ولد ابو جعفر الطبري في مدينه امل في ارض طبرستان في بيت عرف بالصلاح والعلم وكان ذلك في منتصف القرن الثالث الهجري في زمن كانت فيه الدوله الاسلاميه تموج بالحركه العلميه وتضج بالرحلات في طلب العلم منذ صغره ظهرت عليه امارات الذكاء والنجابه فحفظ القران وهو لا يزال غلاما صغيرا حتى قيل انه اتم حفظه قبل ان يبلغ السابعه وكان اذا جلس بين اقرانه بدت عليه سمات الوقار وكانه اكبر سنا منهم نشا محبا للعلم شغوفا به لا يمل من القراءه ولا يكل من الحفظ وكان والده يشجعه ويهيئ له اسباب التعلم حتى انه راى في منامه رؤيه تدل على علو شان ابنه فازداد حرصا عليه ودفعه دفعا الى طريق العلم وكان القدر كان يعد هذا الغلام ليكون من اعلام الامه بدا طلبه للعلم في بلدته فسمع الحديث ودرس الفقه لكنه لم يكتفي بما حوله فقد كانت نفسه تتطلع الى الافاق وقلبه معلقا برحلات العلماء التي كان يسمع عنها لم تمضي سنوات قليله حتى اتخذ قراره الكبير وهو الرحيل في طلب العلم وهو بعد في سن مبكره فخرج من طبر سبان متجها الى بلاد العلم الكبرى وكانت اولى محطاته مدينه الري وهناك التقى بعلماء الحديث واخذ عنهم وبدات شخصيته العلميه تتشكل فكان يكتب كل ما يسمع ويقيد كل فائده ولا يضيع لحظه من وقته ثم واصل رحلته الى بغداد وكانت انذاك قلب العالم الاسلامي النابض ومج مجمع العلماء من كل صوب فدخلها وهو مفعل يحدوه الشغف ويتطلع الى لقاء كبار العلماء وكان من اعظم ما كان يرجوه ان يلتقي بالامام احمد بن حنبل لكن الاقدار شاءت ان يصل بغداد بعد وفاه الامام بقليل فحزن لذلك حزنا شديدا اذ كان يتمنى ان ينهل من علمه مباشره ومع ذلك لم يتوقف بل انكب على حلقات العلم في بغداد فسمع من كبار المحدثين ودرس الفقه على مذاهب متعدده ولم يتعصب لمذهب معين بل كان يبحث عن الدليل ويجتهد في طلب الحق فكان يجمع بين الحفظ والفهم وبين الروايه والدرايه حتى بدا اسمه يذكر بين طلاب العلم ويعرف بجده واجتهاده لم تكن بغداد نهايه رحلته بل كانت محطه من محطات كثيره فقد رحل بعدها الى البصره ثم الى الكوفه وكان في كل مدينه يجلس الى علمائها وياخذ عنهم ويقارن بين اقوالهم ويكون لنفسه منهجا علميا فريدا يعتمد على الجمع والتحقيق والترجيح وكان من اعجب ما يروى عنه في هذه المرحله انه كان شديد الانضباط في وقته حتى قيل انه كان يكتب في اليوم 40 ورقه وربما اكثر ولا يضيع ساعه من عمره وكان الزمن عنده اثمن من ان يهدر وكان يقول ان طالب العلم ان لم يغتنم شبابه فلن يدرك ما فاته ابدا وفي اثناء رحلاته لم يكن همه جمع العلم فقط بل كان يسعى الى فهمه وتمحيصه فكان اذا سمع حديثا بحث عن سنده واذا قرا قولا نظر في دليله واذا اختلف العلماء في مساله جمع اقوالهم ثم نظر فيها بعين الناقد البصير حتى بدات تتشكل لديه شخصيه العالم المجتهد لا مجرد الناقل ومع مرور الوقت صار ابو جعفر الطبري يشعر ان رحلته لم تعد مجرد طلب للعلم بل اعداد لمهمه اعظم مهمه التاليف والتدوين فقد كان يرى ان كثيرا من العلوم مبعثره وان الامه بحاجه الى من يجمعها ويهذبها ويعرضها عرضا واضحا فبدات في نفسه بذور مشروعه العلمي الكبير تنمو بهدوء وهكذا مضت سنوات شبابه الاولى بين سفر وترحال وسماع وكتابه وجد واجتهاد حتى صار من اهل العلم الراسخين ولم يعد مجرد طالب بل اصبح عالما يشار اليه ومع ذلك لم يتوقف بل ظل يعتبر نفسه في بدايه الطريق وكان كلما ما مضى لم يكن الا تمهيدا اما هو ات وفي اثناء رحلاته لم يكن همه جمع العلم فقط بل كان يسعى الى فهمه وتمحيصه فكان اذا سمع حديثا بحث عن سنده واذا قرا قولا نظر في دليله واذا اختلف العلماء في مساله جمع اقوالهم ثم نظر فيها بعين الناقد البصير حتى بدات تتشكل لديه شخصيه العالم المجتهد لا مجرد الناقل ومع مرور الوقت صار ابو جعفر الطبري يشعر ان رحلته لم تعد مجرد طلب للعلم بل اعداد لمهمه اعظم مهمه التاليف والتدوين فقد كان يرى ان كثيرا من العلوم مبعثره وان الامه بحاجه الى من يجمعها ويهذبها ويعرضها عرضا واضحا فبدات في نفسه بذور مشروعه العلمي الكبير تنمو بهدوء وهكذا مضت سنوات شبابه الاولى بين سفر وترحال وسماع وكتابه وجد واجتهاد حتى صار من اهل العلم الراسخين ولم يعد مجرد طالب بل اصبح عالما يشار اليه ومع ذلك لم يتوقف بل ظل يعتبر نفسه في بدايه الطريق وكان كل ما مضى لم يكن الا تمهيدا لما هو اتن وفي تلك المرحله لم يكن يدري ان الايام تخبئ له مكانه عظيمه وان اسمه سيذكر بعد قرون طويله وان كتبه ستصبح من اعمده التراث الاسلامي لكن ما كان يعلمه يقينا هو ان الطريق طويل وان العلم بحر لا ساحل له وان عليه ان يواصل السير دون توقف وهذه كانت البدايه استمر ابو جعفر الطبري في رحلته العلميه وكان قلبه لا يعرف السكون فقد صار الترحال عنده عاده بل عباده يتقرب بها الى الله وكان كلما دخل مدينه شعر انه امام بحر جديد من العلم يحتاج الى الغوص فيه وبعد ان اخذ حظه من علماء البصره والكوفه اتجهت نفسه الى افاق اوسع فشد رحاله الى بلاد الشام وكانت انذاك تزخر بالعلماء والرواه دخل دمشق فوجد فيها حلقات الحديث عامره فجلس الى شيو شيوخها يسمع ويكتب وكان لا يكتفي بالسماع بل يسال ويستفهم ويقارن بين الروايات حتى اصبح له منهج دقيق في التمييز بين الصحيح والضعيف ثم انتقل الى بيروت حيث لقي علماء القراءات والحديث فزاد ذلك من رسوخ قدمه في علوم القران وكان من اعظم ما تميز به في هذه المرحله انه لم يكن اسير علم واحد بل كان يجمع بين علوم متعدده فدرس الحديث وعلومه وتعمق في الفقه واصوله واهتم باللغه والنحو واخذ من كل علم بطرف وافر حتى صار موسوعيا قبل ان يعرف هذا المصطلح وكان يرى ان العالم الحق لا يكتفي بفن واحد بل يجمع العلوم ليكون فهمه اعمق ونظره ادق وفي اثناء هذه الرحلات ظهرت عليه قوه الحفظ العج جيبه فكان يسمع الحديث مره واحده فيحفظه ويكتب ما يحتاج الى تثبيته حتى صار مضرب المثل بين اقرانه وكان بعضهم يتعجب من كثره ما يحفظ فيظنون انه يبايغ فاذا اختبروه وجدوه كما قيل عنه بل ربما اكثر ثم توجه بعد ذلك الى مصر وكانت محطه مهمه في حياته اذ كانت مركزا من مراكز العلم وخاصه في الفقه والحديث فجلس الى علمائها وتاثر ببعض مدارسهم لكنه ظل محافظا على استقلاله الفكري لا يقلد احدا تقليدا اعمى بل ياخذ ما يراه صوابا ويترك ما سواه وفي مصر بدا يظهر تميزه بشكل اوضح فلم يعد مجرد طالب علم يتلقى بل صار يناقش ويجادل بالحجه ويعرض اراءه بثقه دون تكبر او تعال فكان كان يجمع بين التواضع العلمي وقوه الحجه وهي صفه قل ان تجتمع في عالم شاب ومع كل هذا لم يكن ابو جعفر الطبري ينسى هدفه الاكبر فقد كان يشعر ان هذه الرحلات ما هي الا اعداد لعمل عظيم ينتظره فكان يكثر من الكتابه ويجمع الروايات ويصنفها في دفاتر خاصه وكانه يعد ماده ضخمه لكتب سيؤلفها في المستقبل وكان من دابه انه اذا سمع قولا لعالم لم يكتفي بنقله بل يبحث عن دليله ثم يقارنه بغيره من الاقوال فاذا ترجح عنده شيء كتبه مع بيان السبب وهذه الطريقه هي التي ستجعله لاحقا من اعظم من كتب في التفسير والتاريخ لانه لم يكن ناقلا فقط بل ناقدا ومحقا ومع طول رحلته وكثره تنقله لم يفتر عزمه ولم يضعف نشاطه بل كان يزداد قوه مع الايام وكان السفر يزيده حياه والعلم يمده بطاقه لا تنفد حتى صار معروفا بين العلماء في تلك البلاد واصبح اسمه يذكر باحترام رغم صغر سنه مقارنه بكثير منهم وفي تلك الاثناء بدات تتبلور ملامح مشروعه العلمي الكبير فقد اخذ يفكر في جمع تفسير شامل للقران يجمع فيه اقوال السلف ويعرضها باسلوب منظم وكذلك في تاليف كتاب في التاريخ يجمع اخبار الامم والانبياء وكان هذه الافكار كانت تنضج في ذهنه بهدوء تنتظر اللحظه المناسبه لتخرج الى النور وهكذا بين سفر لا ينقطع وعلم يتراكم وخبره تزداد يوما بعد يوم كان ابو جعفر الطبري يقترب شيئا فشيئا من المرحله التي سيتحول فيها من طالب رحال الى امام مؤلف يضع بصمته في تاريخ الامه وكانت تلك الخطوه تقترب دون ان يشعر ومع مرور السنين بدا ابو جعفر الطبري يشعر ان مرحله الترحال الواسع قد قاربت على الاكتمال فقد جاب الامصار وسمع من الشيوخ وامتلات دفاتره بالعلم والروايات حتى صار يحمل في صدره وكتبه ما لا يحمله كثير من اهل عصره عندها اخذ يفكر بجديه في الاستقرار لا ليترك العلم بل ليبدا مرحله جديده هي مرحله البذل والتعليم والتاليف فعاد الى بغداد تلك المدينه التي طالما قصدها طالبا ليعود اليها هذه المره عالما ناضجا يحمل مشروعا كبيرا ورؤيه واضحه وكانت بغداد يومئذ مركز العلم والعلماء ومجتمع مع المدارس الفكريه المختلفه فوجد فيها البيئه المناسبه لما ينوي القيام به ما ان استقر فيها حتى بدا يعقد حلقات العلم فاجتمع حوله طلاب كثر بعضهم جاء ليستفيد من علمه وبعضهم جاء ليختبر هذا العالم الذي كثر ذكره في الامصار فلم تمضي ايام حتى ثبتت مكانته وظهر تميزه اذ كان اذا تكلم في مساله جمع اقوال العلماء ثم رجح بينها بدقه وبين عللها فيعجب الحاضرون من سعه علمه ودقه نظره ولم يكن تدريسه مجرد نقل للمعلومات بل كان يربي طلابه على الفهم والنقد ويحثهم على طلب الدليل ويعلمهم كيف ينظرون في الاقوال المختلفه دون تعصب فصار مجلسه مدرسه قائمه بذاتها تخرج رج فيها طلاب يحملون روحه العلميه ومنهجه الدقيق وفي هذه المرحله بدا ابو جعفر الطبري يتحول بوضوح الى التاليف فقد راى ان ما جمعه من العلم لا ينبغي ان يبقى حبيث الصدور فشرع في ترتيب مادته وتنظيم افكاره وكان اول ما شغله هو تفسير القران ذلك المشروع الذي كان يراوده منذ سنوات الرحله فجلس سيكتب لا على عجل بل بتان عجيب يجمع الاقوال ويذكر الاسانيد ويعرض اختلاف العلماء ثم يرجح بينها وكانه يبني صرحا علميا متينا حجرا فوق حجر وكان يكتب في اليوم صفحات كثيره ومع ذلك لا يرضى الا بالاتقان فكان يراجع ما كتب ويصححه ويضيف اليه ما يستجد له من نظر وفي الوقت نفسه لم ينقطع عن التدريس فكان يومه موزعا بين التعليم والكتابه وكلاهما ياخذ منه جهدا كبيرا لكنه كان يجد في ذلك لذه لا يعرفها الا من ذاق طعم العلم وكان بعض طلابه يتعجبون من قدرته على الجمع بين هذه الاعمال لكنه كان يرى ان العمر قصير وان ما يريد انجازه عظيم فلا بد من الجد والاجتهاد ومع انتشار علمه في بغداد بدا اسمه يعلو اكثر وصار يعد من كبار العلماء رغم انه لم يكن يتكلف الظهور بل كان يعيش حياه بسيطه زاهدا في الدنيا منصرفا الى العلم لا يطلب منصبا ولا يسعى الى جاه وانما همه ان يؤدي ما عليه من امانه العلم وقد عرف عنه في هذه الفتره استقلاله في الراي فلم يكن مقلدا لمذهب معين بل كان يجتهد حتى قيل انه كون لنفسه مذهبا خاصا في الفقه يقوم على الدليل والترجيح وهذا ما جعله محل تقدير عند بعض العلماء ومحل خلاف عند اخرين لكنه لم يكن يلتفت الى ذلك ما دام يرى انه على الحق وفي اثناء ذلك كان مشروعه في التفسير يكبر يوما بعد يوم حتى صار عملا ضخما لم يعرف له نظير في زمانه يجمع بين الروايه والدرايه ويقدم القران باسلوب شامل يربط بين الايات ويبين معانيها ويذكر اقوال السلف فيها وكانه يفتح للناس بابا لفهم كتاب الله بطريقه لم يالفوها من قبل وهكذا دخل ابو جعفر الطبري مرحله جديده من حياته مرحله العطاء والتاثير بعد سنوات طويله من التحصيل واصبح واضحا ان هذا الرجل لم يعد مجرد عالم بين علماء بل صار اماما يقتدى به ومشروعا علميا يمشي على الارض وكانت انجازاته الكبرى لا تزال في بدايتها ومع استقرار ابو جعفر الطبري في بغداد بدات مرحله النضج العلمي الكامل حيث لم يعد مجرد عالم يدرس او يؤلف بل اصبح مرجعا يقصد وامام ماما يرجع اليه في النوازل والمسائل الكبرى وكان اكثر ما يلفت الانتباه في هذه المرحله هو انغماسه العميق في مشروعه الاعظم تفسير القران الذي اخذ منه سنوات طويله من عمره كان يجلس بالساعات الطوال تحيط به كتبه واوراقه يستعرض ما جمعه من اقوال الصحابه والتابعين ويعيد ترتيبها ويوازن بينها وكانه يعيش مع كل ايه لحظه بلحظه يستخرج معانيها ويستحضر سياقها ويبحث في لغتها فلا يكتفي بنقل قول واحد بل يذكر الاقوال المختلفه ثم يناقشها بعلم ودقه حتى يصل الى القول الذي يراه ارجح وكان من اعظم ما ميز عمله انه لم يكن يكتب لنخبه العلماء فقط بل كان يحرص ان يكون تفسيره واضحا لمن يقراه جامعا بين العمق والبيان حتى صار كتابه مقصدا للعلماء وطلاب العلم على حد سواء وكان الله قد كتب له القبول منذ ان بدا فيه وفي الوقت نفسه لم يهمل ابو جعفر الطبري مشروعه الاخر وهو كتابه التاريخ فقد كان يرى ان الامه بحاجه الى كتاب يجمع اخبارها منذ بدايه الخلق مرورا بالانبياء ثم العصور الاسلاميه باسلوب موثوق يعتمد على الروايات المسنده فبدا يجمع الاخبار ويرتبها ويقارن بينها حتى تتكون لديه صوره متكامله للاحداث وكان اذا كتب في التاريخ لم يكن مجرد ناقل للاخبار بل كان يميز بين الروايات ويشير الى ما فيها من قوه او ضعف ويعرضها باسلوب يربط بين الماضي والحاضر حتى يشعر القارئ انه يعيش تلك الاحداث وكانها تقع امامه ومع كثره انشغاله بالتاليف ظل مجلسه عامرا بالطلاب وكان يزداد عددهم يوما بعد يوم حتى صار من اشهر مجالس العلم في بغداد وكان بعضهم ياتي من بلاد بعيده خصيصا ليسمع منه وياخذ عنه ويكتب ما يمليه عليهم فكانت كتبه تنتشر حتى قبل ان تكتمل من خلال ما يكتبه طلابه لكن هذه الشهره لم تكن كلها سهله فقد بدا يظهر له مخالفون خاصه بسبب استقلاله في الفقه اذ لم ينتمي الى مذهب مشهور بل اجتهد بنفسه فانكر عليه بعض المتعصبين واشتد الخلاف في بعض المسائل لكنه كان يقابل ذلك بالصبر ولا يرد الا بالحجه ولا يدخل في جدل عقيم وكانت هذه المواقف تزيده ثباتا اذ كان يرى ان طريق العلم لا يخلو من الابتلاء وان من طلب الحق لابد ان يواجه من يخالفه لكنه كان حريصا ان يبقى الخلاف في اطار العلم لا يتحول الى خصومه شخصيه وهذا ما حفظ له مكانته وهيبته بين كثير من العلماء وفي خضم هذه الحياه المليئه بالعلم والعمل كان ابو جعفر الطبري يعيش حياه زهد وبساطه فلم يكن يجمع المال ولا يسعى الى دنيا بل كان يكتفي بالقليل وينفق وقته كله فيما ينفع حتى صار مثالا للعالم الذي جمع بين العلم والعمل وكان من عادته انه اذا بدا عملا اتمه على اكمل وجه فلا يترك كتابا حتى يراجعه ويهذبه ويخرجه في احسن صوره وكانه يعلم ان هذه الكتب ستبقى بعده وستكون شاهده عليه فكان يحرص ان تكون على قدر المسؤوليه ومع تقدم الايام اخذت ملامح انجاز زاته الكبرى تكتمل فصار تفسيره يقترب من صورته النهائيه وكتابه في التاريخ يتوسع ويزداد عمقا حتى بدا الناس يدركون انهم امام عملين عظيمين لم يعرف لهما نظير من قبل وان هذا الرجل انما يصنع تاريخا لا يكتبه فقط وهكذا كان ابو جعفر الطبري في هذه المرحله كمن بلغ قمه عطائه لكنه لم يتوقف بل ظل يعمل بنفس الهمه وكان الطريق لا نهايه له وكان في صدره طاقه لا تنفد بينما كانت الايام تخبئ له اختبارات اشد ستكشف عن معدن هذا الامام اكثر فاكثر ومع ازدياد شهره ابي جعفر الطبري في بغداد لم تعد حياته تسير بهدوء كما كانت من قبل فقد بدات ملامح الابتلاء تظهر بشكل اوضح خاصه مع اتساع دائره تاثيره وكثره طلابه واستقلاله في ارائه وهو ما جعل بعض المتعصبين لا يرضون عنه خصوصا اولئك الذين كانوا يرون ان الخروج عن المذاهب المشهوره نوع من التجرؤ لم يكن ابو جعفر الطبري يسعى الى الخلاف لكنه في الوقت نفسه لم يكن يقبل ان يتخلى عن اجتهاده فكان اذا سئل عن مساله اجاب بما يراه حقا مستندا الى الدليل غير ملتفت الى رضا الناس او سخطهم وهذا الموقف وان كان يعكس قوه شخصيته وثباته الا انه جلب عليه انتقادات شديده بل وصل الامر ببعضهم الى التحريض عليه ومع ذلك لم ينشغل بالردود بل ظل غارقا في عمله وكان ما يقال عنه لا يعنيه فقد كان يرى ان اعظم رد على المخالف هو الاتقان في العلم وان ما يكتبه سيبقى اما الجدل فسيزول مع الزمن فازداد تركيزه على تفسيره يكتب ويحرر ويضيف حتى بلغ فيه مبلغا عظيما وصار من اعظم ما كتب في تفسير القران وفي الوقت نفسه كان يعمل على كتابه في التاريخ يجمع فيه اخبار الامم السابقه ويعض سيره الانبياء ثم ينتقل الى تاريخ الاسلام عاما بعد عام حتى اصبح كتابه مرجعا ضخما لا يستغني عنه طالب علم وكان اذا كتب حدثا حرص على ذكر الروايات المختلفه ثم يبين ما يراه اقرب الى الصواب دون ان يفرض رايه فرضا بل يترك للقارئ مساحه للتامل لكن الضغوط لم تتوقف فقد اشتد الخلاف بينه وبين بعض المنتسبين الى مذهب احمد بن حنبل خاصه في مسائل تتعلق بالعقيده وبعض الفروع وكان سبب ذلك في كثير من الاحيان سوء الفهم او النقل اذ لم يكن ابو جعفر الطبري يطعن في الامام احمد بل كان يقدره لكنه لم يكن يوافقه في كل شيء وهذا ما لم يقبله بعض المتعصبين وتطورت الامور حتى وصلت الى مضايقات حقيقيه فكان يمنع احيانا من بعض المجالس او يتعرض له بالكلام بل ان بعض الروايات تذكر انه حوصر في بيته في فتره من الفترات بسبب هذه الخلافات ومع ذلك لم يخرج عن هدوءه ولم يرد الاساءه بمثلها بل صبر واحتسب واستمر في عمله وكان هذا الابتلاء كاشفا عن معدن هذا الامام اذ ظهر فيه الصبر والثبات فلم يتراجع ولم يساوم على علمه ولم يترك التاليف بل ربما زاده ذلك اصرارا وكانه يقول بفعله ان الحق لا يترك بسبب الاذى وفي خضم هذه الاحداث ظل ابو جعفر الطبري محافظا على منهجه العلمي الدقيق فلم تسمح له هذه الخلافات ان ينحرف او يتشدد بل بقي متوازنا يعرض الاقوال ويناقشها ويرجح بينها دون ان يتاثر بضغوط الواقع وهذه من اعظم صفاته التي جعلت علمه باقيا وكان طلابه يرون في ذلك درسا عمليا لا في العلم فقط بل في الاخلاق ايضا فقد تعلموا منه ان عالم لا يقاس بعلمه وحده بل بثباته عند الفتن وبقدرته على الصبر حين يشتد الخلاف ومع مرور الوقت بدات هذه العواصف تخف شيئا فشيئا لكن اثارها بقيت فقد تركت في نفسه تجربه عميقه زادته حكمه وجعلته اكثر ادراكا لطبيعه الناس وان طريق العلم ليس مفروشا بالورود بل يحتاج الى صبر طويل ورغم كل ما واجهه لم يتوقف ابو جعفر الطبري عن البناء بل استمر يكتب ويعلم حتى اقترب من اتمام اعظم اعماله وكان هذه المرحله كانت اختبارا اخيرا قبل ان تكتمل صورته كاحد اعظم علماء الاسلام وكانت النهايه تقترب لكنها لم تكن نهايه عاديه بل ختاما يليق برحله عظيمه ومع انحسار موجه الخلافات التي احاطت بابو جعفر الطبري عاد الجو من حوله اكثر هدوءا لكنه لم يكن نفس الهدوء الذي عرفه من قبل فقد صار اكثر عمقا ونضجا وكان تلك التجارب قد سقلته وجعلته يرى العلم والحياه بعين مختلفه لم يعد يلتفت الى ما يقال بل صار تركيزه منصبا بالكامل على ما بقي له من عمر وعلى ما يريد ان يتركه للامه من اثار خالده في بغداد استقر مجلسه من جديد وعاد طلابه يتوافدون عليه بكثره بعضهم من اهل المدينه وبعضهم من بلاد بعيده يحملون شوقا للجلوس بين يديه فقد صار اسمه معروفا في الافاق لا كمجرد عالم بل كامام في التفسير والتاريخ لا يجارى في بابه وكان في هذه المرحله اكثر تنظيما لوقته من اي وقت مضى فقد قسم يومه بدقه وقت للتدريس ووقت للاملاء على طلابه ووقت للكتابه والمراجعه حتى قيل انه كان يعيش وكان كل دقيقه من عمره محسوبه لا يضيع منها شيئا وكان يرى ان ما بقي من عمره هو اثمن ما يملك فلا بد ان يستثمر بافضل صوره وقد اقترب في هذه الفتره من اتمام تفسيره العظيم ذلك العمل الذي افنى فيه سنوات طويله فصار يراجعه مراجعه دقيقه يصحح ويضيف ويهذب العبارات وكانه يودع هذا الكتاب الذي لازمه عمرا كاملا وكان يشعر في داخله ان هذا التفسير سيكون من اعظم ما يخلفه فكان يحرص ان يكون في ابهى صوره علميه ممكنه وفي الوقت نفسه كان كتابه في التاريخ يكبر ويتسع حتى صار سجلا ضخما يمتد من بدايه الخلق الى زمانه يجمع فيه اخبار الانبياء وسير الملوك واحداث الامم ثم ينتقل الى تاريخ الاسلام عاما بعد عام باسلوب يجمع بين الروايه والتحليل حتى اصبح عملا غير مسبوق في حجمه ومنهجه ولم يكن ابو جعفر الطبري يكتب هذه الكتب لنفسه بل كان يشعر انه يؤدي رساله وان هذه العلوم امانه يجب ان تنقل للاجيال القادمه لذلك كان شديد الحرص على الدقه يخشى ان يكتب شيئا غير صحيح او ينقل خبرا دون تمحيص وفي هذه المرحله ظهر اثر علمه في طلابه بشكل واضح فقد صار كثيرا منهم علماء يشار اليهم يحملون علمه وينشرونه في الامصار وكان علمه بدا ينتشر في الافاق عبر تلاميذه لا من خلال كتبه فقط وهذا ما زاد من تاثيره واتساعه وكان من اللافت انه رغم هذه المكانه ظل متواضعا لا يتعالى على احد ولا يرى نفسه فوق غيره بل كان يجلس لطلاده وكانه واحد منهم يسمع ويجيب ويبتسم ويصبر على اسئلتهم حتى صار محبوبا كما هو مهاب ومع مرور الايام بدات ملامح الكمال تقترب في مشروعه العلمي فقد اكتمل تفسيره تقريبا واقترب تاريخه من صورته النهائيه وكان سنوات التعب والسهر بدات تؤتي ثمارها واصبح واضحا ان هذا الرجل قد انجز ما يعجز عنه جماعه من العلماء لكن في اعماقه كان يشعر ان الرحله تقترب من نهايتها ليس نهايه العمل بل نهايه العمر فكان يزداد تعلقا بما يكتب ويزداد حرصا على اتمامه وكانه يريد ان يترك خلفه ارثا لا ينقطع وعلما يبقى بعد رحيله وهكذا عاش ابو جعفر الطبري هذه المرحله بين اكتمال الاعمال وانتشار العلم وهدوء بعد عاصفه لكنه كان هدوءا يسبق لحظه عظيمه لحظه سيكتمل فيها البناء الذي بداه منذ صغره وتبدا بعدها مرحله جديده ليس له فيها عمل بل اثر يبقى ومع اقتراب اكتمال اعمال ابو جعفر الطبري الكبرى بدا يعيش مرحله مختلفه تماما عما سبق مرحله يختلط فيها الشعور بالانجاز مع احساس خفي بقرب النهايه وكان سنوات العمر الطويله التي قضاها في طلب العلم ونشره اخذت تتراءى امامه في صوره واحده مترابطه يرى بداياتها كما يرى نهاياتها في بغداد لم يكن مجهسه قد فقد شيئا من هيبته او مكانته بل ربما ازداد رسوخا فقد صار طلابه يجلسون اليه لا ليتعلموا فقط بل ليستمعوا الى خلاصه تجربه عالم عاش عمره كله في خدمه العلم وكان كلامه في هذه المرحله يميل الى الحكمه وكان كل كلمه تخرج منه تحمل وراءها سنوات من التجربه والمعاناه والتامل كان اذا جلس للتدريس لا يكتفي ببيان المسائل بل يربطها باصولها ويبين طرق العلماء في الاستدلال ويحذر من التعصب ويحث على الاخلاص وكانه لم يعد يربي طلاب علم فقط بل يصنع علماء يحملون منهجا متكاملا لا مجرد معلومات متفرقه اما كتبه فقد بلغت مرحله النضج النهائي فصار يراجعها مراجعه الوداع يقرا ما كتب بعين الناقد لا بعين المؤلف فيحذف ويضيف ويصحح العبارات ويعيد ترتيب بعض المواضع حتى تخرج في اتم صوره وكان يشعر ان هذه الكتب لم تعد ملكا له بل صارت للامه وان عليه ان يسلمها كامله غير منقوصه وكان من اكثر ما يشغله في هذه المرحله هو ان يفهم علمه على وجهه الصحيح فقد راى كيف ان الخلافات قد تنشا احيانا من سوء الفهم فصار يحرص على البيان ويختار عباراته بدقه حتى لا تحمل على غير مقصودها كانه يريد ان يختصر على من ياتي بعده طريقا طويلا من الجدل ورغم ما بلغه من مكانه لم يتغير حاله في الزهد والبساطه فقد ظل يعيش حياه هادئه بعيده عن مظاهر الدنيا لا يطلب مالا ولا جاها بل كان يرى ان اعظم ما يمكن ان يملكه الانسان هو علم نافع يبقى بعده وهذا ما كان يسعى اليه منذ صغره وكان طلابه يلاحظون عليه في هذه الفتره نوعا من السكون العميق ليس سكون الكسل بل سكون من ادى ما عليه واوشك ان يسلم الامانه ومع ذلك لم يتوقف عن العمل بل ظلا يكتب ويعلم وكانه يخشى ان يضيع وقت يمكن ان يستثمر في فائده وفي بعض لحظات خلوته كان ابو جعفر الطبري يتامل رحلته منذ ان خرج من امل غلاما صغيرا لا يحمل الا شغف العلم حتى صار اماما يقصده من الافاق فكان يدرك ان ما وصل اليه لم يكن بجهده وحده بل بتوفيق الله اولا ثم بالصبر الطويل الذي لم ينقطع ومع هذا التامل ازداد حرصه على الاخلاص فكان يخشى ان يضيع عمله بشيء من الرياء او الغفله لذلك كان يجدد نيته ويكثر من الدعاء وكانه يريد ان يختم حياته كما بداها طالبا للعلم لله لا لشيء سواه وفي تلك الايام لم يكن الناس من حوله يدركون تماما ان هذه المرحله هي الاخيره في حياه هذا الامام فقد كان لا يزال قويا في علمه حاضرا في مجلسه لكن الزمن كان يمضي بهدوء يقربه من لحظه الرحيل دون ضجيج وهكذا عاش ابو جعفر الطبري هذه المرحله بين اكتمال العلم ونضج التجربه وهدوء النفس وكان حياته كلها كانت تمهيدا لهذه اللحظات لحظات يلتقي فيها الماضي بالحاضر ويتهيا فيها لترك اثر سيبقى طويلا بعد ان يغيب الجسد بينما كانت النهايه تقترب بخطوات لا ترى لكنها كانت حتما قادمه ومع دخول ابي جعفر الطبري في هذه المرحله الاخيره من حياته اخذت الايام تمضي بهدوء دوء عجيب وكان كل شيء من حوله يسير نحو السكون بعد سنوات طويله من الحركه والعطاء لم يعد مشغولا ببدايه مشروع جديد بل صار همه الاكبر ان يحكم ما بين يديه وان يسلم علمه كما ينبغي دون نقص او خلل في بغداد بقي مجلسه قائما لكن طابعه تغير قليلا فقد صار اكثر هدوءا ووقارا وكان الحاضرين يدركون انهم امام عالم يودع الدنيا بعلمه فيصغون اليه بانساط اشد ويكتبون عنه بعنايه اكبر خشيه ان تفوتهم كلمه او تضيع منهم فائده وكان ابو جعفر الطبري في هذه الفتره يكثر من الاملاء فيجلس ويملي على طلابه ما بقي من كتبه او ما يحتاج الى توضيح او شرح وكانه يريد ان يختصر المسا فات على من ياتي بعده فلا يترك مساله الا بينها ولا قولا الا وضحه حتى لا يساء فهمه او يحرف مقصده اما تفسيره فقد اكتمل في صورته النهائيه فصار من اعظم ما الف في هذا الباب يجمع بين اقوال السلف ويعرضها بامانه ويرجح بينها بعلم راسخ حتى اصبح مرجعا لا غنى عنه وكان هذا الكتاب كان خلاصه عمر كامل من النظر والتامل وكذلك كتابه في التاريخ الذي جمع فيه اخبار الامم والانبياء ثم سيره الاسلام واحداثه عاما بعد عام حتى زمنه فصار سجلا حيا للاحداث لا يقتصر على السرد بل يحمل بين سطوره فهما عميقا لمسار التاريخ وكان القارئ لا يقرا اخبارا فحسب بل يرى سنن الله في الامم ومع اكتمال هذه الاعمال بدا ابو جعفر الطبري يشعر بشيء من الارتياح ليس لانه انتهى من العمل بل لانه ادى ما استطاع وبلغ ما عنده وترك خلفه علما سيبقى بعده ومع ذلك لم يتوقف عن التعليم بل ظل يجيب السائلين ويعلم طلابه وكان العلم عنده لا ينتهي وفي هذه الايام ظهرت عليه علامات التقدم في السن فقد اصبح اهدا حركه واقل خروجا لكنه لم يفقد صفاء ذهنه ولا قوه علمه بل كان الى سئل اجاب بدقه وسرعه وكان ذاكرته ما زالت تحمل كل ما جمعه عبر السنين وكان طلابه يحيطون به اكثر من قبل لا ليتعلموا فقط بل ليانسوا بقربه ويشهدوا هذه اللحظات التي شعروا انها استثنائيه لحظات عالم عظيم يقترب من نهايه رحلته بعد ان ملا الدنيا علما وفي خلواته كان ابو جعفر الطبري يزداد تعلقا بالعباده ويكثر من الذكر ويستحضر ما مضى من عمره لا ندما بل مراجعه وتاملا وكانه يهيئ نفسه للقاء قريب بعد حياه قضاها في خدمه كتاب الله وسنه نبيه ولم يكن يخشى الموت بل كان ين ينظر اليه كمرحله جديده ينتقل فيها من العمل الى الجزاء ولذلك كان مطمئنا هادئ النفس كمن ادى الامانه ولم يبقى عليه الا ان يسلمها وهكذا مضت ايام ابو جعفر الطبري الاخيره في سكون مهيب بين علم اكتمل وطلاب يحيطون به وروح تستعد للرحيل دون ضجيج لكن باثر عظيم سيبقى بعده بينما ما كانت اللحظه الفاصله تقترب اكثر فاكثر لحظه يطوي فيها هذا الامام صفحه حياته لتبدا صفحه خلوده في تاريخ العلم ومع اقتراب اللحظات الاخيره في حياه ابو جعفر الطواري اصبح كل شيء من حوله يحمل طابع الوداع وان لم يعلن ذلك صراحه فقد بدات قوته الجسديه تضعف شيئا فشيئا بينما بقي عقله حاضرا صافيا كانه لم يتاثر بمرور الزمن فكان من يجلس اليه لا يشعر انه امام رجل يودع الحياه بل امام عالم لا يزال في اوج عطائه في بغاءت اخذت دائره زواره تضيق لتقتصر على اقرب طلابه واكثرهم ملازمه له فقد صار خروجه قليلا ومجالسه العامه اقل لكن ذلك لم يمنع العلم من ان يستمر اذ كان يجيب عن الاسئله ويملي ما يحتاج الى املاء وكان لسانه لا يزال يحمل رساله يجب ان تؤدى حتى اخر لحظه وكان طلابه يلاحظون عليه سكينه عجيبه لم تكن سكون ضعف فقط بل سكون رضا كان قلبه قد اطمان لما قدم وكان داخله يقينا بان ما بذله من علم وجهد لن يضيع وكان اذا تحدث خرج كلامه مختصرا مركزا يحمل خلاصه ما عاشه من تجارب فلا يطيل لكنه يصيب المعنى بدقه وفي هذه الايام ازداد تعلقه بالعباده فكان يكثر من الذكر ويحرص على الصلاه ويبتعد عن كل ما يشغله وكانه يصفي ما تبقى من وقته ويهيئ نفسه للقاء ينتظره منذ زمن وكان من يراه يدرك ان هذا الرجل لم يكن عالما بعلمه فقط بل كان عابدا بقلبه صادقا في توجهه ومع ذلك لم ينقطع عن مراجعه بعض ما كتب فقد كان يطلب اليه احيانا ان يوضح مساله او يراجع قولا فيفعل ذلك بدقه وكان الكتابه لم تفارقه ابدا حتى في اضعف حالاته وكان يشعر بمسؤوليه عظيمه تجاه علمه فلا يريد ان يترك فيه لبس او غموض وفي لحظات الصفاء كان ابو جعفر الطبري يستحضر رحلته منذ بدايتها حين خرج من امل صغيرا لا يحمل الا شغف التعلم ثم تنقل بين البلدان حتى استقر في بغداد وكتب ما كتب وعلم من علم فكان يرى في ذلك كله قصه عمر كامل لم يكن سهلا لكنه كان مليئا بالمعنى وكان من حوله يشعرون ان هذه اللحظات ثقيله لا لانها مؤلمه فقط بل لانها تحمل نهايه رجل لم يكن عاديا رجل ملا الدنيا علما وترك اثرا في كل من عرفه او قرا له وكان بعض طلابه يزداد تعلقا به يخشى فراقه ويتمنى لو تطول هذه الايام لكن ابو جعفر الطبري لم يكن متعلقا بالدنيا كما هم فقد كان مستعدا للرحيل لا بخوف بل بطمانينه كمن ادى ما عليه ولم يبقى له الا ان ينتقل الى ما هو ابقى وكان هذا الشعور يظهر في هدوئه وفي نظراته وفي كلماته القليله التي تحمل معاني كبيره ومع اجتداد ضعفه قل كلامه وكثرت سكوناته لكن حضوره بقي مؤثرا حتى في صمته وكان حياته كلها تتلخص في تلك اللحظات لحظات يودع فيها الدنيا بهدوء دون ضجيج لكنه يترك خلفه ارثا لا يقدر بثمن وهكذا كانت الايام الاخيره لابو جعفر الطبري تمضي ببطء لكنها كانت تمضي نحو نهايه محتومه نهايه لا تعني الفناء بل بدايه لذكر خالد سيبقى في كتب العلم وعلى السنه العلماء وفي عقول طلاب المعرفه بينما كانت اللحظه الحاسمه تقترب لحظه الوداع الاخير ومع اشتداد المرض على ابو جعفر الطبري دخلت حياته لحظات هي الاثقل لكنها كانت في الوقت نفسه الاصفى فقد خفت حركته وضعف جسده لكن روحه بقيت ثابته لا يعتريها اضطراب وكان سنوات العلم والعباده التي عاشها كانت تثمر في تلك اللحظات سكينه عميقه لا تتزعزع في بغداد كان بيته قد اصبح مقصدا لخاصه طلابه يدخلون عليه بهدوء يجلسون قريبا منه ينظرون اليه بعين يغلب عليها الحزن لكنهم كانوا يرون في وجهه طمانينه تخفف عنهم وكانه هو من يواسيهم لا هم من يواسونه لم يعد الكلام كثيرا فقد صار يتحدث بقدر الحاجه لكن كل كلمه كانت تحمل وزنا كبيرا فاذا سئل اجاب بايجاز عجيب يختصر المسافات بكلمات قليله كان خلاصه عمره قد تجمعت في تلك العبارات المختصره وكان اذا ذكر العلم امامه اشرق وجهه قليلا وكان قلبه لا يزال متعلقا به حتى اخر لحظه وفي تلك الايام لم يعد مشغولا بالكتابه كما كان لكنه لم ينفصل عنها تماما فقد كان يسال عن بعض المسائل فيبينها او يراجع ما يقرا عليه من كتبه فاذا وجد حط خطا او موضعا يحتاج الى بيان اشار اليه بدقه وكان ذهنه ما زال حاضرا في ادق التفاصيل رغم ما يمر به من ضعف وكان من حوله يرون فيه مثالا للعالم الذي يثبت عند النهايه كما ثبت في البدايه فلم يظهر عليه جزع ولا شكوى بل كان هادئا مستسلما لقضاء الله كمن يعلم ان ما ينتظره خير مما يتركه وكان هذا الثبات اعظم درس لطلابه ربما يفوق كل ما تعلموه منه في مجالس العلم وفي لحظات السكون كان ابو جعفر الطبري يكثر من الذكر تتحرك شفتاه بكلمات لا تكاد تسمع لكنها كانت تعبر عن قلب حاضر متصل بربه لا ينشغل بما حوله وكان الدنيا قد بدات تنسحب من بين يديه بهدوء وكان بعض طلابه يقرا ون عليه شيئا من القران فيستمع باصغاء وربما اشار بيده او حرك راسه وكان تلك الايات التي قضى عمره في تفسيرها تعود اليه الان في صوره اخرى صوره القارئ الذي يتدبر للمفسر الذي يشرح ومع ازدياد ضعفه صار النوم يغلب عليه لكنه لم يكن نوم غفله بل راحه جسد انهكته السنين فاذا افاق عاد الى ذكره وسكونه دون تذمر او اضطراب وكان قلبه قد تجاوز هذه المرحله واصبح اقرب الى عالم اخر وكان من حوله يدركون ان النهايه اصبحت قريبه جدا وان هذه اللحظات هي الاخيره في حياه رجل لم يكن عاديا بل كان علما من اعلام الامه لكنهم كانوا يرون في هدوئه ما يخفف عنهم ويشعرهم ان هذا الرحيل ليس نهايه بل انتقال الى ما هو اعظم وهكذا كانت الايام الاخيره تمضي ببطء لكنها كانت تحمل في طياتها معان عظيمه معاني الصبر والرضا والثبات حتى صار واضحا ان ابو جعفر الطبري سيختم حياته كما عاشها بعلم وايمان وهدوء بينما لم يبقى الا لحظه واحده لحظه الوداع التي ستطوي صفحه عمره وتفتح صفحه خلوده. ومع وصول ابي جعفر الطبري الى ساعاته الاخيره خيم على المكان شعور مهيب لا يوصف. فقد اصبح كل من حوله يدرك ان الفاصل بين الحياه والرحيل قد صار قصيرا جدا وان هذه اللحظات تحمل في طياتها وداعا لا رجعه بعده في هذه الدنيا. في بغداد اجتمع اقرب الناس اليه يجلسون في صمت عميق يراقبون انفاسه التي اصبحت ابطا واهدا وكانها تمضي نحو سكون كامل بينما بقي وجهه مطمئنا لا تظهر عليه علامات خوف او اضطراب بل سكينه غريبه تعكس ما في داخله من رضا كان ابو جعفر الطبري في تلك اللحظات مستغرقا بين وعي خافت وراحه تقترب فاذا اذا فتح عينيه نظر الى من حوله نظره هادئه لا تحمل الا الطمانينه وكانه يودعهم دون كلمات كثيره فالنظرات في تلك الحاله كانت ابلغ من اي حديث وقد ظل ذكر الله جاريا على لسانه او قريبا من قلبه فقد افنى عمره في طلب العلم ونشره وها هو الان يختم حياته بذكر وسكون كان الرحله كلها كانت تمهيدا لهذه اللحظه الاخيره التي يجتمع فيها العمل مع الخاتمه الطيبه وكان طلابه يقراون حوله ما تيسر من القران فيغمر المكان جو من الخشوع وكان الايات التي طالما شرحها وفسرها تعود اليه الان في هذه اللحظه الحاسمه تواسي قلبه وتثبت روحه ولم يكن في المجلس الا الهدوء وكان الزمن قد توقف احتراما لهذه اللحظه ومع اجتداد اللحظات الاخيره بدا الضعف يسيطر اكثر حتى صار التنفس متقطعا لكن ملامح الوجه بقيت هادئه وكان ما يجري ليس نهايه مخيفه بل عبور طبيعي نحو مرحله اخرى وكان من حوله يدركون ان النهايه قد اقتربت جدا وانهم على وشك فقدان عالم عظيم وفي تلك الاثناء لم تسمع كلمات كثيره لكن ما كان يرى كان كافيا ليملا القلوب مشاعر مختلطه من حزن وتسليم فقد كانوا يرون امامهم رجلا قضى عمره في خدمه العلم يرحل الان في هدوء يشبه حياته التي اتسمت بالثبات والسكينه وهكذا تحولت تلك اللحظات الى مشهد من الوقار العميق حيث اجتمعت هيبه الرحيل مع سكينه الايمان حتى صار الجميع يشعر انهم امام موقف عظيم لا يشبهه شيء من مواقف الحياه المعتاده وكانت اللحظه الفاصله على وشك ان تحل لتطوي صفحه هذا الامام العظيم وتعلن نهايه مرحله وبدايه ذكر خالد لا ينقطع. وفي اللحظه الاخيره من حياه ابو جعفر الطبري ساد صمت عميق في بغداد. كان الانفاس توقفت احتراما لهذا الحدث الجليل فقد بلغت الروح موضع انتقالها وتهيات النفس للقاء ربها بعد رحله طويله من العلم والعمل والصبر كان وجهه في تلك اللحظات هادئا تعلوه ملامح الطمانينه وكان ما مر به من تعب في حياته قد تبدد وحل محله سكون عجيب يبعث في من حوله شعورا بان هذه النهايه ليست انطفاء بل اكتمالا لمسيره مباركه لم يكن هناك جزع او اضطراب بل تسليم ظاهر وثبات واضح يعكس عمق ايمانه وصدق يقينه وبينما كان الحاضرون يترقبون تلك اللحظه خفتت انفاسه تدريجيا حتى وصلت الى سكون تام فكانت تلك هي اللحظه التي انتقل فيها من دار الدنيا الى دار الاخره بعد عمر قضاه في خدمه القران والسنه وجمع العلم وتعليمه وتدوينه للاجيال من بعده ساد الحزن المكان لكن لم يكن حزن ياس بل حزن امتزج بالتسليم والرضا بقضاء الله فقد ادرك من حوله انهم لا يودعون شخصا عاديا بل يودعون علما من اعلام الامه واما ترك اثرا سيبقى ما بقيت كتب العلم وطلاب طلاب المعرفه وتحولت تلك الساعات الى لحظه تاريخيه في ذاكره من حضرها اذ لم يكن رحيله نهايه لقصه بل بدايه لمرحله جديده من الخلود العلمي حيث بقيت كتبه شاهده على عظيم ما قدم وبقي اسمه مترددا في مجالس العلم يذكر بالثناء والتقدير ويستفاد من منهجه في التفسير والتاريخ وهكذا انتهت حياه ابو جعفر الطبري في هدوء يليق برجل عاش حياته بين العلم والعباده فلم يطلب دنيا ولم يسعى الى جاه وانما ترك وراءه ارثا علميا ضخما صار مرجعا للاجيال ومناره للباحثين عن الحقيقه وبعد رحيله لم تنتهي قصته بل بدات مرحله جديده حيث استمرت كتبه في الانتشار وواصل طلابه نقل علمه وبقي اثره حاضرا في كل من يقرا تفسيره او تاريخه وكان حياته امتدت عبر علمه الذي لم يمت برحيله وهكذا تختتم قصه هذا الامام العظيم الذي جمع بين الرحله في طلب العلم والاخلاص في العمل والصبر على الابتلاء حتى صار مثالا يحتذى به في التاريخ الاسلامي وعلامه بارزه في مسيره العلم تظل سيرته تذكر كل طالب علم ان طريق طويل لكنه اذا سلكه باخلاص وثبات وصل الى ما هو ابقى واعظم H
1:33
26 كتاب تاريخ الطبري هو العمدة في التاريخ عثمان الخميس
Dr. Othman Alkamees - الشيخ الدكتور عثمان الخميس
8.5K مشاهدة · 1 year ago
54:37
ابو جعفر الطبري أعظم مفسر ومؤرخ في التاريخ الإسلامي قصص علماء الأمة
قصص علماء الأمة
2.2K مشاهدة · 1 month ago
7:59
قصة الإمام الطبري إمام التفسير والتاريخ الذي دوّن حياة الأمم
قصص أعلام الإسلام
7.8K مشاهدة · 8 months ago
2:17
ما هي الكتب المسندة والمعتمدة فى التاريخ الإسلامي الشيخ الحويني
الشيخ أبو إسحاق الحويني
129.4K مشاهدة · 6 years ago
2:18
مكانة تاريخ الطبري بين كتب التاريخ
زوايا مع خالد
1.6K مشاهدة · 4 years ago
1:03
صالح الفوزان انتبهوا هناك محمد بن جرير الطبري السُّني وهناك آخر شيعي
قناة سلمان الفارسي
32K مشاهدة · 7 years ago
2:42
8 الكتب التي يجب أن نحذر منها في قراءة تاريخنا عثمان الخميس
Dr. Othman Alkamees - الشيخ الدكتور عثمان الخميس
1.1M مشاهدة · 4 years ago
41:34
أبو جعفر الطبري مؤرخ الإسلام الأكبر ومفسر القرآن الكريم وثائقي للنوم
ميراث العلم الإسلامي
5.4K مشاهدة · 2 months ago
0:14
ما القول في تفسير الطبري الشيخ مصطفي العدوي
الشيخ مصطفى العدوي
18.4K مشاهدة · 5 years ago
59:18
شكّلوا وعي 1 9 مليار مسلم كيف صنع الطبري والمؤرخون الأوائل الإسلام الذي نعرفه اليوم
Ne3raf | نعرف
557.2K مشاهدة · 6 months ago
12:33
لماذا قتل الحنابلة شيخ المفسرين الامام الطبري
issam Hafidi
732 مشاهدة · 1 year ago
1:01
أسئلة المشاهدين ماهى أفضل كتب التاريخ الإسلامى للمبتدئين