروق فانه متى عولج بقطعه وحبسه خيف حدوث ما هو اصعب منه الرابع عشر ان يعالج بالاسهل فالاسهل فلا لا ينتقل من العلاج بالغذاء الى الدواء الا عند تعذره ولا ينتقل الى الدواء المركب الا عند تعذر الدواء البسيط فمن سعاده الطبيب علاجه بالاغذيه بدل الادويه وبالادويه البسيطه بدل المركبه الخمس عشر ان ينظر في العله هل هي مما يمكن علاجها او لا فان لم يمكن علاجها حفظ صناعته وحرمته ولا يحمله الطمع على علاج لا يفيد شيئا وان امكن علاجها نظر هل يمكن زوالها ام لا فان علم انه لا يمكن زوالها نظر هل يمكن تخفيفها وتقليلها ام لا فان لم يمكن تقليلها وراى ان غايه الامكان ايقافها وقطع زيادتها قصد بالعلاج ذلك واعان القوه واضعف الماده الس 16 الا يتعرض للخلط قبل نضجه باستفراغ بل يقصد انضاجه فاذا تم نضجه بادر الى استفراغه. الساب عشر ان يكون له خبره باعتلال القلوب والارواح وادويتها وذلك اصل عظيم في علاج الابدان. فان انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب امر مشهود والطبيب اذا كان عارفا بامراض القلب والروح وعلاجهما كان هو الطبيب الكامل. والذي لا خبره له بذلك وان كان حاذقا في علاج الطبيعه واحوال البدن نصف طبيب وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه وتقويه ارواحه وقواه بالصدقه وفعل الخير والاحسان والاقبال على الله والدار الاخره فليس بطبيب بل متطبب قاصر ومن اعظم علاجات المرض فعل الخير والاحسان والذكر والدعاء والتضر التضرع والابتهال الى الله والتوبه ولهذه الامور تاثير في دفع العلل وحصول الشفاء اعظم من الادويه الطبيعيه ولكن بحسب استعداد النفس وقبولها وعقيدتها في ذلك ونفعه الثام عشر التلطف بالمريض والرفق به كالتلطف بالصبي عشر ان يستعمل انواع العلاجات الطبيعيه والالهيه والعلاج بالتخييل فان لحذاق الاطباء في التخييل امورا عجيبه لا يصل اليها الدواء فالطبيب الحاذق يستعين على المرض بكل معين العشر وهو ملاك امر الطبيب ان يجعل علاجه وتدبيره دائرا على سته اركان حفظ الصحه الموجوده ورد الصحه المفقوده بحسب الامكان وازاله العله او تقليلها بحسب الامكان واحتمال ادنى المفسد ين لازاله اعظمهما وتفويت ادنى المصلحتين لتحصيل اعظمهما فعلى هذه الاصول السته مدار العلاج وكل طبيب لا تكون هذه اخيته التي يرجع اليها فليس بطبيب والله اعلم فصل ولما كان للمرض اربعه احوال ابتداء وصعود وانتهاء وانحطاط تعين على الطبيب مراعاه كل حال من احوال المرض بما يناسبها ويليق بها ويستعمل في كل حال ما يجب استعماله فيها فاذا راى في ابتداء المرض ان الطبيعه محتاجه الى ما يحرك الفضلات ويستفرغها لنضجها بادر اليه فان فاته تحريك الطبيعه في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك او لضعف القوه وعدم احتمالها للاستفراغ او لبروده الفصل او لتفريط وقع فينبغي ان يحذر كل الحذر ان يفعل ذلك في صعود المرض لانه ان فعله تحيرت الطبيعه لاشتغالها بالدواء وتخلت عن تدبير المرض ومقاومته بالكليه ومثاله ان يجيء الى فارس مشغول بمواقعه عدوه فيشغله عنه بامر اخر ولكن الواجب في هذه الحال ان يعين الطبيعه على حفظ القوه ما امكنه فاذا انتهى المرض ووقف وسكن اخذ في استفراغه واستئصال اسبابه فاذا اخذ في الانحطاط كان اولى بذلك ومثال هذا مثال العدو اذا انتهت قوته وفرغ سلاحه كان اخذه سهلا فاذا ولى واخذ في الهرب كان اسهل اخذا وحدته وشوكته انما هي في ابتدائه وحال استفراغه وسعه قوته فهكذا الداء والد دواء سواء فصل ومن حذق الطبيب انه حيث امكن التدبير بالاسهل فلا يعدل الى الاصعب ويتدرج من الاضعف الى الاقوى الا ان يخاف فوت القوه حينئذ فيجب ان يبتدئ بالاقوى ولا يقيم في المعالجه على حال فتالفها الطبيعه ويقل انفعالها عنه ولا تجسر على الادويه القويه في الفصول القويه وقد تقدم قدم انه اذا امكنه العلاج بالغذاء فلا يعالج بالدواء واذا اشكل عليه المرض احار هو ام بارد فلا يقدم حتى يتبين له ولا يجربه بما يخاف عاقبته ولا باس بتجربته بما لا يضر اثره واذا اجتمعت امراض بدا بما تخصه واحده من ثلاث خصال احدها ان يكون برئ موقوفا على برئ كالورم والقرحه فانه يبدا بالورم. الثاني ان يكون احدهما سببا للاخر كالسده والحمى العفنه فانه يبدا بازاله السبب. الثالث ان يكون احدهما اهم من الاخر كالحاد والمزمن فيبدا بالحاد ومع هذا فلا يغفل عن الاخر. واذا اجتمع المرض والعرض بدا بالمرض الا ان يكون العرض اقوى كالقولنج فيسكن الوجع اولا ثم يعالج السده واذا امكنه ان يعتاض عن المعالجه بالاستفراغ بالجوع او الصوم او النوم لم يستفرغه وكل صحه اراد حفظها حافظها بالمثل او الشبه وان اراد نقلها الى ما هو افضل منها نقلها بالضد فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في التحرز من الادواء المعديه بطبعها وارشاده الاصحاء الى مجانبه اهلها ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله انه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فارسل اليه النبي صلى الله عليه وسلم ارجع فقد بايعناك وروى البخاري في صحيحه تعليقا من حديث ابي هريره عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال فر من المجذوم كما تفر من الاسد وفي سنن ابن ماجه من حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تديموا النظر الى المجذومين وفي الصحيحين من حديث ابي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوردن ممرض على مصح ويذكر عنه صلى صلى الله عليه وسلم كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمح او رمحين الجذام عله رديئه تحدث من انتشار المره السوداء في البدن كله فيفسد مزاج الاعضاء وهيئتها وشكلها وربما فسد في اخره اوصالها حتى تتاكل الاعضاء وتسقط ويسمى داء الاسد وفي هذه التسميه ثلاثه اقوال للاطباء احدها انها لكثره ما يعتري الاسد والثاني لان هذه العله تجه وجه صاحبها وتجعله في سحنه الاسد والثالث انه يفترس من يقربه او يدنو منه بدائه افتراس الاسد وهذه العله عند الاطباء من العلل المعديه المتوارثه ومقارب المجذوم وصاحب السل يسقم برائحته فالنبي صلى الله عليه وسلم بكمال شفقته على الامه ونصحه لهم نهاهم عن الاسباب التي تعرضهم لوصول العيب والفساد الى اجسامهم وقلوبهم ولا ريب انه قد يكون في البدن تهيؤ واستعداد كامل لقبول هذا الداء وقد تكون الطبيعه سريعه الانفعال قابله للاكتساب من ابدان من تجاوره وتخالطه فانها نقاله وقد يكون خوفها من ذلك ووهمها من اكثر اسباب اصابه تلك العله لها فان الوهم فعال مستول على القوى والطبائع وقد تصل رائحه العليل الى الصحيح فتسقمه وهذا معاين في بعض الامراض والرائحه احد اسباب العدوى ومع هذا كله فلا بد من وجود استعداد البدن وقبوله لذلك الداء وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم امراه فلما اراد الدخول بها وجد بكشف ها بياضا فقال الحقي باهلك وقد ظن طائفه من الناس ان هذه الاحاديث معارضه باحاديث اخر تبطلها وتناقضها فمنها ما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اخذ بيد رجل مجذوم فادخلها معه في القصعه وقال بسم الله ثقه بالله وتوكلا عليه ورواه ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله وبما ثبت في الصحيح عن ابي هريره عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا عدوى ولا طيره ونحن نقول لا تعارض بحمد الله بين احاديثه الصحيحه فاذا وقع التعارض فاما ان يكون احد الحديثين ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم وقد غلط فيه بعض الرواه مع كونه ثقه ثبت فالثقه يغلط او يكون احد الحديثين ناسخا للاخر فاذا كان مما يقبل النسخ او التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه صلى الله عليه وسلم فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثه واما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس احدهما ناسخا للاخر فهذا لا يوجد اصلا ومعاذا الله ان يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه الا الحق والافه من التقصير في معرفه المنقول والتمييز بين صحيحه ومعلوله او من القصور في فهم مراده صلى الله عليه وسلم وحمل كلامه على غير ما عاناه به او منهما مع ومنها هنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع وبالله التوفيق قال ابن قتيبه في كتاب اختلاف الحديث له حكايه عن اعداء الحديث واهله قالوا حديثان متناقضان رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا عدوى ولا طيره وقيل له ان النقبه تقع بمشفر البعير فيجرب لذلك الابل قال فما اعدى الاول ثم رويتم لا يورد ذو عاهه على مصح وفر من المجذوم فرارك من الاسد واتاه رجل مجذوم ليبايعه على الاسلام فارسل اليه البيعه وامره بالانصراف ولم ياذن له وقال الشؤم في المراه والدار والدابه قالوا وهذا كله مختلف لا يشبه بعضه بعضا قال ابو محمد ونحن نقول انه ليس في هذا اختلاف ولكل معنى منها وقت وموضع فاذا وضع موضعه زال الاختلاف والعدوى جنس انسان احدهما عدوى الجذام فان المجذوم يشتد رائحته حتى يسقم من اطال مجالسته ومحادثته وكذلك المراه تكون تحت المجذوم فتضاجعه في شعار واحد فيوصل اليها الاذى وربما جذمت وكذلك ولده ينزعون في الكبر اليه وكذلك من كان به صل ودق ونقب والاطباء تامر الا يجالس المسل الملول ولا المجذ ولا يريدون بذلك معنى العدوى وانما يريدون به معنى تغير الرائحه وانها قد تسقم من اطالتمامها والاطباء ابعد الناس عن الايمان بيمن وشؤم وكذلك النقبه تكون بالبعير وهو جرب رطب فاذا خالط الابل او حاكها واوى في مباركها وصل اليها بالماء الذي يسيل منه وبالنطف نحو ما به فهذا هو المعنى الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد ذوعاهه على مصح كره ان يخالط المعيوه الصحيح لاللا يناله من نطفه وحكته نحو ما به قال واما الجنس الاخر من العدوى فهو الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوف العدوى وقد قال صلى الله عليه وسلم اذا وقع ببلد وانتم فيه فلا تخرجوا منه واذا كان ببلد فلا تدخلوه يريد بقوله لا تخرجوا من البلد اذا كان فيه كانكم تظنون ان الفرار من قدر الله ينجيكم من الله ويريد بقوله واذا كان ببلد فلا تدخلوه ان مقامكم في الموضع الذي لا طاعون فيه اسكن لقلوبكم واطيب لعيشكم ومن ذلك المراه تعرف بالشؤم او الدار فينال الرجل مكروه او جائحه فيقول اعدتني بشؤمها فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عدوى وقالت فرقه اخرى بل الامر باجتناب المجذوم والفرار منه على الاستحباب والاختيار والارشاد واما الاكل معه ففعله لبيان الجواز وان هذا ليس بحرام وقالت فرقه اخرى بل الخطاب بهذين الخطابين جزئي لا كلي فكل واحد خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم بما يليق بحاله فبعض الناس يكون قوي الايمان قوي التوكل تدفع قوه توكله قوه العدوى كما تدفع قوه الطبيعه قوه العله فتبطلها وبعض الناس لا يقوى على ذلك فخاطبه بالاحتياط والاخذ بالتحفظ وكذلك هو صلى الله عليه وسلم فعل الحالتين معا لتقتد دي به الامه فيهما فياخذ من قوي من امته بطريقه التوكل والثقه بالله وياخذ من ضعف منهم بطريقه التحفظ والاحتياط وهما طريقان صحيحان احدهما للمؤمن القوي والاخر للمؤمن الضعيف فتكون لكل واحد من الطائفتين حجه وقوه بحسب حالهم وما يناسبهم وهذا كما انه صلى الله عليه وسلم كوى واثنى على تارك الكي وقرن تركه بالتوكل وترك الطياره ولهذا نظائر كثيره وهذه طريقه لطيفه حسنه جدا من اعطاها حقها ورزق فقه نفس فيها ازالت عنه تعارضا كثيرا يظنه بالسنه الصحيحه وذهبت فرقه اخرى الى ان الامر بالفرار منه ومجانبته لامر طبيعي وهو انتقال الداء منه بواسطه الملامسه والمخالطه والرائحه الى الصحيح وهذا يكون مع تكرير المخالطه والملامسه له واما اكله معه مقارا يسيرا من الزمان لمصلحه راجحه فلا باس به ولا تحصل العدوى من مره واحده ولحظه واحده فنهى سدا للذريعه وحمايه للصحه وخالطه مخالطه ما للحاجه والمصلحه فلا تعارض بين الامرين وقالت طائفه اخرى يجوز ان يكون هذا المجذ اكل معه به من الجذام امر يسير لا يعدي مثله وليس الجذواء ولا العدوى حاصله من جميعهم بل منهم من لا تضر مخالطته ولا تعدي وهو من اصابه من ذلك شيء يسير ثم وقف واستمر على حاله ولم يعدي بقيه جسمه فهو الا يعدي غيره اولى واحرى وقالت فرقه اخرى ان الجاهليه كانت تعتقد ان الامراض المعديه تعدي بطبعها من غير اضافه الى الله سبحانه فابضل النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم ذلك واكل مع المجذ ليبين لهم ان الله سبحانه هو الذي يمرض ويشفي ونهى عن القرب منه ليتبين لهم ان هذه من الاسباب التي جعلها الله مفضيه الى مسبباتها ففي ففي نهيه اثبات الاسباب وفي فعله بيان انها لا تستقل بشيء بل الرب سبحانه ان شاء سلبها قواها فلا تؤثر شيئا وان شاء ابقى عليها قواها فاثرت وقالت فرقه اخرى بل هذه الاحاديث فيها الناسخ والمنسوخ فينظر في تاريخها فان علم المتاخر منها حكم بانه الناسخ والا توقفنا فيها وقالت فرقه اخرى بل بعضها محفوظ وبعضها غير محفوظ وتكلمت في حديث عدوى وقالت قد كان ابو هريره يرويه اولا ثم شك فيه فتركه ورجعوه فيه وقالوا له سمعناك تحدث فابى ان يحدث به قال ابو سلمه فلا ادري انسي ابو هريره ام نسخ احد الحديثين الاخر واما حديث جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم اخذ بيد مجذوم فادخلها معه في القصعه فحديث لا يثبت ولا يصح وغايه ما قال فيه الترمذي انه غريب لم يصحح ولم يحسنه وقد قال شعبه وغيره اتقوا هذه الغرائب قال الترمذي ويروى هذا من فعل عمر وهو اثبت فهذا شان هذين الحديثين اللذين عرض بهما احاديث النهي احدهما رجع ابو هريره عن التحديث به وانكره والثاني لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله اعلم وقد اشبعنا الكلام في هذه المساله في كتاب المفتاح باطول من هذا وبالله التوفيق فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في المنع من التداوي بالمحرمات روى ابو داوود في سننه من حديث ابي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله انزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بالمحرم وذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود ان الله لم يجعل شفائكم فيما حرم عليكم وفي السنن عن ابي هريره قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث وفي صحيح مسلم عن طارق بن سويد الجعفي انه سال النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه او كره ان يصنعها فقال انما اصنعها للدواء فقال انه ليس بدواء ولكنه داء وفي السنن انه صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر يجعل في الدواء فقال انها داء وليست بالدواء رواه ابو داوود والترمذي وفي صحيح مسلم عن طارق بن سويد الحضرمي قال قلت يا رسول الله ان بارضنا اعنابا نعتصرها فنشرب منها قال لا فراجعته قلت انا نستشفي للمريض قال ان ذلك ليس بشفاء ولكنه داء وفي سنن النسائي ان طبيبا ذكر ضفضعا في دواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فناهاه عن قتلها ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم انه قال من تداوى بالخمر فلا شفاه الله المعالجه بالمحرمات قبيحه عقلا وشرعا اما الشرع فما ذكرنا من هذه الاحاديث وغيرها واما العقل فهو ان الله سبحانه انما حرمه لخبثه فانه لم يحرم على هذه الامه طيبا عقوبه لها كما حرمه على بني اسرائيل بقوله فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم وانما حرم على هذه الامه ما حرم لخبثه وتحريمه له حميه لهم وصيانه عن تناوله فلا يناسب ان يطلب به الشفاء من الاسقام والعلل فانه وان اثر في ازالتها لكنه يعقب سقما اعظم منه في القلب بقوه الخبز الذي فيه فيكون المداوى به قد سعى في ازاله سقم البدن بسقم القلب وايضا فان تحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق وفي اتخاذه دواء حظ على الترغيب فيه وملابسته وهذا ضد مقصود الشارع وايضا فانه داء كما نص عليه صاحب الشريعه فلا يجوز ان يتخذ دواء وايضا فانه يكسب الطبيعه والروح صفه الخبذ لان الطبيعه تنفعل عن كيفيه الدواء انفعالا بينا فاذا كانت كيفيته خبيثه اكسب الطبيعه منه خبثا فكيف اذا كان خبيثا في ذاته ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الاغذيه والاشربه والملابس الخبيثه لما تكتسب النفس من هيئه الخبث وصفته وايضا فان في اباحه التداول به ولا سما اذا كانت النفوس تميل اليه ذريعه الى تناوله للشهوه واللذه لا سما اذا عرفت النفوس انه نافع لها مزيل لاسقامها جالب لشفائها فهذا احب شيء اليها والشارع سد الذريعه الى تناوله بكل ممكن ولا ريب ان بين سد الذريعه الى تناوله وفتح الذريعه الى تناوله تناقضا وتعارضا وايضا فان في هذا الدواء المحرم من الادواء ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء وليفرض الكلام في ام الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاء قط فانها شديده المضره بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الاطباء وكثير من الفقهاء والمتكلمين قال ابو قراط في اثناء كلامه في الامراض الحاده ضرر الخمره بالراس شديد لانه يسرع الارتفاع اليه ويرتفع بارتفاعه الاخلاط التي تعلو في البدن وهو لذلك يضر بالذهن وقال صاحب الكامل ان خاصيه الشراب الاضرار بالدماغ والعصب واما غيره من الادويه المحرمه فنوعان احدهما تعافه النفس ولا تنبعث لمساعدته الطبيعه على دفع المرض كالسموم ولحوم الافاء وغيرها من المستقذرات فيبقى كلا على الطبيعه مثقلا لها فيصير حينئذ داء لا دواء والثاني ما لا تعافه النفس كالشراب الذي تستعمله الحوامل مثلا فهذا ضرره اكثر من نفعه والعقل يقضي بتحريم ذلك فالعقل والفطره مطابق للشرع في ذلك وها هنا سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها فان شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول واعتقاد منفعته وما جعل الله فيه من بركه الشفاء فان النافع هو المبارك وانفع الاشياء ابركها والمبارك من الناس اينما كان هو الذي ينتفع به حيث حل ومعلوم ان اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها وتلقي طبعه لها بالقبول بل كلما كان العبد اعظم ايمانا كان اكره لها واسوا اعتقادا فيها وطبعه اكره شيء لها فاذا تناولها في هذه الحال كانت داء له لا دواء الا ان يزول اعتقاد الخبث فيها وسوء الظن والكراهه لها بالمحبه وهذا ينافي الايمان فلا يتناولها المؤمن قط الا على وجه داء والله اعلم. فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج القمل الذي في الراس وازالته. في الصحيحين عن كعب بن عجره قال كان بي اذى من راسي فحملت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال ما كنت ارى الجهد قد بلغ بك ما ارى وفي روايه فامره ان يحلق راسه وان يطعم فرقا بين سته او يهدي شاتا او يصوم ثلاثه ايام كان ذلك في الحج القمل يتولد في الراس والبدن من شيئين خارج عن البدن وداخل فيه فالخارج الوسخ والدنس المركب في سطح الجسد والثاني من خلط رديء عفن تدفعه الطبيعه بين الجلد واللحم فيتعفن بالرطوبه الدمويه في البشره بعد خروجها من المسام فيكون منه القمل واكثر ما يكون ذلك بعد العلل والاسقام بسبب الاوساخ وانما كان في رؤوس الصبيان اكثر لكثره رطوباتهم وتعاطيهم الاسباب التي تولد القمل ولذلك حلق النبي صلى الله عليه وسلم رؤوس بني جعفر ومن اكبر علاجه حلق الراس لينفتح مسام الابخره فتتصاعض الابخره الرديئه فتضعف ماده الخلط وينبغي ان يطلى الراس بعد ذلك بالادويه التي تقتل القمل وتمنع تولده وحلق الراس ثلاثه انواع احدها نسك وقربه والثاني بدعه وشرك والثالث حاجه ودواء فالاول الحلق في احد النسكين الحج او العمره والثاني حلق الراس لغير الله سبحانه كما يحقها المريدون لشيوخهم فيقول احدهم انا حلقت راسي لفلان وانت حلقته لفلان وهذا بمنزله ان يقول سجدت لفلان فان حلق الراس خضوع وعبوديه وذل ولهذا كان من تمام الحج حتى انه عند الشافعي رحمه الله ركن من اركانه لا يتم الا به فانه وضع النواصي بين يدي ربها خضوعا لعظمته وتذللا لعزته وهو من ابلغ انواع العبوديه ولهذا كان العرب اذا ارادت اذلال الاسير منهم وعتق حلقوا راسه واطلقوه فجاء شيوخ الضلال والمزاحمون للربوبيه الذين اساس مشيختهم على الشرك والبدعه فارادوا من مريديهم ان يتعبدوا لهم فزينوا لهم حلق رؤوسهم لهم كما زينوا لهم السجود لهم وسموه بغير اسمه وقالوا هو وضع الراس بين يدي الشيخ ولعمر الله ان السجود لله هو وضع الراس بين يديه سبحانه وزينوا لهم ان ينذروا لهم ويتوبوا لهم ويحلفوا باسمائهم وهذا هو اتخاذهم اربابا والهه من دون الله قال تعالى ما كان لبشر ان يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوءه ثم يقول للناس كونوا عبادا لي كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يامركم ان تتخذوا الملائكه والنبيين اربابا ايامركم بالكفر بعد اذ انتم مسلمون واشرف العبوديه عبوديه الصلاه وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء والجبابره فاخذ الشيوخ منها اشرف ما فيها وهو السجود واخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع فاذا لقي بعضهم بعضا ركع له كما يركع المصلي لربه سواء واخذ الجبابره منهم القيام فيقوم الاحرار والعبيد على رؤوس هم عبوديه لهم وهم جلوس وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الامور الثلاثه على التفصيل فتعاطيها مخالفه صريحه له فنهى عن السجود لغير الله وقال لا ينبغي لاحد ان يسجد لاحد وانكر على معاذ لما سجد له وقال مه وتحريم هذا معلوم من دينه بالضروره وتجويز من جوز وزه لغير الله مراغمه لله ورسوله وهو من ابلغ انواع العبوديه فاذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر فقد جوز عبوديه غير الله وقد صح انه قيل له الرجل يلقى اخاه اينحني له قال لا قيل ايلتزمه ويقبله قال لا قيل ايصافحه قال نعم وايضا فالانحناء ناء عند التحيه سجود ومنه قوله تعالى وادخلوا الباب سجدا اي منحنين والا فلا يمكن السجود والدخول على الجباه وصح عنه النهي عن القيام وهو جالس كما تعظم الاعاجم بعضها بعضا حتى منع ذلك في الصلاه وامرهم اذا صلى جالسا ان يصلوا جلوسا وهم اصحاء لا عذر لهم لالا يقوموا على راسه وهو جالس مع ان قيامهم لله فكيف اذا كان القيام تعظيما وعبوديه لغيره سبحانه والمقصود ان النفوس الجاهله الضاله اسقطت عبوديه الله سبحانه واشركت فيها من يعظمه من الخلق فسجدت لغير الله وركعت له وقامت بين يديه قيام الصلاه وحلفت بغيره ونذرت لغيره وحلقت لغيره وذبحت لغيره وطاف ت لغير بيته وعظمته بالحب والخوف والرجاء والطاعه كما يعظم الخالق بل اشد وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين وهؤلاء هم المضادون لدعوه الرسل وهم الذين بربهم يعدلون وهم الذين يقولون وهم في النار مع الهتهم يختصمون ت الله ان كنا لفي ضلال مبين اذ نسويكم برب العالمين وهم الذين قال فيهم ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله والذين امنوا اشد حبا لله وهذا كله من الشرك والله لا يغفر ان يشرك به فهذا فصل معت ترض في هديه في حلق الراس ولعله اهم مما قصد من الكلام فيه والله اعلم فصول في هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج بالادويه الروحانيه الالهيه المفرده والمركبه منها ومن الادويه الطبيعيه فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المصاب بالعين روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وفي صحيحه ايضا عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم رخص في الرقيه من الحمى والعين والنمله وفي الصحيحين من حديث ابي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين حق وفي سنن ابي داوود عن عائشه رضي رضي الله عنها قالت كان يؤمر العائن فيتوضا ثم يغتسل منه المعين وفي الصحيحين عن عائشه قالت امرني النبي صلى الله عليه وسلم او امر ان نسترقي من العين وذكر الترمذي من حديث سفيان بن عيينه عن عمرو بن دينار عن عروه بن عامر عن عبيد بن رفاعه الزرقي ان اسماء بنت عميس قالت يا رسول الله ان بني جعفر تصيبهم العين افاسترقي لهم فقال نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين قال الترمذي حديث حسن صحيح وروى مالك رحمه الله عن ابن شهاب عن ابي امامه بن سهل بن حنيف قال راى عامر بن ربيعه سهل بن حنيف يغتسل فقال والله ما رايتك اليوم ولا جلد مخباه عذراء راء قال فلبط سهل فاتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرا فتغيض عليه وقال على ما يقتل احدكم اخاه الا بركت اغتسل له فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه واطراف رجليه وداخله ازاره في قذح ثم صب عليه فراح مع الناس وروى مالك رحمه الله ايضا عن محمد بن امامه بن سهل عن ابيه هذا الحديث وقال فيه ان العين حق توضا له فتوضا له وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن ابيه مرفوعا العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين فاذا استغليغتسل ووصله صحيح قال الترمذي يؤمر الرجل العائن بقدح فيدخل كفه فيتمضمض ثم يمجه في القدح ويغسل وجهه في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى في القدح ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى ثم يغسل داخله ازاره ولا يوضع القدح في الارض ثم يصب على راس الرجل الذي يصيبه العين من خلفه صبه واحده والعين عينان عين انسيه وعين جنيه فقد صح عن ام سلمه ان النبي صلى الله عليه وسلم راى في بيتها جاريه في وجهها سعفه فقال استرقوا لها فان بها النظره قال الحسين بن مسعود الفراء وقوله سعفه اي نظره يعني من الجن يقول بها عين اصابتها من نظر الجن انفذ من اسنه الرماح ويذكر عن جابر يرفعه ان العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر وعن ابي سعيد ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الجان ومن عين الانسان فابطلت طائفه ممن قل نصيبهم من السمع والعقل امر العين وقالوا انما ذلك اوهام لا حقيقه لها وهؤلاء من اجهل الناس بالسمع والعقل ومن اغلظهم حجابا واكثفهم طباعا وابعدهم من معرفه الارواح والنفوس وصفاتها وافعالها وتاثيراتها وعقلاء الامم على اختلاف ميللهم ونحلهم لا تدفع امر العين ولا تنكره وان اختلفوا في سببه ووجهه تاثير العين فقالت طائفه ان العائن اذا تكيفت نفسه بالكيفيه الرديئه انبعث من عينه قوه سميه تتصل بالمعين فيتضرر قالوا ولا يستنكر هذا كما لا يستنكر انبعاث قوه سميه من الافعى تتصل بالانسان فيهلك وهذا امر قد اشتهر عن نوع من الافاعي انها اذا وقع بصرها على الانسان هلك فكذلك العائن وقالت فرقه اخرى لا يستبعد ان ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفه غير مرئيه فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه فيحصل له الضرر وقالت فرقه اخرى قد اجرى الله العاده بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابله عين العائن لمن يعينه من غير ان يكون منه قوه ولا سبب ولا تاثير اصلا وهذا مذهب منكري الاسباب والقوى والتاثيرات في العالم وهؤلاء قد سدوا باب العلل والتاثيرات والاسباب وخالفوا العقلاء اجمعين ولا ريب ان الله سبحانه خلق في الاجسام والارواح قوا وطبائع مختلفه وجعل في كثير منها خواص وكيفيات مؤثره ولا يمكن العاقل انكار تاثير الارواح في الاجسام فانه امر مشاهد محسوس وانت ترى الوجه كيف يحمر حمره شديده اذا نظر اليه من يحتشمه ويستحيي منه ويصفر صفره شديده عند نظر من يخالفه اليه وقد شاهد الناس من يسقم من نظر وتضعف قواه وهذا كله بواسطه تاثير الارواح ولشده ارتباطها بالعين ينسب الفعل اليها وليست هي الفاعله وانما التاثير للروح والارواح مختلفه في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها فروح الحاسد مؤذيه للمحسود اذا بينا ولهذا امر الله سبحانه رسوله ان يستعيذ به من شره وتاثير الحاسد في اذى المحسود امر لا ينكره الا من هو خارج عن حقيقه الانسانيه وهو اصل الاصابه بالعين فان النفس الخبيثه الحاسده تتكيف بكيفيه خبيثه وتقابل المحسود فتؤثر بتلك الخاصيه واشبه الاشياء بهذا الافعى فان السم كامل فيها بالقوه فاذا قابلت عدوها انبعث منها قوه غضبيه وتكيفت نفسها بكيفيه خبيثه مؤذيه فمنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في اسقاط الجنين ومنها ما يؤثر في طمس البصر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الابدروذي الطفيتين من الحيات انهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبل الابتروذي الطفيتين سمي بذلك لان على ظهره خطين يشبهان الطفيتين اي الخوصتين ومنها ما تؤثر في الانسان كيفيتها بمجرد الرؤيه من غير اتصال به لشده خبث تلك النفس وكيفيتها الخبيثه المؤثره والتاثير غير موقوف على الاتصالات الجسميه كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعه والشريعه بل التاثير يكون تاره بالاتصال وتاره بالمقابله وتاره بالرؤيه وتاره بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه وتاره بالادعيه والرقى والتعوذات وتاره بالوهم والتخيل ونفس العائن لا يتوقف تاثيرها على الرؤيه بل قد يكون اعمى فيوصف له الشيء فتؤثر نفسه فيه وان لم يره وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤيه وقد قال تعالى لنبيه وان يكادوا الذين كفروا ليزلقون بابصارهم لما سمعوا الذكر وقال قل اعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق اذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد اذا حسد فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائنا فلما كان الحاسد اعم من العائن كانت الاستعاذه منه استعاذه من العائن وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تاره وتخطئه تاره فان صادفته مكشوفا لا وقايه عليه اثرت فيه ولا بد وان صادفته حذرا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه وربما رد ت السهام على صاحبها وهذا بمثابه الرمي الحسى سواء فهذا من النفوس والارواح وذاك من الاجسام والاشباح واصله من اعجاب العائن بالشيء ثم يتبعه كيفيه نفسه الخبيثه ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظره الى المعين وقد يعين الرجل نفسه وقد يعين بغير ارادته بل بطبعه وهذا اردا ما يكون من النوع الانساني وقد قال اصحابنا وغيرهم من الفقهاء ان من عرف بذلك حبسه الامام واجرى له ما ينفق عليه الى الموت وهذا هو الصواب قطعا فصل والمقصود العلاج النبوي لهذه العله وهو انواع وقد روى ابو داوود في سننه عن سهل بن حنيف قال مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت فيه فخرجت محموما فنمي ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مروا ابا ثابت يتعوذه قال فقلت يا سيدي والرقى صالحه فقال لا رقيه الا في نفس او حمه او لدغه والنفس العين يقال اصابت فلانا نفس اي عين والنافس العائن واللدغه بدال مهمله وغين معجمه وهي ضربه العقرب ونحوها فمن التعوذات والرقى الاكثار من قراءه المعوذتين وفاتحه الكتاب وايه الكرسي ومنها التعوذات النبويه نحو اعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ونحو اعوذ بكلمات الله التامه من كل شيطان وهامه ومن كل عين لامه ونحو اعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرا وبرا ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرا في الارض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار الا طارقا يطرق بخير يا رحمن ومنها اعوذ بكلمات الله التامه من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وان يحضرون ومنها اللهم اني اعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامات من شر ما انت اخذ بناصيته اللهم انت تكشف الماثم والمغرم اللهم انه لا يهزم جندك ولا يخلف وعدك سبحانك وبحمدك ومنها اعوذ بوجه الله العظيم العظيم الذي لا شيء اعظم منه وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وباسماء الله الحسنى ما علمت منها وما لم اعلم من شر ما خلق وذرا وبرا ومن شر كل ذي شر لا اطيق شره ومن شر كل ذي شر انت اخذ بناصيته ان ربي على صراط مستقيم ومنها اللهم انت ربي لا اله الا انت عليك توكلت وانت رب العرش العظيم ما شاء الله كان وما لم يشا لم يكن لا حول ولا قوه الا بالله اعلم ان الله على كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شيء علما واحصى كل شيء عددا اللهم اني اعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه ومن شر كل دابه انت اخذ بناصيتها ان ربي على صراط مستقيم وان شاء قال تحصنت بالله الذي لا اله الا هو الهي واله كل شيء واعتصمت بربي ورب كل شيء وتوكلت على الحي الذي لا يموت واستدفعت الشر بلا حول ولا قوه الا بالله حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الرب من العباد حسبي الخالق من المخلوق حسبي الرازق من المرزوق حسبي الله هو حسبي حسبي الذي بيديه ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا وليس وراء الله مرى حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ومن جرب هذه الدعوات والعوذ عرف مقدار منفعتها وشده الحاجه اليها وهي تمنع وصول اثر العائن وتدفعه بعد وصوله بحسب قوه ايمان قائلها وقوه نفسه واستعداده وقوه توكله وثبات قلبه فانها سلاح والسلاح بضاربه فصل واذا كان العائن يخشى ضرر عينه واصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله اللهم بارك عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعام بن ربيعه لما عان سهل بن حنيف الا بركت اي قلت اللهم بارك عليه ومما يدفع به اصابه العين قول ما شاء الله لا قوه الا بالله روى هشام بن عروه عن ابيه انه كان اذا راى شيئا يعجبه او دخل حائطا من حيطانه قال ما شاء الله لا قوه الا بالله ومنها رقيه جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم التي رواها مسلم في صحيحه بسم الله ارقيك من كل داء يؤذيك من شر كل نفس او عين حاسد الله يشفيك بسم الله ارقيك وراى جماعه من السلف ان يكتب له الايات من القران ثم يشربها قال مجاهد لا باس ان يكتب القران ويغسله ويسقيه المريض ومثله عن ابي قلابه ويذكر عن ابن عباس انه امر ان يكتب لامراه يعصر عليها ولادها ايتان من القران يغسل ويسقى وقال ايوب رايت ابا قلابه كتب كتابا من القران ثم غسله بماء وسقاه رجلا كان به وجعا فصل ومنها ان يؤمر العائن بغسل مغابنه واطرافه وداخله ازاره وفيه قولان احادهما انه فرجه والثاني انه طرف ازاره الداخل الذي يلي جسده من الجانب الايمن ثم يصب على راس المعين من خلفه بغته وهذا مما لا يناله علاج الاطباء ولا ينتفع به من انكره او سخر منه او شك فيه او فعله مجربا لا يعتقد ان ذلك ينفعه واذا كان في الطبيعه خواص لا تعرف الاطباء عللها البته بل هي عندهم خارجه عن قياس الطبيعه تفعل بالخاصيه فما الذي ينكره زنادقتهم وجهالتهم من الخواص الشرعيه هذا مع ان في المعالجه بهذا الاستغسال ما تشهد له العقول الصحيحه وتقر لمناسبته فاعلم ان ترياق سؤم الحيه في لحمها وان علاج تاثير النفس الغضبيه في تسكين غضبها واطفاء ناره بوضع يدك عليه والمسح عليه وتسكين غضبه وذلك بمنزله رجل معه شعله من نار وقد اراد ان يقذفك بها فصببت عليها الماء وهي في يده حتى طفئت ولذلك امر العائن ان يقول اللهم بارك عليه ليدفع تلك الكيفيه الخبيثه بالدعاء الذي هو احسان الى المعين فان دواء الشيء بض ضده ولما كانت هذه الكيفيه الخبيثه تظهر في المواضع الرقيقه من الجسد لانها تطلب النفوذ فلا تجد ارق من المغابن وداخله الازار ولا سما ان كان كنايه عن الفرج فاذا غسلت بالماء بطل تاثيرها وعملها وايضا فهذه المواضع للارواح الشيطانيه بها اختصاص والمقصود ان غسلها بالماء يطفئ تلك الناريه ويذهب بتلك السميه وفيه امر اخر وهو وصول اثر الغسل الى القلب من ارق المواضع واسرعها تنفيذا فيطفئ تلك الناريه والسميه بالماء فيشفى المعين وهذا كما ان ذوات السموم اذا قتلت بعد لسعها خف اثر اللسعه عن الملسوع ووجد راحته فان انفسها تمد اذاها بعد لسعها وتوصله الى الملسو فاذا قتلت خف الالم وهذا مشاهد وان كان من اسبابه فرح الملسوع واشتفاء نفسه بقتل عدوه فتقوى الطبيعه على الالم فتدفعه وبالجمله غسل العائن يذهب تلك الكيفيه التي ظهرت منه وانما ينفع غسله عند تكيف نفسه بتلك الكيفيه فان قيل فقد ظهرت مناسبه الغسل فما مناسبه صب ذلك الماء على المعين قيل هو في غايه المناسبه فان ذلك الماء اطفا تلك الناريه وابطل تلك الكيفيه الرئه من الفاعل فكما طفئت به النار القائمه بالفاعل طفئت به وابطلت عن المحل المتاثر بعد ملابسته للمؤثر العائن والماء الذي يطفا به الحديد يدخل في ادويه عده طبيعيه ذكرها الاطباء فهذا الذي طفئ به ناريه العائن لا يستنكر ان يدخل في دواء يناسب هذا الداء وبالجمله فطب الطبائعيه وعلاجهم بالنسبه الى العلاج النبوي كطب الطرقيه بالنسبه الى طبهم بل اقل فان التفاوت الذي بينه وبين الانبياء اعظم واعظم من التفاوت الذي بينهم وبين الطرقيه بما لا يدرك الانسان مقداره فقد ظهر لك عقد الايخاء الذي بين الحكمه والشرع وعدم مناقضه احدهما للاخر والله يهدي من يشاء الى الصواب ويفتح لمن ادام قرع باب التوفيق منه كل باب وله النعمه السابقه والحجه البالغه فصل ومن علاج ذلك ايضا والاحتراز منه ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه كما ذكر البغوي في كتاب شرح السنه ان عثمان عثمان رضي الله عنه راى صبيا ملحا فقال دسموا نونته لالا تصيبه العين ثم قال في تفسيره ومعنى دسموا نونته اي سودوا نونته والنونه النقره التي تكون في ذقن الصبي الصغير وقال الخطابي في غريب الحديث له عن عثمان انه راى صبيا تاخذه العين فقال دسموا نونته فقال ابو عمرو سالت احمد بن يحيى عنه فقال اراد بالنونه النقره التي في ذقنه والتدسيم التسويد اراد سودوا ذلك الموضع من ذقنه ليرد العين قال ومن هذا حديث عائشه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم وعلى راسه عمامه دسماء اي سوداء اراد الاستشهاد على اللفظه ومن هذا اخذ الشاعر قوله ما كان احوج ذا الكمال الى عيب يوقيه من العين فصل ومن الرقى التي ترد العين ما ذكر عن ابي عبد الله التياحي انه كان في بعض اسفاره للحج او الغزو على ناقه فارهه وكان في الرفقه رجل عائن قلما نظر الى شيء الا اتلفه فقيل لابي عبد الله احفظ ناقتك من العائن فقال قال ليس له الى ناقه سبيل فاخبر العائن بقوله فتحين غيبه ابي عبد الله فجاء الى رحله فنظر الى الناقه فاضطربت وسقطت فجاء ابو عبد الله فاخبر ان العائن قد عانها وهي كما ترى فقال دلوني عليه فدل فوقف عليه وقال بسم الله حبس حابس وحجر يابس وشهاب قابس ارددت عين العائن عليه وعلى احب الناس اليه قال تعالى فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير فخرجت حذقتا العائن وقامت الناقه لا باس بها فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج العام لكل شكوى بالرقيه الالهيه. روى ابو داوود في سننه من حديث ابي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اشتكى منكم شيئا او اشتكاه اخ له فليقل ربنا الذي في السماء تقدس اسمك وامرك في السماء والارض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الارض واغفر لنا حبنا وخطايانا انت رب الطيبين انزل رحمه من عندك وش شفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرا باذن الله وفي صحيح مسلم عن ابي سعيد الخدري ان جبريل عليه السلام اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اشتكيت؟ قال نعم فقال جبريل عليه السلام بسم الله ارقيك من كل داء يؤذيك ومن شر كل نفس او عين حاسد الله يشفيك بسم الله ارقيك فان قيل فما تقولون في الحديث الذي رواه ابو داوود لا رقيه الا من عين او حمى والحمه ذوات السموم كلها فالجواب انه صلى الله عليه وسلم لم يرد به نفي جواز الرقيه في غيرها بل المراد به لا رقيه اولى وانفع منها في العين والحمى ويدل عليه سياق الحديث فان سهل بن حنيف قال له لما اصابته العين اوفي الرقى خير فقال قال لا رقيه الا في نفس او حمى ويدل عليه سائر احاديث الرقى العامه والخاصه وقد روى ابو داوود من حديث انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رقيه الا من عين او حمه او دم يرقا وفي صحيح مسلم عنه ايضا رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقيه من العين والحمه والنمله فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقيه اللديغ بالفاتحه اخرجا في الصحيحين من حديث ابي سعيد الخدري قال انطلق نفر من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفره سافروها حتى نزلوا على حي من احياء العرب فاستضافوهم فابوا ان يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم لو اتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم ان يكون عند بعضهم شيء فاتوهم فقالوا يا ايها الرهط ان سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء فهل عند احد منكم من شيء فقال بعضهم نعم والله اني لارقي ولكن استطفناكم فلم تضيفونا فما انا براق حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنب فانطلق يتفل عليه ويقرا الحمد لله رب العالمين فكانما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبه قال فاوفوهم جعلهم الذي صلحوهم عليه فقال بعضهم اقتسموا فقال الذي رقى لا تفعلوا حتى ناتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يامرنا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فقال وما يدريك انها رقيه ثم قال قد اصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم سهما وقد روى ابن ماجه في سننه من حديث علي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الدواء القران ومن المعلوم ان بعض الكلام له خواص ومنافع مجربه فما الظن بكلام رب العالمين الذي فضله على كل كلام كفضل الله على خلقه الذي هو الشفاء التام والعصمه النافعه والنور الهادي والرحمه العامه الذي لو انزل على جبل لتصدع من عظمته وجلالته قال تعالى وننزل من القران ما هو شفاء ورحمه للمؤمنين ومنها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض هذا اصح القولين كقوله تعالى وعد الله الذين امنوا وعملوا الصالحات منهم مغفره واجرا عظيما وكلهم من الذين امنوا وعملوا الصالحات فما الظن بفاتحه الكتاب التي لم ينزل في القران ولا في التوراه ولا في الانجيل ولا في الزبور مثلها المتضمنه لجميع معاني كتب الله المشتمله على ذكر اصول اسماء الرب ومجامعها وهي الله والرب والرحمن والرحيم واثبات المعاد وذكر التوحيدين توحيد الربوبيه وتوحيد الالهيه وذكر الافتقار الى الرب سبحانه في طلب الاعانه وطلب الهدايه وتخصيصه سبحانه بذلك وذكر افضل الدعاء على الاطلاق وانفعه وافرضه وما العباد احوج شيء اليه وهو الهدايه الى صراط المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما امر به واجتناب ما نهى عنه والاستقامه عليه الى الممات ويتضمن ذكر اصناف الخلائق وانقسامهم الى منعم عليه لمعرفته الحق والعمل به ومحبته وايثاره ومغضوب عليه بعدوله عن الحق بعد معرفته له وضال بعدم معرفته وهؤلاء اقسام الخليقه مع تضمنها لاثبات القدر والشرع والاسماء والصفات والمعادي والنبوات وتزكيه النفوس واصلاح القلوب وذكر عدل الله واحسانه والرد على جميع اهل البدع والباطل كما ذكرنا ذلك في كتابنا الكبير في شرحها وحقيق بصوره هذا بعض شانها ان يستشفى بها من الادواء ويرقى بها اللديغ وبالجمله فما تضمنته الفاتحه من اخلاص العبوديه والثناء على الله وتفويض الامر كله اليه والاستعانه به والتوكل عليه وسؤاله مجامع النعم كلها وهي الهدايه التي تجلب النعم وتدفع النقم من اعظم الادويه الشافيه الكافيه وقد قيل ان موضع الرقيه منها اياك نعبد واياك نستعين ولا ريب ان هاتين الكلمتين من اقوى اجزاء هذا الدواء فان فيهما من عموم التفويض والتوكل والالتجاء والاستعانه والافتقار والطلب والجمع بين اعلى الغايات وهي عباده الرب وحده واشرف الوسائل وهي الاستعانه به على عبادته ما ليس في غيرها ولقد مر بي وقت بمكه سقمت فيه وفقدت الطبيب والدواء فكنت اتعالج بها اخذ شربه من ماء زمزم واقراها عليها مرارا ثم اشربه فوجدت بذلك البر التام ثم صرت اعتمد ذلك عند كثير من الاوجاع فانتفع بها غايه الانتفاع فصل وفي تاثير الرقى بالفاتحه وغيرها في علاج ذوات السموم سر بديع فان ذوات السموم اثرت بكيفيات نفوسها الخبيثه كما تقدم دم وسلاحها حمتها التي تلدغ بها وهي لا تلدغ حتى تغضب فاذا غضبت ثار فيها السموم فتقذفه بالتها وقد جعل الله سبحانه لكل داء دواء ولكل شيء ضدا ونفس الراقي تفعل في نفس المرقى فيقع بين نفسيهما فعل وانفعال كما يقع بين الداء والدواء فتقوى نفس المرقى وقوته بالرقيه على ذلك الداء فيدفعه باذن الله ومدار تاثير الادويه والادواء على الفعل والانفعال وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين يقع بين الداء والدواء الروحانيين والروحاني والطبيعي وفي النف والتفل استعانه بتلك الرطوبه والهواء والنفس المباشر للرقيه والذكر والدعاء فان الرقيه تخرج من قلب الراقي وفمه فاذا صاحبها شيء من اجزاء ء باطنه من الريق والهواء والنفس كانت اتم تاثيرا واقوى فعلا ونفوذا ويحصل بالازدواج بينهما كيفيه مؤثره شبيهه بالكيفيه الحادثه عند تركيب الادويه وبالجمله فنفس الراقي تقابل تلك النفوس الخبيثه وتزيد بكيفيه نفسه وتستعين بالرقيه وبالنفس على ازاله ذلك الاثر وكلما كانت كيفيه نفس الراقي اقوى كانت الرقيه اتم واستعانته بنفسه كاستعانه تلك النفوس الرديئه بلسعها وفي النفس سر اخر فانه مما تستعين به الارواح الطيبه والخبيثه ولهذا تفعله السحره كما يفعله اهل الايمان قال تعالى ومن شر النفاثات في العقد وذلك لان النفس تتكيف بكيفيه الغضب والمحاربه وترسل انفاسها سهاما لها وتمدها بالنفس والتفل الذي معه شيء من ريق مصاحب لكيفيه مؤثره والسواحر تستعين بالنفس استعانه بينه وان لم يتصل بجسم المسحور بل ينفث على العقده ويعقدها ويتكلم بالسحر فيعمل ذلك في المسحور بتوسط الارواح السفليه الخبيثه فتقابلها الروح الذكيه الطيبه بكيفيه الدفع والتكلم بالرقيه وتستعين بالنفس فايهما قوي كان الحكم له ومقابله الارواح بعضها لبعض ومحاربتها والتها من جنس مقابله الاجسام ومحاربتها والتها سواء بل الاصل في المحاربه والتقابل للارواح والاجسام التها وجندها ولكن من غلب عليه الحس لا يشعر بتاثيرات الارواح وافعالها وانفعالاتها لاستيلاء سلطان الحص عليه وبعد من عالم الارواح واحكامها وافعالها والمقصود ان الروح اذا كانت قويه وتكيفت بمعاني الفاتحه واستعانت بالنف والتفل قابلت ذلك الاثر الذي حصل من النفوس الخبيثه فازالته والله اعلم فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج لدغه العقرب بالرقيه روى ابن ابي شيخ في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود قال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي اذ سجد فلدغته عقرب في اصبعه فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعن الله العقرب ما تدع نبيا ولا غيره قال ثم دعا باناء فيه ماء وملح فجعل يضع موضع اللدغه في الماء والملح ويقرا قل هو الله احد والمعوذتين حتى سكنت ففي هذا الحديث العلاج بالدواء المركب من الامرين الطبيعي والالهي فان في سوره الاخلاص من كمال التوحيد العلمي الاعتقادي واثبات الاحديه لله المستفي كل شركه عنه واثبات الصديه المستزمه لاثبات كل كمال له مع كون الخلائق تصمد اليه في حوائجها اي تقصده الخليق وتتوجه اليه علويتها وسفليتها ونفي الوالد والولد والكفء عنه المتضمن لنفي الاصل والفرع والنظير والمماثل ما اختصت به وصارت تعدل ثلث القران ففي اسمه الصمد اثبات كل الكمال وفي نفي الكفء التنزيه عن الشبيه والمثال وفي الاحد نفي كل شريك لذي الجلال وهذه الاصول الثلاث ثلاثه هي مجامع التوحيد وفي المعوذتين الاستعاذه من كل مكروه جمله وتفصيلا فان الاستعاذه من شر ما خلق تعم كل شر يستعاذ منه سواء كان في الاجسام او الارواح والاستعاذه من شر الغاسق وهو الليل وايته وهو القمر اذا غاب تتضمن الاستعاذه من شر ما ينتشر فيه من الارواح الخبيثه التي كان نور النهار يحول بينها وبين الانتشار فلما اظلم الليل عليها وغاب القمر انتشرت وعاثت والاستعاذه من شر النفاثات في العقد تتضمن الاستعاذه من شر السواحر وسحرهن والاستعاذه من شر الحاسد تتضمن الاستعاذه من النفوس الخبيثه المؤذيه بحسدها ونظرها والسوره الثانيه تتضمن الاستعاذه من شر شياطين الانس والجن فقد جمعت السورتان الاستعاذه من كل شر ولهما شان عظيم في الاحتراس والتحصن من الشرور قبل وقوعها ولهذا اوصى النبي صلى الله عليه وسلم عقبه بن عامر بقراءتهما عقب كل صلاه ذكره الترمذي في جامعه وفي هذا سر عظيم في استدفاع الشرور من الصلاه الى الصلاه وقال ما تعوذ المتعوذون بمثلهما وقد ذكر انه صلى الله عليه وسلم سح حير في 11 عقده وان جبريل نزل عليه بهما فجعل كلما يقرا ايه منهما انحلت عقده حتى انحلت العقد كلها وكانما نشط من عقال واما العلاج الطبيعي فيه فان في الملح نفعا لكثير من السموم ولا سما لدغه العقرب قال صاحب القانون يضمض به مع بزر الكتان للسعقرب وذكره غيره ايضا وفي الملح من القوه الجاذبه المحلله ما يجذب السموم ويحللها ولما كان في لسعها قوه ناريه تحتاج الى تبريد وجذب واخراج جمع بين الماء المبرد لنار اللسعه والملح الذي فيه جذب واخراج وهذا اتم ما يكون من العلاج وايسره واسهله وفيه تنبيه على ان علاج هذا الدواء بالتبريد والجذب والاخراج والله اعلم وقد روى مسلم في صحيحه عن ابي هريره قال جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحه فقال اما لو قلت حين امسيت اعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك واعلم ان الادويه الالهيه تنفع من الداء بعد حصوله وتمنع من وقوعه وان وقع لم يقع يقع وقوعا مضرا وان كان مؤذيا والادويه الطبيعيه انما تنفع بعد حصول الداء فالتعوذات والاذكار اما ان تمنع وقوع هذه الاسباب واما ان تحول بينها وبين كمال تاثيرها بحسب كمال المتعوذ وقوته وضعفه فالرقى والعوذ تستعمل لحفظ الصحه ولازاله المرض اما الاول فكما في الصحيحين من حديث عائشه قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا اوى الى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله احد والمعوذتين ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يده من جسده وكما في حديث عوذه ابي الدرداء المرفوع اللهم انت ربي لا اله الا انت عليك توكلت وانت رب العرش العظيم وقد تقدم وفيه من قالها اول نهاره لم تصبه مصيبه حتى يمسي ومن قالها اخر نهاله لم تصبه مصيبه حتى يصبح وكما في الصحيحين من قرا الايتين من اخر سوره البقره في ليله كفتاه وكما في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم من نزل منزلا فقال اعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك وكما في سنن ابي داوود ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في السفر يقول بالليل يا ارض ربي وربك الله اعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما يدب عليك اعوذ بالله من اسد واسود ومن الحيه والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد واما الثاني فكما تقدم من الرقيه بالفاتحه والرقيه للعقرب وغيرها مما ياتي فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقيه النمله قد تقدم من حديث انس الذي في صحيح مسلم انه صلى الله عليه وسلم رخص في الرقيه من الحمه والعين والنمله وفي سنن ابي داوود عن الشفاء بنت عبد الله قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا عند حفصه فقال الا تعلمين هذه رقيه النمله كما علمتيها الكتابه النمله ق الجنبين وهو ذاء معروف وسمي نمله لان صاحبه يحس في مكانه كان نمله تدب عليه وتعضه واصنافها ثلاثه قال ابن قتيبه وغيره كان المجوس يزعمون ان ولد الرجل من اخته اذا حط على النمله شفي صاحبها ومنه قول الشاعر ولا عيب فينا غير حط لمعشر كرام وانا لا نحط على النمل وروى الخلال ان الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهليه من النمله فلما هاجرت الى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت قد بايعته بمكه قالت يا رسول الله اني كنت ارقي في الجاهليه من النمله واني اريد ان اعرضها عليك فعرضتها فقالت بسم الله صلت حتى يعود من افواهها ولا تضر احدا اللهم اكشف الباس رب الناس قال ترقي بها على عود سبع مرات وتقصد مكانا نظيفا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النمله وفي الحديث دليل على جواز تعليم النساء الكتابه فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقيه الحيه قد تقدم قوله لا رقيه الا في عين او حمى الحمى بضم الحاء وفتح الميم وتخفيفها وفي سنن ابن ماجه من حديث عائشه رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقيه من الحيه والعقرب ويذكر عن ابن شهاب الزهري قال لدغ بعض اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل من راق فقالوا يا رسول الله ان اهل حزم كانوا يرقون رقيه الحيه فلما نهيت عن الرقى تركوها فقال ادعوا عماره ابن حزم فدعوه فعرض عليه رقاه فقال لا باس بها فاذن له فيها فرقاه فصل في هديه صلى صلى الله عليه وسلم في رقيه القرحه والجرح اخرجا في الصحيحين عن عائشه قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا اشتكى الانسان او كانت به قرحه او جرح قال باصبعه هكذا ووضع سفيان سبابته بالارض ثم رفعها وقال بسم الله تربه ارضنا بريقه بعضنا ليشفى سقيمنا باذن ربنا هذا من العلاج السهل الميسر النافع المركب وهي معالجه لطيفه يعالج بها القروح والجراحات الطريه لا سما عند عدم غيرها من الادويه اذ كانت موجوده بكل ارض وقد علم ان طبيعه التراب الخالص بارده يابسه مجففه لرطوبات القراحات التي تمنع الطبيعه من جوده فعلها وسرعه اندمالها لا سما في البلاد الحاره واصحاب بالامزجه الحاره فان القح والجراحات يتبعها في اكثر الامر سوء مزاج حار فيجتمع حراره البلد والمزاج والجراح وطبيعه التراب الخالص بارده يابسه اشد من بروده جميع الادويه المفرده البارده فتقابل بروده التراب حراره المرض لا سما ان كان التراب قد غسل وجفف ويتبعها ايضا كثره الرطوبات الرديئه والسيلان والتراب مجفف لها مزيل لشده يابسه وتجفيفه للرطوبه الرديئه المانعه من برئها ويحصل به مع ذلك تعديل مزاج العضو العليل ومتى اعتدل مزاج العضو قويت قواه المدبره ودفعت عنه الالم باذن الله ومعنى الحديث انه ياخذ من ريق نفسه على اصبعه السبابه ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الجرح ويقول هذا الكلام لما فيه من بركه ذكر اسم الله وتفويض الامر اليه والتوكل عليه فينضم احد العلاجين الى الاخر فيقوى التاثير وهل المراد بقوله تربه ارضنا جميع الارض او ارض المدينه خاصه فيه قولان ولا ريب ان من التربه ما تكون فيه خاصيه تنفع بخاصيته من ادواء كثيره ويشفي بها اسقاما رديئه قال جالينوس رايت بالاسكندريه مطحولين ومستسقين كثيرا يستعملون طين مصر ويطلون به على سوقهم وافخاذهم وسواعدهم وظهورهم واضلاعهم فينتفعون به منفعه بينه قال وعلى هذا النحو فقد يقع هذا الطلاء للاورام العفنه والمترهله الرخوه قال واني لاعرف قوما ترهلت ابدانهم كلها من كثره استفراغ الدم من اسفل انتفعوا بهذا الطين نفعا بينا وقوما اخرين شفوا به اوجاعا مزمنه كانت متمكنه في بعض الاعضاء تمكنا شديدا فبرئت وذهبت اصلا وقال صاحب الكتاب المسيحي قوه الطين المجلوب من كنوس وهي جزيره المسطكى قوه تجلو او تغسل وتنبت اللحم في القروح وتختم القروح روح انتهى واذا كان هذا في هذه التربات فما الظن باطيب تربه على وجه الارض وابركها وقد خالطت ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقارنت رقيته باسم ربه وتفويض الامر اليه وقد تقدم ان قوى الرقيه وتاثيرها بحسب الراقي وانفعال المرقى عن رقيته وهذا امر لا ينكره طبيب فاضل عاقل مسلم فان انتفى احد الاوصاف فليقل ما شاء فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الوجع بالرقيه روى مسلم في صحيحه عن عثمان بن ابي العاص انه شكى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده منذ اسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ضع يدك على الذي تالم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات اعوذ بعزه الله وقدرته من شر ما اجد واحاذر ففي هذا العلاج من ذكر اسم الله والتفويض اليه والاستعاذه بعزته وقدرته من شر الالم ما يذهب به وتكراره ليكون انجع وابلغ كتكرار الدواء لاخراج الماده وفي السبع خاصيه لا توجد في غيرها وفي الصحيحين ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعود بعض اهله يمسح عليه بيده اليمنى ويقول اللهم رب الناس اذهب الباس واشف انت الشافي لا شفاء الا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما ففي هذه الرقيه توسل الى الله بكمال ربوبيته وكمال رحمته بالشفاء وانه وحده الشافي وانه لا شفاء الا شفاؤه فتضمن امت التوسل اليه بتوحيده واحسانه وربوبيته فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حر المصيبه وحزمها قال تعالى وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبه قالوا انا لله وانا اليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمه واولئك هم المهتدون وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ما من احد تصيبه مصيبه فيقول انا لله وانا اليه راجعون اللهم اجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها الا اجره الله في مصيبه واخلف له خيرا منها وهذه الكلمه من ابلغ علاج المصاب وانفعه له في عاجلته واجلته فانها تتضمن اصلين عظيمين اذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته احدهما ان العبد واهله وماله ملك لله عز وجل حقيقه وقد جعله عند العبد عاريه فاذا اخذه منه فهو كالمعير ياخذ متاعه من المستعير وايضا فانه محفوف بعدمين عدم قبله وعدم بعده وملك العبد له متعه معاره في زمن يسير وايضا فانه ليس هو الذي اوجده عن عدمه حتى يكون ملكه حقيقه ولا هو الذي يحفظه من الافات بعد وجوده ولا يبقي عليه وجوده فليس له فيه تاثير ولا ملك حقيقي وايضا فانه متصرف فيه بالامر تصرف العبد المامور المنهي لا تصرف الملاك ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه الا ما وافق امر مالكه الحقيقي والثاني ان مصير العبد ومرجعه الى الله مولاه الحق ولا بد ان يخلف الدنيا وراء ظهره ويجيء ربه فردا كما خلقه اول مره بلا اهل ولا مال ولا عشيره ولكن بالحسنات والسيئات فاذا كانت هذه بدايه العبد وما خوله ونهايته فكيف يفرح بموجود او ياسى على مفقود ففكره العبد في مبدائه ومعاده من اعظم علاج هذا الداء ومن علاجه ان يعلم علم اليقين ان ما اصابه لم يكن ليخطئه وما اخطاه لم يكن ليصيبه قال تعالى ما اصاب من مصيبه في الارض ولا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبراها ان ذلك على الله يسير لكي لا تاسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما اتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ومن علاجه ان ينظر الى ما اصيب به فيجد ربه قد ابقى عليه مثله او افضل منه وادخر له ان صبر ورضي ما هو اعظم من فوات تلك المصيبه باضعاف مضاعفه وانه لو شاء لجعلها اعظم مما هي ومن علاجه ان يطفئ نار مصيبته ببرد التاسي باهل المصائب وليعلم انه في كل واد بنو سعد واليوم ينظر يمنه فهل يرى الا محنه ثم ليعطف يسره فهل يرى الا حسره وانه لو فتش العالم لم يرى فيهم الا مبتلا اما بفوات محبوب او حصول مكروه وان سرور الدنيا احلام نوم او كظل زائل ان اضحكت قليلا ابكت كثيرا وان سرت يوما ساءت دهرا وان متعت قليلا منعت طويلا وما ملات ت دارا خيره الا ملاتها عبره ولا سرته بيوم سرور الا خبات له في يوم شرور قال ابن مسعود رضي الله عنه لكل فرحه ترحه وما ملئ بيت فرحا الا ملئ ترحا وقال ابن سيرين ما كان ضحك قط الا كان من بعده بكاء وقالت هند بنت النعمان لقد رايتنا ونحن من اعز ز الناس واشدهم ملكا ثم لم تغب الشمس حتى رايتنا ونحن اقل الناس وانه حق على الله الا يملا دارا خيره الا ملاها عبره وسالها رجل ان تحدثه عن امرها فقالت اصبحنا ذات صباح وما في العرب احد الا يرجونا ثم امسينا وما في العرب احد الا يرحمونا وبكت اختها حرقه بنت النعمان يوما وهي في عزها فقيل لها ما يبكيك لعل احدا اذاك قالت لا ولكن رايت غضاره في اهلي وقلما امتلات دار سرورا الا امتلات حزنا قال اسحاق بن طلحه دخلت عليها يوما فقلت لها كيف رايت عبرات الملوك فقالت ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه بالامس انا نجد في الكتب انه ليس من اهل بيت يعيشون في خيره الا سيعقبون بعدها عبره وان الدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبونه الا بطن لهم بيوم يكرهونه ثم قالت فبينا نسوس الناس والامر امرنا اذا نحن فيهم سوقه نتنصف فاف لدنيا لا يدوم نعيمها تقلبوا تارات بنا وتصرفوا ومن علاجها ان يعلم ان الجزع لا يردها بل يضاعفها وهو في الحقيقه من تزايد المرض ومن علاجها ان يعلم ان فوت ثواب الصبر والتسليم وهو من الصلاه والرحمه والهدايه التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع اعظم من المصيبه في الحقيقه ومن علاجها ان يعلم ان الجزع يشمت عدوه ويسيء صديقه ويغضب ربه ويسر شيطانه ويحب يحبط اجره ويضعف نفسه واذا صبر واحتسب اقصى شيطانه ورده خاسئا وارضى ربه وسر صديقه وساء عدوه وحمل عن اخوانه وعزاهم هو قبل ان يعزوه فهذا هو الثبات والكمال الاعظم لا لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بالويل والثبور والسخط على المقدور ومن علاجها ان يعلم ان ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذه والمسره اضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما اصيب به لو بقي عليه ويكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يبنى له في الجنه على حمده لربه واسترجائه فلينظر اي المصيبتين اعظم مصيبه العاجله او مصيبه فوات بيت الحمد في جنه الخلد وفي الترمذي مرفوعا يود ناس يوم القيامه ان جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب اهل البلاء وقال بعض السلف لولا مصائب الدنيا لوردنا القيامه مفاليس ومن علاجها ان يروح قلبه بروح رجاء الخلف من الله فانه من كل شيء عوض الا الله فما منه عوض كما قيل من كل شيء اذا ضيعته عوض وما من الله ان ضيعت ته عوض ومن علاجها ان يعلم ان حظه من المصيبه ما تحدثه له فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط فحظك منها ما احدثته لك فاختر اما خير الحظوظ او شرها فان احدثت له سخطا وكفرا كتب في ديوان الهالكين وان احدثت له جزعا وتفريطا في ترك واجب او في فعل محرم كتب في ديوان المفرطين وان احدثت له شكايه وعدم صبر كتب في ديوان المغبونين وان احدثت له اعتراضا على الله وقدحا في حكمته فقد قرع باب الزندقه او ولجه وان احدثت له صبرا وثباتا لله كتب في ديوان الصابرين وان احدثت له الرضا كتب في ديوان الراضين وان احدثت له الحمد والشكر كتب في ديوان الشاكرين وكان تحت لواء الحمد مع الحمادين وان احدثت له محبه واشتياقا الى لقاء ربه كتب في ديوان المحبين المخلصين وفي مسند الامام احمد والترمذي من حديث محمود بن لبيد يرفعه ان الله اذا احب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط زاد احمد ومن جزع فله الجزع ومن علاجها ان يعلم انه وان بلغ في الجزع غايته فاخر امره الى صبر الاضطرار وهو غير محمود ولا مثاب. قال بعض الحكماء العاقل يفعل في اول يوم من المصيبه ما يفعله الجاهل بعد ايام. ومن لم يصبر صبر الكرام سلى سلو البهائم. وفي الصحيح مرفوعا الصبر عند الصدمه الاولى. وقال الاشعث بن قيس انك ان صبرت ايمانا واحتسابا والا سلوت سلو البهائم ومن علاجها ان يعلم ان انفع الادويه له موافقه ربه والهه فيما احبه ورضيه له وان خاصيه المحبه وسرها موافقه المحبوب فمن ادعى محبه محبوب ثم سخط ما يحبه واحب ما يسخطه فقد شهد على نفسه بكذبه وتمقت الى محبوبه وقال ابو الدرداء ان الله اذا قضى قضاء احب ان يرضى به وكان عمران بن الحسين يقول في علته احبه الي احبه اليه وكذلك قال ابو العاليه وهذا دواء وعلاج لا يعمل الا مع المحبين ولا يمكن كل احد ان يتعالج به ومن علاجها ان يوازن بين اعظم اللذتين والتمتعين وادومهما لذه تمتعه بما اصيب به ولذه تمتعه بثواب الله له فان ظهر له الرجحان فاثر الراجح فليحمد الله على توفيقه وان اثر المرجوح من كل وجه فليعلم ان مصيبته في عقله وقلبه ودينه اعظم من مصيبته التي اصيب بها في دنياه ومن علاجها ان يعلم ان الذي ابتلاه احكم الحاكمين وارحم الراحمين وانه سبحانه لم يرسل اليه البلاء ليهلكه ولا ليعذبه به ولا ليجتاحه وانما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وايمانه وليسمع تضرعه وابتهاله وليراه طريحا ببابه لائذا بجنابه مكسور القلب بين يديه رافعا قصص الشكوى اليه قال الشيخ عبد القادر يا بني ان المصيبه ما جاءت لتهلكك وانما جاءت لتمتحن صبرك وايمانك يا بني القذر سبع والسبع لا ياكل الميته والمقصود ان المصيبه كير العبد الذي يسبك به حاصله فاما ان يخرج ذهبا احمر واما ان يخرج خبثا كله كما قيل سبكناه ونحسبه لجينا فابدى الكير عن خبث الحديد فان لم ينفعه هذا الكير في الدنيا فبين يديه الكير الاعظم فاذا علم العبد ان ادخاله كير الدنيا ومسبكها خير له من ذلك الكير والمسبك وانه لابد من احد الكيرين فليعلم قدر نعمه الله عليه في الكير العاجل ومن علاجها ان يعلم انه لولا محن الدنيا ومصائبها لاصاب العبد من ادواء الكبر والعجب والقرعنه وقسوه القلب ما هو سبب هلاكه عاجلا واجلا فمن رحمه ارحم الراحمين ان يتفقده في الاحيان بانواع من ادويه المصائب تكون حميه له من هذه الادواء وحفظا لصحه عبوديته واستفراغا للمواد الفاسده الرديئه المهلكه منه فس سبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائه كما قيل قد ينعم الله بالبلوى وان عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم فلولا انه سبحانه يداوي عباده بادويه المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا والله سبحانه اذا اراد بعبد خيرا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الادواء المهلكه حتى اذا هذبه ونقاه وصفاه اهله لاشرف مراتب الدنيا وهي عبوديته وارفع ثواب الاخره وهي رؤيته وقربه ومن علاجها ان يعلم ان مراره الدنيا هي بعينها حلاوه الاخره يقلبها الله سبحانه كذلك وحلاوه الدنيا بعينها مراره الاخره ولا ان ينتقل من مراره منقطعه الى حلاوه دائمه خير له من عكس ذلك فان خفي عليك هذا فانظر الى قول الصادق المصدوق حفت الجنه بالمكاره وحفت النار بالشهوات وفي هذا المقام تفاوت عقول الخلائق وظهرت حقائق الرجال فاكثرهم اثر الحلاوه المنقطعه على الحلاوه الدائمه التي لا تزول ولم يحتمل مراره ساعه بحلاوه الابد ولا ذل ساعه لعز الابد ولا محنه ساعه لعافيه الابد فان الحاضر عنده شهاده والمنتظر غيب والايمان ضعيف وسلطان الشهوه حاكم فتولد من ذلك ايثار العاجله ورفض الاخره وهذا حال النظر الواقع على ظواهر الامور واوائلها ومبادئها واما النظر الثاقب الذي يخلق حجب العاجله ويجاوزه الى العواقب والغايات فله شان اخر فادعو نفسك الى ما اعد الله لاوليائه واهل طاعته من النعيم المقيم والسعاده الابديه والفوز الاكبر وما اعد لاهل البطاله والاضاعه من الخز والعقاب والحسرات الدائمه ثم اختر اي القسمين اليق بك كل يعمل على شاكلته وكل كل احد يصبو الى ما يناسبه وما هو الاولى به ولا تستطل هذا العلاج فشده الحاجه اليه من الطبيب والعليل دعت الى بسطه وبالله التوفيق فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الكرب والهم والغم والحزن اخرجا في الصحيحين من حديث ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب لا اله الا الله العظيم الحليم لا اله الا الله رب العرش العظيم لا اله الا الله رب السماوات السبع ورب الارض رب العرش الكريم وفي جامع الترمذي عن ابي هريره ان النبي صلى الله عليه وسلم كان اذا اهمه الامر رفع طرفه الى السماء فقال سبحان الله العظيم واذا اجتهد في الدعاء قال يا حي يا قيوم وفي سنن ابي داوود عن ابي بكر الصديق ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعوات المكروب اللهم رحمتك ارجو فلا تكلني الى نفسي طرفه عين واصلح لي شاني كله لا اله الا انت وفيها ايضا عن اسماء بنت عميس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا اعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب او في الكرب الله ربي لا اشرك به شيئا وفي روايه انها تقال سبع مرات وفي مسند الامام احمد عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما اصاب عبدا هم ولا حزن فقال اللهم اني عبدك ابن عبدك ابن امتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك اسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك او انزلته في كتابك او علمته احدا من خلقك او استاثرت به في علم الغيب عندك ان تجعل القران العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي الا اذهب الله حزنه وهمه وابدله مكانه فرحا وفي الترمذي عن سعد بن ابي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه ذي النون اذ دعا ربه وهو في بطن الحوت لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين لم يدعو بها رجل مسلم في شيء قط الا استجيب له وفي روايه اني لاعلم كلمه لا يقوله ها مكروب الا فرج الله عنه كلمه اخي يونس وفي سنن ابي داوود عن ابي سعيد الخدري قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في المسجد فاذا هو برجل من الانصار يقال له ابو امامه فقال يا ابا امامه مالي اراك في المسجد في غير وقت الصلاه فقال هموم لزمتني وديون يا رسول الله فقال الا اعلمك كلاما اذا انت قلته اذهب الله عز وجل همك وقضى دينك قال قلت بلى يا رسول الله قال قل اذا اصبحت واذا امسيت اللهم اني اعوذ بك من الهم والحزن واعوذ بك من العجز والكسل واعوذ بك من الجبن والبخل واعوذ بك من غلبه الدين وقهر الرجال قال ففعلت ذلك فاذ اذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني وفي سنن ابي داوود عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب وفي المسند ان النبي صلى الله عليه وسلم كان اذا حزبه امر فزع الى الصلاه وقد قال واستعينوا بالصبر والصلاه وفي السنن عليكم بالجهاد فانه من ابواب الجنه يدفع الله به عن النفوس الهم والغم ويذكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم من كثرت همومه وغمومه فليكثر من قول لا حول ولا قوه الا بالله وثبت في الصحيحين انها كنز من كنوز الجنه وفي الترمذي انها باب من ابواب الجنه. هذه الادويه تتضمن 15 نوعا من الدواء فان لم تقوى على اذهاب داء الهم والغم والحزن فهو داء قد استحكم وتمكنت اسبابه ويحتاج الى استفراغ كلي الاول توحيد الربوبيه الثاني توحيد الالوهيه الثالث التوحيد العلمي الاعتقادي الرابع تنزيه الرب تعالى عن ان يظلم عبده او ياخذه بلا سبب من العبد يوجب ذلك. الخامس اعتراف العبد بانه هو الظالم. السادس التوسل الى الرب تعالى باحب الاشياء اليه وهو اسماؤه وصفاته. ومن اجمعها لمعاني الاسماء والصفات الحي القيوم. السابع الاستعانه به وحده. الثامن اقرار العبد له بالرجاء. التاسع تحقيق التوكل عليه والتفويض اليه والاعتراف له بان ناصيته في يده يصرفه كيف يشاء وانه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه العاشر ان يرتع قلبه في رياض القران ويجعله لقلبه كالربيع للحيوان وان يستضيء به في ظلمات الشبهات والشهوات وان يتسلى به عن كل فائت ويتعزى به عن كل مصيبه ويستشفي به من ادواء صدره فيكون جلاء حزنه وشفاء همه وغمه الحادي عشر الاستغفار الثانيه عشر التوبه الثال عشر الجهاد الرابع عشر الصلاه الخمس عشر البراءه من الحول والقوه وتفويظهما الى من هما بيده فصل في بيان جهه تاثير هذه الادويه في هذه الامراض خلق الله سبحانه ابن ادم واعضاءه وجعل لكل عضو منها كمالا اذا فقده احس بالالم وجعل لملكها وهو القلب كمالا اذا فقده حضرته اسقامه والام الهموم والغموم والاحزان فاذا فقدت العين ما خلقت له من قوه الابصار وفقدت الاذن ما خلق قت له من قوه السمع وفقد اللسان ما خلق له من قوه الكلام فقدت كمالها والقلب خلق لمعرفه فاطره ومحبته وتوحيده والسرور به والابتهاج بحبه والرضا عنه والتوكل عليه والحب فيه والبغض فيه والموالاه فيه والمعاداه فيه ودوام ذكره وان يكون احب اليه من كل ما سواه وارجى عنده من كل ما سواه واجل في قلبه من كل ما سواه ولا نعيم له ولا سرور ولا لذه بل ولا حياه الا بذلك وهذا له بمنزله الغذاء والصحه والحياه فاذا فقد غذاءه وصحته وحياته فالهموم والغموم والاحزان مسارعه من كل صوب اليه ورهن مقيم عليه ومن اعظم ادوائه الشرك والذنوب والغفر فله والاستهانه بمحابه ومراضيه وترك التفويض اليه وقله الاعتماد عليه والركون الى ما سواه والسخط بمقدوره والشك في وعده ووعيده واذا تاملت امراض القلب وجدت هذه الامور وامثالها هي اسبابها لا سبب لها سواها فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنته هذه العلاجات النبويه من الامور المضاده لهذه الادواء فان المرض يزال بالضد والصحه تحفظ بالمثل فصحته تحفظ بهذه الامور النبويه وامراضه باضاضها فالتوحيد يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذه والفرح والابتهاج والتوبه استفراغ للاخلاق والمواد الفاسده التي هي سبب اسقامه وحميه له من التخليط فهي تغلق عنه باب الشرور فيفتح له باب السعاده والخير بالتوحيد ويغلق باب الشرور بالتوبه والاستغفار. قال بعض المتقدمين من ائمه الطب من اراد عافيه الجسم فليقلل من الطعام والشراب ومن اراد عافيه القلب فليترك الاثام. وقال ثابت بن قره راحه الجسم في قله الطعام وراحه الروح في قله الاثام وراحه اللسان في قله الكلام. والذنوب للقلب بمنزله السموم ان لم تهلكه اضعفته ولا بد واذا اضعفت قوته لم يقدر على مقاومه الامراض قال طبيب القلوب عبد الله بن المبارك رايت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل ادمانها وترك الذنوب حياه القلوب وخير لنفسك عصيانها فالهوى اكبر ادوائها ومخالفته اعظم ادويتها والنفس في الاصل خلقت جاهله ظالمه فهي لجهلها تظن شفائها في اتباع هواها وانما فيه تلفها وعطبها ولظلمها لا تقبل من الطبيب الناصح بل يضع الداء موضع الدواء فتعتمده ويضع الدواء موضع الداء فتجتنبه فيتولد من بين ايثارها للداء واجتنابها للدواء انواع من الاسقام والعلل التي تعيي الاطباء ويتعذر معها الشفاء والمصيبه العظمى انها تركب ذلك على القدر فتبرئ نفسها وتلوم ربها بلسان الحال دائما ويقوى اللوم حتى يصرح به اللسان واذا وصل العليل الى هذه الحال فلا يطمع في برئه الا ان تتداركه رحمه من ربه فيحييه حياه جديده ويرزقه طريقه حميده فلهذا كان حديث ابن عباس في دعاء الكرب مشتملا على توحيد الالهيه والربوبيه ووصف الرب سبحانه بالعظمه والحلم وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدره والرحمه والاحسان والتجاوز ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي والسفلي والعرش الذي هو سقف المخلوقات واعظمها والربوبيه التامه تستلزم توحيده وانه الذي لا تنبغي العباده والحب والخوف والرجاء والاجلال والطاعه الا له وعظمته المطلقه تستلزم اثبات كل كمال له وسلب كل نقص وتمثيل عنه وحلمه يستلزم كمال رحمته واحسانه الى خلقه فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته واجلاله وتوحيله فيحصل له من الابتهاج واللذه والسرور ما يدفع عنه الم الكرب والهم والغم وانت تجد المريض اذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه كيف تقوى الطبيعه على دفع المرض الحسي فحصول هذا الشفاء للقلب اولى واحرى ثم اذا قابلت بين ضيق الكرب وسعه هذه الاوصاف التي تضمنها دعاء الكرب وجدته في غايه المناسبه لتفريج هذا الضيق وخروج القلب منه الى سعه البهجه والسرور وهذه الامور انما يصدق بها من اشرقت فيه انوارها وباشر قلبه حقائقها وفي تاثير قوله يا حي يا قيوم برحمتك استغيث في دفع هذا الداء مناسبه بذيعه فان صفه الحياه متضمنه لجميع صفات الكمال مستلزمه وصفه القيوميه متضمنه لجميع صفات الافعال ولهذا كان اسم الله الاعظم الذي اذا دعي به اجاب واذا سئل به اعطى هو اسم الحي القيوم والحياه التامه تضا جميع الاسخام والالام ولهذا لما كملت حياه اهل الجنه لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الافات ونقصان الحياه يضر بالافعال وينافي القيوميه فكمال القيوميه لكمال الحياء فالحي المطلق التام لا يفوته صفه الكمال البته والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البته فالتوسل بصفه الحياه والقيوميه له تاثير في ازاله ما يضاد الحياه ويضر بالافعال ونظير هذا توسل النبي صلى الله عليه وسلم الى ربه بربوبيته لجبريل وميكائيل واسرافيل ان يهديه لما اختلف فيه من الحق باذنه فان حياه القلب بالهدايه وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الاملاك الثلاثه بالحياء فجبريل موكل بالوحي الذي هو حياه القلوب وميكائيل بالقطر الذي هو حياه الابدان والحيوان واسرافيل بالنفخ في الصقور الذي هو سبب حياه العالم وعود الارواح الى اجسادها فالتوسل اليه سبحانه بربوبيته هذه الارواح العظيمه الموكله بالحياه له تاثير في حصول المطلوب والمقصود ان الاسم الحي القيوم تاثيرا خاصا في اجابه الدعوات وكشف الكربات وفي السنن وصحيح ابي حاتم مرفوعا اسم الله الاعظم في هاتين الايتين والهكم اله واحد لا اله الا هو الرحمن الرحيم وفاتحه ال عمران الم م الله الا هو الحي القيوم قال الترمذي حديث صحيح وفي السنن وصحيح ابن حبان ايضا من حديث انس ان رجلا دعا فقال اللهم اني اسالك بان لك الحمد لا اله الا انت المنان بديع السماوات والارض يا ذا الجلال والاكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد دعا الله باسمه الاعظم الذي اذا دعي به اجاب واذا سئل به اعطى ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا اجتهد في الدعاء قال يا حي يا قيوم وفي قوله اللهم رحمتك ارجو فلا تكلني الى نفسي طرفه عين واصلح لي شاني كله لا اله الا انت من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيديه والاعتماد عليه وحده وتفويض الامر اليه والتضرع اليه ان يتولى اصلاح شانه ولا يكله الى نفسه والتوسل اليه بتوحيده ما له تاثير قوي في دفع هذا الذاء وكذلك قوله الله ربي لا اشرك به شيئا واما حديث ابن مسعود اللهم اني عبدك ابن عبدك ففيه من المعارف الالهيه واسرار العبوديه ما لا يتسع له كتاب فانه يتضمن الاعتراف بعبوديته وعبوديه ابائه وامهاته وان ناصيته بيده يصرفها كيف يشاء فلا يملك العبد دونه لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياه ولا نشورا لان من ناصيته بيد غيره فليس اليه شيء من امره بل هو عان في قبضته ذليل تحت سلطان قهره وقوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك متضمن لاصلين عظيمين عليهما مدار التوحيد احدهما اثبات القدر وان احكام الرب تعالى نافذه في عبده ماضيه فيه لا انفكاك له عنها ولا حيله له في دفعها والثاني انه سبحانه عدل في هذه الاحكام غير ظالم لعبده بل لا يخرج فيها عن موجب العدل والاحسان فان الظلم سببه حاجه الظالم او جهله او سفهه فيستحيل صدوره ممن هو بكل شيء عليم ومن هو غني عن كل شيء وكل شيء فقير اليه ومن هو احكم الحاكمين فلا تخرج ذره من مقدوراته عن حكمته وحمده كما لم يخرج عن قدرته ومشيئته فحكمته نافذه حيث نفذت مشيئته وقدرته ولهذا قال نبي الله هود صلى الله على نبينا وعليه وسلم وقد خوفه قومه بالهتهم اني اشهد الله واشهدوا اني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون اني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابه الا هو اخذ بناصيتها ان ربي على صراط مستقيم اي مع كونه سبحانه اخذا بنواصي خلقه وتصريفهم كما يشاء فهو على صراط مستقيم لا يتصرف فيهم الا بالعدل والحكمه والاحسان والرحمه فقوله ماض في حكمك مطابق لقوله ما من دابه الا هو خذ بناصيتها وقوله عدل في قضاؤك مطابق لقوله ان ربي على صراط مستقيم ثم توسل الى ربه باسمائه التي سمى بها نفسه ما علم العباد منها وما لم يعلموا ومنها ما استاثره في علم الغيب عنده فلم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وهذه الوسيله اعظم الوسائل واحبها الى الله واقربها تحصيلا للمطلوب ثم ساله ان يجعل القران لقلبه كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان وكذلك القران ربيع القلوب وان يجعله شفاء همه وغمه فيكون له بمنزله الدواء الذي يستاصل الداء ويعيد البدن الى صحته واعتداله وان يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والاصديه وغيرها فاحرى بهذا العلاج اذا صدق العليل في استعماله ان يزيل عنه داءه ويعقبه شفاء تاما وصحه وعافيه والله الموفق واما دعوه ذي النون فان فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرب واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو من ابلغ ادويه الكرب والهم والغم وابلغ الوسائل الى الله سبحانه في قضاء الحوائج فان التوحيد والتنزيه يتضمنان اثبات كل كمال لله وسلب كل نقص وعيب وتمثيل عنه ويوجب انكساره ورجوعه الى الله واستقاله عثرته والاعتراف بعبوديته وافتقاره الى ربه فها اربعه امور قد وقع التوسل بها التوحيد والتنزيه والعبوديه والاعتراف واما حديث ابي امامه اللهم اني اعوذ بك من الهم والحزن فقد تضمن الاستعاذه من ثمانيه اشياء كل اثنين منها قرينان مزدوجان فالهم والحزن اخوان والعجز والكسل اخوان والجبن والبخل اخوان وضلع الدين وغلبه الرجال اخوان فان المكروه المؤلم اذا ورد على القلب فاما ان يكون سببه امرا ماض ض فيوجب له الحزن وان كان امرا متوقعا في المستقبل اوجب الهم وتخلف العبد عن مصالحه وتفويتها عليه اما ان يكون من عدم القدره وهو العجز او من عدم الاراده وهو الكسل وحبس خيره ونفعه عن نفسه وعن بني جنسه اما ان يكون منع نفعه ببدنه فهو الجبن او بماله فهو البخل وقهر الناس له اما بحق فهو ضلع العدين او بباطل فهو غلبه الرجال فقد تضمن الحديث الاستعاذه من كل شر واما تاثير الاستغفار في دفع الهم والغم والضيق فلما في العلم به اهل الملل وعقلاء كل امه ان المعاصي والفساد توجب الهم والغم والخوف والحزن وضيق الصدر وامراض القلب حتى ان اهلها اذا قضوا منها اوطارهم وسئمتها نفوسهم ارتكبوها دفعا لما يجدونه في صدورهم من الضيق والهم والغم كما قال شيخ الفسوق وكاس شربت على لذه واخرى تداويت منها بها واذا كان هذا تاثير الذنوب والاثام في القلوب فلا دواء لها الا التوبه والاستغفار واما الصلاه فشانها في تفريح القلب وتقويته وشرحه وابتهاجه ولذته اكبر شان وفيها من اتصال القلب والروح بالله وقربه والتنعم بذكره والابتهاج بمناجاته والوقوف بين يديه واستعمال جميع البدن وقواه والاته في عبوديته واعطاء كل عضو حظه منها واشتغاله عن التعلق بالمخلوق وملابستهم ومحاورتهم وانذاب قوى قلبه وجوارحه الى ربه وفطره وراحته من عدوه به حاله الصلاه ما صارت به من اكبر الادويه والمفرحات والاغذيه التي لا تلائم الا القلوب الصحيحه واما القلوب العليله فهي كالابدان العليله لا تناسبها الاغذيه الفاضله فالصلاه من اكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والاخره ودفع مفاسد الدنيا والاخره وهي منها الاثم ودافعه لادواء القلوب ومطرضه للداء عن الجسد ومنوره للقلب ومبيضه للوجه ومنشطه للجوارح والنفس وجالبه للرزق ودافعه للظلم وناصره للمظلوم وقامعه لاخلاط الشهوات وحافظه للنعمه ودافعه للنقمه ومنزله للرحمه وكاشفه للغمه ونافعه من كثير من اوجاع البطن وقد روى ابن ماجه في سننه من حديث مجاهد عن ابي هريره قال راني رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا نائم اشكو من وجع بطني فقال لي يا ابا هريره اشكم درد قال قلت نعم يا رسول الله قال قم فصلي فان في الصلاه شفاء وقد روي هذا الحديث موقوفا على ابي هريره وانه هو الذي قال ذلك لمجاهد وهو اشبه ومعنى هذه اللفظه بالفارس يه ايوجعك بطنك فان لم ينشرح صدر زنديق الاطباء بهذا العلاج فيخاطب بصناعه الطب ويقال له الصلاه رياضه النفس والبدن جميعا اذ كانت تشتمل على حركات واوضاع مختلفه من الانتصاب والركوع والسجود والتورك والانتقالات وغيرها من الاوضاع التي يتحرك معها اكثر المفاصل وينغمز معها اكثر الاعضاء الباطنه كالمعده والامعاء وسائر الات النفس والغذاء فما ينكر ان في هذه الحركات تقويه وتحليلا للمواد ولا سما بواسطه قوه النفس وانشراحها في الصلاه فتقوى الطبيعه فيندفع الالم ولكن داء الزندقه والاعراض عما جاءت به الرسل والتعوض عنه بالالحاد داء ليس له دواء الا نار تلظى لا يصلاها الا الاشقى الذي كذب وتولى واما تاثير الجهاد في دفع الهم والغم فامر معلوم بالوجدان فان النفس متى تركت سائل الباطل وصولته واستيلاءه اشتد همها وغمها وكربها وخوفها فاذا جاهدته لله تعالى ابدل الله ذلك الهم والحزن فرحا ونشاطا وقوه كما قال تعالى قاتلوهم يعذبهم الله بايديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم فلا شيء اذهب لجوى القلب وغمه وهمه وحزنه من الجهاد والله المستعان واما تاثير لا حول ولا قوه الا لله في دفع هذا الداء فلما فيها من كمال التفويض والتبرؤ من الحول والقوه الا به وتسليم الامر كله له وعدم منازعته في شيء منه وعموم ذلك لكل تحول من حال الى حال في العالم العلوي والسفلي والقوه على ذلك التحول وان ذلك كله بالله وحده فلا يقوم لهذه الكلمه شيء وفي بعض الاثار انه ما ينزل ملك من السماء ولا يصعد اليها الا بلا حول ولا قوه الا بالله ولها تاثير عجيب في طرد الشيطان والله المستعان فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الفزع والارق المانع من النوم روى الترمذي في جامعه عن بريده قال شكى خالد الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما انام الليل من الارق فقال النبي صلى الله عليه وسلم اذا اويت الى فراشك فقل اللهم رب السماوات السبع وما اظلت ورب الاراضين وما اقلت ورب الشياطين وما اضلت كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا ان يفرط علي احد منهم او يبغي علي عز جارك وجل ثناؤك ولا اله غيرك وفيه ايضا عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الفزع اعوذ بكلمات الله التامه من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين واعوذ بك ربي ان يحضرون قال وكان عبد الله بن عمر يعلمهن من عقل من بنيه ومن لم يعقل كتب وعلقه عليه ولا يخفى مناسبه هذه العوذه لعلاج هذا الداء فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج داء الحريق واطفائه يذكر عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا رايتم الحريق فكبروا فان التكبير يطفئه لما كان الحريق سببه النار وهي ماده الشيطان التي خلق منها وكان فيه من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته وفعله كان للشيطان اعانه عليه وتنفيذا له وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد وهذان الامر وهما العلو في الارض والفساد هما هدي الشيطان واليهما يدعو وبهما يهلك بني ادم فالنار والش الشيطان كل منهما يريد العلو في الارض والفساد وكبرياء الرب عز وجل تقمع الشيطان وفعله ولهذا كان تكبير الله عز وجل له اثر في اطفاء الحريق فان كبرياء الله عز وجل لا يقوم لها شيء فاذا كبر المسلم ربه اثر تكبيره في خمود النار وخمود الشيطان الذي هي مادته فيطفئ الحريق وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك والله اعلم. فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحه لما كان اعتدال البدن وصحته وبقاؤه انما هو بواسطه الرطوبه المقاومه للحراره فالرطوبه مادته والحراره تنضجها وتدفع فضلاتها وتصلحها وتلطفها والا افسدت البدن ولم يكن قيامه وكذلك الرطوبه هي غذاء الحراره فلولا الرطوبه لاحرقت البدن وايبسته وافسدته فقوام كل واحده منهما بصاحبتها وقوام البدن بهما جميعا وكل منهما ماده للاخرى فالحراره ماده للرطوبه تحفظها وتمنعها من الفساد والاستحاله والرطوبه ماده للحراره تغذوها وتحملها ومتى مالت احداهما الى الزياده على الاخرى حصل لمزاج البدن الانحراف بحسب بذلك فالحراره دائما تحلل الرطوبه فيحتاج البدن الى ما به يخلف عليه ما حللته الحراره ضروره بقائه وهو الطعام والشراب ومتى زاد على مقدار التحلل ضعفت الحراره عن تحليل فضلاته فاستحالت موادا رديئه فعاثت في البدن وافسدت فحصلت الامراض المتنوعه بحسب تنوع موادها وقبول الاعضاء واستعدادها وهذا كله مستفاد من قوله تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا فارشد عباده الى ادخال ما يقيم البدن من الطعام والشراب عوض ما تحلل منه وان يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكميه والكيفيه فمتى جاوز ذلك كان اسرافا وكلاهما مانع من الصحه جالب للمرض اعني عدم الاكل والشرب او الاسراف فيه فحفظ الصحه كله في هاتين الكلمتين الالهيتين ولا ريب ان البدن دائما في التحلل والاستخلاف وكلما كثر التحلل ضعفت الحراره لفناء مادتها فان كثره التحلل تفني الرطوبه وهي ماده الحراره واذا ضعفت الحراره ضعف الهضم ولا يزال كذلك حتى تفنى الرطوبه وتنطفئ الحراره جمله فيستكمل العبد الاجل الذي كتب الله له ان يصل اليه فغايه علاج الانسان لنفسه ولغيره حراسه البدن الى ان يصل الى هذه الحاله لانه يستلزم بقاء الحراره والرطوبه اللتين بقاء الشباب والصحه والقوه بهما فان هذا مما لم يحصل لبشر في هذه الدار وانما غايه الطبيب ان يحمي الرطوبه عن مفسداتها من العفونه وغيرها ويحمي الحراره عن مضعفاتها ويعدل بينهما بالعدل في التدبير الذي به قام بدن الانسان كما ان به قامت السماوات والارض وسائر المخلوقات انما قوامها بالعدل ومن تامل هدي النبي صلى الله عليه وسلم وجده افضل هدي يمكن حفظ الصحه به فان حفظها موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس والمسكن والهواء والنوم واليقظه والحركه والسكون والمنكح والاستفراغ والاحتباس فاذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعاده كان اقرب الى دوام الصحه والعافيه او غلبتها الى انقضاء الاجل ولما كانت الصحه من اجل نعم الله على عبده واجزل عطاياه واوفر منحه بل العافيه المطلقه اجل النعم على الاطلاق فحقيق لمن رزق حظا من التوفيق مراعاتها وحفظها وحمايتها عما يضادها وقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحه والفراغ وفي الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن محصن الانصاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اصبح معافا في جسده امنا في سربه عنده قوت يومه فكانما حيزت له الدنيا وفي الترمذي ايضا من حديث ابي هريره عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال اول ما يسال عنه العبد يوم القيامه من النعيم ان يقال له الم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد ومنها هنا قال من قال من السلف في قوله تعالى ثم لتسالن يومئذ عن النعيم قال عن الصحه وفي مسند الامام احمد ان النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس يا عباس يا عم رسول الله سال الله العافيه في الدنيا والاخره وفيه عن ابي بكر الصديق قال سمعت رسول الله صلى اللهيه عليه وسلم يقول سالوا الله اليقين والمعافاه فما اوتي احد بعد اليقين خيرا من العافيه فجمع بين عافيتي الدين والدنيا ولا يتم صلاح العبد في الدارين الا باليقين والعافيه فاليقين يدفع عنه عقوبات الاخره والعافيه تدفع عنه امراض الدنيا في قلبه وبدنه وفي سنن النسائي من حديث ابي هريره يرفع عه سالوا الله العفو والعافيه والمعافاه فما اوتي احد بعد يقين خيرا من معافاه وهذه الثلاثه تتضمن ازاله الشرور الماضيه بالعفو والحاضره بالعافيه والمستقبله بالمعافاء فانها تتضمن المداومه والاستمرار على العافيه وفي الترمذي مرفوعا ما سئل الله شيئا احب اليه من العافيه وقال عبد الرحمن بن ابي ليلى عن ابي الدرداء قلت يا رسول الله لان اعافى فاشكر احب الي من ان ابتلى فاصبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله يحب معك العافيه ويذكر عن ابن عباس ان اعرابيا جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ما اسال الله بعد الصلوات الخمس فقال سان الله العافيه فاعاد عليه فقال له في الثالثه سال الله العافيه في الدنيا والاخره واذا كان هذا شان العافيه والصحه فنذكر من هديه صلى الله عليه وسلم في مراعاه هذه الامور ما يتبين لمن نظر فيه انه اكمل الهدي على الاطلاق ينال به حفظ صحه البدن والقلب وحياه الدنيا والاخره والله المستعان عليه التكلان ولا حول ولا قوه الا بالله فصل فاما المطعم والمشرب فلم يكن من عادته صلى الله عليه وسلم حبس النفس على نوع واحد من الاغذيه لا يتعداه الى ما سواه فان ذلك يضر بالطبيعه جدا وقد يتعذر عليها احيانا فان لم يتناول غيره ضعف او هلك وان تناول غيره لم تقبله الطبيعه فاستضر ضر به فقصرها على نوع واحد دائما ولو انه افضل الاغذيه خطر مضر بل كان ياكل ما جرت عاده اهل بلده باكله من اللحم والفاكهه والخبز والتمر وغيره مما ذكرناه في هديه في الماكول فعليك بمراجعته ها واذا كان في احد الطعامين كيفيه تحتاج الى كسر وتعديل كسرها وعدلها بضدها ان امكن كتعديله حراره الرطب بالبطيخ وان لم يجد ذلك تناوله على حاجه وداعيه من النفس من غير اسراف فلا تتضرر به الطبيعه وكان اذا عافت نفسه الطعام لم ياكله ولم يحملها اياه على كره وهذا اصل عظيم في حفظ الصحه فمتى اكل الانسان ما تعافه نفسه ولا تشتهيه كان تضرره به اكثر من انتفاعه قال انس ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط ان اشته اشتهاه اكله والا تركه ولم ياكل منه ولما قدم اليه الضب المشوي لم ياكل منه فقيل له اهو حرام قال لا ولكن لم يكن بارض قومي فاجدني اعافه فراعى عادته وشهوته فلما لم يكن يعتاد اكله بارضه وكانت نفسه لا تشتهيه امسك عنه ولم يمنع من اكله من يشتهيه ومن عادته اكله وكان يحب اللحم واحبه اليه الذراع ومقدم الشاء ولذلك سم فيه وفي الصحيحين اتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع اليه الذراع وكانت تعجبه وذكر ابو عبيد وغيره عن ضباعه بنت الزبير انها ذبحت في بيتها شاه فارسل اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ان اطعمينا من شاتكم فقالت للرسول ما بقي عندنا الا الرقبه واني لاستحي ان ارسل بها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع الرسول فاخبره فقال ارجع اليها فقل لها ارسلي بها فانها هاديه الشاه واقرب الى الخير وابعدها من الاذى ولا ريب ان اخف لحم الشاات لحم الرقبه ولحم الذراع والعض وهو اخف على المعده واسرع انهاما وفي هذا مراعاه الاغذيه التي تجمع ثلاثه اوصاف الاول كثره نفعها وتاثيرها في القوى الثاني خفتها على المعده وعدم ثقلها عليها الثالث سرعه هضمها وهذا افضل ما يكون من الغذاء والتغذي باليسير من هذا انفع ع من الكثير من غيره وكان يحب الحلواء والعسل وهذه الثلاثه اعني اللحم والعسل والحلواء من افضل الاغذيه وانفعها للبدن والكبد والاعضاء وللاغتذاء بها نفع عظيم في حفظ الصحه والقوه ولا ينضر منها الا من به عله وافه وكان ياكل الخبز مادوما ما وجد له اداما فتاره يادمه باللحم ويقول هو سيد طعام اهل الدنيا والاخره رواه ابن ماجه وغيره وتاره بالبطيخ وتاره بالتمر فانه وضع تمره على كسره وقال هذا ادام هذه وفي هذا من تدبير الغذاء ان خبز الشعير بارد يابس والتمر حار رطب على اصح القولين فادم خبز الشعير به من احسن التدبير لا سما لمن تلك عادتهم كاهل المدينه وتاره بالخل ويقول نعم الادام الخل وهذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر لا تفضيل له على غيره كما يظن الجهال وسبب الحديث انه دخل على اهله يوما فقدموا له خبز فقال هل عندكم منذ؟ قالوا ما عندنا الا خل فقال نعم الادام الخل والمقصود ان اكل الخبز مادوما من اسباب حفظ الصحه بخلاف الاقتصار على احدهما وحده وسمي الادم ادما لاصلاحه الخبز وجعله ملائما لحفظ الصحه ومن قوله في اباحته للخاطب النظر انه احرى ان يؤدم بينهما اي اقرب الى الالتئام والموافقه فان الزوج يدخل على بصيره فلا يندم وكان ياكل كل من فاكهه بلده عند مجيئها ولا يحتمي عنها وهذا ايضا من اكبر اسباب حفظ الصحه فان الله سبحانه بحكمته جعل في كل بلد من الفاكهه ما ينتفع به اهلها في وقته فيكون تناوله من اسباب صحتهم وعافيتهم ويغني عن كثير من الاذويه وقل من احتمى عن فاكهه بلده خشيه السقم الا وهو من اسقم الناس جسما وابعدهم من الصحه والقوه وما في تلك الفاكهه من الرطوبات فحراره الفصل والارض وحراره المعده تنضجها وتدفع شرها اذا لم يسرف في تناولها ولم يحمل منها الطبيعه فوق ما تحتمله ولم يفسد بها الغذاء قبل هضمه ولا افسدها بشرب الماء عليها وتناول الغذاء بعد التحلي منها فان القولنج كثيرا ما يحدث عند ذلك فمن اكل منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي كانت له دواء نافعا فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في هيئه الجلوس للاكل صح عنه ان قال لا اكل متكئا وقال انما اجلس كما يجلس العبد واكل كما ياكل العبد وروى ابن ماجه في سننه انه نهى ان ياكل كل الرجل وهو منبطح على وجهه وقد فسر الاتكاء بالتربع وفسر بالاتكاء على الشيء وهو الاعتماد عليه وفسر بالاتكاء على الجنب والانواع الثلاثه من الاتكاء فنوع منها يضر بالاكل وهو الاتكاء على الجنب فانه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئته ويعوقه عن سرعه نفوذه الى المعده ويضغط المعده فلا يستحكم فتحها للغذاء وايضا فانها تميل ولا تبقى منتصبه فلا يصل الغذاء اليها بسهوله واما النوعان الاخران فمن جلوس الجبابره المنافي للعبوديه ولهذا قال اكل كما ياكل العبد وكان ياكل وهو مقعن ويذكر عنه انه كان يجلس للاكل متوركا على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى تواضعا لربه عز وجل وادبا بين يديه واحتراما للطعام وللمؤكل فهذه الهيئه انفع هيئات الاكل وافضلها لان الاعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها الله سبحانه عليه مع ما فيها من الهيئه الادبيه واجود ما اغتذى الانسان اذا كانت اعضاؤه على وضعها الطبيعي ولا يكون كذلك الا اذا كان الانسان منتصبا الانتصاب الطبيعي واردا الجلسات للاكل الاتكاء على الجنب لما تقدم من ان المريئه واعضاء الازد تضيق عند هذه الهيئه والمعده لا تبقى على وضعها الطبيعي لانها تنعصر مما يلي البطن بالارض ومما يلي الظهر بالحجاب الفاصل بين الات الغذاء والات النفس وان كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائد والوقاء الذي تحت الجالس فيكون المعنى اني اذا اكلت لم اقعد متكئا على الاوطيه والوسائد كفعل الجبابره ومن يريد الاكثار من الطعام لكني اكل بلغه كما ياكل العبد فصل وكان ياكل باصابعه الثلاث وهذا انفع ما يكون من الاكلات فان الاكل باصبع او اصبعين لا يستلذ به الاكل ولا يمر ولا يشبع الا بعد طول ولا تفرح الات الطعام والمعده بما ينالها في كل اكله فتاخذها على اغماض كما ياخذ الرجل حقه حبه او حبتين او نحو ذلك فلا يلتذ باخذه ولا يسر به والاكل بالخمسه والراحه يوجب ازدحام الطعام على الته وعلى المعده وربما استدت الالات فمات وتغصب الالات على دفعه والمعده على احتماله ولا يجد له لذه ولا استمراء فانفع الاكل اكله صلى الله عليه وسلم واكل من اقتدى به بالاصابع الثلاث فصل ومن تدبر اغذيته صلى الله عليه وسلم وما كان ياكله وجده لم يجمع قط بين لبن وسمك ولا بين لبن وحامض ولا بين غذائين حارين ولا باردين ولا لزجين ولا قابضين ولا مسهلين ولا غليظين ولا مرخيين ولا مستحيلين الى خلط واحد ولا بين مختلفين كقابض ومسهل وسريع الهضم وبطيئه ولا بين شوي وطبيخ ولا بين طري وقديد ولا بين لبن وبيض ولا بين لحم ولبن ولم يكن ياكل طعاما في وقت شده حرارته ولا طبيخا بائتا يسخن له بالغد ولا شيئا من الاطعمه العفنه والمالحه كالكوامخ والمخللات والملوحات وكل هذه الانواع ضار مولد لانواع من الخروج عن الصحه والاعتدال وكان يصلح ضرر بعض الاغذيه ببعض اذا وجد اليه سبيلا فيكسر حراره هذا ببروده هذا ويبوسه هذا برطوبه هذا كما فعل في القثاء والرطب وكما كان ياكل كل التمر بالسمن وهو الحيس ويشرب نقيع التمر يلطف به كيموسات الاغذيه الشديده وكان يامر بالعشاء ولو بكف من تمر ويقول ترك العشاء مهرمه ذكره الترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه وذكر ابو نعيم عنه انه كان ينهى عن النوم على الاكل ويذكر انه يقصي القلب ولهذا في وصايا الاطباء لمن من اراد حفظ الصحه ان يمشي بعد العشاء خطوات ولو ما اتى خطوه ولا ينام عقبه فانه مضر جدا وقال مسلموهم او يصلي عقيبه ليستقر الغذاء بقعر المعده فيسهل هضمه ويجود بذلك ولم يكن من هديه ان يشرب على طعامه فيفسده ولا سما ان كان الماء حارا او باردا فانه رديء جدا قال الشاعر لا تكن عند اكل سخن وبرد ودخول الحمام تشرب ماء فاذا ما اجتنبت ذلك حقا لم تخف ما حييت في الجوف داء ويكره او يكره شرب الماء عقيب الرياضه والتعب وعقيب الجماع وعقيب الطعام وقبله وعقيب اكل الفاكهه وان كان الشرب عقيب بعضها اسهل من بعض وعقب الحمام وعند عند الانتباه من النوم فهذا كله مناف لحفظ الصحه ولا اعتبار بالعوائد فانها طبائع ثوان فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الشراب واما هديه في الشراب فمن اكمل هدي يحفظ به الصحه فانه كان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد وفي هذه من حفظ الصحه ما لا يهتدي الى معرفه الا افاضل الاطباء فان شربه ولعقه على الريق يذيب البلغم ويغسل خمل المعده ويجلو لزوجتها ويدفع عنها الفضلات ويسخنها باعتدال ويدفع سددها ويفعل مثل ذلك بالكبد والكلى والمثانه وهو انفع للمعده من كل حلو دخلها وانما يضر بالعرض لصاحب الصفراء لحدته وحده الصفراء فربما هيج ودفع مضرته لهم بالخل فيعود حينئذ لهم نافعا جدا وشربه انفع من كثير من الاشربه المتخذه من السكر او اكثرها ولا سما لمن لم يعتد هذه الاشربه ولا الفها طبعه فانه اذا شربها لا يلائمه ملائمه العسل ولا قريبا منه والمحكم في ذلك العاده فانها تهدم اصولا وتبني اصولا واما الشراب اذا جمع وصفي الحلاوه والبروده فمن انفع شيء للبدن ومن اكبر اسباب حفظ الصحه وللارواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له واستمداد منه واذا كان فيه الوصفان حصلت به التغذيه وتنفيذ الطعام الى الاعضاء وايصاله اليها اتم تنفيذ والماء البارد رطب يقمع الحراره ويحفظ على البدن رطوباته الاصليه ويرد عليه بدل ما تحلل منها ويرقق الغذاء وينفذه في العروق واختلف الاطباء هل يغذي البدن على قولين فاثبت طائفه التغذيه به بناء على ما يشاهدونه من النمو والزياده والقوه في البدن به ولا سما عند شده الحاجه اليه قالوا وبين الحيوان والنبات قدر مشترك من وجوه عديده منها النمو والاغتذاء والاعتدال وفي النبات قوه حس وحركه تناسبه ولهذا كان غذاء النبات بالماء فما ينكر ان يكون للحيوان به نوع غذاء وان يكون جزءا من غذائه التام قالوا ونحن لا ننكر ان قوه الغذاء ومعظمه في الطعام وانما انكرنا الا يكون للماء تغذيه البته قالوا وايضا الطعام عام انما يغذى بما فيه من المائيه ولولاها لما حصلت به التغذيه قالوا ولان الماء ماده حياه الحيوان والنبات ولا ريب ان ما كان اقرب الى ماده الشيء حصلت به التغذيه فكيف اذا كانت مادته الاصليه قال الله تعالى وجعلنا من الماء كل شيء حي فكيف ينكر حصول التغذيه بما هو ماده الحياه على الاطلاق قالوا وقد راينا العطشان اذا حصل له الري بالماء البارد تراجعت اليه قواه ونشاطه وحركته وصبر عن الطعام وانتفع بالقدر اليسير منه وراينا العطشان لا ينتفع بالقدر الكثير من الطعام ولا يجد به القوه والاغتذاء ونحن لا ننكر ان الماء ينفذ الغذاء الى اجزاء البدن والى جميع الاعضاء وانه لا يتم امر الغذاء الا به وانما ننكر على من سلبه قوه التغذيه عنه البته ويكاد قوله عندنا يدخل في انكار الامور الوجدانيه وانكرت طائفه اخرى حصول التغذيه به واحتجت بامور يرجع حاصلها الى عدم الاكتفاء به وانه لا يقوم مقام الطعام وانه لا يزيد في نمو الاعضاء ولا يخلف عليها بدل ما حللته الحراره ونحو ذلك مما ما لا ينكره اصحاب التغذيه فانهم يجعلون تغذيته بحسب جوهره ولطافته ورقته وتغذيه كل شيء بحسبه وقد شهد الهواء الرطب البارد اللين اللذيذ يغذي بحسبه والرائحه الطيبه تغذي نوعا من الغذاء فتغذيه الماء اظهر واظهر والمقصود انه اذا كان باردا وخالطه ما يحليه كالعسل او الزبيب او التمر او السكر كان من انفع ما يدخل البدن وحفظ عليه صحته ولهذا كان احب الشراب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم البارد الحل والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضد هذه الاشياء ولما كان الماء البائت انفع من الذي يشرب وقت استقائه قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخل الى حائط ابي الهيثم بن التيهان هل من ماء بات في شنه فاتاه به فشرب منه رواه البخاري ولفظه ان كان عندكم ماء بات في شنه والا كرعنا والماء البائت بمنزله العجين الخمير والذي شرب لوقته بمنزله الفطير وايضا فان الاجزاء الترابيه والارضيه تفارقه اذا بات وقد ذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعذب له ماء ويختار البائت منه وقالت عائشه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقى له الماء العذب من بئر السقيا والماء الذي في القرب والشنان الذ يكون في انيه الفخار والاحجار وغيرهما ولا سما اسقيه الادم ولهذا التمس النبي صلى الله عليه وسلم ماء بات في شنه دون غيرها من الاواني وفي الماء اذا وضع في الشنان وقرب الادم خاصه لطيفه لما فيها من المسام المنفتحه يرشح منها الماء ولهذا الماء الذي في الفخار الذي يرشح الذ منه وابرد في الذي لا يرشح فصلوات الله وسلامه على اكمل الخلق واشرفهم نفسا وافضلهم هديا في كل شيء لقد دل امته على افضل الامور وانفعها لهم في القلوب والابدان في الدنيا والاخره قالت عائشه رضي الله عنها كان احب الشراب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد وهذا يحتمل ان يريد به الماء العذب كمياه العيون والابار الحلوه فانه كان يستعذب له الماء ويحتمل انه يريد به الماء الممزوج بالعسل او الذي نقع فيه التمر او الزبيب وقد يقال وهو الاظهر يعمهما جميعا وقوله في الحديث الصحيح ان كان عندك ماء بات في شن والا كرعنا فيه دليل على جواز الكرع وهو الشرب بالفم من الحوض والمقراه ونحوها وهذه والله اعلم واقعه عين دعت الحاجه فيها الى الكرع بالفم او قاله مبينا لجوازه فان من الناس من يكرهه والاطباء تكاد تحرمه ويقولون انه يضر بالمعده وقد روي في حديث لا ادري ما حاله عن ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم ناهانا ان نشرب على بطوننا وهو الكرع وناهانا ان نغترف باليد الواحده وقال لا يلغ احدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب بالليل من اناء حتى يختبره الا ان يكون مخمرا وحديث البخاري اصح صح من هذا وان صح فلا تعارض بينهما اذ لعل الشرب باليد لم يكن يمكن حينئذ فقال والا كرعنا والشرب بالفم انما يضر اذا انكب الشارب على وجهه وبطنه كالذي يشرب من النهر والغدير فاما اذا شرب منتصبا بفمه من حوض مرتفع ونحوه فلا فرق بين ان يشرب بيده او بفمه فصل وكان من هديه الشرب قاعده هذا كان هديه المعتاد وصح عنه انه نهى عن الشرب قائما وصح عنه انه امر الذي شرب قائما ان يستقيء وصح عنه انه شرب قائما فقالت طائفه هذا ناسخ للنهي وقالت طائفه بل مبين ان النهي ليس للتحريم بل للارشاد وترك الاولى وقالت طائفه لا تعارض بينهما اصلا فانه انما شرب قائما للحاجه فانه جاء الى زمزمه وهم يستقون منها فاستقى فناولوه الدلو فشرب وهو قائم وهذا كان موضع حاجه وللشرب قائما افات عديده منها انه لا يحصل به الري التام ولا يستقر في المعده حتى يقسمه الكبد على الاعضاء وينزل بسرعه وحده الى المعده فيخشى منه ان يبرد حرارتها ويشوشها ويسرع النفوذ الى اسافر البدن بغير تدريج وكل هذا يضر بالشارب واما اذا فعله نادرا او لحاجه لم يضره ولا يعترض بالعوائد على هذا فان العوائد طبائع ثوان ولها احكام اخرى وهي بمنزله الخارج عن القياس عند الفقهاء فصل وفي صحيح مسلم من حديث انس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثه ويقول انه اروى وامرا وابرا الشراب في لسان الشارع وحمله الشرع هو الماء ومعنى تنفسه في الشراب ابانه القذح عن فيه وتنفسه خارجه ثم يعود الى الشراب كما جاء مصرحا به في الحديث الاخر اذا شرب احدكم فلا يتنفس في القدح ولكن ليبني الاناء عن فيه وفي هذا الشرب حكم جمه وفوائد مهمه وقد نبه صلى الله عليه وسلم على مجامعها بقوله انه اروى وامرا وابرا فاروى اشد ريا وابلغه وانفعه وابرا افعل من البرء وهو الشفاء اي يبرئ من شده العطش ودائه لترده على المعده المتلهبه دف دفعات فتسكن الدفعه الثانيه ما عجزت الاولى عن تسكينه والثالثه ما عجزت الثانيه عنه وايضا فانه اسلم لحراره المعده وابقى عليها من ان يهجم عليها البارذ وهله واحده ونهله واحده وايضا فانه لا يروي لمصادفته لحراره العطش لحظه ثم يقلع عنها ولما تكسر ثورتها وحدتها وان انكسرت لم تبطل بالكليه بخلاف كسرها على التمهل والتدريج وايضا فانه اسلموا عاقبه وامنوا غائله من تناول جميع ما يروي دفعه واحده فانه يخاف منه ان يطفئ الحراره الغريزيه بشده برده وكثره كميته او يضعفها فيؤدي ذلك الى فساد مزاج المعده والكبد والى امراض رذيئه خصوصا في سكان البلاد الحاره كالحجاز واليمن ونحويهما او في الازمنه الحاره كشده الصيف فان الشرب وهله واحده مخوف عليهم جدا فان الحار الغريزي ضعيف في بواطن اهلها وفي تلك الازمنه الحاره وقوله وامرا هو افعل من مرئ الطعام والشراب في بدنه اذا دخله وخالطه بسهوله ولذه ونفع ومنه فكلوه هنيئا مريئا هنيئا في عاقبته مريئا في مذاقه وقيل معناه انه اسرع انحدارا عن المريء لسهولته وخفته عليه بخلاف الكثير فانه لا يسهل على المريء انحداره ومن افات الشرب نهله واحده انه يخاف منه الشرق بان ينسد مجرى الشراب لكثره الوارد عليه فيغص به فاذا تنفس رويدا ثم شرب امن من ذلك ومن فوائده ان الشارب اذا شرب اول مره تصاعد البخار الدخاني الحار الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه فاخرجته الطبيعه عنها فاذا شرب مره واحده اتفق نزول الماء البارد وصعود البخار فيتدافعان ويتعالجان ومن ذلك يحدث الشرق والغصه ولا يهنا الشارب بالماء ولا يمراه ولا يتم ريه وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم اذا شرب احدكم فليمص الماء مصا ولا يعب عبا الكباد من العب والكباد بضم الكاف وتخفيف الباء هو وجع الكبد وقد علم بالتجربه ان ورود الماء جمله واحده على الكبد يؤلمها ويضاعف حرارتها وسبب ذلك المضاده التي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفيه المبرود وكميته ولو ورد بالتدريج شيئا فشيئا لم يضاد حرارتها ولم يضعفها وهذا مثاله صب الماء البارد على القدر وهي تفور لا يضرها صبه قليلا قليلا وقد روى الترمذي في جامعه عنه صلى الله عليه وسلم لا تشربوا نفسا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا اذا انتم شربتم واحمدوا اذا انتم فرغتم وللتسميه في اول الطعام والشراب وحمد الله في اخره تاثير عجيب في نفعه واستمرائه ودفع مضرته قال الامام احمد اذا جمع الطعام اربعا فقد كمل اذا ذكر اسم الله في اوله وحمد الله في اخره وكثرت عليه الايدي وكان من حل فصل وقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول غطوا الاناء واوكوا السقاء فان في السنه ليله ينزل فيها وباء لا يمر باناء ليس عليه غطاء وسقاء ليس عليه وكاء الا وقع فيه من ذلك الداء وهذا مما لا تناله علوم الاطباء ومعارفهم وقد عرفه من عرفه من عقلاء الناس بالتجربه قال الليث بن سعد احد رواه الحديث الاعاجم عندنا يتقون تلك الليله في السنه في كانون الاول منها وصح عنه انه امر بتخمير الاناء ولو ان يعرض عليه عودا وفي عرض العود عليه من الحكمه انه لا ينسى تخميره بل يعتاده حتى بالعود وفيه انه ربما اراد الدبيب ان يسقط فيه فيمر على العود فيكون العود جسرا له يمنعه من السقوط فيه وصاح عنه انه امر عند ايكاء الاناء بذكر اسم الله فان ذكر بسم الله عند تخمير الاناء يطرد عنه الشيطان وايكائه يطرد عنه الهوام ولذلك امر بذكر اسم الله في هذين الوضعين لهذين المعنيين وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب من في السقاء وفي هذا اداب عديده منها ان تردد انفاس الشارب فيه يكسبه زهومه ورائحه كريهه يعافلها ومنها انه ربما غلب الداخل الى جوفه من الماء فتضرر به ومنها انه ربما كان فيه حيوان لا يشعر به فيؤذيه ومنها ان الماء ربما كان فيه قذاره او غيرها لا يراها عند الشرب فتلج جوفه ومنها ان الشرب كذلك يملا البطن من الهواء فيضيق عن اخذ حظه من الماء او يزاح حمه او يؤذيه ولغير ذلك من الحكم فان قيل فما تصنعون بما في جامع الترمذي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا باداوه يوم احد فقال اختنث فم الاداوه ثم شرب منها من فمها قلنا نكتفي فيه بقول الترمذي هذا حديث ليس اسناده بصحيح وعبد الله بن عمر العمري يضعف من قبل حفظه ولا ادري سمع من عيسى او لا انتهى يريد عيسى بن عبد الله الذي رواه عنه عن رجل من الانصار فصل وفي سنن ابي داوود من حديث ابي سعيد الخدري قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب في ثلمه القدح وان ينفخ في الشراب وهذا من الاداب التي يتم بها مصلحه الشارب فان الشرب من ثلمه القدح فيه عده مفاسد احدها ان ما يكون على وجه الماء من قذا غيره يجتمع الى الثل بخلاف الجانب الصحيح الثاني انه ربما شوش على الشارب ولم يتمكن من حسن الشرب من الثلمه الثالث ان الوسخ والزهومه تجتمع في الثلمه ولا يصل اليها الغسل كما يصل الى الجانب الصحيح الرابع ان الثلمه محل العيب في القدح وهي اردا مكان فيه فينبغي تجنبه وقصد الجانب الصحيح فان الرديء من كل شيء لا خير فيه وراى بعض السلف رجلا يشتري حاجه ردئه فقال لا تفعل اما علمت ان الله نزع البركه من كل رديء الخامس انه ربما كان في الثلمه شق او تحديد يجرح فم الشارب ولغير هذه من المفا الفاسد واما النفخ في الشراب فانه يكسبه من فم النافخ رائحه كريهه يعاف لاجلها ولا سما ان كان متغير الفم وبالجمله فانفاس النافخ تخالطه ولهذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين النهي عن التنفس في الاناء والنفخ فيه في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يتنفس في الاناء او ينفخ فيه فان قيل فما تصنعون بما في الصحيحين من حديث انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الاناء الثلاثه قيل نقابله بالقبول والتسليم ولا معارضه بينه وبين الاول فان معناه انه كان يتنفس في شربه ثلاثا وذكر الاناء لانه اله الشرب وهذا كما جاء في الحديث الصحيح ان ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في الثدي اي في مده الرضاع فصل وكان صلى الله عليه وسلم يشرب اللبن خالصا تاره ومشوبا بالماء اخرى وفي شرب اللبن الحلو في تلك البلاد الحاره خالصا ومشوبا نفع عظيم في حفظ الصحه وترطيب البدن وري الكبد ولا سما اللبن الذي ترعى دوابه الشيح والقيصوم والخزامه وما اشبهها فان لبنها غذاء مع الاغذيه وشراب مع الاشربه ودواء مع الادويه وفي جامع الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم اذا اكل احدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه واطعمنا خيرا منه واذا سقي لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزد نا منه فانه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب الا اللبن قال الترمذي هذا حديث حسن فصل وثبت في صحيح مسلم انه صلى الله عليه وسلم كان ينتبذ له اول الليل ويشربه اذا اصبح يومه ذلك والليله التي تجيء والغدا والليله الاخرى والغدا الى العصر فان بقي منه شيء سقاه الخادم او امر به فصب وهذا النبيذ هو ماء يطرح فيه تمر يحليه وهو يدخل في الغذاء والشراب وله نفع عظيم في زياده القوه وحفظ الصحه ولم يكن يشربه بعد ثلاث خوفا من تغيره الى الاسكار فصل في تدبيره لامر الملبس وكان من اتم الهدي وانفعه للبدن واخفه عليه واي سره لبسا وخلعا وكان اكثر لبسه الارديه والاذر وهي اخف على البدن من غيرها وكان يلبس القميص بل كان احب الثياب اليه وكان هديه في لبسه لما يلبسه انفع شيء للبدن فانه لم يكن يطيل اكمامه ويوسعها بل كانت كم قميصه الى الرسغ لا تجاوز اليد فتشق على لابسها وتمنعه خفه الحركه والبطش ولا تقصر عن هذه فتبرز للحر والبرد وكان ذيل قميصه وازاره الى انصاف الساقين لم يتجاوز الكعبين فيؤذي الماشي ويجعله كالمقيد ولم يقصر عن عضله ساقه فتنكشف فيتاذى بالحر والبرد ولم تكن عمامته بالكبيره التي يؤذي الراس حملها ويضعفه ويجعله عرضه للضعف والافات كما يشاهد من حال اصحابها ولا بالصغيره التي تقصر عن وقايه الراس من الحر والبرد بل وسطا بين ذلك وكان يدخلها تحت حنكه وفي ذلك فوائد عظيمه فانها تقي العنق الحر والبرد وهو اثبت لها ولا سما عند ركوب الخيل والابل والكر والفر وكثير من الناس اتخذ الكلاليب عوضا عن التحنك ويا بعد ما بينهما في النفع والزينه وانت اذا تاملت هذه اللبسه وجدتها من انفع اللبسات وابلغها في حفظ صحه البدن وقواه وابعدها من التكلف والمشقه على البدن وكان يلبس الخفاف في السفر دائما او اغلب احواله لحاجه الرجلين الى ما يقيهما من الحر والبرد وفي الحذر احيانا وكان احب الوان الثياب اليه البياض والحبره وهي البرود المحبره ولم يكن من هديه لبس الاحمر ولا الاسود ولا المصبغ ولا المسقول واما الحله الحمراء التي لبسها فهي الرداء اليمني الذي فيه سواد وحمره وبياض كالحله الخضراء فقد لبس هذه وهذه وقد تقدمت تقرير ذلك وتغليط من زعم انه لبس الاحمر القاني بما فيه كفايه فصل في تدبيره لامر المسكن لما علم صلى الله عليه وسلم انه على ظهر سير وان الدنيا مرحله مسافر ينزل فيها مده عمره ثم ينتقل عنها الى الاخره لم يكن من هديه وهدي اصحابه ومن تبعه الاعتناء بالمساكن وتشييدها وتعليتها وزخرفتها وتوسيعها بل كانت من احسن منازل المسافر تقي الحر والبرد وتستر عن العيون وتمنع من ولوج الدواب ولا يخاف سقوطها لفرط ثقلها ولا تعشعش فيها الهوام لسعتها ولا تعتور عليها الاهويه والرياح المؤذيه لارتفاعها وليست تحت الارض فتؤذي ساكنها ولا في غايه الارتفاع عليها بل وسط وتلك اعدل المساكن وانفعها واقلها حرا وبردا ولا تضيق عن ساكنها فينحصر ولا تفضل عنه بغير منفعه ولا فائده فتاوي الهوام في خلوها ولم يكن فيها كنف تؤذي ساكنها برائحتها بل رائحتها من اطيب الروائح لانه كان يحب الطيب ولا يزال عنده وريحه هو من اطيب الرائحه وعرقه من اطيب الطيب ولم يكن في الدار كنيف تظهر رائحته ولا ريب ان هذه من اعدل المساكن وانفعها واوفقها للبدن وحفظ صحته فصل في تدبيره صلى الله عليه وسلم لامر النوم واليقظه ومن تدبر نومه ويقظته صلى الله عليه وسلم وجده اعدل نوم وانفاعه للب البدن والاعضاء والقوى فانه كان ينام اول الليل ويستيقظ اول النصف الثاني فيقوم ويستاك ويتوضا ويصلي ما كتب الله له فياخذ البدن والاعضاء والقوى حظها من النوم والراحه وحظها من الرياضه مع وفور الاجر وهذا غايه صلاح القلب والبدن والدنيا والاخره ولم يكن ياخذ من النوم فوق القدر المحتاج اليه ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج اليه منه وكان يفعله على اكمل الوجوه فينام اذا دعته الحاجه الى النوم على شقه الايمن ذاكرا الله حتى تغلبه عيناه غير ممتلئ البدن من الطعام والشراب ولا مباشر بجنبه الارض ولا متخذ للفرش المرتفعه بل له ضجاع من ادم حشوه ليف وكان يضجع على الوساده ويضع يده تحت خده احيانا ونحن نذكر فصلا في النوم والنافع منه والضار فنقول النوم حاله للبن يتبعها غور الحراره الغريزيه والقوى الى باطن البدن لطلب الراحه وهو نوعان طبيعي وغير طبيعي فالطبيعي امساك القوى النفسانيه على افعالها وهي قوى الحس والحركه الاراديه ومتى امسكت هذه القوى عن تحريك البدن استرخى واجتمعت الرطوبات والابخره التي كانت تتحلل وتتفرق بالحركات واليقظه في الدماغ الذي هو مبدا هذه القوى فيتخدر ويسترخي وذلك النوم الطبيعي واما النوم غير الطبيعي فيكون لعرض او مرض وذلك بان تستولي الرطوبات على الدماغ استيلاء لا تقدر اليقظه على تفريقها او تصع ابخره رطبه كثيره كما يكون عقيب الامتلاء من الطعام والشراب فتثقل الدماغ وترخيه فيتخدر ويقع امساك القوى النفسانيه عن افعالها فيكون النوم وللنوم فائدتان جليلتان احداهما سكون الجوارح وراحتها مما يعرض لها من التعب فيريح الحواس من نصب اليقظه ويزيل الاعياء والكلال والثانيه هضم الغذاء ونضج الاخلاط لان الحراره الغريزيه في وقت النوم تفور الى باطن البدن فتعين على ذلك ولهذا يبرد ظاهره ويحتاج النائم الى فضل دثار اي يحتاج ان يتغطى وانفع النوم ان ينام على الشق الايمن ليستقر الطعام بهذه الهيئه في المعده استقرارا حسنا فان المعده اميل الى الجانب الايسر قليلا ثم يتحول الى الشق الايسر قليلا ليسرع الهضم بذلك لاستماله المعده على الكبد ثم يستقر نومه على الجانب الايمن ليكون الغذاء اسرع انحدارا عن المعده فيكون النوم على الجانب الايمن بداءه نومه ونهايته وكثره النوم على الجانب الايسر مضر بالقلب بسبب ميل الاعضاء اليه فتنصب اليه المواد واردا النوم النوم على الظهر ولا يضر الاستلقاء عليه للراحه من غير نوم واردا منه ان ينام منبطحا على وجهه وفي المسند وسنن ابن ماجه عن ابي امامه قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل نائم في المسجد منبطح على وجهه فضربه برجله وقال قم او اقعد فانها نومه جهنميه قال ابو قراط في كتاب التقدمه واما نوم المريض على بطنه من غير ان يكون عادته في صحته جرت بذلك فذلك يدل على اختلاط عقل وعلى الم في نواحي البطن قال الشراح لكتابه لانه خالف العاده الجيده الى هيئه ردئه من غير سبب ظاهر ولا باطن والنوم المعتدل ممكن للقوى الطبيعيه من افعالها مريح للقوه النفسانيه مك اكثر من جوهر حاملها حتى انه ربما عاد بارخائه مانعا من تحلل الارواح ونوم النهار رديء يرث الامراض الرطوبيه والنوازل ويفسد اللون ويرث الطحال ويرخي العصب ويكسل ويضعف الشهوه الا في الصيف وقت الهاجره وارداؤه نوم اول النهار واردا منه النوم اخره بعد العصر وراى عبد الله بن عباس ابنا له نائما نومه الصبح فقال له قم اتنام في الساعه التي تقسم فيها الارزاق وقيل نوم النهار ثلاثه خلق وخرق وحمق فالخلق نومه الهاجره وهي خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم والخرق نومه الضحى يشغل عن امر الدنيا والاخره والحمق نومه العصر قال بعض السلف من نام بعد العصر فاختس عقله فلا يلومن الا نفسه وقال الشاعر الا ان نومات الضحى تورث الفتى خبالا ونومات العصير جنون ونوم الصبحه يمنع الرزق لان ذلك وقت تطلب فيه الخليقه ارزاقها وهو وقت قسمه الارزاق فنومه حرمان الا لعارض او ضروره وهو مضر جدا بالبدن لارخائه البدن وافساده للفضلات التي ينبغي تحليلها بالرياضه فيحدث تكسرا وعيا وضعفا وان كان قبل التبرز والحركه والرياضه واشغال المعده بشيء فذلك الداء العضال المولد لانواع من الادواء والنوم في الشمس يثير الداء الدفين ونوم الانسان بعضه في الشمس وبعضه في الظل رديء وقد روى ابو داوود في سننه من حديث ابي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا كان احدكم في الشمس فقلص عنه الظل فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم وفي سنن ابن ماجه وغيره من حديث بريده بن الحصيب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ان يقعد الرجل بين الظل والشمس وهذا تنبيه على منع النوم بينهما وفي الصحيحين عن البراء بن عازب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اذا اتيت مضجعك فتوضا وضوءك للصلاه ثم اضجع على شقك الايمن ثم قل اللهم اني اسلمت نفسي اليك ووجهت وجهي اليك وفوضت امري اليك والجات ظهري اليك رغبه ورهبه اليك لا ملجا ولا منج منك الا اليك امنت بكتابك الذي انزلت ونبيك الذي ارسلت واجعلهن اخر كلامك فان مت من ليلتك مت على الفطره وفي صحيح البخاري عن عائشه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا صلى ركعتي الفجر يعني سنتها اضجع على شقه الايمن وقد قيل ان الحكمه في النوم على الجانب الايمن الا يستغرق النائم في نومه لان القلب فيه ميل الى جهه اليسار فاذا نام على جنبه الايمن طلب القلب مستقره من الجانب الايسر وذلك يمنع من استقرار النائم واستثقاله في نومه بخلاف قراره في النوم على الجانب اليسار فانه مستقره فيحصل بذلك الدعه التامه فيستغرق الانسان في نومه ويستثقل فيفوته مصالح دينه ودنياه ولما كان النائم بمنزله الميت والنوم اخو الموت ولهذا يستحيل على الحي الذي لا يموت سبحانه واهل الجنه لا ينامون فيها وكان النائم محتاجا الى من يحرس نفسه ويحفظها مما يعرض لها من الافات ويحرس بدنه ايضا من طوارق الافات وكان ربه وفاطره تعالى هو المتولي لذلك وحده علم النبي صلى الله عليه وسلم النائم ان يقول كلمات التفويض والالتجاء والرغبه والرهبه ليستدعي بها كمال حفظ الله وحراسته لنفسه وبدنه وارشده مع ذلك الى ان يستذكر الايمان وينام عليه ويجعل التكلم به اخر كلامه فانه ربما توفاه الله في منامه فاذا كان الايمان اخر كلامه دخل الجنه فتضمن هذا الهدي في المنام مصالح القلب والبدن والروح في النوم واليقظه والدنيا والاخره فصلوات الله وسلامه على من نالت به امته كل خير وقوله اسلمت نفسي اليك اي جعلتها مسلمه لك تسليم العبد المملوك نفسه الى سيده ومالكه وتوجيه وجهه اليه يتضمن اقباله بالكليه على ربه واخلاص القصد والاراده له واقراره بالخضوع والذل والانقياد قال تعالى فان حاجوك فقل اسلمت وجهي لله ومن اتبعا وذكر الوجه اذ هو اشرف ما في الانسان ومجمع الحواس وايضا ففيه معنى التوجه والقصد من قوله رب العباد اليه الوجه والعمل وتفويض الامر اليه رده الى الله سبحانه وذلك يوجب سكون القلب وطمانينته والرضا بما يقضيه ويختاره له مما يحبه ويرضاه والتفويض من اشرف مقامات العبوديه ولا عله فيه وهو من مقامات الخاصه خلافا لزعم خلاف ذلك والجاء الظاهر اليه سبحانه يتضمن قوه الاعتماد عليه والثقه به والسكون اليه والتوكل عليه فان من اسند ظهره الى ركن وثيق لم يخفي السقوط ولما كان للقلب قوتان قوه الطلب وهي الرغبه وقوه الهرب وهي الرهبه وكان العبد طالبا لمصالحه هاربا من مضاره جمع الامرين في هذا التفويض والتوجه فقال رغبه ورهبه اليك ثم اثنى على ربه بانه لا ملجا للعبد سواه ولا منجا له منه غيره فهو الذي يلجا اليه العبد لينجيه من نفسه كما في الحديث الاخر اعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك واعوذ بك منك فهو سبحانه الذي يعيذ عبده وينجيه من باسه الذي بمشيئته وقدرته فمنه البلاء ومنه الاعانه ومنه ما يطلب النجاه منه واليه الالتجاء في النجاء فهو الذي يلجا اليه في ان ينجى مما منه ويستعاذ به مما منه فهو رب كل شيء ولا يكون شيء الا بمشيئته وان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو وقال تعالى قل من ذا الذي يعصمكم من الله ان اراد بكم سوءا او اراد بكم رحمه ثم ختم الدعاء بالاقرار بالايمان بكتابه ورسوله الذي هو ملاك النجاه والفوز في الدنيا والاخره فهذا هديه في نومه لو لم يقل اني رسول لكان شاهد في هديه ينطق فصل واما هديه في يقظته فكان يستيقظ اذا صاح الصارخ وهو الديك فيحمد الله تعالى ويكبره ويهلله ويدعوه ثم يستاك ثم يقوم الى وضوءه ثم يقف للص الصلاه بين يدي ربه مناجيا له بكلامه مثنيا عليه راجيا له راغبا راهبا فاي حفظ لصحه القلب والبدن والروح والقوى ولنعيم الدنيا والاخره فوق هذا فصل واما تدبير الحركه والسكون وهو الرياضه فنذكر منها فصلا يعلم منه مطابقه هديه في ذلك لاكمل انواعه واحمدها واصوابها فنقول من المعلوم افتقار البدن في بقائه الى الغذاء والشراب ولا يصير الغذاء بجملته جزءا من البدن بل لابد ان يبقى منه عند كل هضم بقيه ماء اذا كثرت على ممر الزمان اجتمع منها شيء له كميه وكيفيه فيضر بكميته بان يسد ويثقل البدن ويوجب امراض الاحتباس وان استفرغ تاذى البدن بالادويه لان اكثرها سميه ولا تخلو من اخراج الصالح المنتفع به ويضر بكيفيته بان يسخن بنفسه او بالعفن او يبرد بنفسه او يضعف الحراره الغريزيه عن انضاجه وسدد الفضلات لا محاله ضاره تركت او استفرغت والحركه اقوى الاسباب في منع تولدها فانها تسخن الاعضاء وتسيل فضلاتها فلا تجتمع على طول الزمان ويعود البدن الخفه والنشاط ويجعله قابلا للغذاء ويصلب المفاصل ويقوي الاوتار والرباطات ويؤمن جميع الامراض الماديه واكثر الامراض المزاجيه اذا استعمل القدر المعتدل منه في وقته وكان باقي التدبير صوابا ووقت الرياضه بعد انحدار الغذاء وكمال الهضم والرياضه المعتدله هي التي تحمر فيها البشر شره وتربو ويتندى فيها البدن واما التي يلزمها سيلان العرق فمفرطه واي عضو كثرت رياضته قويه وخصوصا على نوع تلك الرياضه بل كل قوه فهذا شانها فان من استكثر من الحفظ قويت حافظته ومن استكثر من الفكر قوي قوته المفكره ولكل عضو رياضه تخصه فللصدر القراءه فليبتدئ فيها من الخفه الى الجهر بتدريج ورياضه السمع بسمع الاصوات والكلام بالتدريج فينتقل من الاخف الى الاثقل وكذلك رياضه اللسان في الكلام وكذلك رياضه البصر وكذلك رياضه المشي بالتدريج شيئا فشيئا واما ركوب الخيل ورمي النشاب والصراع والمسابقه على الاقدام فرياضه البدن كله وهي قالعه لامراض مزمنه كالجذام والاستسقاء والقولولنج ورياضه النفوس بالتعلم والتادب والفرح والسرور والصبر والثبات والاقدام والسماح وفعل الخير ونحو ذلك مما ترتاض به النفوس ومن اعظم رياضتها الصبر والحب والشجاعه والاحسان فلا تزال ترتاض بذلك شيئا فشيئا حتى تصير لها هذه الصفات هيئات راسخه وملكات ثابته وانت اذا تاملت هديه صلى الله عليه وسلم في ذلك وجدته اكمل هدي حافظ للصحه والقوى ونافع في المعاش والمعاد ولا ريب ان الصلاه نفسها فيها من حفظ صحه البدن واذابه اخلاقه وفضلاته ما هو من انفع شيء له سوى ما فيها من حفظ صحه الايمان وسعاده الدنيا والاخره وكذلك قيام الليل من انفع اسباب باب حفظ الصحه ومن امنع الامور لكثير من الامراض المزمنه ومن انشط شيء للبدن والروح والقلب كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال يعقد الشيطان على قافيه راس احدكم اذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقده عليك ليل طويل فارقد فان هو استيقظ فذكر الله ان حلت عقده فان توضا ان حلت عقده ثانيه فان صلى انحلت عقده كلها فاصبح نشيطا طيب النفس والا اصبح خبيث النفس كسلان وفي الصوم الشرعي من اسباب حفظ الصحه ورياضه البدن والنفس ما لا يدفعه صحيح الفطره واما الجهاد وما فيه من الحركات الكليه التي هي من اعظم اسباب القوه وحفظ الصحه وصلابه القلب والبدن ودفع فضلاتهما وزوال الهم والغم والحزن فامر انما يعرفه من له منه نصيب وكذلك الحج وفعل المناسك وكذلك المسابقه على الخيل بالنصال والمشي في الحوائج والى الاخوان وقضاء حقوقهم وعياده مرضاهم وتشييع جنائزهم والمشي الى المساجد للجموعات والجماعات وحركه الوضوء والاغتسال وغير ذلك وهذا اقل ما فيه الرياضه المعينه على حفظ الصحه ودفع الفضلات واما ما شرع له من التوصل به الى خيرات الدنيا والاخره ودفع شرورهما فامر وراء ذلك فعلمت ان هديه فوق كل هد في طب الابدان والقلوب وحفظ صحتهما ودفع اسقامهما ولا مزيد على ذلك لمن قد احضر رشده وبالله التوفيق هديه صلى الله عليه وسلم في الجماع واما الجماع والباه فكان هديه فيه اكمل هدي تحفظ به الصحه ويتم به اللذه وسرور النفس ويحصل به مقاصده التي وضع لاجلها فان الجماع وضع في الاصل لثلاثه امور هي مقاصده الاصليه احدها حفظ النسل ودوام النوع الانساني الى ان تتكامل العده التي قدر الله بروزها الى هذا العالم. الثاني اخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجمله البدن. الثالث قضاء الوطر ونيل اللذه والتمتع بالنعمه وهذه وحدها هي الفائده التي في الجنه اذ لا تناسل هناك ولا احتقان يستفرغه الانزال. وفضلاء الاطباء يرون ان الجماع من احمد اسباب حفظ الصحه قال جالينوس الغالب على جوهر المني النار والهواء ومزاجه حار رطب لان كونه من الدم الصافي الذي تغتذي به الاعضاء الاصليه واذا ثبت فضل المني فاعلم انه لا ينبغي اخراجه الا في طلب النسل او اخراج المحتقن منه فانه اذا دام احتقانه احدث امر امراضا رديئه منها الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك وقد يبرئ استعماله من هذه الامراض كثيره فانه اذا طال احتباسه استحال الى كيفيه سميه توجب امراضا رديئه كما ذكرنا ولذلك تدفعه الطبيعه اذا كثر عندها من غير جماع وقال بعض السلف ينبغي للرجل ان يتعاهد من نفسه ثلاثه ينبغي الا يدع المشي فان احتاج اليه يوما قدر عليه وينبغي الا يدع الاكل فان امعائه تضيق وينبغي الا يدع الجماع فان البئر اذا لم تنزح ذهب ماؤها وقال محمد بن زكريا من ترك الجماع مده طويله ضعفت قوى اعصابه واستداريها وتقلص ذكره قال ورايت جماعه تركوه لنوع من التقشف فبردت ابدانهم وعسورت حركاتهم ووقعت عليهم كابه بلا سبب وقلت شهواتهم وهضمهم انتهى ومن منافعه غض البصر وكف النفس والقدره على العفه عن الحرام وتحصيل ذلك للمراه فهو ينفع نفسه في دنياه واخراه وينفع المراه ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاهده ويحبه ويقول حببت الي من دنياكم النساء والطيب وفي كتاب الزهد للامام احمد في هذا الحديث زياده لطيفه وهي اصبر عن الطعام والشراب ولا اصبر عنهن وحث على التزويج امته فقال تزوجوا فاني مكاثر بكم الامم وقال ابن عباس خير هذه الامه اكثرها نساء وقال صلى الله عليه وسلم اني اتزوج النساء واكل اللحم وانام واقوم واصوم وافطر فمن رغب عن سنتي فليس مني وقال يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءه فليتزوج فانه اغض للبصر واحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء ولما تزوج جابر ثيبا قال له هل لا بكرا تلاعبها وتلاعبك وروى ابن ماجه في سننه من حديث انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اراد ان يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر وفي سننه ايضا من حديث ابن عباس يرفعه قال لم نرى للمتحابين مثل النكاح وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المراه الصالحه وكان صلى الله عليه وسلم يحرض امته على نكاح الابكار الحسان وذوات الدين وفي سنن النسائي عن ابي هريره قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم اي النساء خير قال التي تسره اذا نظر وتطيعه اذا امر ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله وفي الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تنكح المراه لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك وكان يحث على نكاح الولود ويكره المراه التي لا تلد كما في سنن ابي داوود عن معقل بن يسار ان رجلا جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اني اصبت امراه ذات حسب وجمال وانها لا تلد افاتزوجها؟ قال لا ثم اتاه الثانيه فنهاه ثم اتاه الثالثه فقال تزوجوا الودود الولود فاني مكاثر بكم الامم وفي الترمذي عنه مرفوعا اربع من سنن المرسلين النكاح والسواك والتعطر والحناء وسمعت ابا الحجاج الحافظ يقول الصواب انه الختان وسقطت النون من الحاشيه وكذلك رواه المحاملي عن شيخ ابي عيسى الترمذي ومما ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبته المراه وتقبيلها ومص لسانها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاعب اهله ويقبلها وروى ابو داوود في سننه انه صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشه ويمص لسانها ويذكر عن جابر بن عبد الله قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقعه قبل الملاعبه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما جامع نساءه كلهن بغسل واحد وربما اغتسل عند كل واحده منهن فروى مسلم في صحيحه عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد وروى ابو داوود في سننه عن ابي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليله فاغتسل عند كل امراه منهن غسلا فقلت يا رسول الله لو اغتسلت غسلا واحدا فقال هذا اطهر واطيب وشرع للمجامع اذا اراد العود قبل الغسل الوضوء بين الجماعين كما روى مسلم في صحيحه من حديث ابي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا اتى احدكم اهله ثم اراد ان يعود فليتوضا وفي الغسل والوضوء بعد الوطء من النشاط وطيب النفس واخلاف بعض ما تحلل بالجماع وكمال الطهر والنظافه واجتماع الحار الغريزي الى داخل البدن بعد انتشاره بالجماع وحصول النظافه التي يحبها الله ويبغض خلافه ما هو من احسن التدبير في الجماع وحفظ الصحه والقوى فيه فصل وانفع الجماع ما حصل بعد الهضم وعند اعتدال البدن في حره وبرده ويبوسته ورطوبته وخلائه وامتلائه وضرره عند امتلاء البدن اسهل واقل من ضرره عند خلوه وكذلك ضرره عند كثره الرطوبه اقل منه عند اليبوسه وعند حرارته اقل منه عند برودته وانما ينبغي ان يجامع اذا اشتدت الشهوه وحصل الانتشار التام الذي ليس عن تكلف ولا فكر في صوره ولا نظر متتابع ولا ينبغي ان يستدعي شهوه الجماع ويتكلفها ويحمل نفسه عليها وليبادر اليه اذا هاجت به كثره المني واشتد شبقه وليحذر جماع العجوز والصغيره التي لا يوطا مثلها والتي لا شهوه لها والمريضه والقبيحه المنظر والبغيضه فوطء هؤلاء يوهن القوى ويضعف الجماع بالخاصيه وغلط من قال من الاطباء ان جماع الثيب انفع من جماع البكر واحفظ للصحه وهذا من القياس الفاسد حتى ربما حذر منه بعضهم وهو مخالف لما عليه عقلاء الناس ولما اتفق قت عليه الطبيعه والشريعه وفي جماع البكر من الخاصيه وكمال التعلق بينها وبين مجامعها وامتلاء قلبها من محبته وعدم تقسيم هواها بينه وبين غيره ما ليس للثيب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر هلا تزوجت بكرا وقد جعل الله سبحانه من كمال نساء اهل الجنه من الحور العين انهن لم يطمثهن احد قبل من جعلن له من اهل الجنه وقالت عائشه للنبي صلى الله عليه وسلم ارايت لو مررت بشجره قد ارتع فيها وشجره لم يرتع فيها ففي ايهما كنت ترتع بعيرك؟ قال في التي لم يرتع فيها تريد انه لم ياخذ بكرا غيرها وجماع المراه المحبوبه في النفس يقل اضعافه للبدن مع كثره استفراغه للمني وجماع البغيضه يحل البدن ويهن القوى مع قله استفراغه وجماع الحائض حرام طبعا وشرعا فانه مضر جدا والاطباء قاطبه تحذر منه واحسن اشكال الجماع ان يعلو الرجل المراه مستفرشا لها بعد الملاعبه والقبله وبهذا سميت المراه فراشا كما قال صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وهذا من تمام قواميه الرجل على المراه كما قال تعالى الرجال قوامون على النساء وكما قيل اذا رمتها كانت فراشا يقلني وعند فراغي خادم يتملق وقد قال تعالى هن لباس لكم وانتم لباس لهن واكمل اللباس واسبغه على هذه الحال فان فراش الرجل لباس له وكذلك لحاف المراه لباس لها فهذا الشكل الفاضل ماخوذ من هذه الايه وبه يحسن موقع استعاره اللباس من كل من الزوجين للاخر وفيه وجه اخر وهو انها تنعطف عليه احيانا فتكون عليه كاللباس قال الشاعر اذا ما الضجيع ثنى عطفه تثنت فكانت عليه لباسا واردا اشكاله ان تعلوه المراه ويجامعها على ظهره وهو خلاف الشكل الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجل والمراه بل نوع الذكر والانثى وفيه من المفاسد ان المني يتعسر خروجه كله فربما بقي في العضو منه بقيه فيتعفن ويفسد فيضر وايضا فربما سال الى الذكر رطوبات من الفرج وايضا فان الراحم لا يتمكن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه وانضمامه عليه لتخليق الولد وايضا فان المراه مفعول بها طبعا وشرعا واذا كانت فاعله خالفت مقتضى الطبع والشرع وكان اهل الكتاب انما ياتون النساء على جنوبهن على حرف ويقولون هو ايسر للمراه وكانت قريش والانصار تشرح النساء على اقفائ فعابت اليهود عليهم ذلك فانزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم انا شئتم وفي الصحيحين عن جابر قال كانت اليهود تقول اذا اتى الرجل امراته من دبرها في قبلها كان الولد احول فانزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم انا شئتم وفي لفظ لمسلم ان شاء مجبيه وان شاء غير مجبيه غير ان ذلك في صمام واحد والمجبيه المنكبه على وجهها والصمام الواحد الفرج وهو موضع الحرث والولد واما الدبر فلم يبح قط على لسان نبي من الانبياء ومن نسب الى بعض السلف اباحه وطء الزوجه في دبرها فقد غلط عليه وفي سنن ابي داوود عن ابي هريره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ملعون من اتى المراه في دبرها وفي لفظ لاحمد وابن ماجه لا ينظر الله الى رجل جامع امراته في دبرها وفي لفظ الترمذي واحمد من اتى حائضا او امراته في دبرها او كاهنا فصدقه فقد كفر بما انزل على محمد صلى الله عليه وسلم وفي لفظ ظ للبيهقي من اتى شيئا من الرجال والنساء في الادبار فقد كفر وفي مصنف وكيع حدثني زمعه بن صالح عن ابن طاووس عن ابيه عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن يزيد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله لا يستحي من الحق لا تاتوا النساء في اعجازهن وقال مره في ادبارهن وفي الترمذي عن طلق بن علي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تاتوا النساء في اعجازهن فان الله لا يستحي من الحق وفي الكامل لابن عدي من حديثه عن المحاملي عن سعيد بن يحيى الاموي قال حدثنا محمد بن حمزه عن زيد بن رفيع عن ابي عبيده عن عبد الله بن مسعود يرفعه لا تاتوا النساء في اعجازهن وروينا من حديث الحسن بن علي الجوهري عن ابي ذر مرفوعا من اتى الرجال والنساء في ادبارهن فقد كفر وروى اسماعيل بن عياش عن شريك بن ابي صالح عن محمد بن المنكدر عن جابر يرفعه استحيوا من الله فان الله لا يستحيي من الحق لا تاتوا النساء في حشوشهن ورواه الدار قطني من هذه الطريق ولفظه ان الله لا يستحي من الحق ولا يحل اتيان النساء في حشوشهن. وقال البغوي حدثنا هدبه حدثنا همام قال سئل قتاده عن الذي ياتي امراته في دبرها فقال حدثني عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تلك اللوطيه الصغرى وقال الامام احمد رحمه الله في مسنده حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا همام اخبرنا عن قتاده عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده فذكره وفي المسند ايضا عن ابن عباس قال انزلت هذه الايه نساؤكم حرث لكم في اناس من الانصار اتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسالوه فقال ائتها على كل حال اذا كان في الفرج وفي المسند ايضا عن ابن عباس قال جاء عمر بن الخطاب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت فقال وما الذي اهلكك؟ قال حولت رحلي البارحه قال فلم يرد عليه شيئا فاوحى الله الى رسوله نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم انا شئتم اقبل وادبر واتق الحيضه والدبر وفي الترمذي عن ابن عباس مرفوعا لا ينظر الله الى رجل اتى رجلا او امراه في الدبر وروينا من حديث ابي علي الحسن بن الحسين بن دومه عن البراء بن عازب يرفعه كفر بالله العظيم عشره من هذه الامه القاتل والساحر والديوث وناكح المراه في دبرها ومانع الزكاه ومن وجد سعه فمات ولم يحج وشارب الخمر والساعي في الفتن وبائع السلاح من اهل الحرب ومن نكح ذات محرم منه وقال عبد الله بن وهب حدثنا عبد الله بن لهيعه عن مشرح بن هاعان عن عقبه بن عامر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ملعون من ياتي النساء في محاشهن يعني ادبارهن وفي مسند الحرث بن ابي اسامه من حديث ابي هريره وابن عباس قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته وهي اخر خطبه خطبها بالمدينه المدينه حتى لحق بالله عز وجل وعظنا فيها وقال من نكح امراته في دبرها او رجلا او صبيا حشر يوم القيامه وريحه انتن من الجيفه يتاذى به الناس حتى يدخل النار واحبط الله اجره ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا ويدخل في تابوت من نار ويسد عليه بمسامير من نار قال ابو هريره هذا لمن لم يتب. وذكر ابو نعيم الاصبهاني من حديث خزيمه بن ثابت يرفعه ان الله لا يستحي من الحق لا تاتوا النساء في اعجازهن. وقال الشافعي اخبرني عمي محمد بن علي بن شافع قال اخبرني عبد الله بن علي بن سائب عن عمرو بن احيحه بن الجلاح عن خزيمه بن ثابت ان رجلا سال النبي صلى الله عليه وسلم عن اتيان النساء في ادبارهن فقال حلال فلما ولى دعاه فقال كيف قلت في اي الخربتين او في اي الخرزتين او في اي الخصفتين امن دبرها في قبولها فنعم اما من دبرها في دبرها فلا فان الله لا يستحي من الحق لا تاتوا النساء في اذبارهن قال الربيع فقيل للشافعي فما تقول فقال عمي ثقه وعبد الله بن علي ثقه وقد اثنى على الانصاري خيرا يعني عمرو بن الجلاح وخزيمه ممن لا يشك في ثقته فلست ارخص فيه بل انهى عنه قلت ومنها هنا نشا الغلط على من نقل عنه الاباحه من السلف والائمه فانهم اباحوا ان يكون الدبر طريقا الى الوطء في الفرج فيطا من الدبر لا في الدبر فاشتبه على السامع من نفى او لم يظن بينهما فرقا فهذا الذي اباحه السلف والائمه فغلط عليهم الغالط اقبح الغلط وافحشه وقد قال فاتوهن من حيث امركم الله قال مجاهد سالت ابن عباس عن قوله تعالى فاتوهن من حيث امركم الله فقال تاتيها من حيث امرت ان تعتزلها يعني في الحيض وقال علي بن طلحه عنه يقول في الفرج ولا تعده الى غيره وقد دلت الايه على تحريم الوطء في دبرها من وجهين احدهما انه انما اباح اتيانها في الحرث وهو موضع الولد لا في الحش الذي هو موضع الاذى وموضع الحرث هو المراد من قوله من حيث امركم الله الايه قال تعالى فاتوا حرثكم انا شئتم واتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الايه ايضا لانه قال انا شئتم اي من حيث شئتم من امام او من خلف قال ابن عباس فاتوا حرثكم يعني الفرج واذا كان الله حرم الوطء في الفرج لاجل الاذى العارض فما الظن بالحش الذي هو محل الاذى اللازم مع زياده المفسده بالتعرض لانقطاع النسل والذريعه القريبه جدا من ادبار النساء الى ادبار الصبيان وايضا للمراه حق على الزوج في الوطء وطئها في دبرها يفوت حقها ولا يقضي وطرها ولا يحصل مقصودها وايضا فان الدبر لم يتهيا لهذا العمل ولم يخلق له وانما الذي هيئ له الفرج فالعادلون عنه الى الدبر خارجون عن حكمه الله وشرعه جميعا وايضا فان ذلك مضر بالرجل ولهذا ينهى عنه عقلاء الاطباء من الفلاسفه وغيرهم لان للفرج خاصيه في اجتذاب بالماء المحتقن وراحه الرجل منه والوطء في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للامر الطبيعي وايضا يضر من وجه اخر وهو احواجه الى حركات متعبه جدا لمخالفته للطبيعه وايضا فانه محل القذر والنجو فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه وايضا فانه يضر يضر بالمراه جدا لانه وارد غريب بعيد عن الطباع منافر لها غايه المنافره وايضا فانه يحدث الهم والغم والنفره عن الفاعل والمفعول وايضا فانه يسود الوجه ويظلم الصدر ويطمص نور القلب ويكسو الوجه وحشه تصير عليه كالسيماء يعرفها من له ادنى فراسه وايضا فانه يوجب النفره والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بد وايضا فانه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادا لا يكاد يرجى بعده صلاح الا ان يشاء الله بالتوبه النصوح وايضا فانه يذهب بالمحاسن منهما ويكسوهما ضدها كما يذهب بالموده بينهما ويبدلهما بها تباغضا وتلاعنا وايضا فانه من اكبر اسباب زوال النعم وحلول النم قم فانه يوجب اللعنه والمقت من الله واعراضه عن فاعله وعدم نظره اليه فاي خير يرجوه بعد هذا واي شر يامنه وكيف حياه عبد قد حلت عليه لعنه الله ومقته واعرض عنه بوجهه ولم ينظر اليه وايضا فانه يذهب بالحياء جمله والحياء هو حياه القلوب فاذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن وحينئذ فقد استحكم فساده وايضا فانه يحيل الطباع عما ركبها الله عليه ويخرج الانسان عن طبعه الى طبع لم يركب الله عليه شيئا من الحيوان بل هو طبع منكوس واذا نكس الطبع انتكس القلب والعمل والهدى فيستطيب حينئذ الخبيث من الاعمال والهيئات ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اخت اختياره وايضا فانه يورث من الوقاحه والجراه ما لا يورثه سواه وايضا فانه يورث من المهانه والسفال والحقاره ما لا يورثه غيره وايضا فانه يكسو العبد من حله المقت والبغضاء وازدراء الناس له واحتقارهم اياه واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحس فصلاه الله وسلامه على من سعاده الدنيا الاخره في هديه واتباع ما جاء به وهلاك الدنيا والاخره في مخالفه هديه وما جاء به فصل والجماع الضار نوعان ضار شرعا وضار طبعا فالضار شرعا المحرم وهو مراتب بعضها اشد من بعض والتحريم العارض منه اخف من اللازم كتحريم الاحرام والصيام والاعتكاف وتحريم المضا الظاهر منها قبل التكفير وتحريم وطء الحائض ونحو ذلك ولهذا لا حد في هذا الجماع واما اللازم فنوعان نوع لا سبيل الى حله البته كذوات المحارم فهذا من اضر الجماع وهو يوجب القتل حدا عند طائفه من العلماء كاحمد بن حنبل رحمه الله وغيره وفيه حديث مرفوع ثابت والثاني ما يمكن ان يكون حالا كالاجنبيه فان كانت ذات زوج ففي وطئها حقان حق لله وحق للزوج فان كانت مكرهه ففيه ثلاثه حقوق وان كان لها اهل واقارب يلحقهم العار بذلك صار فيه اربعه حقوق فان كانت ذات محرم منه صار فيه خمسه حقوق فمضره هذا النوع بحسب درجاته في التحريم واما الضار طبعا فنوعان ايضا نوع ضار بكيفيته كما تقدم ونوع ضار بكميته كالاكثار منه فانه يسقط القوه ويضر بالعصب ويحدث الرعشه والفالج والتشنج ويضعف البصر وسائر القوى ويطفئ الحراره الغريزيه ويوسع المجاري ويجعلها مستعده للفضلات المؤذيه وانفع اوقاته ما كان بعد انهضام الغذاء في المعده وفي زمان معتدل لا على جوع فانه يضعف الحار الغريزي ولا على شبع فانه يوجب امراضا سديه ولا على تعب ولا اثر حمام ولا استفراغ ولا انفعال نفساني كالغم والهم والحزن وشده الفرح واجود اوقاته بعد هزيع من الليل اذا صادف انهظام الطعام ثم يغتسل او يتوضا وينام عقبه فيرجع اليه قواه وليحذر الحركه والرياضه عقبه فانها مضره جدا فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العشق هذا مرض من امراض القلب مخالف لسائر الامراض في ذاته واسبابه وعلاجه واذا تمكن واستحكم عز على الاطباء دوائه واعي العليل داؤه وانما ما حكاه الله سبحانه وتعالى في كتابه عن طائفتين من الناس من النساء وعشاق الصبيان المردان فحكاه عن امراه العزيز في شان يوسف وحكاه عن قوم لوط فقال تعالى اخبارا عنهم لما جاءت الملائكه لوطا وجاء اهل المدينه يستبشرون قال ان هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون قالوا اولم ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي ان كنتم فاعلين واما ما زعمه بعض من لم يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حق قدره انه ابتلي به في شان زينب بنت جحش وانه راها فقال سبحان مقلب القلوب واخذت بقلبه وجعل يقول لزيد بن حارثه امسكها حتى انزل الله عليه واذ تقول للذي انعم الله عليه وانعمت عليه امسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبيه وتخشى الناس والله احق ان تخشاه فظن هذا الزاعم ان ذلك في شان العشق وصنف بعضهم كتابا في العشق وذكر فيه عشق الانبياء وذكر هذه الواقعه وهذا من جهل هذا القائل بالقران وبالرسل وتحميله كلام الله ما لا يحتمله ونسبته رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ما براه الله منه فان زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبناه وكان يدعى ابن محمد وكانت زينب فيها شمم وترفع عليه فشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلاقها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم امسك عليك زوجك واتق الله واخفى في نفسه ان يتزوجها ان طلقها زيد وكان يخشى من قاله الناس انه تزوج امراه ابنه لان زيدا كان يدعى ابنه فهذا هو الذي اخفاه في نفسه هذه هي الخشيه من الناس التي وقعت له ولهذا ذكر سبحانه هذه الايه يعدد فيها نعمه عليه لا يعاتبه فيها واعلمه انه لا ينبغي له ان يخشى الناس فيما احل الله له وان الله احق ان يخشاه فلا يتحرج ما احله له لاجل قول الناس ثم اخبره انه سبحانه زوجه اياها بعد قضاء زيد وطره منها لتقتدي امته به في ذلك ويتزوج الرجل بامراه ابنه من التبني لامراه ابنه لصلبه ولهذا قال في ايه التحريم وحلائل ابنائكم الذين من اصلاكم وقال في هذه السوره ما كان محمد ابا احد من رجالكم وقال في اولها وما جعل ادعياءكم ابناء كم ذلكم قولكم بافواهكم فتامل هذا الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع طعن الطاعنين عنه وبالله التوفيق نعم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب نساءه وكان احبهن اليه عائشه رضي الله عنها ولم تكن تبلغ محبته لها ولا لاحد سوى ربه نهايه الحب بل صح عنه انه قال لو كنت متخذا من اهل الارض خليلاخذت ابا بكر خليلا وفي لفظ وان صاحبكم خليل الرحمن فصل وعشق الصور انما يبتلى به القلوب الفارغه من محبه الله تعالى المعرضه عنه المتعوضه بغيره عنه فاذا امتلا القلب من محبه الله والشوق الى لقائه دفع ذلك عنه مرض عشق الصور ولهذا قال تعالى في حق يوسف كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين فدل على ان الاخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته فصرف المسبب صرف لسببه ولهذا قال بعض السلف العشق حركه قلب فارغ يعني فارغا مما سوى معشوقه قال تعالى واصبح فؤاد ام موسى فارغا اي فارغا من كل شيء الا من موسى لفرض محبتها له وتعلق قلبها به والعشق مركب من امرين استحسان للمعشوق وطمع في الوصول اليه فمتى انتفى احدهما انتفى العشق وقد اعيت عله العشق على كثير من العقلاء وتكلم فيها بعضهم بكلام يرغب عن ذكره الى الصواب فنقول قد استقرت حكمه الله عز وجل في خلقه وامره على وقوع التناسب والتالف بين الاشباه وانجذاب الشيء الى موافقه ومجانسه بالطبع وهروبه من مخالفه ونفرته عنه بالطبع فسر التماز والاتصال في العالم العلوي والسفلي انما هو التناسب والتشاكل والتوافق وسر التباين والانفصال انما هو عدم التشاكل والتناسب وعلى ذلك تمام الخلق والامر فالمثل الى مثله مائل واليه صائر والضد عن ضده هارب وعنه نافر وقد قال تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحده وجعل منها زوجها ليسكن اليها فجعل سبحانه عله سكون الرجل الى امراته كونها من جنسه وجوهره فعله السكون المذكور وهو الحب كونها منه فدل على ان العله ليست بحسن الصوره ولا الموافقه في القصد والاراده ولا في الخلق والهدى وان كانت هذه ايضا من اسباب السكون والمحبه وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال الارواح جنود مجنده فما تعارف منها تلف وما تناكر منها اختلف وفي مسند الامام احمد وغيره في سبب هذا الحديث ان امراه بمكه كانت تضحك الناس فجاءت الى المدينه فنزلت على امراه تضحك الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم الارواح جنود مجنده الحديث وقد استقرت شريعته سبحانه ان حكم الشيء حكم مثله فلا تفرق شريعته بين متماثلين ابدا ولا تجمع بين مضادين ومن ظن خلاف ذلك فاما لقله علمه بالشريعه واما لتقصيره في معرفه التماثل والاختلاف واما لنسبته الى شريعته ما لم ينزل به سلطانا بل يكون من اراء الرجال فبحكمته وعدله ظهر خلقه وشرعه وبالعدل والمي الميزان قام الخلق والشرع وهو التسويه بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين وهذا كما انه ثابت في الدنيا فهو كذلك يوم القيامه قال تعالى احشر الذين ظلموا وازواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم الى صراط الجحيم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعده الامام احمد رحمه الله ازواجهم اشباههم ونظرائهم وقال تعالى واذا النفوس زوجت اي قرن كل صاحب عمل بشكله ونظيره فقرن بين المتحابين في الله في الجنه وقرن بين المتحابين في طاعه الشيطان في الجحيم فالمرء مع من احب شاء او ابى وفي صحيح الحاكم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحب المرء قوما من الا حشر معهم والمحبه انواع متعدده فافضلها واجلها المحبه في الله ولله وهي تستلزم محبه ما احب الله وتستلزم محبه الله ورسوله ومنها محبه الاتفاق في طريقه او دين او مذهب او نحله او قرابه او صناعه او مراد ما ومنها محبه لنيل غرض من المحبوب اما من جاهه او من ماله او من تعليمه وارشاده او قضاء وطر منه وهذه هي المحبه العرضيه التي تزول بزوال موجبها فانه من ودك لامر ولا عند انقضائه واما محبه المشاكله والمناسبه التي بين المحب والمحبوب فمحبه لازمه لا تزول الا لعارض يزيلها ومحبه العشق من هذا النوع فانها استحسان روحاني وامتزاج نفساني ولا يعرض في شيء من انواع المحبه من الوسواس والنحول وشغل البال والتلف ما يعرض من العشق فان قيل فاذا كان سبب العشق ما ذكرتم من الاتصال والتناسب الروحاني فما باله لا يكون دائما من الطرفين بل تجده كثيرا من طرف العاشق وحده فلو كان سببه الاتصال النفسي والامتزاج الروحاني لكانت المحبه مشت مشتركه بينهما فالجواب ان السبب قد يتخلف عنه مسببه لفوات شرط او لوجود مانع وتخلف المحبه من الجانب الاخر لابد ان يكون لاحد ثلاثه اسباب الاول عله في المحبه وانها محبه عرضيه لا ذاتيه ولا يجب الاشتراك في المحبه العرضيه بل قد يلزمها نفره من المحبوب الثاني مانع يقوم بالمحب يم يمنع محبه محبوبه له اما في خلقه او خلقه او هديه او فعله او هيئته او غير ذلك. الثالث مانع يقوم بالمحبوب مع مشاركته للمحب في محبته ولولا ذلك المانع لقام به من المحبه لمحبه مثل ما قام بالاخر. فاذا انتفت هذه الموانع وكانت المحبه ذاتيه فلا يكون قط الا من الجانبين ولولا مانع الكبر والحسد والرياسه والمعاداه في الكفار لكانت الرسل احب اليهم من انفسهم واهلهم واموالهم ولما زال هذا المانع من قلوب اتباعهم كانت محبتهم لهم فوق محبه الانفس والاهل والمال فصل والمقصود ان العشق لما كان مرضا من الامراض كان قابلا للعلاج وله انواع من العلاج فان كان مما للعاشق سبيل الى وصل محبوبه شرعا وقدرا فهو علاجه كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءه فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء فدل المحب على علاجين اصلي وبدلي وامره بالاصلي وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء فلا ينبغي العدول عنه الى غيره ما وجد اليه سبيلا وروى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لم نرى للمتحابين مثل النكاح وهذا هو المعنى الذي اشار اليه سبحانه عقيب احلال النساء حراره ن وامائهن عند الحاجه بقوله يريد الله ان يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا فذكر تخفيفه سبحانه في هذا الموضع واخباره عن ضعف الانسان يدل على ضعفه عن احتمال هذه الشهوه وانه سبحانه خفف عنه امرها بما اباحه له من اطايب النساء مثنى وثلاث ورباع واباح له ما شاء مما ملكت يمينه ثم اباح له ان يتزوج بالاماء ان احتاج الى ذلك علاجا لهذه الشهوه وتخفيفا عن هذا الخلق الضعيف ورحمه به فصل وان كان لا سبيل للعاشق الى وصال معشوقه قدرا او شرعا او هو ممتنع عليه من الجهتين وهو الداء العضال فمن علاجه اشعار نفسه الياس منه فان النفس متى يائست من الشيء استراحت منه ولم تلتفت اليه فان لم يزل مرض العشق مع الياس فقد انحرف الطبع انحرافا شديدا فينتقل الى علاج اخر وهو علاج عقله بان يعلم بان تعلق القلب بما لا مطمع في حصوله نوع من الجنون وصاحبه بمنزله من يعشق الشمس وروحه متعلقه بالصعود اليها والدوران معها في فلكها وهذا معدود عند جميع العقلاء في زمره المجانين وان كان الوصال متعذرا شرعا لا قدر فعلاجه بان ينزله منزله المتعذر قدرا اذ ما لم ياذن الله فيه فعلاج العبد ونجاته موقوف على اجتنابه فليشعر نفسه انه معدوم ممتنع لا سبيل له اليه وانه بمنزله سائر المحالات فان لم تجبه النفس الاماره فليتركه لاحد امرين اما خشيه واما فوات محبوب هو احب اليه وانفع له وخير له منه وادوم لذه وسرورا فان العاقل متى وازن بين نيل محبوب سريع الزوال بثوات محبوب اعظم منه وادوم وانفع والذ او بالعكس ظهر له التفاوت فلا تبع لذه الابد التي هي لا خطر لها بلذه ساعه تنق قلب الاما وحقيقتها انها احلام نائم او خيال لا ثبات له فتذهب اللذه وتبقى التبعه وتزول الشهوه وتبقى الشقوه الثاني حصول مكروه اشق عليه من فوات هذا المحبوب بل يجتمع له الامران اعني فوات ما هو احب اليه من هذا المحبوب وحصول ما هو اكره اليه من فوات هذا المحبوب فاذا تيقن ان اعطاء النفس حظها من هذا المحبوب هذين الامرين هان عليه تركه وراى ان صبره على فوته اسهل من صبره عليهما بكثير فعقله ودينه ومروءته وانسانيته تامره باحتمال الضرر اليسير الذي ينقلب سريعا لذه وسرورا وفرحا لدفع هذين الضررين العظيمين وجهله وهواه وظلمه وطيشه وخفته تامره بايث اثار هذا المحبوب العاجل بما فيه جالبا عليه ما جلب والمعصوم من عصمه الله فان لم تقبل نفسه هذا الدواء ولم تطاوعه لهذه المعالجه فلينظر ما تجلب عليه هذه الشهوه من مفاسد عاجلته وما تمنعه من مصالحها فانها اجلب شيء لمفاسد الدنيا واعظم شيء تعطيلا لمصالحها فانها تحول بين العبد وبين رشده الذي هو ملاك امره وقوام مصالحه فان لم تقبل نفسه هذا الدواء فليتذكر قبائح المحبوب وما يدعوه الى النفره عنه فانه ان طلبها وتاملها وجدها اضعاف محاسنه التي تدعو الى حبه وليسال جيرانه عما خفي عليه منها فان المحاسن كما هي داعيه الحب والاراده فالمساوء داعيه البغض والنفره فليوازن بين الداعيين وليحب اسبقهما واقربهما منه بابا ولا يكن ممن غره لون جمال على جسم ابرص مجذوم وليجاوز بصره حسن الصوره الى قبح الفعل وليعبر من حسن المنظر والجسم الى قبح المخبر والقلب فان عجزت عنه هذه الادويه كلها لم يبقى له الا صدق اللجا الى من يجيب المضطر اذا دعاه وليطرح نفسه بين يديه على بابه مستغيثا به متضرعا متذللا مستكينا فمتى وفق لذلك فقد قرع باب التوفيق فليعف وليكتم ولا يشب بذكر المحبوب ولا يفضحه بين الناس ويعرضه للاذى فانه يكون ظالما متعديا ولا يغتر بالحديث الموضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه سويد بن سعيد عن علي بنسهر عن ابي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه عن ابن مسهر ايضا عن هشام بن عروه عن ابيه عن عائشه عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الزبير بنكار عن عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد العزيز بن حازم عن ابن ابي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من عشق فعف فمات فهو شهيد وفي روايه من عشق وكتم وعف وصبر غفر له الله وادخله الجنه فان هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز ان يكون من كلامه فان الشهاده درجه عاليه عند الله مقرونه بدرجه الصديقيه ولها اعمال واحوال هي شرط في حصولها وهي نوعان عامه وخاصه فالخاصه الشهاده في سبيل الله والعامه خمس مذكوره في الصحيح ليس العشق واحدا منها وكيف يكون العشق الذي هو شرك في المحبه وفراغ عن الله وتمليك القلب والروح والحب لغيره تنال به درجه الشهاده هذا من المحال فان افساد عشق الصور للقلب فوق كل فساد بل هو خمر الروح الذي يسكرها ويصدها عن ذكر الله وحبه والتلذذ بمناجاته والانس به ويوجب عبوديه القلب لغيره فان قلب العاشق متعبد لمعشوقه بل العشق لب العبوديه فانه كمال الذل والحب والخضوع والتعظيم فكيف يكون تعبد القلب لغير الله مما تنال به درجه افاضل الموحدين وساداتهم وخواص الاولياء فلو كان اسناد هذا الحديث كالشمس كان غلطا ووهما ولا يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ العشق في حديث صحيح البته ثم ان العشق منه حلال ومنه حرام فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم انه يحكم على كل عاشق يكتم ويعف بانه شهيد فترى من يعشق امراه غيره او يعشق المردان والبغايا ينال بعشقه درجه الشهداء وهل هذا الا خلاف المعلوم من دين دينه صلى الله عليه وسلم كيف والعشق مرض من الامراض التي جعل الله سبحانه لها الادويه شرعا وقدرا وتداوي منه اما واجب ان كان عشقا حراما واما مستحب وانت اذا تاملت الامراض والافات التي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابها بالشهاده وجدتها من الامراض التي لا علاج لها كالمطعون والمبطون والمجبوب والحريق والغريق وموت المراه يقتلها ولدها في بطنها فان هذه بلايا من الله لا صنع للعبد فيها ولا علاج لها وليست اسبابها محرمه ولا يترتب عليها من فساد القلب وتعبده لغير الله ما يترتب على العشق فان لم يكفي هذا في ابطال نسبه هذا الحديث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلد ائمه الحديث العالمين به وبعلله فانه لا يحفظ فظ عن امام واحد منهم قط انه شهد له بصحه بل ولا يحسن كيف وقد انكروا على سويد هذا الحديث وراموه لاجله بالعظائم واستحل بعضهم غزوه لاجله قال ابو احمد بن عدي في كامله هذا الحديث احد ما انكر على سويد وكذلك قال البيهقي انه مما انكر عليه وكذلك قال ابن طاهر في الذخير وذكره الحاكم في تاريخ نيسابور وقال انا اتعجب من هذا الحديث فانه لم يحدث به عن غير سويد وهو ثقه وذكره ابو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات وكان ابو بكر الازرق يرفعه اولا عن سويد فعوتب فيه فاسقط ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يجاوز به ابن عباس رضي الله عنهما ومن المصائب التي لا تحتمل جعل هذا الحديث من حديث هشام بن عروه عن ابيه عن عائشه رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن له ادنى المام بالحديث وعلله لا يحتمل هذا البته ولا يحتمل ان يكون من حديث ابن الماجشون عن ابن ابي حازم عن ابن ابي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا وفي صحته موقوفا على ابن عباس نظر وقد رمى الناس سويد بن سعيد روي هذا الحديث بالعظائم وانكره عليه يحيى بن معين وقال هو ساقط كذاب لو كان لي فرس ورمح كنت اغزوه وقال الامام احمد متروك الحديث وقال النسائي ليس بثقه وقال البخاري كان قد عمي فيلقن ما ليس من حديثه وقال ابن حبان ياتي بالمعضلات عن الثقات يجب مجانبه ما روى انتهى واحسن ما قيل فيه قول ابي حاتم الرازي انه صدوق كثير التدليس ثم قول الدار قطني هو ثقه غير انه لما كبر كان ربما قرئ عليه حديث فيه بعض النكاره فيجيزه انتهى وعيب على مسلم اخراج حديثه وهذه حاله ولكن مسلم روى من حديثه ما تابعه عليه غيره ولم ينفرد به ولم يكن منكرا ولا شاذا بخلاف هذا الحديث والله اعلم. فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحه بالطيب. لما كانت الرائحه الطيبه غذاء الروح والروح مطيه القوى والقوى تزداد بالطيب وهو ينفع الدماغ والقلب وسائر الاعضاء الباطنه ويفرح القلب ويسر النفس ويبسط الروح وهو اصدق شيء للروح واشده ملائمه لها وبينه وبين الروح الطيبه نسبه قريبه كان احد المحبوبين من الدنيا الى اطيب الطيبين صلوات الله عليه وسلامه وفي صحيح البخاري انه صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم من عرض عليه ريحان فلا يرده فانه طيب الريح خفيف المحمل وفي سنن ابي داوود والنسائي عن ابي هريره رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من عرض عليه طيب فلا يرده فانه خفيف المحمل طيب الرائحه وفي مسند البزار عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافه كريم يحب الكرم جواد يحب الجود فنظفوا اثناءكم وساحاتكم ولا تشبهوا باليهود يجمعون الاكباء في دورهم الاكباء الزباله وذكر ابن ابي شيبه انه صلى صل الله عليه وسلم كان له سكه يتطيب منها وصح عنه انه قال ان لله حقا على كل مسلم ان يغتسل في كل سبعه ايام وان كان له طيب ان يمس منه وفي الطيب من الخاصيه ان الملائكه تحبه والشياطين تنفر عنه واحب شيء الى الشياطين الرائحه المنتنه الكريهه فالارواح الطيبه تحب الرائحه الطيبه والارواح واح الخبيثه تحب الرائحه الخبيثه وكل روح تميل الى ما يناسبها فالخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات وهذا وان كان في النساء والرجال فانه يتناول الاعمال والاقوال والمطاعم والمشارب والملابس والروائح اما بعموم لفظه او بعموم معناه فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ صحه العين روى ابو داوود في سننه عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذه الانصاري عن ابيه عن جده رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم امر بالاثم المروح عند النوم وقال ليتقه الصائم قال ابو عبيد المروح المطيب بالمسك وفي سنن ابن ماجه وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت للنبي صلى الله عليه وسلم مكحله يكتحل منها ثلاثا في كل عين وفي الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثه يبتدئ بها ويختم بها وفي اليسرى اثنتين وقد روى ابو داوود عنه صلى الله عليه وسلم من اكتحل فليوتر فهل الوتر بالنسبه الى العينين كلتيهما فيكون في هذه ثلاث وفي هذه اثنتان واليمنى اولى بالابتداء والتفضيل او هو بالنسبه الى كل عين فيكون في هذه ثلاث وفي هذه ثلاث وهما قولان في مذهب احمد وغيره وفي الكحل حفظ لصحه العين وتقويه للنور الباصر وجلاء لها وتلط طيف للماده الرئه واستخراج لها مع الزينه في بعض انواعه وله عند النوم مزيد فضل لاشتمالها على الكحل وسكونها عقيبه عن الحركه المضره بها وخدمه الطبيعه لها وللاثمد في ذلك خاصيه وفي سنن ابن ماجه عن سالم عن ابيه يرفعه عليكم بالاثمد فانه يجلو البصر وينبت الشعر وفي كتاب ابي نعيم فانه منبته للشعر مذهبه للقذاء مصفاه للبصر وفي سنن ابن ماجه ايضا عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه خير اكحالكم الاثمد يجلو البصر وينبت الشعر هنا ننتهي من قراءه الجزء الاول من كتاب الطب النبوي لابن قيم الجوزيه وهو في علاج بعض الامراض المعروفه اما بالادويه الطبيعيه او بالادويه الروحانيه اما الجزء الثاني من الكتاب فهو في الادويه والاغذيه المستخدمه في الطب النبوي مرتبه على حروف الهجاء وهو موجود كذلك على قناه كتب عبد الباري الطشاني an
9:15:41
من أروع الكتب قراءة صوتية لكتاب الداء والدواء كاملا الإمام ابن قيم الجوزية
شؤون إسلامية
4.8M مشاهدة · Streamed 4 years ago
3:19:29
الطب النبوي لابن القيم الجوزية
حمزة Hamza
50.2K مشاهدة · 4 years ago
0:14
ما رايكم بكتاب الطب النبوي لابن القيم للشيخ مصطفي العدوي
الشيخ مصطفى العدوي
1.1K مشاهدة · 1 year ago
1:06
972 أهمية كتاب الطب النبوي لابن القيم الشيخ عبد الرزاق البدر
الشيخ عبد الرزاق البدر - sheikhalbadr
14.4K مشاهدة · 2 years ago
27:59
كتاب الطب النبوي لابن قيم الجوزية التوازن بين الجسد والروح في ضوء السنة
أفكار من الكتب
513 مشاهدة · 4 months ago
8:53
أحكام النوم من كتاب الطب النبوي ـ ابن قيم الجوزية رحمة الله
ليلة الجمعة
2.5K مشاهدة · 1 year ago
3:01
وصفة ابن القيم لتجنب جميع الأمراض
مقاطع مميزة
204.1K مشاهدة · 2 years ago
16:36
Treating Anxiety and Psychological Stress in Islam Secrets of Tranquility from Ibn al Qayyims
لهيب الحكايا
333 مشاهدة · 1 month ago
0:21
تقييم كتاب الطب النبوي لابن القيم ابن باز
فتاوى عبد العزيز بن باز
3.9K مشاهدة · 6 years ago
0:35
ما صحة قول ابن القيم رحمه الله تعالى في ضرر الباذنجان الشيخ طلعت زهران حفظه الله
قناة رأس الوادي الدعوية
33.4K مشاهدة · 4 years ago
16:53
شرح كتاب الطب النبوي لـ إبن القيم الجوزية مع الباحث خالد مشرف
خالد مشرف
9K مشاهدة · 4 years ago
2:01
ما العلاقة بين كتاب الطب النبوي و كتاب الداء و الدواء لابن القيم