ضع السماعات وانغمس في سرّ النضج حين يكون الفقد هو المعلم الأكبر

👁 1 مشاهدة

ضع السماعات وانغمس في سرّ النضج حين يكون الفقد هو المعلم الأكبر

النص الكامل للفيديو

انت لا تنضج بقدر ما تكتسبه بل بقدر ما تتخلى عنه بهذه الكلمات يفتح تولستوي افقا لا يطرق ابوابه الا من ادرك ان الحياه ليست سباقا نحو الامتلاء بل عوده بطيئه نحو العراء كل ما نراكمه من القاب من معارف من مجد واشياء ليس سوى ستائر تتكاثف حول مراه الذات حتى تعميها عن رؤ رؤيه حقيقتها النضج ليس في الزياده بل في الحذف ليس في الكسب بل في القدره على الانفصال هو ان تتحول من جامع للاصداف على شاطئ الزمن الى غريب يسير خفيفا لا يحمل الا صمته ولا يثق الا بعريه تولستوي نفسه عاش هذه المفارقه في جسده وروحه لم يكن اكتماله في مجد الحرب والسلم سلم ولا في صدى انا كارينينا بل في لحظه التجرد الاخيره حين هجر قصوره وثراءه ونزع عن اسمه ارستقراطيته ليذوب في بساطه الارض لقد فهم ان ما يثقل الانسان ليس ما ينقصه بل ما يملكه النضج عنده هو ان تسقط عنك قشره المجد كما تسقط ورقه الخريف لتبقى وحيدا امام عاصفه الحقيقه بلا سند سوى يقينك بان الوجود لا يختزل فيما جمعت بل فيما استطعت ان تدعه يتساقط منك النضج في ضوء ما صاغه تولستوي ليس تراكما في زمن مستقيم بل انكسار في العمق كان الانسان لا يكبر الى الامام بل ينحدر الى الداخل ان كل ما نكتسبه في حياتنا من علوم ومناصب وذكريات هو اشبه باصداف فارغه تلمع على الشاطئ لكنها لا تحمل روح البحر حين نمد ايدينا لنلتقطها نشعر بفرحه الامتلاك لكن حين تتكاثر بين ايدينا ندرك انها لا تسمن ولا تغني من عطش وحده التخلي يعيدنا الى البحر الى الاصل الى حيث الوجود يفيض بلا وسائط وقد ادركت الملحمه هذا السر قبل الفلسفه جلجامش لم يتطهر بالبطولات ولا بالفتوحات بل بالجرح النازف من موت انكو لقد كان الفقد هو المراه التي جعلته يرى هشاشته والخذلان هو الذي دفعه للبحث عن الخلود لكنه لم يجده في الرحله الى اقاص الارض بل في انكساره امام الحقيقه التي لا تحتمل ان الانسان ينضج فقط حين يس يسلب منه ما يحب هكذا يصبح الفقد معلما والخساره هي الفضاء الذي ينكشف فيه معنى الوجود النضج كما راه تولستوي ليس صعودا على سلم من الذهب بل هبوط في دهليز من العراء حيث يتفتت كل ما حسبناه ثباتا ويتبخر كل ما جمعناه كدخان في ريح ان الامتلاء وهم عطر يسكر الروح ويضللها بينما التخلي جرح يقود الى الصفاء نحن لا نبلغ الحقيقه حين نكدس حولنا الكتب والذكريات والعلاقات بل حين نجر على تمزيق هذا الغلاف الكثيف لنلتقي بذواتنا عاريه كما خرجت الى الوجود فالنضج هو فن الفقد والقدره على النظر الى خوء اليدين لا كفضيحه بل كبدايه لامتلاء اعمق التاريخ بدوره يؤكد ان الحضارات العظمى انهارت يوم عجزت عن التخلي الامبراطوريه الرومانيه لم تسقط بفعل اعدائها بل بفعل فائضها بعجزها عن الحد من شهوتها للتوسع والهيمنه لقد غاصت في ثقلها حتى تهشمت من الداخل على النقيض من ذلك نجد في التصوف الاسلامي او في حكم الطاويه الصينيه ان التخفف هو عين القوه فالرجل الحق كما يقول لاوتسو يمتلئ حين يفرغ ويقوى حين يتنازل وكان تولستوي دون ان يلتقيهم اعاد صياغه هذه الحكمه الكونيه ان النضج لا يولد من الامتلاك بل من التخلي المتدرج من الشجاعه في مواجهه الفقدان النضج في عمقه الاقصى ليس رحله للبحث عن المزيد بل طق من التجريد كان الانسان يدخل محرابا مظلما ليخلع عن نفسه اثوابه واحدا تلو الاخر ما يتبقى بعد هذا العري ليس خواء بل جوهر متوهج لا ينكشف الا حين تمحى العلامات والحدود تولستوي اراد ان يقول ان الحقيقه لا تعطى لمن يمسك بكل شيء بل لمن يجرؤ على الافلات على ترك ما اعتاد ان يستند اليه في هذا المعنى يصبح النضج فعل بطوله معكوسه الانتصار ليس في الغزو والظفر بل في الانسحاب من مسرح الغنائم تامل التراجيديا الاغريقيه اوديب لم يبلغ اكتماله في لحظه الملك بل حين تنازل عنه وحين فقا عينيه متخليا عن بصيره كاذبه اغرته بالسيطره لقد كان التخلي عن البصر ولاد ده لنوع اخر من الرؤيه اكثر صفاء من اي انتصار سياسي وهنا يكمن سر المفارقه ان الفقد يكشف ما يغطيه الامتلاك وان الانكسار يمنح ما لا يقدر الامتلاء على منحه كان الانسان لا يقاس بما يملك بل يستطيع ان يتنازل عنه دون ان ينهار بل ان يقوم اكثر اتساعا النضج في منطق تولست ستوي ليس مراكمه للمكتبات ولا تشييدا للقصور بل هو قدره الروح على عبور الجسر الذي يفصلها عن نفسها كل اضافه مهما كانت عظيمه قد تتحول الى قيد جديد يلف عنق الانسان بخيوط الحرص وحده التخلي يكسر هذه الدوائر المغلقه ليحرر الكائن من اسر ما يملكه النضج هنا يصبح مثل نار داخليه لا تضيء الا حين تحرق ما حولها من قشور زائده حتى لا يبقى سوى صلب الحقيقه ولعل هذا ما يظهر بجلاء في التجارب الانسانيه الكبرى غاندي لم يكن زعيما لانه جمع السلاح او الثروات بل لانه تخلى عنها كلها واختار ان يحمل هشاشته وحدها في مواجهه امبراطوريه لقد ادرك ان القوه ليست في اليد الممتلئه بل في اليد الفارغه التي ترفض ان تلوثها بالعنف. هكذا يتحول التخلي الى افق للحريه والى نضج لا تمنحه سنون العمر ولا تراكم الانتصارات بل يكتبه فعل الانفصال عن الزائد والتمسك بجوهر لا يتجزا. حين ننظر الى مسار الفكر الغربي نرى ان النضج كثيرا ما ارتبط بالقدره على حمل التناقض لكن الفلسفات العميقه تشير الى ان حمل التناقض لا يتحقق الا بعد ان نتخلى عن اوهام الانسجام الكاذب نيتشا مثلا لم يبلغ ذروه فكره الا حين حطم يقيناته الاولى متخليا عن ايمانه المسيحي وعن كل سلم اخلاقي جاهز لقد جعل من الفقدان طريقا الى ابتكار قيم جديده وكان النضج ليس المحافظه على ميراث العقل بل المجازفه بحرقه ليولد فجر اخر وفي امريكا الحديثه نجد ان تجربه السود في مواجهه العبوديه كشفت عن وجه اخر للنضج فهريت توبمان التي قادت العبيد نحو الحريه لم تبني قوتها على ما تملك بل على ما تركته خلفها لقد تخلت عن امانها الفردي وعن امكانيه العيش في الظل لتصبح رمزا لميلاد جماعي ان النضج هنا يتجلى كقدره على التضحيه بالراحه من اجل انفتاح اوسع للمعنى وكان التاريخ نفسه يصرخ اننا لنصبح اكثر انسانيه بما نكدسه بل بما نتركه طواعيه وراءنا في كتابه فلسفه اللامساواه للفيلسوف الروسي نيكولاي بيرديايف يكتب الحريه لا تقاس بقدرتك على الامتلاك بل بقدرتك على التخلي هنا يصبح التخلي فعلا جوهريا اذ لا يتحقق الانسان الا اذا تحرر من ثقل الاشياء التي يتشبث بها فالنضج ليس ان تضيف الى نفسك قيدا جديدا بل ان تترك ما اعتدت ان تحمله لتقف في مواجهه الوجود كما هو اما ميجيل دي اونامونو ففي عمله الشعور الماساوي بالحياه يكتب الانسان كائن يموت لكنه لا يستطيع ان يتوقف عن الرغبه في الخلود هذا الوعي الماساوي لا يكتمل الا حين يتخلى الانسان عن وهم الامتلاء وعن كذبه الخلود هنا يصبح النضج قبولا ماساويا بالجرح المفتوح لا محاوله لرتقه فالفقدان عند اونامونو ليس لعنه بل هو المراه التي تجعلنا نرى هشاشتنا ومن ثم انسانيتنا وهكذا اذا كان اونامونو قد ارانا ان الوعي الماساوي يولد من التخلي عن وهم الخلود فان اصواتا اخرى في ثقافات بعيده اكدت الامر ذاته بطرائق مختلفه ففي في كتابه عن اللاطمانينه لفرناندو بيسوا نقرا صدى قريبا كل ما نملكه يثقلنا وكل ما نتخلى عنه يحررنا هنا يظهر النضج لا كاكتمال ممتلئ بل كتحرر تدريجي من الاثقال التي تعيق الروح عن الطفو بيسوا الذي عاش باسماء متعدده جعل من التفاته ذاته درسا فلسفيا النضج ان تصير اقل وضوحا واكثر صدقا ان تتنازل عن صوره متماسكه لتربح حقيقه اعمق ومن الشرق البعيد يتجاوب صوت كينكو يوشيدا في كتابه تاملات في العزله مع هذه الحكمه حين يقول من عرف قيمه الزوال صار سيدا للحظه ان النضج هنا لا يفهم كاستمرار بل كاحتفاء بالز زوال كتقبل للجمال وهو يتساقط مثل ازهار الكرز في الريح بهذا المعنى يتكامل ما راه تولستوي مع ما همس به بيسوا وكينكو ان الانسان ينضج بمقدار ما يستطيع ان يترك ما يتساقط من يده دون مقاومه ليبقى واقفا في مواجهه العدم اخف واصفى ومع هذا التداخل بين الشرق والغرب يتض ضح ان النضج ليس ميراثا لفلسفه بعينها بل خبره كونيه مشتركه كانها قدر الانسان اينما وجد فاذا كان بيسوى قد ربط التحرر بالتفتت ويشد قد جعل من الزوال بهاء فان الفيلسوف الروسي نيكولاي بيرديا اييف في فلسفه الحريه عمق المعنى بقوله لا يقاس الانسان بما يملك من حريه خارجيه بل بما يقدر ان يتخلى عنه في داخله. ان الحريه هنا لا تشترى بل تنتزع من فائض الامتلاك الذي يطوق الروح. كل ما تتخلى عنه يفتح بابا للخلق. وكان التخلي شرط للابتكار لا مجرد انسحاب من العالم. ومن امريكا اللاتينيه ياتي صوت ارنستو ساباتو في كتابه الممانعه حيث يؤكد الانسان لا ينضج حين يضاعف نجاحاته بل حين يجرؤ ان ينظر في هاويه فشله دون ان ينهار هنا يتجلى النضج كفعل مواجهه لا للظفر بل للخساره لا للامتلاء بل للفراغ ساباتو وهو يكتب عن انهيار العالم المعاصر راى ان القوه الحقيقيه لا تاتي من الثروه او التكنولوجيا بل من صلابه الروح حين تترك وراءها كل ما يطمئن لتقف وجها لوجه امام قسوه الزمن وهكذا حين تتقاطع اصوات بيرديا ايف وبيسوا وساباتو ندرك ان النضج ليس لحظه انتصار بل طقس عبور في ممر ضيق لا يخرج منه الانسان الا وقد تخلى عن نصف ما كان يحمله. هذه الفكره تجد صداها ايضا في الفكر الهندي القديم حيث جاء في الاوبنشاد من اراد ان يعرف الحق فعليه ان يفرغ قلبه كما يفرغ الكاس. الفراغ هنا ليس نقصا بل شرط الامتلاء الاصيل. فلا يمكن للحكمه ان تستقر في وعاء ممتلئ مسبقا بل فقط في الكاس التي تجرات على ان تسكب حتى اخر قطره وفي التراث الصيني يردد تشوانكتزو في كتابه الشهير الطاو من يظل مشغولا بالربح والخساره لن يذوق طعم الطاو اي ان التمسك بما نملك هو حجاب يمنعنا من رؤيه الطريق الاعمق النض في هذا الافق ليس نجاحا دنيويا بل انسجاما مع التدفق الكوني انسجاما لا يحدث الا حين نترك قبضتنا تسترخي هنا يلتقي الشرق بالغرب مره اخرى فالتخلي سواء عن ثروه او يقين او مجد هو العتبه التي نعبر منها نحو وعي لا تثقل كاهله الاوهام ومن هنا يتضح ان خيط المعنى ممتد في الثقافات كلها ان النضج لا يسكن في الامتلاء بل في الفراغ الذي نحتمله فالانسان لا يختبر في اعياده المضيئه بل في لياليه التي يسلب فيها كل شيء هذه الفكره عبر عنها الفيلسوف الالماني ياكوب بوهمه حين قال في كتابه اعترافات النور لا يولد الا من ظلمه محتمله التخلي اذا ليس فقدا عقيما بل ظلمه تحمل في رحمها بذره النور كان الوجود لا يكتمل الا حين يمحى ثم يعاد صياغته من رماد اعمق وفي التجربه الروسيه القاسيه نجد عند الكسندر سولجنتسين في ارخبيل الغولاج ان الانسان لم يعرف حقيقته الاكرات حين جرد من كل ما يملك فلم يبقى له سوى عظامه وصمته هناك وسط الجوع والبرد والفراغ تكون نضج من نوع اخر نضج لا تمنحه الجامعات ولا السلطه بل يولده الحرمان المطلق وهكذا يصبح الفقد ليس لعنه فحسب بل معلما صامتا يجردنا حتى من انفسنا ليكشف في النهايه عن جوهر لا ينهزم النضج في هذا الافق يبدو كانه ولاده ثانيه لا تمنح الا لمن اجتاز امتحان الخساره في الفكر الوجودي الفرنسي كتب جابرييل مارسيل في الوجود والتملك كلما ازداد الانسان امتلاكا قل وجوده فالملكيه ليست اضافه بل خصم من رصيد الوجود والروح حين تتخفف تستعيد فضائها الداخلي كانها تتنفس من جديد بعد ان كانت مختنقه بثقل عالم التخلي اذا ليس فعل نكران للحياه بل فعل وفاء لها لانه يحررها من شوائبها وفي امريكا اللاتينيه يكتب اوكتافيو باث في متاهه العزله الانسان يولد مرتين مره حين تضعه امه ومره حين يكتشف وحدته والوحده لا تكتشف الا حين نتخلى عن الجموع عن الصخب عن المرايا الكاذبه التي تملا حياتنا هنا يصبح النضج عوده الى العزله لا كعقوبه بل كباب يفتح على الداخل ومن هذا الداخل يولد وعي اكثر حده يضيء لا بقدر ما يملك بل بقدر ما استطاع ان يترك خلفه دون اسف لقد راينا كيف تحول الفقد الى معلم في معسكرات سولجنتسين وكيف صارت العزله عند اوكتافيو باث ولاده ثانيه لكن هذه الولاده ليست ناعمه ولا رحيمه بل دمويه في حقيقتها النضج في جوهره ليس سوى سلسله اعدامات تنفذها الحياه في اوهامك كل يقين يسقطه الزمن هو جثه جديده في مسرحك الداخلي لهذا كتب ايميل سيوران في مثالب الولاده كل خطوه في حياتنا ليست الا درسا في فقدان شيء لن يعود وكان الوجود لا يعلمنا الا عبر الطعن المستمر لا بالهدايا بل بالجروح التي لا تندمل ومن هنا فان التخلي ليس فضيله زاهده بل عمليه جراحيه تبتر فيها اعضاء الروح الفاسده لتبقى فقط النواه العاريه ما يسميه الناس اكتمالا هو في الحقيقه انكسار متكرر نزيف دائم ومن لا يقبل هذا البتر يظل طفلا يتوسل من الكون لعبته التاليه اما من تعلم ان يترك خلفه جثث اوهامه دون ان يلتفت فهو وحده من يلامس قسوه الحقيقه ويخرج من الجرح اكثر صدقا وان كان اكثر عزله وهكذا حين نواصل السير في هذا الممر المظلم نرى ان النضج لا يه ك جناحين بل يجردك من كل ما اعتقدت انه يحملك ما يبقى ليس حريه مترفه بل سقوط بطيء في العدم سقوط يعلمك انك لا شيء سوى ما تخليت عنه لذلك يكتب فالتر بنيامين في اطروحاته عن فلسفه التاريخ ليس التقدم الا عاصفه تدفعنا الى الامام فيما يتراكم الركام خلفنا انما يتساقط من ايدينا ليس خطا في المسار بل هو المسار ذاته النضج اذا هو ان تفهم ان كل مكسب سيتحول الى حطام وان قيمتك تقاس بقدرتك على عبور هذا الركام دون ان تفقد اتزانك وفي هذه القسوه تتجسد المفارقه الكبرى ان ما نحسبه خسارات هو وحده الذي يصنع وعينا في القرن العشرين خرجت شعوب باكملها من الحروب العالميه وقد فقدت الملايين من ابنائها ومع ذلك لم تخرج فارغه بل محمله بنضج جماعي جديد نضج لم تمنحه الانتصارات العسكريه ولا المعاهدات بل المقابر الجماعيه ورماد المدن المحروقه لقد فهمت البشريه ولو لحظه ان النضج لا يتولد من البناء بل من الخراب وان ما يسقطنا هو عين ما يفتح عيوننا حين نصل الى هذه العتبه ندرك ان النضج ليس مقاما يشيد بالهدوء بل حفره تحفر فينا كلما ضاعت منا قطعه انما يسقطه الزمن من حولنا ليس زوائد يمكن الاستغناء عنها بلا اثر بل اطراف من كياننا ذاته ومع ذلك فان الانسان لا يصير انسانا كاملا الا عبر هذا البتر المتكرر كتب كارل ياسبرز في نظريه الذنب الميتافيزيقي الوجود الاصيل يولد فقط في لحظات الانهيار كان الحياه لا تفتح ابوابها الا حين تتداعى جدرانها علينا فلا يبقى لنا الا ان نقف في العراء وقد نضجنا رغما عنا وحين نتامل القرن الروسي الدموي ندرك معنى هذا القول فالملايين الذين عبروا معسكرات الغولاغ لم يخرجوا منتصرين بل خرجوا وقد تخلوا قسرا عن كل يقين عن الدوله عن العداله عن صوره الله كما رسمتها الكنائس ومع ذلك في هذا الخراب الروحي بالذات انبثق وعي مختلف نضج لا تمنحه الجامعات ولا الكتب بل تمنحه لحظه ادراك ان لا شيء يبقى وان ما نملكه اليوم قد ينتزع غدا بلا مقدمات هكذا يغدو التخلي قصريا والنضج جرحا لا يشفى لكنه يمنح عينا لا تخدع ان الاستمرار في هذا النهر يكشف ان النضج ليس رعايه للذات بل محاكمه قاسيه لها كل وهم تحمله يستدعى الى منصه الاعدام وكل يقين ظننته ابديا يساق الى المقصله هكذا يكتب موريس بلانشو في كتابه الكارثه الحياه الحقيقيه تبدا حين ندخل في خرابها الخراب ليس نقيضا للنضج بل رحمه الذي يولد منه وما من حقيقه تترسخ الا بعد ان تدفن الحقائق القديمه تحت التراب كل ما يتساقط هو شرط لما يبقى وكل ما نخسره هو عصب ما سنصير اليه واذا كان القرن العشرون قد علم شيئا للبشريه فهو ان التقدم ليس بناء ناطحات السحاب بل القدره على ان تنهض من تحت ركامها درس هيروشيما وناجازاكي لم يكن في القنبله وحدها بل في العيون التي تجرات ان تنظر الى الضوء الكارثي بلا انتحار لقد خسر اليابانيون مدنا باكملها لكنهم اكتسبوا وعيا جديدا عن هشاشه الوجود وقوه العدم. هنا يتضح ان النضج لا يختبر في غرف الدراسه ولا على منابر الفلاسفه بل في مواجهه اللهيب حين يصبح التخلي قدرا جماعيا وحين يستبدل الامتلاك بالقدره على اعاده الولاده من رماد اكثر قسوه وحين نمضي اعمق في هذا التيار نكتشف ان النضج ليس ان تتعلم كيف تحيا بل ان تتقن تسلب منك الحياه مرارا دون ان تفقد وعيك كل جرح يفتح عينا جديده وكل خساره تحفر فينا بئرا اعمق لذلك كتب بولتليش في شجاعه من اجل الوجود الشجاعه ليست في امتلاك القوه بل في قبول العدم كجزء من كيانك النضج اذا ليس ان تقصي العدم عنك بل ان تدعه يجلس في قلبك ضيفا لا يغادر وما لم نتعلم هذا التواطؤ مع الفقد سنظل اطفالا نرتعد من اول انكسار ولعل التجارب الجماعيه للامم تؤكد هذه الحقيقه المره فشعوب اوروبا الشرقيه بعد انهيار جدار برلين لم ترث من النظام السابق ثروات ولا جاها بل فراغا هائلا ومع ذلك كان هذا الفراغ هو الشرط الاول لتاسيس وعي جديد ان سقوط الايديولوجيا لم يكن نهايه بل بدايه لان التخلي عن يقين ضخم فتح الطريق للتساؤل هكذا يصبح النضج فعل سقوط تاريخي حيث تنهار البنيه التي حملتك لكنك لا تموت معها بل تبدا من ركامها بحثا عن وجه اخر للحريه النضج اذا ليس طرفا فلسفيا بل جراحه وجوديه تجرى بلا مخدر كل ما تحبه كل ما تمنحه اسما او معنى سينتزع منك كما تنتزع الاظافر وما من عزاء سوى ان تفهم ان هذا الاقتلاع هو عين الدرس لذلك كتب ادورنو في الحد الادنى من الاخلاق من اراد حياه بلا خسارات اراد حياه بلا معنى المعنى يولد من التمزق من الشرخ من تلك اللحظه التي تدرك فيها ان كل اضافه كانت خدعه وان التخلي هو المدرسه الوحيده التي لا تكذب انظر الى القرون الملطخه بالدم من مذابح الحروب الصليبيه الى حروب النفط المعاصره لم ينضج البشر بالانتصارات التي رفعوا بها راياتهم بل بالمدن المحترقه التي شاهدوا دخانها يتصاعد كل جيل يولد من رماد الجيل الذي سبقه وكل حضاره تتعلم بالقدر الذي تخسر فيه ان ما يسقطنا هو ما يفتح اعيننا وما يمحونا هو ما يكتبنا من جديد وهكذا يصبح النضج ليس حياه اطول بل موتا اكثر وضوحا يعيد رسم الانسان من بقاياه وحين نقترب من التخوم الاخيره يتضح ان النضج لا يشبه ثمارا تنضج في صيف هادئ بل يشبه جثثا تترك في العراء لتتعفن حتى تنكشف عظامها هذا ما قصده فيلسوف التفكيك والتشتيت جاك دريدا في اشباح ماركس حين قال ما نتركه وراءنا هو ما يطاردنا الى الابد التخلي ليس هروبا من الماضي بل عقدا مع اشباحه اننا لا ننضج الا بقدر ما نسمح لهذه الاشباح ان تنهشنا ان تذكرنا بان كل ما رحل لا يرحل تماما النضج اذا ليس تحررا نقيا بل حياه متواطئه مع الفقد الذي لا يموت ومن يظن ان هذه القسوه تخص الافراد وحدهم فليتامل التاريخ المانيا لم تنضج بثرائها بعد الحرب العالميه الثانيه بل بعارها النضج الجماعي هناك لم يكن جمعا للانجازات بل مواجهه مع الذنب تخليا عن اوهام التفوق قبولا للجرح كهويه وهكذا فان كل نضج حقيقي مشروط بالدم بالانكسار بالانحناء تحت ثقل الفقد ما يبقى بعد ذلك ليس كمالا بل ندبه والندبه هي شهاده ميلاد ثانيه يا متابعي تراجيديا اللعينه النضج ليس هديه العمر ولا ثمرته الحلوه بل سكين طويل يغرسه الزمن في خاصرتكم حتى تتعلموا ان تمشوا وانتم تنزفون كل ما حملتموه يوما سيسقط الاصدقاء الاحلام الاوطان الصور التي تعبدونها في سركم كلها سترمى كجث في مقبره لا يزورها احد الحياه لا تهذبكم انها تكسركم ترميكم في الطين وتضحك ثم تنتظر لترى هل ستظلون تتشبثون بالاشلاء ام ستتركونها للذباب وتمضون النضج كما فهمه تولستوي وكل الذين مشوا قبلكم في هذه المقبره الكونيه ليس ان تزدادوا نورا بل ان تزدادوا ظلاما صافيا ظلاما يعرف كيف يحدق في العدم دون ان ينهار ان تدركوا انكم لم تكونوا يوما ما جمعتم بل ما فقدتم ان تصبحوا انتم انفسكم القبر والمرثيه والشاهد الحجري هناك فقط وسط الخراب يتكشف لكم السر ان النضج ليس وعدا بالخلاص بل شهاده موت ثانيه توقعها الحياه على جباهكم كي تعرفوا انكم اخيرا رايتم الحقيقه قه
ضع سماعاتك وتأمل العبء الثقيل للوعي عندما تصبح المعرفة سجنًا داخليًا 36:22

ضع سماعاتك وتأمل العبء الثقيل للوعي عندما تصبح المعرفة سجنًا داخليًا

تراجيديا 🕯

89K مشاهدة · 1 year ago

اغسل هذا المكان جيدًا لتحتفظ بقدرتك على المشي حتى سن متقدمة 24:23

اغسل هذا المكان جيدًا لتحتفظ بقدرتك على المشي حتى سن متقدمة

إشراقة الحياة

2 weeks ago

أعظم خطأ طبي في التاريخ كيف أنقذ العفن حياة الملايين 1:04

أعظم خطأ طبي في التاريخ كيف أنقذ العفن حياة الملايين

صدى المعرفة

2 مشاهدة · 4 weeks ago

ضع السماعات وواجه مرآتك هل أنت مريض حقًا أم فقط صدّقت الفكرة 32:45

ضع السماعات وواجه مرآتك هل أنت مريض حقًا أم فقط صدّقت الفكرة

تراجيديا 🕯

74.5K مشاهدة · 11 months ago

كيف نتخلص من الذكريات الأليمة اجتماعية د جاسم المطوع 1:01

كيف نتخلص من الذكريات الأليمة اجتماعية د جاسم المطوع

drjasemtv

138.3K مشاهدة · 4 years ago

مريضة تعاني من حالة مأساوية بسبب خطأ طبي دمر لها حياتها 23:21

مريضة تعاني من حالة مأساوية بسبب خطأ طبي دمر لها حياتها

Dr. Adel Rayess

76.5K مشاهدة · 1 year ago

بعد الـ ٧ ٠ تجنّب هذه العادات الـ ٥ لتحافظ على قوتك واستقلالك 14:51

بعد الـ ٧ ٠ تجنّب هذه العادات الـ ٥ لتحافظ على قوتك واستقلالك

دُكْتُور لِـيـنَـا الـزَّهْـرَاءُ

63 مشاهدة · 6 days ago

أنت لست مريضاً ولا كسولاً جسدك عالق في وضع النجاة إليك سر إعادة ضبط أعصابك كتاب صوتي 1:24:38

أنت لست مريضاً ولا كسولاً جسدك عالق في وضع النجاة إليك سر إعادة ضبط أعصابك كتاب صوتي

معرض الكتب الصوتية

296 مشاهدة · 4 months ago

الكارثة التي عجز الأطباء عن تفسيرها حتى اليوم 0:50

الكارثة التي عجز الأطباء عن تفسيرها حتى اليوم

عصر الذكاء | AI Era

1 day ago

كانت تنظف الأرضيات لكنها رأت ما فقده 18 طبيباً لحظة الإنقاذ الأكثر إذلالاً في التاريخ الطبي 24:48

كانت تنظف الأرضيات لكنها رأت ما فقده 18 طبيباً لحظة الإنقاذ الأكثر إذلالاً في التاريخ الطبي

حكايات صامتة

198 مشاهدة · 5 months ago