المقدمة في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والألماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط وذكر شيء من أسبابها. أعلم أنّ فنّ التّأريخ فنّ عزيز المذهب جمّ الفوائد شريف الغاية. إذ هو يوقفنا على أحوال الماضيين من الأمم في أخلاقهم. والأنبياء في سيرهم. والملوك في دولهم وسياستهم. حتى تتمّ فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدّنيا و الدّين فهو محتاج إلى مآخذ متعدّدة ومعارف متنوّعة وحسن نظر وتثبّت يفضيان بصاحبهما إلى الحقّ وينكّبان به عن المزلّات والمغالط لأنّ الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرّد النّقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السّياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنسانيّ ولا قيس الغائب منها بالشّاهد والحاضر بالذّاهب فربّما لم يؤمن فيها من العثور ومزلّة القدم والحيد عن جادّة الصّدق وكثيراً ما وقع للمؤرّخين والمفسّرين وأئمّة النّقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرّد النّقل غثّا أو سمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النّظر والبصيرة في الأخبار فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنّة الكذب ومطيّة الهذر ولا بدّ من ردّها إلى الأصول وعرضها على القواعد. وهذا كما نقل المسعودي وكثير من المؤرّخين في جيوش بني إسرائيل بأنّ موسى عليه السّلام أحصاهم في التّيه بعد أن أجاز من يطيق حمل السّلاح خاصّة من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستّمائة ألف أو يزيدون يذهل في ذلك عن تقدير مصر والشّام واتّساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش لكلّ مملكة من الممالك حصّة من الحامية تتّسع لها وتقوم بوظائفها وتضيق عمّا فوقها تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة ثمّ إنّ مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد ان يقع بينها زحف أو قتال لضيق ساحة الأرض عنها وبعدها إذا اصطفّت عن مدى البصر مرّتين أو ثلاثا أو أزيد فكيف يقتتل هذان الفريقان أو تكون غلبة أحد الصّفّين وشيء من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر والحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء. ولقد كان ملك الفرس ودولتهم أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير يشهد لذلك ما كان من غلب بخت نصّر لهم والتهامه بلادهم واستيلائه على أمرهم وتخريب بيت المقدس قاعدة ملّتهم وسلطانهم وهو ومن بعض عمّال مملكة فارس يقال إنّه كان مرزبان المغرب من تخومها وكانت ممالكهم بالعراقيين وخرسان وما وراء النّهر والأبواب أوسع من ممالك بني إسرائيل بكثير ومع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قطّ مثل هذا العدد ولا قريبا منه وأعظم ما كان جموعه بالقادسيّة مائة وعشرين ألفا كلّهم متبوع على ما نقله سيف قال وكانوا في أتباعهم أكثر من مائتي ألف وعن عائشة والزّهريّ فإنّ جموع رستم الّذين زحف بهم سعد بالقادسيّة إنّما كانوا ستّين ألفا كلّهم متبوع وأيضاً فلو بلغ بنو إسرائيل مثل هذا العدد لاتّسع نطاق ملكهم وانفسح مدى دولتهم فإنّ العمالات والممالك في الدّول على نسبة الحامية والقبيل القائمين بها في قلّتها وكثرتها حسبما نبين في فصل الممالك من الكتاب الأوّل والقوم لم تتّسع ممالكهم إلى غير الأردنّ وفلسطين من الشّام وبلاد يثرب وخيبر من الحجاز على ما هو المعروف. وأيضا فالّذين بين موسى وإسرائيل إنّما هو أربعة آباء على ما ذكره المحقّقون فإنّه موسى بن عمران بن يصهر بن قاهت بفتح الهاء وكسرها ابن لاوي بكسر الواو وفتحها ابن يعقوب وهو إسرائيل الله هكذا نسبه في التّوراة والمدّة بينهما على ما نقله المسعوديّ قال دخل إسرائيل مصر مع ولده الأسباط وأولادهم حين اتوا الى يوسف سبعين نفساً وكان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى عليه السّلام إلى التّيه مائتين وعشرين سنة تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة ويبعد أن يتشعّب النّسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد وإن زعموا أنّ عدد تلك الجيوش إنّما كان في زمن سليمان ومن بعده فيبعد أيضا إذ ليس بين سليمان وإسرائيل إلّا أحد عشر أبا فإنّه سليمان بن داود بن يشّا بن عوفيذ ويقال (ابن عوفذ) ابن باعز (ويقال بوعز) بن سلمون بن نحشون بن عمّينوذب (ويقال حمّيناذاب) بن رمّ بن حصرون (ويقال حسرون) بن بارس (ويقال ببرس) بن يهوذا بن يعقوب ولا يتشعّب النّسل في أحد عشر من الولد إلى مثل هذا العدد الذي زعموا اللَّهمّ إلى المائتين والآلاف فربّما يكون وأمّا أن يتجاوز إلى ما بعدهما من عقود الأعداد فبعيد واعتبر ذلك في الحاضر المشاهد والقريب المعروف تجد زعمهم باطلا ونقلهم كاذباً. والّذي ثبت في الإسرائيليّات أنّ جنود سليمان كانت اثني عشر ألفا خاصّة وأنّ مقرّباته كانت ألفا وأربعمائة فرس مرتبطة على أبوابه هذا هو الصّحيح من أخبارهم ولا يلتفت الى اخبار العامّة منهم وفي أيّام سليمان (عليه السّلام) وملكه كان عنفوان دولتهم واتّساع ملكهم هذا وقد نجد الكافّة من أهل العصر إذا أفاضوا في الحديث عن عساكر الدّول الّتي لعهدهم أو قريبا منه وتفاوضوا في الأخبار عن جيوش المسلمين أو النّصارى أو أخذوا في إحصاء أموال الجبايات وخراج السّلطان ونفقات المترفين وبضائع الأغنياء الموسرين توغّلوا في العدد وتجاوزوا حدود العوائد وطاوعوا وساوس الإغراب فاذا استكشف أصحاب الدّواوين عن عساكرهم واستنبطت أحوال أهل الثّروة في بضائعهم وفوائدهم واستجليت عوائد المترفين في نفقاتهم لم تجد معاشر ما يعدونه وما ذلك إلّا لولوع النّفس بالغرائب وسهولة التجاوز على اللسان والغفلة على المتعقّب والمنتقد حتّى لا يحاسب نفسه على خطإ ولا عمد ولا يطالبها في الخبر بتوسط ولا عدالة ولا يرجعها الى بحث وتفتيش فيرسل عنانه ويسيم في مراتع الكذب لسانه ويتّخذ آيات الله هزءا ويشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله وحسبك بها صفقة خاسرة. ومن الأخبار الواهية للمؤرّخين ما ينقلونه كافّة في أخبار التّبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب انهم كانوا يغزون من قراهم باليمن إلى إفريقية والبربر من بلاد المغرب وأنّ أفريقش بن قيس بن صيفيّ من أعاظم ملوكهم الأول وكان لعهد موسى عليه السّلام أو قبله بقليل غزا إفريقية وأثخن في البربر وأنّه الّذي سمّاهم بهذا الاسم حين سمع رطانتهم وقال ما هذه البربرة فأخذ هذا الاسم عنه ودعوا به من حينئذ وأنّه لمّا انصرف من المغرب حجز هنالك قبائل من حمير فأقاموا بها واختلطوا بأهلها ومنهم صمهاجة وكتامة ومن هذا ذهب الطّبريّ والجرجانيّ والمسعوديّ وابن الكلبيّ والبيليّ إلى أنّ صنهاجة وكتامة من حمير وتأباه نسابة البربر وهو الصّحيح وذكر المسعوديّ أيضا أنّ ذا الأذعار من ملوكهم قبل أفريقيا وكان على عهد سليمان (عليه السّلام) غزا المغرب ودوّخه وكذلك ذكر مثله عن ياسر ابنه من بعده وأنّه بلغ وادي الرّمل في بلاد المغرب ولم يجد فيه مسلكا لكثرة الرّمل فرجع وكذلك يقولون في تبّع الآخر وهو أسعد أبو كرب وكان على عهده يستأسف من ملوك الفرس الكيانيّة أنّه ملك الموصل وأذربيجان ولقي التّرك فهزمهم وأثخن ثمّ غزاهم ثانية وثالثة كذلك وأنّه بعد ذلك أغزى ثلاثة من بنيه بلاد فارس وإلى بلاد الصّغد من بلاد أمم التّرك وراء النّهر وإلى بلاد الرّوم فملك الأوّل البلاد إلى سمرقند وقطع المفازة إلى الصين فوجد أخاه الثّاني الّذي غزا إلى سمرقند قد سبقه إليها فأثخنا في بلاد الصّين ورجعا جميعا بالغنائم وتركوا ببلاد الصّين قبائل من حمير فهم بها إلى هذا العهد وبلغ الثّالث إلى قسطنطنيّة فدرسها ودوّخ بلاد الرّوم ورجع. وهذه الأخبار كلّها بعيدة عن الصّحّة عريقة في الوهم والغلط وأشبه بأحاديث القصص الموضوعة. وذلك أنّ ملك التّبابعة إنّما كان بجزيرة العرب وقرارهم وكرسيهم بصنعاء اليمن. وجزيرة العرب يحيط بها البحر من ثلاث جهاتها فبحر الهند من الجنوب وبحر فارس الهابط منه الى البصرة ومن المشرق وبحر السّويس الهابط منه الى السّويس من أعمال مصر من جهة المغرب كما تراه في مصوّر الجغرافيا فلا يجد السّالكون من اليمن إلى المغرب طريقا من غير السّويس والمسلك هنالك ما بين بحر السّويس والبحر الشّاميّ قدر مرحلتين فما دونهما ويبعد أن يمرّ بهذا المسلك ملك عظيم في عساكر موفورة من غير أن يصير من أعماله هذا ممتنع في العادة. وكان بتلك الأعمال العمالقة وكنعان بالشّام والقبط بمصر ثمّ ملك العمالقة مصر وملك بنو إسرائيل الشّام ولم ينقل قط ان التبابعة حاربوا احدا من هؤلاء الامم ولا ملكوا شيئا من تلك الأعمال وأيضا فالشّقّة من البحر إلى المغرب بعيدة والأزودة والعلوفة للعساكر كثيرة فإذا ساروا في غير أعمالهم احتاجوا إلى نتهاب الزّرع والنّعم وانتهاب البلاد فيما يمرّون عليه ولا يكفي ذلك للأزويدة وللعلوفة عادة وإن نقلوا كفايتهم من ذلك من أعمالهم فلا تفي لهم الرّواحل بنقله فلا بدّ وأن يمرّوا في طريقهم كلّها بأعمال قد ملكوها ودوّخوها لتكون الميرة منها وإن قلنا إنّ تلك العساكر تمرّ بهؤلاء الأمم من غير أن تهيجهم فتحصل لهم الميرة بالمسالمة فذلك أبعد وأشدّ امتناعا فدلّ على أنّ هذه الأخبار واهية أو موضوعة. وأمّا وادي الرّمل الّذي يعجز السّالك فلم يسمع قطّ ذكره في المغرب على كثرة سالكه ومن يقصّ طرقه من الرّكّاب والقرى في كلّ عصر وكلّ وجه وهو على ما ذكروه من الغرابة تتوفّر الدّواعي على نقله. وأمّا غزوهم بلاد الشّرق وأرض التّرك وإن كان طريقه أوسع من مسالك السّويس إلّا أنّ الشّقّة هناك أبعد وأمم فارس والرّوم معترضون فيها دون التّرك ولم ينقل قطّ أنّ التّبابعة ملكوا بلاد فارس ولا بلاد الرّوم وإنّما كانوا يحاربون أهل فارس على حدود بلاد العراق وما بين البحرين والحيرة والجزيرة بين الدجلة والفرات وما بينهما في الأعمال وقد وقع ذلك بين ذي الأذعار منهم وكيكاوس من ملوك الكيانيّة وبين تبّع الأصغر أبي كرب ويستأسف منهم أيضا ومع ملوك الطّوائف بعد الكيانيّة والسّاسانيّة من بعدهم بمجاوزة أرض فارس بالغزو إلى بلاد الترك والتّبت وهو ممتنع عادة من أجل الأمم المعترضة منهم والحاجة إلى الأزودة والعلوفات مع بعد الشّقّة كما مرّ فالأخبار بذلك واهية مدخولة وهي لو كانت صحيحة النّقل لكان ذلك قادحا فيها فكيف وهي لم تنقل من وجه صحيح وقول ابن إسحاق في خبر يثرب والأوس والخزرج أنّ تبّعا الآخر سار إلى المشرق محمولا على العراق وبلاد فارس وأمّا بلاد التّرك والتّبت فلا يصحّ غزوهم إليها بوجه لما تقرّر فلا تثقنّ بما يلقى إليك من ذلك وتأمّل الأخبار واعرضها على القوانين الصّحيحة يقع لك تمحيصها بأحسن وجه والله الهادي إلى الصّواب. وأبعد من ذلك وأعرق في الوهم ما يتناقله المفسّرون في تفسير سورة والفجر في قوله تعالى "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ" فيجعلون لفظة إرم اسما لمدينة وصفت بأنّها ذات عماد أي أساطين وينقلون أنّه كان لعاد بن عوص بن إرم ابنان هما شديد وشدّاد ملكا من بعده وهلك شديد فخلص الملك لشدّاد ودانت له ملوكهم وسمع وصف الجنّة فقال لأبنينّ مثلها فبنى مدينة إرم في صحارى عدن في مدّة ثلاثمائة سنة وكان عمره تسعمئة سنة وأنّها مدينة عظيمة صورها من الذّهب وأساطينها من الزّبرجد والياقوت وفيها أصناف الشّجر والأنهار المطّردة ولمّا تمّ بناؤها سار إليها بأهل مملكته حتّى إذا كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السّماء فهلكوا كلّهم. ذكر ذلك الطّبريّ والثّعالبيّ والزّمخشريّ وغيرهم من المفسّرين وينقلون عن عبد الله بن قلّابة من الصّحاب أنّه خرج في طلب إبل له فوقع عليها وحمل منها ما قدر عليه وبلغ خبره معاوية فأحضره وقصّ عليه فبحث عن كعب الأحبار وسأله عن ذلك فقال هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال يخرج في طلب إبل له ثمّ التفت فأبصر ابن قلّابة فقال هذا والله ذلك الرّجل. وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع الأرض وصحاري عدن الّتي زعموا أنّها بنيت فيها هي في وسط اليمن وما زال عمرانه متعاقبا والأدلّاء تقصّ طرقه من كلّ وجه ولم ينقل عن هذه المدينة خبر ولا ذكرها أحد من الأخباريّين ولا من الأمم ولو قالوا إنّها درست فيما درس من الآثار لكان أشبه إلّا أنّ ظاهر كلامهم أنّها موجودة وبعضهم يقول إنّها دمشق بناء على أنّ قوم عاد ملكوها وقد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنّها غائبة وإنّما يعثر عليها أهل الرّياضة والسّحر مزاعم كلّها أشبه بالخرافات والّذي حمل المفسّرين على ذلك ما اقتضته صناعة الإعراب في لفظة ذات العماد أنّها صفة إرم وحملوا العماد على الأساطين فتعين أن يكون بناء ورشّح لهم ذلك قراءة ابن الزّبير عاد إرم على الإضافة من غير تنوين ثمّ وقفوا على تلك الحكايات الّتي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة الّتي هي أقرب إلى الكذب المنقولة في عداد المضحكات وإلّا فالعماد هي عماد الأخبية بل الخيام وإن أريد بها الأساطين فلا بدع في وصفهم بأنّهم أهل بناء أساطين على العموم بما اشتهر من قوّتهم لأنّه بناء خاصّ في مدينة معيّنة أو غيرها وإن أضيفت كما في قراءة ابن الزّبير على إضافة الفصيلة إلى القبيلة كما تقول قريش كنانة وإلياس ومضر وربيعة نزار وأيّ ضرورة إلى هذا المحمل البعيد الّذي تمحّلت لتوجيهه لأمثال هذه الحكايات الواهية الّتي ينزّه كتاب الله عن مثلها لبعدها عن الصّحّة. ومن الحكايات المدخولة للمؤرّخين ما ينقلونه كافّة في سبب نكبة الرّشيد للبرامكة من قصّة العبّاسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه وأنّه لكلفه بمكانهما من معاقرته إيّاهما الخمر أذن لهما في عقد النّكاح دون الخلوة حرصا على اجتماعهما في مجلسه وأنّ العبّاسة تحيّلت عليه في التماس الخلوة به لما شغفها من حبّه حتّى واقعها (زعموا في حالة السكر) فحملت ووشي بذلك للرّشيد فاستغضب وهيهات ذلك من منصب العبّاسة في دينها وأبويها وجلالها وأنّها بنت عبد الله بن عبّاس ليس بينها وبينه إلّا أربعة رجال هم أشراف الدّين وعظماء الملّة من بعده. والعبّاسة بنت محمّدالمهديّ ابن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمّد السّجّاد ابن عليّ أبي الخلفاء ابن عبد الله ترجمان القرآن محفوفة بالملك العزيز والخلافة النّبويّة وصحبة الرّسول وعمومته وإقامة الملّة ونور الوحي ومهبط الملائكة من سائر جهاتها قريبة عهد ببداوة العروبيّة وسذاجة الدّين البعيدة عن عوائد التّرف ومراتع الفواحش فان يطلب الصّون والعفاف إذا ذهب عنها أو أين توجد الطّهارة والذّكاء إذا فقدا من بيتها أو كيف تلحم نسبها بجعفر بن يحيى وتدنّس شرفها العربيّ بمولى من موالي العجم بملكة جدّه من الفرس أو بولاء جدّها من عمومة الرّسول وأشراف قريش وغايته أن جذبت دولتهم بضبعه وضبع أبيه واستخلصتهم ورقّتهم إلى منازل الأشراف وكيف يسوغ من الرّشيد أن يصهر إلى موالي الأعاجم على بعد همّته وعظم آبائه ولو نظر المتأمّل في ذلك نظر المنصف وقاس العبّاسة بابنة ملك من عظماء ملوك زمانه لاستنكف لها عن مثله مع مولا من موال دولتها وفي سلطان قومها واستنكره ولجّ في تكذيبه أين قدر العبّاسة والرّشيد من الناس. وإنّما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدّولة واجتحافهم أموال الجباية حتّى كان الرّشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه فغلبوه على أمره وشاركوه في سلطانه ولم يكن له معهم تصرّف في أمور ملكه فعظمت آثارهم وبعد صيتهم وعمّروا مراتب الدّولة وخططها بالرّؤساء من ولدهم وصنعائهم واجتازوا عمن سواهم من وزاره وكتابه وقياده وحجابه وسيف وقلم. يقال إنّه كان بدار الرّشيد من ولد يحيى بن خالد خمسة وعشرون رئيسا من بين صاحب سيف وصاحب قلم زاحموا فيها أهل الدّولة بالمناكب ودفعوهم عنها بالرّاح لمكان أبيهم يحيى من كفالة هارون وليّ عهد وخليفة حتّى شبّ في حجره ودرج من عشّه وغلب على أمره وكان يدعوه يا أبت فتوجّه الإيثار من السّلطان إليهم وعظمت الدّالّة منهم وانبسط الجهو عندهم وانصرفت نحوهم الوجوه وخضعت لهم الرّقاب وقصرت عليهم الآمال وتخطّت إليهم من أقصى التخوم هدايا الملوك وتحف الأمراء وتسرّبت إلى خزائنهم في سبيل التّزلّف والاستمالة أموال الجباية وأفاضوا في رجال الشّيعة وعظماء القرابة العطاء وطوّقوهم المنن وكسبوا من بيوتات الأشراف المعدم وفكّوا العاني ومدحوا بما لم يمدح به خليفتهم وأسنّوا لعفاتهم الجوائز والصّلات واستولوا على القرى والضّياع من الضّواحي والأمصار في سائر الممالك حتّى أسفّوا البطانة وأحقدوا الخاصّة وأغصّوا أهل الولاية فكشفت لهم وجوه المنافسة والحسد ودبّت إلى مهادهم الوثير من الدّولة عقارب السّعاية حتّى لقد كان بنو قحطبة أخوال جعفر من أعظم السّاعين عليهم لم تعطفهم لما وقر في نفوسهم من الحسد عواطف الرّحم ولا وزعتهم أواصر القرابة وقارن ذلك عند مخدومهم نواشئ الغيرة والاستنكاف من الحجر والأنفة وكان الحقود التي بعثتها منهم صغائر الدّالّة. وانتهى بها الإصرار على شأنهم إلى كبائر المخالفة كقصّتهم في يحيى بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب أخي محمّد المهديّ الملقّب بالنّفس الزّكيّة الخارج على المنصور ويحيى هذا هو الّذي استنزله الفضل بن يحيى من بلاد الدّيلم على أمان الرّشيد بخطّه وبذل لهم فيه ألف ألف درهم على ما ذكره الطّبريّ ودفعه الرّشيد إلى جعفر وجعل اعتقاله بداره وإلى نظره فحبسه مدّة ثمّ حملته الدّالّة على تخلية سبيله والاستبداد بحلّ عقاله حرما لدماء أهل البيت بزعمه ودالة على السلطان في حكمه. وسأله الرّشيد عنه لمّا وشي به إليه ففطن وقال أطلقته فأبدى له وجه الاستحسان وأسرّها في نفسه فأوجد السّبيل بذلك على نفسه وقومه حتّى ثلّ عرشهم وألقيت عليهم سماؤهم وخسفت الأرض بهم وبدارهم وذهبت سلفا ومثلا للآخرين أيّامهم ومن تأمّل أخبارهم واستقصى سير الدّولة وسيرهم وجد ذلك محقّق الأثر ممهّد الأسباب وانظر ما نقله ابن عبد ربّه في مفاوضة الرّشيد عمّ جدّه داود بن علي في شأن نكبتهم وما ذكره في باب الشّعراء في كتاب العقد في محاورة الأصمعيّ للرّشيد وللفضل ابن يحيى في سمرهم تتفهّم أنّه إنّما قتلتهم الغيرة والمنافسة في الاستبداد من الخليفة فمن دونه وكذلك ما تحيل به اعدائهم من البطانة فيما دسّوه للمغنّين من الشّعراء احتيالا على إسماعه للخليفة وتحريك حفائضه لهم وهو قوله ليت هندا أنجزتنا ما تعد وشفت أنفسنا ممّا نجد واستبدّت مرّة واحدة إنّما العاجز من لا يستبد وإنّ الرّشيد لمّا سمعها قال: «إي والله إنّي عاجز» حتّى بعثوا بأمثال هذه كامن غيرته وسلّطوا عليهم بأس انتقامه نعوذ باللَّه من غلبة الرّجال وسوء الحال. وأمّا ما تموّه له الحكاية من معاقرة الرّشيد الخمر واقتران سكره بسكر النّدمان فحاشا الله ما علمنا عليه من سوء، وأين هذا من حال الرّشيد وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدّين والعدالة وما كان عليه من صحابة العلماء والأولياء ومحاوراته للفضيل بن عياض وابن السّماك والعمريّ ومكاتبته سفيان الثّوريّ وبكائه من مواعظهم ودعائه بمكّة في طوافه وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصّلوات وشهود الصّبح لأوّل وقتها. حكى الطّبريّ وغيره أنّه كان يصلّي في كلّ يوم مائة ركعة نافلة وكان يغزو عاما ويحجّ عاما ولقد زجر ابن أبي مريم مضحكه في سمره حين تعرّض له بمثل ذلك في الصّلاة لمّا سمعه يقرأ «وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي 36: 22» وقال: والله لا أدري لم؟ فما تمالك الرّشيد أن ضحك ثمّ التفت إليه مغضبا وقال يا ابن أبي مريم في الصّلاة أيضا إيّاك إيّاك والقرآن والدّين ولك ما شئت بعدهما وأيضا فقد كان من العلم والسّذاجة بمكان لقرب عهده من سلفه المنتحلين لذلك ولم يكن بينه وبين جدّه أبي جعفر بعيد زمن إنّما خلّفه غلاما وقد كان أبو جعفر بمكان من العلم والدّين قبل الخلافة وبعدها وهو القائل لمالك حين أشار عليه بتأليف الموطّإ يا أبا عبد الله إنّه لم يبق على وجه الأرض أعلم منّي ومنك وإنّي قد شغلتني الخلافة فضع أنت للنّاس كتابا ينتفعون به تجنّب فيه رخص ابن عبّاس وشدائد ابن عمر ووطّئه للنّاس توطئة قال مالك فو الله لقد علّمني التّصنيف يومئذ ولقد أدركه ابنه المهديّ أبو الرّشيد هذا وهو يتورّع عن كسوة الجديد لعياله من بيت المال ودخل عليه يوما وهو بمجلسه يباشر الخيّاطين في إرقاع الخلقان من ثياب عياله فاستنكف المهديّ من ذلك وقال يا أمير المؤمنين عليّ كسوة هذه العيال عامنا هذا من عطائي فقال له لك ذلك ولم يصدّه عنه ولا سمح بالإنفاق فيه من أموال المسلمين فكيف يليق بالرّشيد على قرب العهد من هذا الخليفة وأبوّته وما ربّي عليه من أمثال هذه السّير في أهل بيته والتّخلّق بها أن يعاقر الخمر أو يجاهر بها وقد كانت حالة الأشراف من العرب الجاهليّة في اجتناب الخمر معلومة ولم يكن الكرم شجرتهم وكان شربها مذمّة عند الكثير منهم والرّشيد وآباؤه كانوا على ثبج من اجتناب المذمومات في دينهم ودنياهم والتّخلّق بالمحامد وأوصاف الكمال ونزعات العرب. وانظر ما نقله الطّبريّ والمسعوديّ في قصّة جبريل بن بختيشوع الطّبيب حين أحضر له السّمك في مائدته فحماه عنه ثمّ أمر صاحب المائدة بحمله إلى منزله وفطن الرّشيد وارتاب به ودسّ خادمه حتّى عاينه يتناوله فأعدّ ابن بختيشوع للاعتذار ثلاث قطع من السّمك في ثلاثة أقداح خلط إحداها باللّحم المعالج بالتّوابل والبقول والبوارد والحلوى وصبّ على الثّانية ماء مثلّجا وعلى الثّالثة خمراَ صرفا وقال في الأوّل والثّاني ذا طعام أمير المؤمنين إن خلط السّمك بغيره أو لم يخلطه وقال في الثّالث ذا طعام ابن بختيشوع ودفعها إلى صاحب المائدة حتّى إذا انتبه الرّشيد وأحضره للتّوبيخ، أحضر الثلاثة الأقداح فوجد صاحب الخمر قد اختلط وأماع وتفتّت ووجد الآخرين قد فسدوا وتغيرت رائحتهما فكان له في ذلك معذرة وتبين من ذلك أنّ حال الرّشيد في اجتناب الخمر كانت معروفة عند بطانته وأهل مائدته ولقد ثبت عنه أنّه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من انهماكه في المعاقرة حتّى تاب وأقلع وإنّما كان الرّشيد يشرب نبيذ التّمر على مذهب أهل العراق وفتاويهم فيها معروفة وأمّا الخمر الصّرف فلا سبيل إلى اتّهامه بها ولا تقليد الأخبار الواهية فيها فلم يكن الرّجل بحيث يواقع محرّما من أكبر الكبائر عند أهل الملّة ولقد كان أولئك القوم كلّهم بمنحاة من ارتكاب السّرف والتّرف في ملابسهم وزينتهم وسائر متناولاتهم لما كانوا عليه من خشونة البداوة وسذاجة الدّين الّتي لم يفارقوها بعد فما ظنّك بما يخرج عن الإباحة إلى الخطر وعن الحلّة إلى الحرمة ولقد اتّفق المؤرّخون الطّبريّ والمسعوديّ وغيرهم على أنّ جميع من سلف من خلفاء بني أميّة وبني العبّاس إنّما كانوا يركبون بالحلية الخفيفة من الفضّة في المناطق والسّيوف واللّجم والسّروج وأنّ أوّل خليفة أحدث الرّكوب بحلية الذّهب هو المعتزّ بن المتوكّل ثامن الخلفاء بعد الرّشيد وهكذا كان حالهم أيضا في ملابسهم فما ظنّك بمشاربهم؟ ويتبيّن ذلك بأتمّ من هذا إذا فهمت طبيعة الدّولة في أوّلها من البداوة والغضاضة كما نشرح في مسائل الكتاب الأوّل إن شاء الله والله الهادي إلى الصّواب ويناسب هذا أو قريب منه ما ينقلونه كافّة عن يحيى بن أكثم قاضي المأمون وصاحبه وأنّه كان يعاقر الخمر وأنّه سكر ليلة مع شربه فدفن في الرّيحان حتّى أفاق وينشدون على لسانه يا سيّدي وأمير النّاس كلّهم قد جار في حكمه من كان يسقيني إنّي غفلت عن السّاقي فصيّرني كما تراني سليب العقل والدّين وحال ابن أكثم والمأمون في ذلك من حال الرّشيد وشرابهم إنّما كان النّبيذ ولم يكن محظورا عندهم وأمّا السّكر فليس من شأنهم وصحابته للمأمون إنّما كانت خلّة في الدّين ولقد ثبت أنّه كان ينام معه في البيت ونقل في فضائل المأمون وحسن عشرته أنّه انتبه ذات ليلة عطشان فقام يتحسس ويلتمس الاناء مخافة ان يوقظ يحيى ابن اكثم فقام يتحسّس ويلتمس الإناء مخافة أن يوقظ يحيى بن أكثم وثبت أنّهما كانا يصلّيان الصّبح جميعا فأين هذا من المعاقرة وأيضا فإنّ يحيى بن أكثم كان من علية أهل الحديث وقد أثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل وإسماعيل القاضي وخرج عنه الترمذي كتابه الجامع وذكر وخرّج عنه التّرمذيّ كتابه الجامع وذكر المزنيّ الحافظ أنّ البخاريّ روى عنه في غير الجامع فالقدح فيه قدح في جميعهم وكذلك ما ينبزه المجّان بالميل إلى الغلمان بهتانا على الله وفرية على العلماء ويستندون في ذلك إلى أخبار القصّاص الواهية الّتي لعلّها من افتراء أعدائه فإنّه كان محسودا في كماله وخلّته للسّلطان وكان مقامه من العلم والدّين منزّها عن مثل ذلك وقد ذكر لابن حنبل ما يرميه به النّاس فقال سبحان الله سبحان الله ومن يقول هذا؟ وأنكر ذلك إنكارا شديدا وأثنى عليه إسماعيل القاضي فقيل له ما كان يقال فيه فقال معاذ الله أن تزول عدالة مثله بتكذيب باغ وحاسد وقال أيضا يحيى بن أكثم أبرأ إلى الله من أن يكون فيه شيء ممّا كان يرمى به من أمر الغلمان ولقد كنت أقف على سرائره فأجده شديد الخوف من الله لكنّه كانت فيه دعابة وحسن خلق فرمى بما رمى به ابن حيّان في الثّقات وقال لا يشتغل بما يحكى عنه لأنّ أكثرها لا يصحّ عنه ومن أمثال هذه الحكايات ما نقله ابن عبد ربّه صاحب العقد من حديث الزّنبيل في سبب إصهار المأمون إلى الحسن بن سهل في بنته دوران وأنّه عثر في بعض اللّيالي في تطوافه بسكك بغداد في زنبيل مدلّى من بعض السّطوح بمعالق وجدل مغارة الفتل من الحرير فاعتقده وتناول المعالق فاهتزّت وذهب به صعدا إلى مجلس شأنه كذا ووصف من زينة فرشه وتنضيد أبنيته وجمال رؤيته ما يستوقف الطّرف ويملك النّفس وأنّ امرأة برزت له من خلل السّتور في ذلك المجلس رائقة الجمال فتّانة المحاسن فحيته ودعته إلى المنادمة فلم يزل يعاقرها الخمر حتّى الصّباح ورجع إلى أصحابه بمكانهم من انتظاره وقد شغفته حبّا بعثه على الإصهار إلى أبيها وأين هذا كلّه من حال المأمون المعروفة في دينه وعلمه واقتفائه سنن الخلفاء الرّاشدين من آبائه وأخذه بسير الخلفاء الأربعة أركان الملّة ومناظرته العلماء وحفظه لحدود الله تعالى في صلواته وأحكامه فكيف تصحّ عنه أحوال الفسّاق المستهترين في التّطواف باللّيل وطروق المنازل وغشيان السّمر سبيل عشّاق الأعراب وإن ذلك من منصب ابنة الحسن ابن سهل وشرفها وما كان بدار أبيها من الصّون والعفاف وأمثال هذه الحكايات كثيرة وفي كتب المؤرّخين معروفة وإنّما يبعث على وضعها والحديث بها الانهماك في اللّذّات المحرّمة وهتك قناع المخدّرات ويتعلّلون بالتّأسّي بالقوم فيما يأتونه من طاعة لذّاتهم فلذلك تراهم كثيرا ما يلهجون بأشباه هذه الأخبار وينقّرون عنها عند تصفّحهم لأوراق الدّواوين ولو ائتسوا بهم في غير هذا من أحوالهم وصفات الكمال اللّائقة بهم المشهورة عنهم لكان خيرا لهم لو كانوا يعلمون. ولقد عذلت يوما بعض الأمراء من أبناء الملوك في كلفه بتعلم الغناء وولوعه بالأوتار وقلت له ليس هذا من شأنك ولا يليق بمنصبك فقال لي أفلا ترى إلى إبراهيم بن المهديّ كيف كان إمام هذه الصّناعة ورئيس المغنّين في زمانه؟ فقلت له يا سبحان الله وهلّا تأسّيت بأبيه أو أخيه أو ما رأيت كيف قعد ذلك بإبراهيم عن مناصبهم فصمّ عن عذلي وأعرض وَالله يَهْدِي من يَشاءُ ومن الأخبار الواهية ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرّخين والأثبات في العبيديين خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم والطّعن في نسبهم إلى إسماعيل الإمام ابن جعفر الصّادق يعتمدون في ذلك على أحاديث لفّقت للمستضعفين من خلفاء بني العبّاس تزلّفا إليهم بالقدح فيمن ناصبهم وتفنّنا في الشّمات بعدوّهم حسبما تذكر بعض هذه الأحاديث في أخبارهم ويغفلون عن التّفطّن لشواهد الواقعات وأدلّة الأحوال الّتي اقتضت خلاف ذلك من تكذيب دعواهم والرّدّ عليهم. فإنّهم متّفقون في حديثهم عن مبدإ دولة الشّيعة أنّ أبا عبد الله المحتسب مّا دعي بكتامة للرّضى من آل محمّد واشتهر خبره وعلم تحويمه على عبيد الله المهديّ وابنه أبي القاسم خشيا على أنفسهما فهربا من المشرق محلّ الخلافة واجتازا بمصر وأنّهما خرجا من الاسكندريّة في زيّ التّجّار ونمي خبرهما إلى عيسى النّوشريّ عامل مصر والاسكندريّة فسرّح في طلبهما الخيّالة حتّى إذا أدركا خفي حالهما على تابعهما بما لبّسوا به من الشّارة والزّيّ فأفلتوا إلى المغرب. وأنّ المعتضد أوعز إلى الأغالبة أمراء إفريقيا بالقيروان وبني مدرار وأمراء سجلماسة بأخذ الآفاق عليهما وإذكاء العيون في طلبهما فعثر أليشع صاحب سجلماسة من آل مدرار على خفيّ مكانهما ببلده واعتقلهما مرضاة للخليفة. هذا قبل أن تظهر الشّيعة على الأغالبة بالقيروان ثمّ كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بالمغرب وإفريقية ثمّ باليمن ثمّ بالإسكندريّة ثمّ بمصر والشّام والحجاز وقاسموا بني العبّاس في ممالك الإسلام شقّ الأبلمة وكادوا يلجون عليهم مواطنهم ويزايلون من أمرهم ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الأمير البساسيريّ من موالي الدّيلم المتغلبين على خلفاء بني العبّاس في مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم وخطب لهم على منابرها حولا كاملا وما زال بنو العبّاس يغصّون بمكانهم ودولتهم وملوك بني أميّة وراء البحر ينادون بالويل والحدب منهم وكيف يقع هذا كلّه لدعيّ في النّسب يكذب في انتحال الأمر واعتبر حال القرمطيّ إذ كان دعيّا في انتسابه كيف تلاشت دعوته وتفرّقت أتباعه وظهر سريعا على خبثهم ومكرهم فساءت عاقبتهم وذاقوا وبال أمرهم ولو كان أمر العبيديين بذلك لعرف ولو بعد مهله ومهما يكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على النّاس تعلم فقد اتّصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة وملكوا مقام إبراهيم عليه السّلام ومصلّاه وموطن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ومدفنه وموقف الحجيج ومهبط الملائكة ثمّ انقرض أمرهم وشيعتهم في ذلك كلّه على أتمّ ما كانوا عليه من الطّاعة لهم والحبّ فيهم واعتقادهم بنسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصّادق ولقد خرجوا مرارا بعد ذهاب الدّولة ودروس أثرها داعين الى بدعتهم هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم يزعمون استحقاقهم للخلافة ويذهبون إلى تعيينهم بالوصيّة ممّن سلف قبلهم من الأئمّة ولو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق الأخطار في الانتصار لهم فصاحب البدعة لا يلبّس في أمره ولا يشبّه في بدعته ولا يكذّب نفسه فيما ينتحله. والعجب من القاضي أبي بكر الباقلانيّ شيخ النّظّار من المتكلّمين كيف يجنح الى هذه المقالة المرجوحة ويرى هذا الرّاي الضّعيف إن كان ذلك لما كانوا عليه من الإلحاد في الدّين والتّعمّق في الرّافضيّة ليس ذلك بدافع في صدر دعوتهم وليس إثبات منتسبهم بالّذي يغني عنهم من الله شيئا في كفرهم فقد قال تعالى لنوح عليه السّلام في شأن ابنه «إِنَّهُ لَيْسَ من أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ به عِلْمٌ » وقال صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة يعظها يا فاطمة اعملي فلن أغني عنك من الله شيئا ومتى عرف امرؤ قضيّة أو استيقن أمرا وجب عليه أن يصدع به والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل والقوم كانوا في مجال لظنون الدّول بهم وتحت رقبة من الطّغاة لتوفّر شيعتهم وانتشارهم في القاصية بدعوتهم وتكرّر خروجهم مرّة بعد أخرى فلاذت رجالاتهم بالاختفاء ولم يكادوا يعرفون كما قيل: فلو تسأل الأيّام ما اسمي ما درت وأين مكاني ما عرفن مكانيا حتّى لقد سمّي محمّد بن إسماعيل الإمام جدّ عبيد الله المهديّ بالمكتوم سمّته بذلك شيعتهم لما اتّفقوا عليه من إخفائه حذرا من المتغلّبين عليهم فتوصّل شيعة بني العبّاس بذلك عند ظهورهم إلى الطّعن في نسبهم وازدلفوا بهذا الرّأي القائل للمستضعفين من خلفائهم وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم المتولّون لحروبهم مع الأعداء يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشّام ومصر والحجاز من البربر الكتّامين شيعة العبيديّين وأهل دعوتهم حتّى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم عن هذا النّسب وشهد بذلك عندهم من أعلام النّاس جماعة منهم الشّريف الرّضيّ وأخوه المرتضى وابن البطحاويّ ومن العلماء أبو حامد الأسفرايينيّ والقدّوريّ والصّيمريّ وابن الأكفانيّ والأبيورديّ وأبو عبد الله بن النّعمان فقيه الشّيعة وغيرهم من أعلام الأمّة ببغداد في يوم مشهود وذلك سنة ستّين وأربعمائة في أيّام القادر وكانت شهادتهم في ذلك على السّماع لما اشتهر وعرف بين النّاس ببغداد وغالبها شيعة بني العبّاس الطّاعنون في هذا النّسب فنقله الأخباريّون كما سمعوه ورووه حسبما وعوه والحقّ من ورائه. وفي كتاب المعتضد في شان عبيد الله إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة أصدق شاهد وأوضح دليل على صحّة نسبهم فالمعتضد أقعد بنسب أهل البيت من كلّ أحد والدّولة والسّلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم والصّنائع وتلتمس فيه ضوالّ الحكم وتحدى إليه ركائب الرّوايات والأخبار وما نفق فيها نفق عند الكافّة فإن تنزّهت الدّولة عن التّعسّف والميل والأفن والسّفسفة وسلكت النّهج الأمم ولم تجر عن قصد السّبيل نفق في سوقها الإبريز الخالص واللّجين المصفّى وإن ذهبت مع الأعراض والحقود وماجت بسماسرة العرب البغي والباطل نفق البهرج والزّائف والنّاقد البصير قسطاس نظره وميزان بحثه وملتمسه. ومثل هذا وأبعد منه كثيرا ما يتناجى به الطّاعنون في نسب إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهم الإمام بعد أبيه بالمغرب الأقصى ويعرّضون تعريض الحدّ بالتّظنّن في الحمل المخلّف عن إدريس الأكبر إنّه لراشد مولاهم قبّحهم الله وأبعدهم ما أجهلهم أما يعلمون أنّ إدريس الأكبر كان إصهاره في البربر وأنّه منذ دخل المغرب إلى أن توفّاه الله عزّ وجلّ عريق في البدو وأنّ حال البادية في مثل ذلك غير خافية إذ لا مكامن لهم يتأتّى فيها الرّيب وأحوال حرمهم أجمعين بمرأى من جاراتهنّ ومسمع من جيرانهنّ لتلاصق الجدران وتطامن البنيان وعدم الفواصل بين المساكن وقد كان راشد يتولّى خدمة الحرم أجمع من بعد مولاه بمشهد من أوليائهم وشيعتهم ومراقبة من كافّتهم وقد اتّفق برابرة المغرب الأقصى عامّة على بيعة إدريس الأصغر من بعد أبيه وآتوه طاعتهم عن رضى وإصفاق وبايعوه على الموت الأحمر وخاضوا دونه بحار المنايا في حروبه وغزواته ولو حدّثوا أنفسهم بمثل هذه الرّيبة أو قرعت أسماعهم ولو من عدوّ كاشح أو منافق مرتاب لتخلّف عن ذلك ولو بعضهم كلّا والله إنّما صدرت هذه الكلمات من بني العبّاس أقتالهم ومن بني الأغلب عمّالهم كانوا بإفريقيّة وولاتهم. وذلك أنّه لمّا فرّ إدريس الأكبر إلى المغرب من وقعة بلخ أوعز الهادي إلى الأغالبة أن يقعدوا له بالمراصد ويذكوا عليه العيون فلم يظفروا به وخلص إلى المغرب فتمّ امره وظهرت دعوته وظهر الرّشيد من بعد ذلك على ما كان من واضح مولاهم وعاملهم على الاسكندريّة من دسيسة التّشيّع للعلويّة وإدهانه في نجاة إدريس إلى المغرب فقتله ودسّ الشّمّاخ من موالي المهديّ أبيه للتّحيّل على قتل إدريس فأظهر اللّحاق به والبراءة من بني العبّاس مواليه فاشتمل عليه إدريس وخلطه بنفسه وناوله الشّمّاخ في بعض خلواته سمّا استهلكه به ووقع خبر مهلكه من بني العبّاس أحسن المواقع لما رجوه من قطع أسباب الدّعوة العلويّة بالمغرب واقتلاع جرثومتها ولمّا تأدّى إليهم خبر الحمل المخلّف لإدريس فلم يكن لهم إلّا كلا ولا وإذا بالدّعوة قد عادت والشّيعة بالمغرب قد ظهرت ودولتهم بإدريس بن إدريس قد تجدّدت فكان ذلك عليهم انكى من وقع السهام وكان الفشل والهرم قد نزلا بدولة العرب عن أن يسموا إلى القاصية فلم يكن منتهى قدرة الرّشيد على إدريس الأكبر بمكانه من قاصية المغرب واشتمال البربر عليه إلّا التّحيّل في إهلاكه بالسّموم فعند ذلك فزعوا إلى أوليائهم من الأغالب بإفريقيا في سدّ تلك الفرجة من ناحيتهم وحسم الدّاء المتوقّع بالدّولة من قبلهم واقتلاع تلك العروق قبل أن تشج منهم يخاطبهم بذلك المأمون ومن بعده من خلفائهم كان الاغالبة عن برابرة المغرب الأقصى أعجز ولمثلها من الزّبون على ملوكهم أحوج لما طرق الخلافة من انتزاء ممالك العجم على سدّتها وامتطائهم صهوة التّغلّب عليها وتصريفهم أحكامها طوع أغراضهم في رجالها وجبايتها وأهل خططها وسائر نقضها وإبرامها كما قال شاعرهم: خليفة في قفصبين وصيف وبغا يقول ما قالا له كما تقول الببغا فخشي هؤلاء الأمراء الأغالبة بوادر السّعايات وتلوا بالمعاذير فطورا باحتقار المغرب وأهله وطورا بالإرهاب بشأن إدريس الخارج به ومن قام مقامه من أعقابه يخاطبونهم بتجاوزه حدود التّخوم من عمله وينفذون سكّته في تحفهم وهداياهم ومرتفع جباياتهم تعريضا باستفحاله وتهويلا باشتداد شوكته وتعظيما لما دفعوا إليه من مطالبته ومراسه تهديدا بقلب الدّعوة إن ألجئوا إليه وطورا يطعنون في نسب إدريس بمثل ذلك الطّعن الكاذب تخفيضا لشأنه لا يبالون بصدقة من كذبه لبعد المسافة وأفن عقول من خلّف من صبية بني العبّاس وممالكهم العجم في القبول من كلّ قائل والسّمع لكلّ ناعق ولم يزل هذا دأبهم حتّى انقضى أمر الأغالبة فقرعت هذه الكلمة الشّنعاء أسماع الغوغاء وصرّ عليها بعض الطّاعنين أذنه واعتدّها ذريعة إلى النّيل من خلفهم عند المنافسة. وما لهم قبّحهم الله والعدول عن مقاصد الشّريعة فلا تعارض فيها بين المقطوع والمظنون وإدريس ولد على فراش أبيه والولد للفراش. على أنّ تنزيه أهل البيت عن مثل هذا من عقائد أهل الإيمان فالله سبحانه وتعالى قد أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا ففراش إدريس طاهر من الدّنس ومنزه عن الرّجس بحكم القرآن ومن اعتقد خلاف هذا فقد باء بإثمه وولج الكفر من بابه وإنّما أطنبت في هذا الرّد سدّا لأبواب الرّيب ودفعا في صدر الحاسد لما سمعته أذناي من قائله المعتدي عليهم القادح في نسبهم بفريته وينقله بزعمه عن بعض مؤرّخي المغرب ممّن انحرف عن أهل البيت وارتاب في الإيمان بسلفهم وإلّا فالمحلّ منزّه عن ذلك معصوم منه ونفي العيب حيث يستحيل العيب عيب لكنّي جادلت عنهم في الحياة الدّنيا وأرجو أن يجادلوا عنّي يوم القيامة ولتعلم أنّ أكثر الطّاعنين في نسبهم إنّما هم الحسدة لأعقاب إدريس هذا من منتم إلى أهل البيت أو دخيل فيهم فإنّ ادّعاء هذا النّسب الكريم دعوى شرف عريضة على الأمم والأجيال من أهل الافاق فتعرض التّهمة فيه. ولمّا كان نسب بني إدريس هؤلاء بمواطنهم من فارس وسائر ديار المغرب قد بلغ من الشّهرة والوضوح مبلغا لا يكاد يلحق ولا يطمع أحد في دركه إذ هو نقل الأمّة والجيل من الخلف عن الأمّة والجيل من السّلف وبيت جدّهم إدريس مختطّ فاس ومؤسّسها من بيوتهم ومسجده لصق محلّتهم ودروبهم وسيفه منتضى برأس المئذنة العظمى من قرار بلدهم وغير ذلك من آثاره الّتي جاوزت أخبارها حدود التّواتر مرّات وكادت تلحق بالعيان فإذا نظر غيرهم من أهل هذا النّسب لى ما أتاهم الله من أمثالها وما عضد شرفهم النّبويّ من جلال الملك الّذي كان لسلفهم بالمغرب واستيقن أنّه بمعزل عن ذلك وأنّه لا يبلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه وأنّ غاية أمر المنتمين إلى البيت الكريم ممّن لم يحصل له أمثال هذه الشّواهد أن يسلّم لهم حالهم لأنّ النّاس مصدّقون في أنسابهم وبون ما بين العلم والظّنّ واليقين والتّسليم فإذا علم بذلك من نفسه غصّ بريقه وودّ كثير منهم لو يردّونهم عن شرفهم ذلك سوقة ووضعاء حسدا من عند أنفسهم فيرجعون إلى العناد وارتكاب اللّجاج والبهت بمثل هذا الطّعن الفائل والقول المكذوب تعلّلا بالمساواة في الظنّة والمشابهة في تطرّق الاحتمال وهيهات لهم ذلك فليس في المغرب فيما نعلمه من أهل هذا البيت الكريم من يبلغ في صراحة نسبه ووضوحه مبالغ أعقاب إدريس هذا من آل الحسن. كبراؤهم لهذا العهد بنو عمران بفاس من ولد يحيى الحوطيّ بن محمّد بن يحيى العوّام بن القاسم بن إدريس بن إدريس وهم نقباء أهل البيت هناك والسّاكنون ببيت جدّهم إدريس ولهم السّيادة على أهل المغرب كافّة حسبما نذكرهم عند ذكر الادارسة إن شاء الله تعالى ويلحق بهذه المقالات الفاسدة والمذاهب الفائلة ما يتناوله ضعفة الرّأي من فقهاء المغرب من القدح في الإمام المهديّ صاحب دولة الموحّدين ونسبته إلى الشّعوذة والتّلبيس فيما أتاه من القيام بالتّوحيد الحقّ والنّعي على أهل البغي قبله وتكذيبهم لجميع مدّعياته في ذلك حتّى فيما يزعم الموحّدون اتّباعه من انتسابه في أهل البيت وإنّما حمل الفقهاء على تكذيبه ما كمن في نفوسهم من حسده على شأنه فإنّهم لمّا رأوا من أنفسهم مناهضته في العلم والفتيا وفي الدّين بزعمهم ثمّ امتاز عنهم بأنّه متبوع الرّأي مسموع القول موطأ العقب نفسوا ذلك عليه وغضّوا منه بالقدح في مذاهبه والتّكذيب لمدّعياته وأيضا فكانوا يؤنسون من ملوك لمتونة أعدائه تجلّة وكرامة لم تكن لهم من غيرهم لما كانوا عليه من السّذاجة وانتحال الدّيانة فكان لحملة العلم بدولتهم مكان من الوجاهة والانتصاب للشّورى كلّ في بلده وعلى قدره في قومه فأصبحوا بذلك شيعة لهم وحربا لعدوّهم ونقموا على المهديّ ما جاء به من خلافهم والتّثريب عليهم والمناصبة لهم تشيّعا للمتونة وتعصّبا لدولتهم ومكان الرّجل غير مكانهم وحاله على غير معتقداتهم وما ظنّك برجل نقم على أهل الدّولة ما نقم من أحوالهم وخالف اجتهاده فقهاؤهم فنادى في قومه ودعا إلى جهادهم بنفسه فاقتلع الدّولة من أصولها وجعل عاليها سافلها أعظم ما كانت قوّة وأشدّ شوكة وأعزّ أنصارا وحامية وتساقطت في ذلك من أتباعه نفوس لا يحصيها إلّا خالقها وقد بايعوه على الموت ووقوه بأنفسهم من الهلكة وتقرّبوا إلى الله تعالى بإتلاف مهجهم في إظهار تلك الدّعوة والتّعصّب لتلك الكلمة حتّى علت على الكلم ودالت بالعدوّتين من الدّول وهو بحالة من التّقشّف والحصر والصّبر على المكاره والتّقلّل من الدّنيا حتّى قبضه الله وليس على شيء من الحظّ والمتاع في دنياه حتّى الولد الّذي ربّما تجنح إليه النّفوس وتخادع عن تمنّيه فليت شعري ما الّذي قصد بذلك إن لم يكن وجه الله وهو لم يحصل له حظّ من الدّنيا في عاجله ومع هذا فلو كان قصده غير صالح لما تمّ أمره وانفسحت دعوته سنّة الله الّتي قد خلت في عباده وأمّا إنكارهم نسبه في أهل البيت فلا تعضده حجّة لهم مع أنّه إن ثبت أنّه ادّعاه وانتسب إليه فلا دليل يقوم على بطلانه لأنّ النّاس مصدّقون في أنسابهم وإن قالوا إنّ الرّئاسة لا تكون على قوم في غير أهل جلدتهم كما هو الصّحيح حسبما يأتي في الفصل الأوّل من هذا الكتاب والرّجل قد رأس سائر المصامدة و دانوا باتّباعه والانقياد إليه وإلى عصابته من هرغة حتّى تمّ أمر الله في دعوته فاعلم أنّ هذا النّسب الفاطميّ لم يكن أمر المهديّ يتوقّف عليه ولا اتّبعه النّاس بسببه وإنّما كان اتّباعهم له بعصبيّة الهرغيّة والمصموديّة ومكانه منها ورسوخ شجرته فيها وكان ذلك النّسب الفاطميّ خفيّا قد درس عند النّاس وبقي عنده وعند عشيرته يتناقلونه بينهم فيكون النّسب الأوّل كأنّه انسلخ منه ولبس جلدة هؤلاء وظهر فيها فلا يضرّه الانتساب الأوّل في عصبيّته إذ هو مجهول عند أهل العصابة ومثل هذا واقع كثيرا إذا كان النّسب الأوّل خفيّا وانظر قصّة عرفجة وجرير في رئاسة بجيلة وكيف كان عرفجة من الأزد ولبس جلدة بجيلة حتّى تنازع مع جرير رئاستهم عند عمر رضي الله عنه كما هو مذكور تتفهّم منه وجه الحقّ والله الهادي للصّواب وقد كدنا أن نخرج عن غرض الكتاب بالإطناب في هذه المغالط فقد زلّت أقدام كثير من الأثبات والمؤرّخين الحفّاظ في مثل هذه الأحاديث والآراء وعلقت أفكارهم ونقلها عنهم الكافّة من ضعفة النّظر والغفلة عن القياس وتلقّوها هم أيضا كذلك من غير بحث ولا رويّة واندرجت في محفوظاتهم حتّى صار فنّ التّاريخ واهيا مختلطا وناظره مرتبكا وعدّ من مناحي العامّة فإذا يحتاج صاحب هذا الفنّ إلى العلم بقواعد السّياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السّير والأخلاق والعوائد والنّحل والمذاهب وسائر الأحوال والإحاطة بالحاضر من ذلك ومماثرة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف وتعليل المتّفق منها والمختلف والقيام على أصول الدّول والملل ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها ودواعي كونها وأحوال القائمين بها وأخبارهم حتّى يكون مستوعبا لأسباب كلّ خبره وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحا وإلّا زيّفه واستغنى عنه وما استكبر القدماء علم التّاريخ إلّا لذلك حتّى انتحله الطّبريّ والبخاريّ وابن إسحاق من قبلهما وأمثالهم من علماء الأمّة وقد ذهل الكثير عن هذا السّر فيه حتّى صار انتحاله مجهلة واستخفّ العوامّ ومن لا رسوخ له في المعارف مطالعته وحمله والخوض فيه والتّطفّل عليه فاختلط المرعيّ بالهمل واللّباب بالقشر والصّادق بالكاذب وإلى الله عاقبة الأمور ومن الغلط الخفيّ في التّاريخ الذّهول عن تبدّل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدّل الأعصار ومرور الأيّام وهو داء دوي شديد الخفاء إذ لا يقع إلّا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطّن له إلّا الآحاد من أهل الخليقة وذلك أنّ أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقرّ إنّما هو اختلاف على الأيّام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال كما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدّول سنّة الله الّتي قد خلت في عباده وقد كانت في العالم أمم الفرس الأولى والسّريانيّون والنّبط والتّبابعة وبنو إسرائيل والقبط وكانوا على أحوال خاصّة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركاتهم مع أبناء جنسهم وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم ثم جاء من بعدهم الفرس ال2 ثمّ جاء من بعدهم الفرس الثّانية والرّوم والعرب فتبدّلت تلك الأحوال وانقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابهها وإلى ما يباينها أو يباعدها ثمّ جاء الإسلام بدولة مضر فانقلبت تلك الأحوال أجمع انقلابة أخرى وصارت إلى ما أكثره متعارف لهذا العهد يأخذه الخلف عن السّلف ثمّ درست دولة العرب وأيامهم وذهبت الأسلاف الذين شيّدوا عزّهم ومهّدوا ملكهم وصار الأمر في أيدي سواهم من العجم مثل التّرك بالمشرق والبربر بالمغرب والفرنجة بالشّمال فذهبت بذهابهم أمم وانقلبت أحوال وعوائد نسي شأنها وأغفل أمرها والسّبب الشّائع في تبدّل الأحوال والعوائد أنّ عوائد كلّ جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في الأمثال الحكميّة النّاس على دين الملك وأهل الملك والسّلطان إذا استولوا على الدّولة والأمر لا بدّ من أن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم ويأخذون الكثير منهم ولا يغفلون عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدّولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأوّل فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم ومزجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضا بعض الشّيء وكانت للأولى أشدّ مخالفة ثمّ لا يزال التّدريج في المخالفة حتّى ينتهي إلى المباينة بالجملة فما دامت الأمم والأجيال تتعاقب في الملك والسّلطان لا تزال المخالفة في العوائد والأحوال واقعة. والقياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة ومن الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذّهول والغفلة عن قصده وتعوّج به عن مرامه فربّما يسمع السّامع كثيرا من أخبار الماضين ولا يتفطّن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها فيجريها لأوّل وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد وقد يكون الفرق بينهما كثيرا فيقع في مهواة من الغلط فمن هذا الباب ما ينقله المؤرّخون من أحوال الحجّاج وأنّ أباه كان من المعلّمين مع أنّ التّعليم لهذا العهد من جملة الصّنائع المعاشيّة البعيدة من اعتزاز أهل العصبيّة والمعلّم مستضعف مسكين منقطع الجذم فيتشوّف الكثير من المستضعفين أهل الحرف والصّنائع المعاشيّة إلى نيل الرّتب الّتي ليسوا لها بأهل ويعدّونها من الممكنات لهم فتذهب بهم وساوس المطامع وربّما انقطع حبلها من أيديهم فسقطوا في مهواة الهلكة والتّلف ولا يعلمون استحالتها في حقّهم وأنّهم أهل حرف وصنائع للمعاش وأنّ التّعليم صدر الإسلام والدّولتين لم يكن كذلك ولم يكن العلم بالجملة صناعة إنّما كان نقلا لما سمع من الشّارع وتعليما لما جهل من الدّين على جهة البلاغ فكان أهل الأنساب والعصبيّة الّذين قاموا بالملّة هم الّذين يعلّمون كتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم على معنى التّبليغ الخبريّ لا على وجه التّعليم الصّناعيّ إذ هو كتابهم المنزل على الرّسول منهم وبه هداياتهم والإسلام دينهم قاتلوا عليه وقتلوا واختصّوا به من بين الأمم وشرفوا فيحرصون على تبليغ ذلك وتفهيمه للأمّة لا تصدّهم عنه لائمة الكبر ولا يزعهم عاذل الأنفة ويشهد لذلك بعث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كبار أصحابه مع وفود العرب يعلّمونهم حدود الإسلام وما جاء به من شرائع الدّين بعث في ذلك من أصحابه العشرة فمن بعدهم فما استقرّ الإسلام ووشجت عروق الملّة حتّى تناولها الأمم البعيدة من أيدي أهلها واستحالت بمرور الأيّام أحوالها وكثر استنباط الأحكام الشّرعيّة من النّصوص لتعدد الوقائع وتلاحقها فاحتاج ذلك لقانون يحفظه من الخطإ وصار العلم ملكة يحتاج إلى التّعلّم فأصبح من جملة الصّنائع والحرف كما يأتي ذكره في فصل العلم والتّعليم اشتغل أهل العصبيّة بالقيام بالملك والسّلطان فدفع لعلم من قام به من سواهم وأصبح حرفة للمعاش وشمخت أنوف المترفين وأهل السّلطان عن التّصدّي للتّعليم واختصّ انتحاله بالمستضعفين وصار منتحله محتقرا عند أهل العصبيّة والملك والحجّاج بن يوسف كان أبوه من سادات ثقيف وأشرافهم ومكانهم من عصبيّة العرب ومناهضة قريش في الشّرف ما علمت ولم يكن تعليمه للقرآن على ما هو الأمر عليه لهذا العهد من أنّه حرفة للمعاش وإنّما كان على ما وصفناه من الأمر الأوّل في الإسلام ومن هذا الباب أيضا ما يتوهّمه المتصفّحون لكتب التّاريخ إذا سمعوا أحوال القضاة وما كانوا عليه من الرّئاسة في الحروب وقود العساكر فتترامى بهم وساوس الهمم إلى مثل تلك الرّتب حسبون أنّ الشّأن خطّة القضاء لهذا العهد على ما كان عليه من قبل ويظنّون بابن أبي عامر صاحب هشام المستبدّ عليه وابن عبّاد من ملوك الطّوائف بإشبيليّة إذا سمعوا أنّ آباءهم كانوا قضاة أنّهم مثل القضاة لهذا العهد ولا يتفطّنون لما وقع في رتبة القضاء من مخالفة العوائد كما نبيّنه في فصل القضاء من الكتاب الأوّل وابن أبي عامر وابن عبّاد كانا من قبائل العرب القائمين بالدّولة الأمويّة بالأندلس وأهل عصبيتها وكان مكانهم فيها معلوما ولم يكن نيلهم لما نالوه من الرّئاسة والملك بخطّة القضاء كما هي لهذا العهد بل إنّما كان القضاء في الأمر القديم لأهل العصبيّة من قبيل الدّولة ومواليها كما هي الوزارة لعهدنا بالمغرب وانظر خروجهم بالعساكر في الطّوائف وتقليدهم عظائم الأمور الّتي لا تقلّد إلّا لمن له الغنى فيها بالعصبيّة فيغلط السّامع في ذلك ويحمل الأحوال على غير ما هي وأكثر ما يقع في هذا الغلط ضعفاء البصائر من أهل الأندلس لهذا العهد لفقدان العصبيّة في مواطنهم منذ أعصار بعيدة بفناء العرب ودولتهم بها وخروجهم عن ملكة أهل العصبيّات من البربر فبقيت أنسابهم العربيّة محفوظة والذّريعة إلى العزّ من العصبيّة والتّناصر مفقودة بل صاروا من جملة الرّعايا المتخاذلين الذين تعبّدهم القهر ورئموا للمذلّة يحسبون أنّ أنسابهم مع مخالطة الدّولة هي الّتي يكون لهم بها الغلب والتّحكّم فتجد أهل الحرف والصّنائع منهم متصدّين لذلك ساعين في نيله فأمّا من باشر أحوال القبائل والعصبيّة ودولهم بالعدوة الغربيّة وكيف يكون التّغلّب بين الأمم والعشائر فقلّما يغلطون في ذلك ويخطئون في اعتباره. ومن هذا الباب أيضا ما يسلكه المؤرّخون عند ذكر الدّول ونسق ملوكها فيذكرون اسمه ونسبه وأباه وأمّه ونساءه ولقبه وخاتمه وقاضيه وحاجبه ووزيره كلّ ذلك تقليد لمؤرّخي الدّولتين من غير تفطّن لمقاصدهم والمؤرّخون لذلك العهد كانوا يضعون تواريخهم لأهل الدّولة وأبناؤها متشوّفون إلى سير أسلافهم ومعرفة أحوالهم ليقتفوا آثارهم وينسجوا على منوالهم حتّى في اصطناع الرّجال من خلف دولتهم وتقليد الخطط والمراتب لأبناء صنائعهم وذويهم والقضاة أيضا كانوا من أهل عصبيّة الدّولة وفي عداد الوزراء كما ذكرناه لك فيحتاجون إلى ذكر ذلك كلّه وامّا حين تباينت الدّول وتباعد ما بين العصور ووقف الغرض على معرفة الملوك بأنفسهم خاصّة ونسب الدّول بعضها من بعض في قوّتها وغلبتها ومن كان يناهضها من الأمم أو يقصّر عنها فما الفائدة للمصنّف في هذا العهد في ذكر الأبناء والنّساء ونقش الخاتم واللّقب والقاضي والوزير والحاجب من دولة قديمة لا يعرف فيها أصولهم ولا أنسابهم ولا مقاماتهم إنّما حملهم على ذلك التّقليد والغفلة عن مقاصد المؤلّفين الأقدمين والذّهول عن تحرّي الأغراض من التّاريخ اللَّهمّ إلّا ذكر الوزراء الّذين عظمت آثارهم وعفت على الملوك أخبارهم كالحجّاج وبني المهلّب والبرامكة وبني سهل بن نوبخت وكافور الإخشيديّ وابن أبي عامر وأمثالهم فغير نكير الالماع بآبائهم والإشارة إلى أحوالهم لانتظامهم في عداد الملوك. ولنذكر هنا فائدة نختم كلامنا في هذا الفصل بها وهي أنّ التّاريخ إنّما هو ذكر الأخبار الخاصّة بعصر أو جيل فأمّا ذكر الأحوال العامّة للآفاق والأجيال والأعصار فهو أسّ للمؤرّخ تنبني عليه أكثر مقاصده وتتبيّن به أخباره وقد كان النّاس يفردونه بالتّأليف كما فعله المسعوديّ في كتاب مروج الذّهب شرح فيه أحوال الأمم والآفاق لعهده في عصر الثّلاثين والثّلاثمائة غربا وشرقا وذكر نحلهم وعوائدهم ووصف البلدان والجبال والبحار والممالك والدّول وفرّق شعوب العرب والعجم فصار إماما للمؤرّخين يرجعون إليه وأصلا يعوّلون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه ثمّ جاء الكبريّ من بعده ففعل مثل ذلك في المسالك والممالك خاصّة دون غيرها من الأحوال لأنّ الأمم والأجيال لعهده لم يقع فيها كثير انتقال ولا عظيم تغيّر وأمّا لهذا العهد وهو آخر المائة الثّامنة فقد انقلبت أحوال المغرب الّذي نحن شاهدوه وتبدّلت بالجملة واعتاض من أجيال البربر أهله على القدم بما طرأ فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب بما كسروهم وغلبوهم وانتزعوا منهم عامّة الأوطان وشاركوهم فيما بقي من البلدان لملكهم هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثّامنة من الطّاعون الجارف الّذي تحيّف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدّول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلّص من ظلالها وفلّ من حدّها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التّلاشي والاضمحلال أموالها وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السّبل والمعالم وخلت الدّيار والمنازل وضعفت الدّول والقبائل وتبدّل السّاكن وكأنّي بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه وكأنّما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة والله وارث الأرض ومن عليها وإذا تبدّلت الأحوال جملة فكأنّما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره وكأنّه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث فاحتاج لهذا العهد من يدوّن أحوال الخليقة والآفاق واجيالها والعوائد والنّحل الّتي تبدّلت لأهلها ويقفو مسلك المسعوديّ لعصره ليكون أصلا يقتدي به من يأتي من المؤرّخين من بعده وأنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربيّ إمّا صريحا أو مندرجا في أخباره وتلويحا لاختصاص قصدي في التّأليف بالمغرب وأحوال أجياله وأممه وذكر ممالكه ودوله دون ما سوى من الأقطار لعدم اطّلاعي على أحوال المشرق وأممه وأنّ الأخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريده منه والمسعوديّ إنّما استوفى ذلك لبعد رحلته وتقلّبه في البلاد كما ذكر في كتابه مع أنّه لمّا ذكر المغرب قصّر في استيفاء أحواله وفوق كلّ ذي علم عليم ومردّ العلم كلّه إلى الله والبشر عاجز قاصر والاعتراف متعين واجب ومن كان الله في عونه تيسّرت عليه المذاهب وأنجحت له المساعي والمطالب ونحن آخذون بعون الله فيما رمناه من أغراض التّأليف والله المسدّد والمعين وعليه التّكلان وقد بقي علينا أن نقدّم مقدّمة في كيفيّة وضع الحروف لّتي ليست من لغات العرب إذا عرضت في كتابنا هذا. اعلم أنّ الحروف في النّطق كما يأتي شرحه بعد هي كيفيّات الأصوات الخارجة من الحنجرة تعرض من تقطيع الصّوت بقرع اللهاة وأطراف اللسان مع الحنك والحلق والأضراس أو بقرع الشّفتين أيضا فتتغاير كيفيّات الأصوات بتغاير ذلك القرع وتجيء الحروف متمايزة في السّمع وتتركب منها الكلمات الدّالّة على ما في الضّمائر وليست الأمم كلّها متساوية في النّطق بتلك الحروف فقد يكون لأمّة من الحروف ما ليس لأمّة أخرى والحروف الّتي نطقت بها العرب هي ثمانية وعشرون حرفا كما عرفت ونجد للعبرانيّين حروفا ليست في لغتنا وفي لغتنا أيضا حروف ليست في لغتهم وكذلك الإفرنج والتّرك والبربر وغير هؤلاء من العجم ثمّ إنّ أهل الكتاب من العرب اصطلحوا في الدّلالة على حروفهم المسموعة بأوضاع حروف مكتوبة متميزة بأشخاصها كوضع ألف وباء وجيم وراء وطاء إلى آخر الثّمانية والعشرين وإذا عرض لهم الحرف الّذي ليس من حروف لغتهم بقي مهملا عن الدّلالة الكتابيّة مغفلا عن البيان وربّما يرسمه بعض الكتّاب بشكل الحرف الّذي يكتنفه من لغتنا قبله أو بعده وليس بكاف في الدّلالة بل هو تغيير للحرف من أصله. ولمّا كان كتابنا مشتملا على أخبار البربر وبعض العجم وكانت تعرض لنا في أسمائهم أو بعض كلماتهم حروف ليست من لغة كتابتنا ولا اصطلاح اوضاعنا اضطررنا إلى بيانه ولم نكتف برسم الحرف الّذي يليه كما قلناه لأنّه عندنا غير واف بالدّلالة عليه فاصطلحت في كتابي هذا على أن أضع ذلك الحرف العجميّ بما يدلّ على الحرفين اللّذين يكتنفانه ليتوسّط القارئ بالنّطق به بين مخرجي ذينك الحرفين فتحصل تأديته وإنّما اقتبست ذلك من رسم أهل المصحف حروف الإشمام كالصّراط في قراءة خلف فإنّ النّطق بصاده فيها معجم متوسّط بين الصّاد والزّاي فوضعوا الصّاد ورسموا في داخلها شكل الزّاي ودلّ ذلك عندهم على التّوسّط بين الحرفين فكذلك رسمت أنا كلّ حرف يتوسّط بين حرفين من حروفنا كالكاف المتوسّطة عند البربر بين الكاف الصّريحة عندنا والجيم أو القاف مثل اسم بلكين فأضعها كافا وأنقّطها بنقطة الجيم واحدة من أسفل أو بنقطة القاف واحدة من فوق أو اثنتين فيدلّ ذلك على أنّه متوسّط بين الكاف والجيم أو القاف وهذا الحرف أكثر ما يجيء في لغة البربر وما جاء من غيره فعلى هذا القياس أضع الحرف المتوسّط بين حرفين من لغتنا بالحرفين معا ليعلم القارئ أنّه متوسّط فينطق به كذلك فنكون قد دللنا عليه ولو وضعناه برسم الحرف الواحد عن جانبه لكنّا قد صرفناه من مخرجه إلى مخرج الحرف الّذي من لغتنا وغيّرنا لغة القوم فاعلم ذلك والله الموفّق للصّواب بمنّه وفضله. الكتاب الأول في طبيعة العمران البشري وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها وما لذلك من العلل والأسباب اعلم أنّه لمّا كانت حقيقة التّاريخ أنّه خبر عن الاجتماع الانسانيّ الّذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التّوحّش والتّأنّس والعصبيّات وأصناف التّغلّبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدّول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصّنائع وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال. ولمّا كان الكذب متطرّقا للخبر بطبعته وله أسباب تقتضيه. منها التّشيّعات للآراء والمذاهب فإنّ النّفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقّه من التّمحيص والنّظر حتّى تتبيّن صدقه من كذبه وإذا خامرها تشيّع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأوّل وهلة وكان ذلك الميل والتّشيّع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتّمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله. ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضا الثّقة بالنّاقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التّعديل والتّجريح. ومنها الذّهول عن المقاصد فكثير من النّاقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنّه وتخمينه فيقع في الكذب. ومنها توهّم الصّدق وهو كثير وإنّما يجيء في الأكثر من جهة الثّقة بالنّاقلين ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التّلبيس والتّصنّع فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتّصنّع على غير الحقّ في نفسه. ومنها تقرّب النّاسفي الأكثر لأصحاب التّجلّة والمراتب بالثّناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذّكر بذلك فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقة فالنّفوس مولعة بحبّ الثّناء والنّاس متطلّعون إلى الدّنيا وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا في الأكثر براغيين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها. ومن الأسباب المقتضية له أيضا وهي سابقة على جميع ما تقدّم الجهل بطبائع الأحوال في العمران فإنّ كلّ حادث من الحوادث ذاتا كان أو فعلا لا بدّ له من طبيعة تخصّه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله فإذا كان السّامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصّدق من الكذب وهذا أبلغ في التّمحيص من كلّ وجه عرض وكثيرا ما يعرض للسّامعين قبول الأخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثر عنهم كما نقله المسعوديّ عن الإسكندر لمّا صدّته دوابّ البحر عن بناء الإسكندريّة وكيف اتّخذ صندوق الزّجاج وغاص فيه إلى قعر البحر حتّى صوّر تلك الدّوابّ الشّيطانيّة الّتي رآها وعمل تماثيلها من أجساد معدنيّة ونصبها حذاء البنيان ففرّت تلك الدّوابّ حين خرجت وعاينتها وتمّ بناؤها في حكاية طويلة من أحاديث خرافة مستحيلة من قبل اتّخاذه التّابوت الزّجاجيّ ومصادمة البحر وأمواجه بجرمه ومن قبل أنّ الملوك لا تحمل أنفسها على مثل هذا الغرور ومن أعتمده منهم فقد عرّض نفسه للهلكة وانتقاض العقدة واجتماع النّاس إلى غيره وفي ذلك إتلافه ولا ينظرون به رجوعه من غروره ذلك طرفة عين ومن قبل أنّ الجنّ لا يعرف لها صور ولا تماثيل تختصّ بها إنّما هي قادرة على التّشكّل وما يذكر من كثرة الرّؤوس لها فإنّما المراد به البشاعة والتّهويل لا أنّه حقيقة. وهذه كلّها قادحة في تلك الحكاية والقادح المحيل لها من طريق الوجود أبين من هذا كلّه وهو أنّ المنغمس في الماء ولو كان في الصّندوق يضيق عليه الهواء للتّنفّس الطّبيعىّ وتسخن روحه بسرعة لقلّته فيفقد صاحبه الهواء البارد المعدّل لمزاج الرّئة والرّوح القلبيّ ويهلك مكانه وهذا هو السّبب في هلاك أهل الحمّامات إذا أطبقت عليهم عن الهواء البارد والمتدلّين في الآبار والمطامير العميقة المهوى إذا سخن هواؤها بالعفونة ولم تداخلها الرّياح فتخلخلها فإنّ المتدلّي فيها يهلك لحينه وبهذا السّبب يكون موت الحوت إذا فارق البحر فإنّ الهواء لا يكفيه في تعديل رئته إذ هو حارّ بإفراط والماء الّذي يعدّله بارد والهواء الّذي خرج إليه حارّ فيستولي الحارّ على روحه الحيوانيّ ويهلك دفعة ومنه هلاك المصعوقين وأمثال ذلك ومن الأخبار المستحيلة ما نقله المسعوديّ أيضا في تمثال الزّرزور الّذي برومة تجتمع إليه الزّرازير في يوم معلوم من السّنة حاملة للزّيتون ومنه يتّخذون زيتهم وانظر ما أبعد ذلك عن المجرى الطّبيعيّ في اتّخاذ الزّيت. ومنها ما نقله البكريّ في بناء المدينة المسمّاة ذات الأبواب تحيط بأكثر من ثلاثين مرحلة وتشتمل على عشرة آلاف باب والمدن إنّما اتّخذت للتّحصّن والاعتصام كما يأتي وهذه خرجت عن أن يحاط بها فلا يكون فيها حصن ولا معتصم وكما نقله المسعوديّ أيضا في حديث مدينة النّحاس وأنّها مدينة كلّ بنائها نحاس بصحراء سجلماسة ظفر بها موسى بن نصير في غزوته إلى المغرب وأنّها مغلقة الأبواب وأنّ الصّاعد إليها من أسوارها إذا أشرف على الحائط صفّق ورمى بنفسه فلا يرجع آخر الدّهر في حديث مستحيل عادة من خرافات القصّاص وصحراء سجلماسة قد نفضها الرّكّاب والأدلّاء ولم يقفوا لهذه المدينة على خبر ثمّ إنّ هذه الأحوال الّتي ذكروا عنها كلّها مستحيل عادة مناف للأمور الطّبيعية في بناء المدن واختطاطها وأنّ المعادن غاية الموجود منها أن يصرف في الآنية والخرثيّ وأما تشييد مدينة منها فكما تراه من الاستحالة والبعد وأمثال ذلك كثير وتمحيصه إنّما هو بمعرفة طبائع العمران وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها وهو سابق على التّمحيص بتعديل الرّواة ولا يرجع إلى تعديل الرّواة حتّى يعلم أنّ ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع وأمّا إذا كان مستحيلا فلا فائدة للنّظر في التّعديل والتّجريح ولقد عدّ أهل النّظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللّفظ وتأويله بما لا يقبله العقل وإنّما كان التّعديل والتّجريح هو المعتبر في صحّة الأخبار الشّرعيّة لأنّ معظمها تكاليف إنشائيّة أوجب الشّارع العمل بها حتّى حصل الظّنّ بصدقها وسبيل صحّة الظّنّ الثّقة بالرّواة بالعدالة والضّبط وأما الأخبار عن الواقعات فلا بدّ في صدقها وصحّتها من اعتبار المطابقة فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه وصار فيها ذلك أهمّ من التّعديل ومقدّما عليه إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط وفائدة الخبر منه ومن الخارج بالمطابقة وإذا كان ذلك فالقانون في تمييز الحقّ من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشريّ الّذي هو العمران ونميّز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضا لا يعتدّ به وما لا يمكن أن يعرض له وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحقّ من الباطل في الأخبار والصّدق من الكذب بوجه برهانيّ لا مدخل للشّكّ فيه وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله ممّا نحكم بتزييفه وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرّى به المؤرّخون طريق الصّدق والصّواب فيما ينقلونه وهذا هو غرض هذا الكتاب الأوّل من تأليفنا وكأنّ هذا علم مستقلّ بنفسه فإنّه ذو موضوع وهو العمران البشريّ والاجتماع الإنسانيّ وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى وهذا شأن كلّ علم من العلوم وضعيّا كان أو عقليّا. واعلم أنّ الكلام في هذا الغرض مستحدث الصّنعة غريب النّزعة عزيز الفائدة اعثر عليه البحث وأدّى إليه الغوص وليس من علم الخطابة إنّما هو الأقوال المقنعة النّافعة في استمالة الجمهور إلى رأي أو صدّهم عنه ولا هو أيضا من علم السّياسة المدنية إذ السياسة المدنيّة هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النّوع وبقاؤه فقد خالف موضوعة موضوع هذين الفنّين اللّذين ربّما يشبهانه وكأنّه علم مستنبط النّشأة ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة ما أدري ألغفلتهم عن ذلك وليس الظّنّ بهم أو لعلّهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه ولم يصل إلينا فالعلوم كثيره والحكماء في امم النوع الانساني متعددون وما لم يصل الينا من العلوم اكثر مما وصل فأين علوم الفرس الّتي أمر عمر رضي الله عنه بمحوها عند الفتح وأين علوم الكلدانيّين والسّريانيّين وأهل بابل وما ظهر عليهم من آثارها ونتائجها وأين علوم القبط ومن قبلهم وإنّما وصل إلينا علوم أمّة واحدة وهم يونان خاصّة لكلف المأمون بإخراجها من لغتهم واقتداره على ذلك بكثرة المترجمين وبذل الأموال فيها ولم نقف على شيء من علوم غيرهم وإذا كانت كلّ حقيقة متعلّقة طبيعيّة يصلح أن يبحث عمّا يعرض لها من العوارض لذاتها وجب أن يكون باعتبار كلّ مفهوم وحقيقة علم من العلوم يخصّه لكنّ الحكماء لعلّهم إنّما لاحظوا في ذلك العناية بالثّمرات وهذا إنّما ثمرته في الأخبار فقط كما رأيت وإن كانت مسائله في ذاتها وفي اختصاصها شريفة لكن ثمرته تصحيح الأخبار وهي ضعيفة فلهذا هجروه والله أعلم «وَما أُوتِيتُمْ من الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا 17: 85» وهذا الفنّ الّذي لاح لنا النّظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم وهي من جنس مسائله بالموضوع والطّلب مثل ما يذكره الحكماء والعلماء في إثبات النّبوّة من أنّ البشر متعاونون في وجودهم فيحتاجون فيه إلى الحاكم والوازع ومثل ما يذكر في أصول الفقه في باب إثبات اللّغات أنّ النّاس محتاجون إلى لعبارة عن المقاصد بطبيعة التّعاون والاجتماع وتبيان العبارات أخفّ ومثل ما يذكره الفقهاء في تعليل الأحكام الشّرعيّة بالمقاصد في أنّ الزّنا مخلط للأنساب مفسد للنّوع وأنّ القتل أيضا مفسد للنّوع وأنّ الظّلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النّوع وغير ذلك من سائر المقاصد الشّرعيّة في الأحكام فإنّها كلّها مبنيّة على المحافظة على العمران فكان لها النّظر فيما يعرض له وهو ظاهر من كلامنا هذا في هذه المسائل الممثّلة وكذلك أيضا يقع إلينا القليل من مسائله في كلمات متفرّقة لحكماء الخليقة لكنّهم لم يستوفوا فمن كلام الموبذان بهرام بن بهرام في حكاية البوم الّتي نقلها المسعوديّ. «أيّها الملك إنّ الملك لا يتمّ عزّه إلّا بالشّريعة والقيام للَّه بطاعته والتّصرّف تحت أمره ونهيه ولا قوام للشّريعة إلّا بالملك ولا عزّ للملك إلّا بالرّجال ولا قوام للرجال الا بالمال ولا سبيل للمال الا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلّا بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرّبّ وجعل له قيّما وهو الملك» ومن كلام أنوشروان في هذا المعنى بعينه «الملك بالجند والجند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل والعدل بإصلاح العمّال وإصلاح العمّال باستقامة الوزراء ورأس الكلّ بافتقاد الملك حال رعيّته بنفسه واقتداره على تأديبها حتّى يملكها ولا تملكه. وفي الكتاب المنسوب لأرسطو في السّياسة المتداول بين النّاس جزء صالح منه إلّا أنّه غير مستوف ولا معطي حقّه من البراهين ومختلط بغيره وقد أشار في ذلك الكتاب إلى هذه الكلمات الّتي نقلناها عن الموبذان وأنوشروان وجعلها في الدّائرة القريبة الّتي أعظم القول فيها هو قوله: «العالم بستان سياجه الدّولة الدّولة سلطان تحيا به السّنّة السّنّة سياسة يسوسها الملك الملك نظام يعضده الجند الجند أعوان يكفلهم المال المال رزق تجمعه الرّعيّة الرّعيّة عبيد يكنفهم العدل لعدل مألوف وبه قوام العالم العالم بستان» ثم ترجع الى اول الكلام فهذه ثمان كلمات حكميّة سياسيّة ارتبط بعضها ببعض وارتدّت أعجازها إلى صدورها واتّصلت في دائرة لا يتعيّن طرفها فخر بعثوره عليها وعظّم من فوائدها. وأنت إذا تأمّلت كلامنا في فصل الدّول والملك وأعطيته حقّه من التّصفّح والتّفهّم عثرت في أثنائه على تفسير هذه الكلمات وتفصيل إجمالها مستوفى بيّنا بأوعب بيان وأوضح دليل وبرهان أطلعنا الله عليه من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبذان وكذلك تجد في كلام ابن المقفّع وما يستطرد في رسائله من ذكر السّياسات الكثير من مسائل كتابنا هذا غير مبرهنة كما برهنّاه إنّما يجليها في الذّكر على منحى الخطابة في أسلوب الترسّل وبلاغة الكلام وكذلك حوّم القاضي أبو بكر الطّرطوشيّ في كتاب سراج الملوك وبوّبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله لكنّه لم يصادف فيه الرّمية ولا أصاب الشّاكلة ولا استوفى المسائل ولا أوضح الأدلّة إنّما يبوّب الباب للمسألة ثمّ يستكثر من الأحاديث والآثار وينقل كلمات متفرّقة لحكماء الفرس مثل بزرجمهر والموبذان وحكماء الهند والمأثور عن دانيال وهرمس وغيرهم من أكابر الخليقة ولا يكشف عن التّحقيق قناعا ولا يرفع البراهين الطّبيعيّة حجابا إنّما هو نقل وتركيب شبيه بالمواعظ وكأنّه حوّم على الغرض ولم يصادفه ولا تحقّق قصده ولا استوفى مسائله ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما وأعثرنا على علم جعلنا بين نكرة وجهينة خبره فإن كنت قد استوفيت مسائله وميّزت عن سائر الصّنائع أنظاره وأنحاءه فتوفيق من الله وهداية وإن فاتني شيء في إحصائه واشتبهت بغيره فللنّاظر المحقّق إصلاحه ولي الفضل أنّي نهجت له السّبيل وأوضحت له الطّريق والله يهدي بنوره من يشاء. ونحن الآن نبيّن في هذا الكتاب ما يعرض للبشر في اجتماعهم من أحوال العمران في الملك والكسب والعلوم والصّنائع بوجوه برهانيّة يتّضح بها التّحقيق في معارف الخاصّة والعامّة وتندفع بها الأوهام وترفع الشّكوك. ونقول لمّا كان الإنسان متميّزا عن سائر الحيوانات بخواصّ اختصّ بها فمنها العلوم والصّنائع الّتي هي نتيجة الفكر الّذي تميّز به عن الحيوانات وشرّف بوصفه على المخلوقات ومنها الحاجة إلى الحكم الوازع والسّلطان القاهر إذ لا يمكن وجوده دون ذلك من بين الحيوانات كلّها إلّا ما يقال عن النّحل والجراد وهذه وإن كان لها مثل ذلك فبطريق إلهاميّ لا بفكر ورويّة ومنها السّعي في المعاش والاعتمال في تحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه لما جعل الله من الافتقار إلى الغذاء في حياته وبقائه وهداه إلى التماسه وطلبه قال تعالى «أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى 20: 50» ومنها العمران وهو التّساكن والتّنازل في مصر أو حلّة للأنس بالعشير واقتضاء الحاجات لما في طباعهم من التّعاون على المعاش كما نبيّنه ومن هذا العمران ما يكون بدويّا وهو الّذي يكون في الضّواحي وفي الجبال وفي الحلل المنتجعة في القفار وأطراف الرّمال ومنه ما يكون حضريّا وهو الّذي بالأمصار والقرى والمدن والمدر للاعتصام بها والتّحصّن بجدرانها وله في كلّ هذه الأحوال أمور تعرض من حيث الاجتماع عروضا ذاتيّا له فلا جرم انحصر الكلام في هذا الكتاب في ستّة فصول. الأوّل في العمران البشريّ على الجملة وأصنافه وقسطه من الأرض. والثّاني في العمران البدويّ وذكر القبائل والأمم الوحشيّة. والثّالث في الدّول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانيّة والرّابع في العمران الحضريّ والبلدان والأمصار. والخامس في الصّنائع والمعاش والكسب ووجوهه. والسّادس في العلوم واكتسابها وتعلّمها. وقد قدّمت العمران البدويّ لأنّه سابق على جميعها كما نبيّن لك بعد وكذا تقديم الملك على البلدان والأمصار وأمّا تقديم المعاش فلأنّ المعاش ضروريّ طبيعيّ وتعلّم العلم كماليّ أو حاجيّ والطّبيعيّ أقدم من الكماليّ وجعلت الصّنائع مع الكسب لأنّها منه ببعض الوجوه ومن حيث العمران كما نبيّن لك بعد والله الموفّق للصّواب والمعين عليه. الفصل الأول من الكتاب الأول في العمران البشري على الجملة و فيه مقدمات الأولى في أن الاجتماع الإنساني ضروري ويعبّر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدنيّ بالطّبع أي لا بدّ له من الاجتماع الّذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معنى العمران وبيانه أنّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وركّبه على صورة لا يصحّ حياتها وبقاؤها إلّا بالغذاء وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركّب فيه من القدرة على تحصيله إلّا أنّ قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادّة حياته منه ولو فرضنا منه أقلّ ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلا يحصل إلّا بعلاج كثير من الطّحن والعجن والطّبخ وكلّ واحد من هذه الأعمال الثّلاثة يحتاج الى مواعين وآلات لا تتمّ إلّا بصناعات متعدّدة من حدّاد ونجّار وفاخوريّ وهب أنّه يأكله حبّا من غير علاج فهو أيضا يحتاج في تحصيله أيضا حبّا إلى أعمال أخرى أكثر من هذه من الزّراعة والحصاد والدّراس الّذي يخرج الحبّ من غلاف السّنبل ويحتاج كلّ واحد من هذه آلات متعدّدة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير ويستحيل أن تفي بذلك كلّه أو ببعضه قدرة الواحد فلا بدّ من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم فيحصل بالتّعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف وكذلك يحتاج كلّ واحد منهم أيضا في الدّفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه لأنّ الله سبحانه لمّا ركّب الطّباع في الحيوانات كلّها وقسم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظّ الإنسان فقدرة الفرس مثلا أعظم بكثير من قدرة الإنسان وكذا قدرة الحمار والثّور وقدرة الأسد والفيل أضعاف من قدرته. ولمّا كان العدوان طبيعيّا في الحيوان جعل لكلّ واحد منها عضوا يختصّ بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره وجعل للإنسان عوضا من ذلك كلّه الفكر واليد فاليد مهيّئة للصّنائع بخدمة الفكر والصّنائع تحصّل له الآلات الّتي تنوب له عن الجوارح المعدّة في سائر الحيوانات للدّفاع مثل الرّماح الّتي تنوب عن القرون النّاطحة والسّيوف النّائبة عن المخالب الجارحة والتّراس النّائبة عن البشرات الجاسية إلى غير ذلك وغيره ممّا ذكره جالينوس في كتاب منافع الأعضاء فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيّما المفترسة فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة ولا تفي قدرته أيضا باستعمال الآلات المعدّة لها فلا بدّ في ذلك كلّه من التّعاون عليه بأبناء جنسه وما لم يكن هذا التّعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء ولا تتمّ حياته لما ركّبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته ولا يحصل له أيضا دفاع عن نفسه لفقدان السّلاح فيكون فريسة للحيوانات ويعاجله الهلاك عن مدى حياته ويبطل نوع البشر وإذا كان التّعاون حصل له القوت للغذاء والسّلاح للمدافعة وتمّت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه فإذن هذا الاجتماع ضروريّ للنّوع الإنسانيّ وإلّا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إيّاهم وهذا هو معنى العمران الّذي جعلناه موضوعا لهذا العلم وفي هذا الكلام نوع إثبات للموضوع في فنّه الّذي هو موضوع له وهذا وإن لم يكن واجبا على صاحب الفنّ لما تقرّر في الصّناعة المنطقيّة أنّه ليس على صاحب علم إثبات الموضوع في ذلك العلم فليس أيضا من الممنوعات عندهم فيكون إثباته من التّبرّعات والله الموفّق بفضله. ثمّ إنّ هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قرّرناه وتمّ عمران العالم بهم فلا بدّ من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانيّة من العدوان والظّلم وليست السّلاح الّتي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم لأنّها موجودة لجميعهم فلا بدّ من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم فيكون ذلك الوازع واحد منهم يكون له عليهم الغلبة والسّلطان واليد القاهرة حتّى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان وهذا هو معنى الملك وقد تبيّن لك بهذا أنّ للإنسان خاصّة طبيعيّة ولابدّ لهم منها وقد يوجد في بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النّحل والجراد لما استقرئ فيها من الحكم والانقياد والاتّباع لرئيس من أشخاصها متميّز عنهم في خلقه وجثمانه إلّا أنّ ذلك موجود لغير الإنسان بمقتضى الفطرة والهداية لا بمقتضى الفكرة والسّياسة «أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى 20: 50» وتزيد الفلاسفة على هذا البرهان حيث يحاولون إثبات النبوّة بالدّليل العقليّ وأنّها خاصّة طبيعية للإنسان فيقرّرون هذا البرهان إلى غاية وأنّه لا بدّ للبشر من الحكم الوازع ثمّ يقولون بعد ذلك وذلك الحكم يكون بشرع مفروض من عند الله يأتي به واحد من البشر وأنّه لا بدّ أن يكون متميّزا عنهم بما يودع الله فيه من خواصّ هدايته ليقع التّسليم له والقبول منه حتّى يتمّ الحكم فيهم وعليهم من غير إنكار ولا تزيّف وهذه القضيّة للحكماء غير برهانيّة كما تراه إذ الوجود وحياة البشر قد تتمّ من دون ذلك بما يفرضه الحاكم لنفسه أو بالعصبيّة الّتي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على جادّته فأهل الكتاب والمتّبعون للأنبياء قليلون بالنّسبة إلى المجوس الّذين ليس لهم كتاب فإنّهم أكثر أهل العالم ومع ذلك فقد كانت لهم الدّول والآثار فضلا عن الحياة وكذلك هي لهم لهذا العهد في الأقاليم المنحرفة في الشّمال والجنوب بخلاف حياة البشر فوضى دون وازع لهم البتّة فإنّه يمتنع وبهذا يتبيّن لك غلطهم في وجوب النّبوّات وأنّه ليس بعقليّ وإنّما مدركة الشّرع كما هو مذهب السّلف من الأمّة والله وليّ التوفيق والهداية. المقدمة الثانية في قسط العمران من الأرض والإشارة إلى بعض ما فيه من الأشجار والأنهار والأقاليم اعلم أنّه قد تبيّن في كتب الحكماء النّاظرين في أحوال العالم أنّ شكل الأرض كرويّ وأنّها محفوفة بعنصر الماء كأنّها عنبة طافية عليه فانحسر الماء عن بعض جوانبها لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها وعمرانها بالنّوع البشريّ الّذي له الخلافة على سائرها وقد يتوهّم من ذلك أنّ الماء تحت الأرض وليس بصحيح وإنّما النّحت الطّبيعيّ قلب الأرض ووسط كرتها الّذي هو مركزها والكلّ يطلبه بما فيه من الثّقل وما عدا ذلك من جوانبها وأمّا الماء المحيط بها فهو فوق الأرض وإن قيل في شيء منها إنّه تحت الأرض فبالإضافة إلى جهة أخرى منه. وأمّا الّذي انحسر عنه لماء من الأرض فهو النّصف من سطح كرتها في شكل دائرة أحاط العنصر المائيّ بها من جميع جهاتها بحرا يسمّى البحر المحيط ويسمّى أيضا لبلايه بتفخيم اللّام الثّانية ويسمّى أوقيانوس أسماء أعجميّة ويقال له البحر الأخضر والأسود ثمّ إنّ هذا المنكشف من الأرض للعمران فيه القفار والخلاء أكثر من عمرانه والخالي من جهة الجنوب منه أكثر من جهة الشّمال وإنّما المعمور منه أميل إلى الجانب الشّماليّ على شكل مسطّح كرويّ ينتهي من جهة الجنوب إلى خطّ الاستواء ومن جهة الشّمال إلى خطّ كرويّ ووراءه الجبال الفاصلة بينه وبين الماء العنصريّ الّذي بينهما سدّ يأجوج ومأجوج وهذه الجبال مائلة إلى جهة المشرق وينتهي من المشرق والمغرب إلى عنصر الماء أيضا بقطعتين من الدّائرة المحيطة هذا المنكشف من الأرض قالوا هو مقدار النّصف من الكرة أو أقلّ والمعمور منه مقدار ربعه وهو المنقسم بالأقاليم السّبعة وخطّ الاستواء يقسم الأرض بنصفين من المغرب إلى المشرق وهو طول الأرض وأكبر خطّ في كرتها كما أنّ منطقة فلك البروج ودائرة معدّل النّهار أكبر خطّ في الفلك ومنطقة البروج منقسمة بثلاثمائة وستّين درجة والدّرجة من مسافة الأرض خمسة وعشرون فرسخا والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع والذّراع أربعة وعشرون إصبعا والإصبع ستّ حبّات شعير مصفوفة ملصق بعضها إلى بعض ظهرا لبطن وبين دائرة معدّل النّهار الّتي تقسم الفلك بنصفين وتسامت خطّ الاستواء من الأرض وبين كلّ واحد من القطبين تسعون درجة لكنّ العمارة في الجهة الشّماليّة من خطّ الاستواء أربع وستّون درجة والباقي منها خلاء لا عمارة فيه لشدّة البرد والجمود كما كانت الجهة الجنوبيّة خلاء كلّها لشدّة الحرّ كما نبيّن ذلك كلّه إن شاء الله تعالى. ثمّ إنّ المخبرين عن هذا المعمور وحدوده وعمّا فيه من الأمصار والمدن والجبال والبحار والأنهار والقفار والرّمال مثل بطليموس في كتاب الجغرافيا وصاحب كتاب زخّار من بعده قسموا هذا المعمور بسبعة أقسام يسمّونها الأقاليم السّبعة بحدود وهميّة بين المشرق والمغرب متساوية في العرض مختلفة في الطّول فالإقليم الأوّل أطول ممّا بعده وهكذا الثّاني إلى آخرها فيكون السّابع أقصر لما اقتضاه وضع الدّائرة النّاشئة عن انحسار الماء عن كرة الأرض وكلّ واحد من هذه الأقاليم عندهم منقسم بعشرة أجزاء من المغرب إلى المشرق على التّوالي وفي كلّ جزء لخبر عن أحواله وأحوال عمرانه. وذكروا أنّ هذا البحر المحيط يخرج من جهة المغرب في الإقليم الرّابع البحر الرّوميّ المعروف يبدأ في خليج متضايق في عرض اثني عشر ميلا أو نحوها ما بين طنجه وطريف ويسمّى الزّقاق ثمّ يذهب مشرّقا وينفسح إلى عرض ستّمائة ميل ونهايته في آخر الجزء الرّابع من الإقليم الرّابع على ألف فرسخ ومائة وستّين فرسخا من مبدئه وعليه هنالك سواحل الشّام وعليه من جهة الجنوب سواحل المغرب أوّلها طنجة عند الخليج ثمّ إفريقية ثمّ برقة إلى الاسكندريّة ومن جهة الشّمال سواحل القسطنطنيّة عند الخليج ثمّ البنادقة ثمّ رومة ثمّ الافرنجة ثمّ الأندلس إلى طريف عند الزّقاق قبالة طنجة ويسمّى هذا البحر الرّوميّ والشّاميّ وفيه جزر كثيرة عامرة كبار مثل أقريطش وقبرص وصقلّيّة وميورقة وسردانية قالوا: ويخرج منه في جهة الشّمال بحران آخران من خليجين. أحدهما مسامت للقسطنطينيّة يبدأ من هذا البحر متضايقا في عرض رمية السّهم ويمرّ ثلاثة بحار فيتّصل بالقسطنطينيّة ثمّ ينفسح في عرض أربعة أميال ويمرّ في جرية ستّين ميلا ويسمّى خليج القسطنطينيّة ثمّ يخرج من فوهة عرضها ستّة أميال فيمدّ بحر نيطش وهو بحر ينحرف من هنالك في مذهبه إلى ناحية الشّرق فيمرّ بأرض هرقلة وينتهي إلى بلاد الخزريّة على ألف وثلاثمائة ميل من فوهته وعليه من الجانبين أمم من الرّوم والتّرك وبرجان والرّوس. والبحر الثّاني من خليجي هذا البحر الرّوميّ وهو بحر البنادقة يخرج من بلاد الرّوم على سمت الشّمال فإذا انتهى إلى سمت الجبل انحرف في سمت المغرب إلى بلاد البنادقة وينتهي إلى بلاد إنكلاية على ألف ومائة ميل من مبدئه وعلى حافتيه من البنادقة والرّوم وغيرهم أمم ويسمّى خليج البنادقة. قالوا وينساح من هذا البحر المحيط أيضا من الشّرق وعلى ثلاث عشرة درجة في الشّمال من خطّ الاستواء بحر عظيم متّسع يمرّ في الجنوب قليلا حتّى ينتهي إلى الإقليم الأوّل ثمّ يمرّ فيه مغربا إلى أن ينتهي في الجزء الخامس منه إلى بلاد الحبشة والزّنج وإلى بلاد باب المندب منه على أربعة آلاف فرسخ من مبدئه ويسمّى البحر الصّينيّ والهنديّ والحبشيّ وعليه من جهة الجنوب بلاد الزّنج وبلاد بربر الّتي ذكرها امرؤ القيس في شعره وليسوا من البربر الّذين هم قبائل المغرب ثمّ بلد مقدشو ثمّ بلد سفالة وأرض الواق واق وأمم أخر ليس بعدهم إلّا القفار والخلاء وعليه من جهة الشّمال الصّين من عند مبدئه ثمّ الهند ثمّ السّند ثمّ سواحل اليمن من الأحقاف وزبيد وغيرها ثمّ بلاد الزّنج عند نهايته وبعدهم الحبشة. قالوا ويخرج من هذا البحر الحبشيّ بحران آخران أحدهما يخرج من نهايته عند باب المندب فيبدأ متضايقا ثمّ يمرّ مستبحرا إلى ناحية الشّمال ومغرّبا قليلا إلى أن ينتهي إلى القلزم في الجزء الخامس من الإقليم الثّاني على ألف وأربعمائة ميل من مبدئه ويسمّى بحر القلزم وبحر السّويس وبينه وبين فسطاط مصر من هنالك ثلاث مراحل وعليه من جهة الشّرق سواحل اليمن ثمّ الحجاز وجدّة ثمّ مدين وأيلة وفاران عند نهايته ومن جهة الغرب سواحل الصّعيد وعيذاب وسواكن وزيلع ثمّ بلاد الحبشة عند مبدئه وآخره عند القلزم يسامت البحر الرّوميّ عند العريش وبينهما نحو ستّ مراحل وما زال الملوك في الإسلام وقبله يرومون خرق ما بينهما ولم يتمّ ذلك والبحر الثّاني من هذا البحر الحبشيّ ويسمّى الخليج الأخضر يخرج ما بين بلاد السند والأحقاف من اليمن ويمرّ إلى ناحية الشّمال مغرّبا قليلا إلى أن ينتهي إلى الأبلّة من سواحل البصرة في الجزء السّادس من الإقليم الثّاني على أربعمائة فرسخ وأربعين فرسخا من مبدئه ويسمّى بحر فارس وعليه من جهة الشّرق سواحل السّند ومكران وكرمان وفارس والأبلّة وعند نهايته من جهة الغرب سواحل البحرين واليمامة وعمان والشّحر والأحقاف عند مبدئه وفيما بين بحر فارس والقلزم وجزيرة العرب كأنّها داخلة من البرّ و البحر يحيط بها البحر الحبشيّ من الجنوب وبحر القلزم من الغرب وبحر فارس من الشّرق تفضي إلى العراق بين الشّام والبصرة على ألف وخمسمائة ميل بينهما وهنالك الكوفة والقادسيّة وبغداد وإيوان كسرى والحيرة ووراء ذلك أمم الأعاجم من الترك والخزر وغيرهم وفي جزيرة العرب بلاد الحجاز في جهة الغرب منها وبلاد اليمامة والبحرين وعمان في جهة الشّرق منها وبلاد اليمن في جهة الجنوب منها وسواحله على البحر الحبشيّ. قالوا وفي هذا المعمور بحر آخر منقطع من سائر البحار في ناحية الشّمال بأرض الدّيلم يسمّى بحر جرجان وطبرستان طوله ألف ميل في عرض ستّمائة ميل في غربيّه أذربيجان والدّيلم وفي شرقيّه أرض الترك وخوارزم وفي جنوبيّه طبرستان وفي شماليّه أرض الخزر واللّان. هذه جملة البحار المشهورة الّتي ذكرها أهل الجغرافيا. وقالوا وفي هذا الجزء المعمور أنهار كثيرة أعظمها أربعة أنهار وهي النّيل والفرات ودجلة ونهر بلخ المسمّى جيحون. فأمّا النّيل فمبدؤه من جبل عظيم وراء خطّ الاستواء بستّ عشرة درجة على سمت الجزء الرّابع من الإقليم الأوّل ويسمّى جبل القمر ولا يعلم في الأرض جبل أعلى منه تخرج منه عيون كثيرة فيصبّ بعضها في بحيرة هناك وبعضها في أخرى ثمّ تخرج أنهار من البحيرتين فتصبّ كلّها في بحيرة واحدة عند خطّ الاستواء على عشرمراحل من الجبل ويخرج من هذه البحيرة نهران يذهب أحدهما إلى ناحية الشّمال على سمته ويمرّ ببلاد النّوبة ثمّ بلاد مصر فإذا جاوزها تشعّب في شعب متقاربة يسمّى كلّ واحد منها خليجا وتصبّ كلّها في البحر الرّوميّ عند الإسكندريّة ويسمّى نيل مصر وعليه الصّعيد من شرقيّه والواحات من غربيّه ويذهب الآخر منعطفا إلى المغرب ثمّ يمرّ على سمته إلى أن يصبّ في البحر المحيط وهو نهر السّودان وأممهم كلّهم على ضفّتيه. وأمّا الفرات فمبدؤه من بلاد أرمينيّة في الجزء السّادس من الإقليم الخامس يمرّ جنوبا في أرض الرّوم وملطية إلى منبج ثمّ يمرّ بصفّين ثمّ بالرّقة ثمّ بالكوفة إلى أن ينتهي إلى البطحاء الّتي بين البصرة وواسط ومن هناك يصبّ في البحر الحبشيّ وتنجلب إليه في طريقه أنهار كثيرة ويخرج منه أنهار أخرى تصبّ في دجلة. وأمّا دجلة فمبدؤها عين ببلاد خلاط من أرمينيّة أيضا وتمر على صمت الجنوب بالموصل واذربي جان وبغداد الى واسط فتتفرّق إلى خلجان كلّها تصبّ في بحيرة البصرة وتفضي إلى بحر فارس وهو في الشّرق على يمين الفرات وينجلب إليه أنهار كثيرة عظيمة من كلّ جانب وفيما بين الفرات ودجلة من أوّله جزيرة الموصل قبالة الشّام من عدوتي الفرات وقبالة آذربيجان من عدوة دجلة. وأمّا نهر جيحون فمبدؤه من بلخ في الجزء الثّامن من الإقليم الثّالث من عيون هناك كثيرة وتنجلب إليه أنهار عظام ويذهب من الجنوب إلى الشّمال فيمرّ ببلاد خراسان ثمّ يخرج منها إلى بلاد خوارزم في الجزء الثّامن من الإقليم الخامس فيصبّ في بحيرة الجرجانيّة الّتي بأسفل مدينتها وهي مسيرة شهر في مثله وإليها ينصبّ نهر فرغانة والشّاش الآتي من بلاد التّرك وعلى غربيّ نهر جيحون بلاد خراسان وخوارزم وعلى شرقيّه بلاد بخارى وترمذ وسمرقند ومن هنالك إلى ما وراءه بلاد التّرك وفرغانة والخزلجيّة وأمم الأعاجم وقد ذكر ذلك كلّه بطليموس في كتابه والشّريف في كتاب روجار وصوّروا في الجغرافيا جميع ما في المعمور من الجبال والبحار والأودية واستوفوا من ذلك ما لا حاجة لنا به لطوله ولأنّ عنايتنا في الأكثر إنّما هي بالمغرب الّذي هو وطن البربر وبالأوطان الّتي للعرب من المشرق والله الموفّق. تكملة لهذه المقدمة الثانية في أن الربع الشمالي من الأرض أكثر عمرانا من الربع الجنوبي وذكر السبب في ذلك ونحن نرى بالمشاهدة والأخبار المتواترة أن الأوّل والثّاني من الأقاليم المعمورة أقلّ عمرانا ممّا بعدهما وما وجد من عمرانه فيتخلّله الخلاء والقفار والرّمال والبحر الهنديّ الّذي في الشّرق منهما وأمم هذين الإقليمين وأناسيّهما ليست لهم الكثرة البالغة وأمصاره ومدنه كذلك والثّالث والرّابع وما بعدهما بخلاف ذلك فالقفار فيها قليلة والرّمال كذلك أو معدومة وأممها وأناسيّها تجوز الحدّ من الكثرة وأمصارها ومدنها تجاوز الحدّ عددا والعمران فيها مندرج ما بين الثّالث والسّادس والجنوب خلاء كلّه وقد ذكر كثير من الحكماء أنّ ذلك لإفراط الحرّ وقلّة ميل الشّمس فيها عن سمت الرّؤوس فلنوضح ذلك ببرهانه ويتبيّن منه سبب كثرة العمارة فيما بين الثّالث والرّابع من جانب الشّمال إلى الخامس والسّابع. فنقول إنّ قطبي الفلك الجنوبيّ والشّماليّ إذا كانا على الأفق فهنالك دائرة عظيمة تقسم الفلك بنصفين هي أعظم الدّوائر المارّة من المشرق إلى المغرب وتسمّى دائرة معدّل النّهار وقد تبيّن في موضعه من الهيئة أنّ الفلك الأعلى متحرّك من المشرق إلى المغرب حركة يومية يحرك بها سائر الافلاك في جوفه قهرا وهذه الحركة محسوسة وكذلك تبيّن أنّ للكواكب في أفلاكها حركة مخالفة لهذه الحركة وهي من المغرب إلى المشرق وتختلف آمادها باختلاف حركة الكواكب فيالسّرعة والبطء وممرّات هذه الكواكب في أفلاكها توازيها كلّها دائرة عظيمة من الفلك الأعلى تقسمه بنصفين وهي دائرة فلك البروج منقسمة باثني عشر برجا وهي على ما تبيّن في موضعه مقاطعة لدائرة معدّل النّهار لى نقطتين متقابلتين من البروج هما أوّل الحمل وأوّل الميزان فتقسمها دائرة معدّل النّهار بنصفين نصف مائل عن معدّل النّهار إلى الشّمال وهو من أوّل الحمل إلى آخر السّنبلة ونصف مائل عنه إلى الجنوب وهو من أوّل الميزان إلى آخر الحوت وإذا وقع القطبان على الأفق في جميع نواحي الأرض ان على سطح الأرض خطّ واحد يسامت دائرة معدّل النّهار يمرّ من المغرب إلى المشرق ويسمّى خطّ الاستواء ووقع هذا الخطّ بالرّصد على ما زعموا في مبدإ الإقليم الأوّل من الأقاليم السّبعة والعمران كلّه في الجهة الشّماليّة يرتفع عن آفاق هذا المعمور بالتّدريج إلى أن ينتهي ارتفاعه إلى أربع وستّين درجة وهنالك ينقطع العمران وهو آخر الإقليم السّابع وإذا ارتفع على الأفق تسعين درجة وهي الّتي بين القطب ودائرة معدّل النّهار على الأفق وبقيت ستّة من البروج فوق الأفق وهي الشّماليّة وستّة تحت الأفق وهي الجنوبيّة والعمارة فيما بين الأربعة والسّتين إلى التّسعين ممتنعة لأنّ الحرّ والبرد حينئذ لا يحصلان ممتزجين لبعد الزّمان بينهما فلا يحصل التّكوين فإذا الشّمس تسامت الرّؤوس على خطّ الاستواء في رأس الحمل والميزان ثمّ تميل عن المسامتة إلى رأس السّرطان ورأس الجدي ويكون نهاية ميلها عن دائرة معدّل النّهار أربعا وعشرين درجة ثمّ إذا ارتفع القطب الشّماليّ عن الأفق مالت دائرة معدّل النّهار عن سمت الرّؤوس بمقدار ارتفاعه انخفض القطب الجنوبيّ كذلك بمقدار متساو في الثّلاثة وهو المسمّى عند أهل المواقيت عرض البلد وإذا مالت دائرة معدّل النّهار عن سمت الرّؤوس علت عليها البروج الشّماليّة مندرجة في مقدار علوّها إلى رأس السّرطان وانخفضت البروج الجنوبيّة من الأفق كذلك إلى رأس الجدي انحرافها إلى الجانبين في أفق الاستواء كما قلناه فلا يزال الأفق الشّماليّ يرتفع حتّى يصيرأبعد الشّماليّة وهو رأس السّرطان في سمت الرّؤوس وذلك حيث يكون عرض البلد أربعا وعشرين في الحجاز وما يليه وهذا هو الميل الذي إذا مال رأس السّرطان عن معدّل النّهار في أفق الاستواء ارتفع بارتفاع القطب الشّماليّ حتّى صار مسامتا فإذا ارتفع القطب أكثر من أربع وعشرين نزلت الشّمس عن المسامتة ولا تزال في انخفاض إلى أن يكون ارتفاع القطب أربعا وستّين ويكون انخفاض الشّمس عن المسامتة كذلك وانخفاض القطب الجنوبيّ عن الأفق مثلها فينقطع التّكوين لإفراط البرد والجمد وطول زمانه غير ممتزج بالحرّ. ثمّ إنّ الشّمس عند المسامتة وما يقاربها تبعث الأشعّة قائمة وفيما دون المسامتة على زوايا منفرجة وحادّة وإذا كانت زوايا الأشعّة قائمة عظم الضّوء وانتشر بخلافه في المنفرجة والحادّة فلهذا يكون الحرّ عند المسامتة وما يقرب منها أكثر منه فيما بعد لأنّ الضّوء سبب الحرّ والتّسخين. ثمّ إنّ المسامتة في خطّ الاستواء تكون مرّتين في السّنة عند نقطتي الحمل والميزان وإذا مالت فغير بعيد ولا يكاد الحرّ يعتدل في آخر ميلها عند رأس السّرطان والجدي إلّا إن صعدت إلى المسامتة فتبقى الأشعّة القائمة الزّوايا تلحّ على ذلك الأفق ويطول مكثها أو يدهم فيشتعل الهواء حرارة ويفرط في شدّتها وكذا ما دامت الشّمس تسامت مرّتين فيما بعد خطّ الاستواء إلى عرض أربع وعشرين فإنّ الأشعّة ملحّة على الأفق في ذلك بقريب من إلحاحها في خطّ الاستواء وإفراط الحرّ يفعل في الهواء تجفيفا ويبسا يمنع من التّكوين لأنّه إذا أفرط الحرّ جفّت المياه والرّطوبات وفسد التّكوين في المعدن والحيوان والنّبات إذ التّكوين لا يكون إلّا بالرّطوبة ثم ثمّ إذا مال رأس السّرطان عن سمت الرّؤوس في عرض خمس وعشرين فما بعده نزلت الشّمس عن المسامتة فيصير الحرّ إلى الاعتدال أو يميل عنه ميلا قليلا فيكون التّكوين ويتزايد على التّدريج إلى أن يفرط البرد في شدّته لقلّة الضّوء وكون الأشعّة منفرجة الزّوايا فينقص التّكوين ويفسد بيد أنّ فساد التّكوين من جهة شدّة الحرّ عظم منه من جهة شدّة البرد لأنّ الحرّ أسرع تأثيرا في التّجفيف من تأثير البرد في الجمد فلذلك كان العمران في الإقليم الأوّل والثّاني قليلا وفي الثّالث والرّابع والخامس متوسّطا لاعتدال الحرّ بنقصان الضّوء وفي السّادس والسّابع كثيرا لنقصان الحرّ وأنّ كيفيّة البرد لا تؤثّر عند أوّلها في فساد التّكوين كما يفعل الحرّ إذ لا تجفيف فيها إلّا عند الإفراط بما يعرض لها حينئذ من اليبس كما بعد السّابع فلهذا كان العمران في الرّبع الشّماليّ أكثر وأوفر والله أعلم. ومن هنا أخذ الحكماء خلاء خطّ الاستواء وما وراءه وأورد عليهم أنّه معمور بالمشاهدة والأخبار المتواترة فكيف يتم البرهان على ذلك الظّاهر أنّهم لم يريدوا امتناع العمران فيه بالكلّيّة إنّما أدّاهم البرهان إلى أنّ فساد التّكوين فيه قويّ بإفراط الحرّ والعمران فيه إمّا ممتنع أو ممكن أقليّ وهو كذلك فإنّ خطّ الاستواء والّذي وراءه وإن كان فيه عمران كما نقل فهو قليل جدّا. وقد زعم ابن رشد أنّ خطّ الاستواء معتدل وأنّ ما وراءه في الجنوب بمثابة ما وراءه في الشّمال فيعمر منهما عمر من هذا والّذي قاله غير ممتنع من جهة فساد التّكوين وإنّما امتنع فيما وراء خطّ الاستواء في الجنوب من جهة أنّ العنصر المائيّ غمر وجه الأرض هنالك إلى الحدّ الّذي كان مقابلة من الجهة الشّماليّة قابلا للتّكوين ولمّا امتنع المعتدل لغيبة الماء تبعه ما سواه نّ العمران متدرّج ويأخذ في التّدريج من جهة الوجود لا من جهة الامتناع وأمّا القول بامتناعه في خطّ الاستواء فيردّه النّقل المتواتر والله أعلم. ولنرسم بعد هذا الكلام صورة الجغرافيّا كما رسمها صاحب كتاب روجار ثمّ نأخذ في تفصيل الكلام عليها إلى آخره. القسم الأول من تفصيل الكلام على هذه الجغرافيا اعلم أنّ الحكماء قسموا هذا المعمور كما تقدّم ذكره على سبعة أقسام من الشّمال إلى الجنوب يسمّون كلّ قسم منها إقليما فانقسم المعمور من الأرض كلّه على هذه السّبعة الأقاليم لّ واحد منها آخذ من الغرب إلى الشّرق على طوله. فالأوّل منها مار من المغرب إلى المشرق مع خطّ الاستواء بحدّه من جهة الجنوب وليس وراءه هنالك إلّا القفار والرّمال وبعض عمارة إن صحّت فهي كلا عمارة ويليه من جهة شماليّه الإقليم الثّاني ثمّ الثّالث كذلك ثمّ الرّابع والخامس والسّادس والسّابع وهو آخر العمران من جهة الشّمال وليس وراء السّابع إلّا الخلاء والقفار إلى أن ينتهي إلى البحر المحيط كالحالّ فيما وراء الإقليم الأوّل في جهة الجنوب إلّا أنّ الخلاء في جهة الشّمال أقلّ بكثير من الخلاء الّذي في جهة الجنوب. ثمّ إنّ أزمنة اللّيل والنّهار تتفاوت في هذه الأقاليم بسبب ميل الشّمس عن دائرة معدّل النّهار وارتفاع القطب الشّماليّ عن آفاقها فيتفاوت قوس اللّيل والنّهار لذلك وينتهي طول اللّيل والنّهار في آخر الإقليم الأوّل وذلك عند حلول الشّمس برأس الجدي للّيل وبرأس السّرطان للنّهار كلّ واحد منهما إلى ثلاث عشرة ساعة وكذلك في آخر الإقليم الثّاني ممّا يلي الشّمال فينتهي طول النّهار فيه عند حلول الشّمس برأس السّرطان وهو منقلبها الصّيفيّ إلى ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة ومثله أطول اللّيل عند منقلبها الشّتويّ برأس الجدي ويبقى للأقصر من اللّيل والنّهار ما يبقى بعد الثّلاث عشرة ونصف من حملة أربع وعشرين السّاعات الزّمانيّة لمجموع اللّيل والنّهار وهي دورة الفلك الكاملة وكذلك في آخر الإقليم الثّالث ممّا يلي الشّمال أيضا ينتهيان إلى أربع عشرة ساعة وفي آخر الرّابع إلى أربع عشرة ساعة ونصف ساعة وفي آخر الخامس إلى خمس عشرة ساعة وفي آخر السّادس إلى خمس عشرة ساعة ونصف وإلى آخر السّابع إلى ستّ عشرة ساعة وهنالك ينقطع العمران فيكون تفاوت هذه الأقاليم في الأطول من ليلها ونهارها بنصف ساعة لكلّ إقليم يتزايد من أوّله في ناحية الجنوب إلى آخره في ناحية الشّمال موزّعة على أجزاء هذا البعد. وأمّا عرض البلدان في هذه الأقاليم وهو عبارة عن بعد ما بين سمت رأس البلد ودائرة معدّل النّهار لّذي هو سمت رأس خطّ الاستواء وبمثله سواء ينخفض القطب الجنوبيّ عن أفق ذلك البلد ويرتفع القطب الشّماليّ عنه هو ثلاثة أبعاد متساوية تسمّى عرض البلد كما مرّ ذلك قبل. والمتكلّمون على هذه الجغرافيا قسموا كلّ واحد من هذه الأقاليم السّبعة في طوله من المغرب إلى المشرق بعشرة أجزاء متساوية ويذكرون ما اشتمل عليه كلّ جزء منها من البلدان والأمصار والجبال والأنهار والمسافات بينها في المسالك ونحن الآن نوجز القول في ذلك ونذكر مشاهير البلدان والأنهار والبحار في كلّ جزء منها ونحاذي بذلك ما وقع في كتاب نزهة المشتاق الّذي ألّفه العلويّ الإدريسيّ الحمّوديّ لملك صقلّيّة من الإفرنج وهو زخّار بن زخّار عند ما كان نازلا عليه بصقلّية بعد خروج صقلّيّة من إمارة مالقة وكان تأليفه للكتاب في منتصف المائة السّادسة وجمع له كتبا جمّة للمسعوديّ وابن خرداذبه والحوقليّ والقدريّ وابن إسحاق المنجّم وبطليموس وغيرهم ونبدأ منها بالإقليم الأوّل إلى آخرها والله سبحانه وتعالى يعصمنا بمنّه وفضله. الإقليم الأول وفيه من جهة غربيّه الجزائر الخالدات الّتي منها بدأ بطليموس بأخذ أطوال البلاد وليست في بسيط الإقليم وإنّما هي في البحر المحيط جزر متكثّرة أكبرها وأشهرها ثلاث ويقال إنّها معمورة وقد بلغنا أنّ سفائن من الإفرنج مرّت بها في أواسط هذه المائة وقاتلوهم فغنموا منهم وسبوا وباعوا بعض أسراهم بسواحل المغرب الأقصى وصاروا إلى خدمة السّلطان فلمّا تعلّموا اللّسان العربيّ أخبروا عن حال جزائرهم وأنّهم يحتفرون الأرض للزّراعة بالقرون وأنّ الحديد مفقود بأرضهم وعيشهم من الشّعير وماشيتهم المعز وقتالهم بالحجارة يرمونها إلى خلف وعبادتهم السّجود للشّمس إذا طلعت ولا يعرفون دينا ولم تبلغهم دعوة ولا يوقف على مكان هذه الجزائر إلّا بالعثور لا بالقصد إليها لأنّ سفر السّفن في البحر إنّما هو بالرّياح ومعرفة جهات مهابّها وإلى أين يوصل إذا مرّت على الاستقامة من البلاد الّتي في ممرّ ذلك المهبّ وإذا اختلف المهبّ وعلم حيث يوصل على الاستقامة حوذي به القلع محاذاة يحمل السّفينة بها على قوانين في ذلك محصّلة عند النّواتية والملّاحين الّذين هم رؤساء السّفن في البحر والبلاد الّتي في حافات البحر الرّوميّ وفي عدوته مكتوبة كلها في صحيفة على شكل ما هي عليه في الوجود وفي وضعها في سواحل البحر على ترتيبها ومهابّ الرّياح وممرّاتها على اختلافها معها مرسوم معها في تلك الصّحيفة ويسمّونها الكنباص وعليها يعتمدون في أسفارهم وهذا كلّه مفقود في البحر المحيط فلذلك لا تلج فيه السّفن لأنّها إن غابت عن مرأى السّواحل فقلّ أن تهتدي إلى الرّجوع إليها مع ما ينعقد في جوّ هذا البحر وعلى سطح مائه من الأبخرة الممانعة للسّفن في مسيرها وهي لبعدها لا تدركها أضواء الشّمس المنعكسة من سطح الأرض فتحلّلها فلذلك عسر الاهتداء إليها وصعب الوقوف على خبرها. وأمّا الجزء الأوّل من هذا الإقليم ففيه مصبّ النّيل الآتي من مبدئه عند جبل القمر كما ذكرناه ويسمّى نيل السّودان ويذهب الى البحر المحيط فيصبّ فيه عند جزيرة أوليك وعلى هذا النّيل مدينة سلا وتكرور وغانة وكلّها لهذا العهد في مملكة ملك مالي من أمم السّودان وإلى بلادهم تسافر تجّار المغرب الأقصى وبالقرب منها من شماليّها بلاد لمتونة وسائر طوائف الملثّمين ومفاوز يجولون فيها وفي جنوبيّ هذا النّيل قوم من السّودان يقال لهم «لملم» وهم كفار ويكتوون في وجوههم وأصداغهم وأهل غانة والتّكرور يغيرون عليهم ويسبونهم ويبيعونهم للتّجّار فيجلبونهم الى المغرب وكلّهم عامّة رقيقهم وليس وراءهم في الجنوب عمران يعتبر إلّا أناسيّ أقرب إلى الحيوان العجم من النّاطق يسكنون الفيافي والكهوف ويأكلون العشب والحبوب غير مهيّأة وربّما يأكل بعضهم بعضا وليسوا في عداد البشر وفواكه بلاد السّودان كلّها من قصور صحراء المغرب مثل توات وتكدرارين ووركلان. فكان في غانة فيما يقال ملك ودولة لقوم من العلويّين يعرفون ببني صالح وقال صاحب كتاب روجار إنّه صالح بن عبد الله بن حسن بن الحسن ولا يعرف صالح هذا في ولد عبد الله بن حسن وقد ذهبت هذه الدّولة لهذا العهد وصارت غانة لسلطان مالي وفي شرقيّ هذا البلد في الجزء الثّالث من الإقليم بلد (كوكو) على نهر ينبع من بعض الجبال هنالك ويمرّ مغرّبا فيغوص في رمال الجزء الثّاني وكان ملك كوكو قائما بنفسه ثمّ استولى عليها سلطان مالي وأصبحت في مملكته وخربت لهذا العهد من أجل فتنة وقعت هناك نذكرها عند ذكر دولة مالي في محلّها من تاريخ البربر وفي جنوبيّ بلد كوكو بلاد كاتم من أمم السّودان وبعدهم ونغارة على ضفّة النّيل من شماليّه وفي شرقيّ بلاد ونغارة وكاتم بلاد زغاوة وتاجرة المتّصلة بأرض النّوبة في الجزء الرّابع من هذا الإقليم وفيه يمرّ نيل مصر ذاهبا من مبدئه عند خطّ الاستواء إلى البحر الرّوميّ في الشّمال ومخرج هذا النّيل من جبل القمر الّذي فوق خطّ الاستواء بستّ عشرة درجة واختلفوا في ضبط هذه اللّفظة فضبطها بعضهم بفتح القاف والميم نسبة إلى قمر السّماء لشدّة بياضه وكثرة ضوءه وفي كتاب المشترك لياقوت بضمّ القاف وسكون الميم نسبة إلى قوم من أهل الهند وكذا ضبطه ابن سعيد فيخرج من هذا الجبل عشر عيون تجتمع كلّ خمسة منها في بحيرة وبينهما ستّة أميال ويخرج من كلّ واحدة من البحيرتين ثلاثة أنهار تجتمع كلّها في بطيحة واحدة في أسفلها جبل معترض يشقّ البحيرة من ناحية الشّمال وينقسم ماؤها بقسمين فيمرّ الغربيّ منه إلى بلاد السّودان مغرّبا حتّى يصبّ في البحر المحيط ويخرج الشّرقيّ منه ذاهبا إلى الشّمال على بلاد الحبشة والنّوبة وفيما بينهما وينقسم في أعلى أرض مصر فيصبّ ثلاثة من جداوله في البحر الرّوميّ عند الإسكندريّة ورشيد ودمياط ويصبّ واحد في بحيرة ملحة قبل أن يتّصل بالبحر في وسط هذا الإقليم الأوّل وعلى هذا النّيل بلاد النّوبة والحبشة وبعض بلاد الواحات إلى أسوان وحاضرة بلاد النّوبة مدينة دنقلة وهي في غربيّ هذا النّيل وبعدها علوة وبلاق وبعدهما جبل الجنادل على ستّة مراحل من بلاق في الشّمال وهو جبل عال من جهة مصر ومنخفض من جهة النّوبة فينفذ فيه النّيل ويصبّ في مهوى بعيد صبّا هائلا فلا يمكن أن تسلكه المراكب بل يحول الوسق من مراكب السودان فيحمل على الظّهر إلى بلد أسوان قاعدة الصّعيد إلى فوق الجنادل وبين الجنادل وأسوان اثنتا عشرة مرحلة والواحات في غربيّها عدوة النّيل وهي الآن خراب وبها آثار العمارة القديمة. وفي وسط هذا الإقليم في الجزء الخامس منه بلاد الحبشة على واد يأتي من وراء خطّ الاستواء ذاهبا إلى أرض النّوبة فيصبّ هناك في النّيل الهابط إلى مصر وقد وهم فيه كثير من النّاس وزعموا أنّه من نيل القمر وبطليموس ذكره في كتاب الجغرافيا وذكر أنّه ليس من هذا النّيل. وإلى وسط هذا الإقليم في الجزء الخامس ينتهي بحر الهند الّذي يدخل من ناحية الصّين ويغمر عامّة هذا الإقليم إلى هذا الجزء الخامس فلا يبقى فيه عمران إلّا ما كان في الجزائر الّتي في داخله وهي متعدّدة يقال تنتهي إلى ألف جزيرة أو فيما على سواحله من جهة الشّمال وليس منها في هذا الإقليم الأوّل إلّا طرف من بلاد الصّين في جهة الشّرق وفي بلاد اليمن وفي الجزء السّادس من هذا الإقليم فيما بين البحرين الهابطين من هذا البحر الهنديّ إلى جهة الشّمال وهما بحر قلزم وبحر فارس وفيما بينهما جزيرة العرب وتشتمل على بلاد اليمن وبلاد الشّحر في شرقيّها على ساحل هذا البحر الهنديّ وعلى بلاد الحجاز واليمامة وما إليهما كما نذكره في الإقليم الثّاني وما بعده فأمّا الّذي على ساحل هذا البحر من غربيّه فبلد زالع من أطراف بلاد الحبشة ومجالات البجّة في شماليّ الحبشة ما بين جبل العلّاقيّ في أعالي الصّعيد وبين بحر القلزم الهابط من البحر الهنديّ وتحت بلاد زالع من جهة الشّمال في هذا الجزء خليج باب المندب يضيق البحر الهابط هنالك بمزاحمة جبل المندب المائل في وسط البحر الهنديّ ممتدّا مع ساحل اليمن من الجنوب إلى الشّمال في طول اثني عشر ميلا فيضيق البحر بسبب ذلك إلى أن يصير في عرض ثلاثة أميال أو نحوها ويسمى باب المندب وعليه تمرّ مراكب اليمن إلى ساحل السّويس قريبا من مصر وتحت باب المندب جزيرة سواكن ودهلك وقبالته من غربيه مجالات البجّة من أمم السّودان كما ذكرناه ومن شرقيّه في هذا الجزء تهائم اليمن ومنها على ساحله بلد عليّ بن يعقوب وفي جهة الجنوب من بلد زالع وعلى ساحل هذا البحر من غربيّه قرى بربر يتلو بعضها بعضا وينعطف من جنوبيّه إلى آخر الجزء السّادس ويليها هنالك من جهة شرقيّها بلاد الزّنج ثمّ بلاد سفالة من ساحله الجنوبيّ بلاد الوقواق متّصلة إلى آخر الجزء العاشر من هذا الإقليم عند مدخل هذا البحر من البحر المحيط. وأمّا جزائر هذا البحر فكثيرة. من أعظمها جزيرة سرنديب مدوّرة الشّكل. وبها الجبل المشهور يقال ليس في الأرض أعلى منه وهي قبالة سفالة. ثمّ جزيرة القمر وهي جزيرة مستطيلة تبدأ من قبالة أرض سفالة وتذهب إلى الشّرق منحرفة بكثير إلى أن تقرب من سواحل أعالي الصّين ويحتفّ بها في هذا البحر من جنوبيّها جزائر الوقواق ومن شرقيّها جزائر السّيلان إلى جزائر أخر في هذا البحر كثيرة العدد وفيها أنواع الطّيب والأفاويه وفيها يقال معادن الذّهب والزّمرّد وعامّة أهلها على دين المجوسيّة وفيهم ملوك متعدّدون وبهذه الجزائر من أحوال العمران عجائب كرها أهل الجغرافيا وعلى الصّفّة الشّماليّة من هذا البحر في الجزء السّادس من هذا الإقليم بلاد اليمن كلّها فمن جهة بحر القلزم بلد زبيد والمهجم وتهامة اليمن وبعدها بلد صعدة مقرّ الإمامة الزّيديّة وهي بعيدة عن البحر الجنوبيّ وعن البحر الشّرقيّ وفيما بعد ذلك مدينة عدن وفي شماليّها صنعاء وبعدهما إلى المشرق أرض الأحقاف وظفّار وبعدها أرض حضرموت ثمّ بلاد الشّحر ما بين البحر الجنوبيّ وبحر فارس. وهذه القطعة من الجزء السّادس هي الّتي انكشف عنها البحر من أجزاء هذا الإقليم الوسطى وينكشف بعدها قليل من الجزء التّاسع وأكثر منه من العاشر فيه أعالي بلاد الصّفين ومن مدنه الشّهيرة خانكو وقبالتها من جهة الشّرق جزائر السّيلان وقد تقدّم ذكرها وهذا آخر الكلام في الإقليم الأوّل والله سبحانه وتعالى وليّ التّوفيق بمنّه وفضله. الإقليم الثاني وهو متّصل بالأوّل من جهة الشّمال وقبالة المغرب منه في البحر المحيط جزيرتان من الجزائر الخالدات الّتي مرّ ذكرها وفي الجزء الأوّل والثّاني منه في الجانب الأعلى منهما أرض قنورية وبعدها في جهة الشّرق أعالي أرض غانة ثمّ مجالات زغاوة من السّودان وفي الجانب الأسفل منهما صحراء نستر متّصلة من الغرب إلى الشّرق ذات مفاوز تسلك فيها التّجّار ما بين بلاد المغرب وبلاد السّودان وفيها مجالات الملثّمين من صنهاجة وهم شعوب كثيرة ما بين كزولة ولمتونة ومسراتة ولمطة ووريكة وعلى سمت هذه المفاوز شرقا أرض فزّان ثمّ مجالات أزكار من قبائل البربر ذاهبة إلى أعالي الجزء الثّالث على سمتها في الشّرق وبعدها من هذا الجزء الثّالث وهي جهة الشّمال منه بقيّة أرض وذّان وعلى سمتها شرقا أرض سنتريّة وتسمّى الواحات الدّاخلة وفي الجزء الرّابع من أعلاه بقيّة أرض الباجويّين ثمّ يعترض في وسط هذا الجزء بلاد الصّعيد حافات النّيل الذّاهب من مبدئه في الإقليم الأوّل إلى مصبّه في البحر فيمرّ في هذا الجزء بين الجبلين الحاجزين وهما جبل الواحات من غربيّه وجبل المقطّم من شرقيّه ومن أعلاه بلد أسنا وأرمنت ويتّصل كذلك حافاته إلى أسيوط وقوص ثمّ إلى صول ويفترق النّيل هنالك على شعبين ينتهي الأيمن منهما في هذا الجزء عند اللّاهون والأيسر عند دلاص وفيما بينهما أعالي ديار مصر وفي الشّرق من جبل المقطّم صحارى عيذاب ذاهبة في الجزء الخامس إلى أن تنتهي إلى بحر السّويس وهو بحر القلزم الهابط من البحر الهنديّ في الجنوب إلى جهة الشّمال وفي عدوته الشّرقيّة من هذا الجزء أرض الحجاز من جبل يلملم إلى بلاد يثرب في وسط الحجاز مكّة شرّفها الله وفي ساحلها مدينة جدّة تقابل بلد عيذاب في العدوة الغربيّة من هذا البحر. وفي الجزء السّادس من غربيّه بلاد نجد أعلاها وفي الجنوب وتبالة وجرش إلى عكاظ من الشّمال وتحت نجد من هذا الجزء بقيّة أرض الحجاز وعلى سمتها في الشّرق بلاد نجران وخيبر وتحتها أرض اليمامة وعلى سمت نجران في الشّرق أرض سبإ ومأرب ثمّ أرض الشّحر وينتهي الى بحر فارس وهو البحر الثّاني الهابط من البحر الهنديّ إلى الشّمال كما مرّ ويذهب في هذا الجزء بانحراف إلى الغرب فيمرّ ما بين شرقيّه وجوفيه قطعة مثلّثة عليها من أعلاه مدينة قلهات وهي ساحل الشّحر ثمّ تحتها على ساحله بلاد عمان. ثمّ بلاد البحرين وهجر منها في آخر الجزء وفي الجزء السّابع في الأعلى من غربيّه قطعة من بحر فارس تتّصل بالقطعة الأخرى في السّادس ويغمر بحر الهند جانبه الأعلى كلّه وعليه هنالك بلاد السّند إلى بلاد مكران ويقابلها بلاد الطّوبران وهي من السّند أيضا فيتّصل السّند كلّه في الجانب الغربيّ من هذا الجزء وتحول المفاوز بينه وبين أرض الهند ويمرّ فيه نهره الآتي من ناحية بلاد الهند ويصبّ في البحر الهنديّ في الجنوب وأوّل بلاد الهند على ساحل البحر الهنديّ وفي سمتها شرقا بلاد بلهرا وتحتها في الجانب الأسفل أرض كابل وبعدها شرقا إلى البحر المحيط بلاد القنوج ما بين قشمير الدّاخلة وقشمير الخارجة عند آخر الإقليم وفي الجزء التّاسع ثمّ في الجانب الغربيّ منه بلاد الهند الأقصى ويتّصل فيه إلى الجانب الشّرقيّ فيتّصل من أعلاه إلى العاشر وتبقى في أسفل ذلك الجانب قطعة من بلاد الصّين فيها مدينة شيغون ثمّ تتّصل بلاد الصّين في الجزء العاشر كله إلى البحر المحيط والله ورسوله أعلم وبه سبحانه التّوفيق وهو وليّ الفضل والكرم. الإقليم الثالث وهو متّصل بالثّاني من جهة الشّمال ففي الجزء الأوّل منه وعلى نحو الثّلث من أعلاه جبل درن عترض فيه من غربيّه عند البحر المحيط إلى الشّرق عند آخره ويسكن هذا الجبل من البربر أمم لا يحصيهم إلّا خالقهم حسبما يأتي ذكره وفي القطعة الّتي بين هذا الجبل والإقليم الثّاني وعلى البحر المحيط منها رباط ماسة ويتّصل به شرقا بلاد سوس ونول وعلى سمتها شرقا بلاد درعة ثمّ بلاد سجلماسة ثمّ قطعة من صحراء نستر المفازة الّتي ذكرناها في الإقليم الثّاني وهذا الجبل مطلّ على هذه البلاد كلّها في هذا الجزء وهو قليل الثّنايا والمسالك في هذه النّاحية الغربيّة إلى أن يسامت وادي ملويّة فتكثر ثناياه ومسالكه إلى أن ينتهي في هذه النّاحية منه أمم المصامدة ثمّ هنتاتة ثمّ تين ملّل ثمّ كدميوه ثمّ مشكورة وهم آخر المصامدة فيه ثمّ قبائل صنهاكة وهم صنهاجة وفي آخر هذا الجزء منه بعض قبائل زناتة ويتّصل به هنالك من جوفيه جبل أوراس وهو جبل كتامه وبعد ذلك أمم أخرى من البرابرة نذكرهم في أماكنهم. ثمّ إنّ جبل درن هذا من جهة غربيّه مطلّ على بلاد المغرب الأقصى وهي في جوفيه ففي النّاحية الجنوبيّة منها بلاد مراكش وأغمات وتادلّا وعلى البحر المحيط منها رباط أسفى ومدينة سلا وفي الجوف عن بلاد مراكش بلاد فاس ومكناسة وتازا وقصر كتامة وهذه هي الّتي تسمّى المغرب الأقصى في عرف أهلها وعلى ساحل البحر المحيط منها بلدان أصيلا والعرايش وفي سمت هذه البلاد شرقا بلاد المغرب الأوسط وقاعدتها تلمسان وفي سواحلها على البحر الرّوميّ بلد هنين ووهران والجزائر لأنّ هذا البحر الرّوميّ يخرج من البحر المحيط من خليج طنجة في النّاحية الغربيّة من الإقليم الرّابع ويذهب مشرّقا فينتهي إلى بلاد الشّام فإذا خرج من الخليج المتضايق غير بعيد انفسح جنوبا وشمالا فدخل في الإقليم الثّالث والخامس فلهذا كان على ساحله من هذا الإقليم الثّالث الكثير من بلاده ثمّ يتّصل ببلاد الجزائر من شرقيّها بلاد بجاية في ساحل البحر ثمّ قسطنطينيّة في الشّرق منها وفي آخر الجزء الأوّل وعلى مرحلة من هذا البحر في جنوبيّ هذه البلاد ومرتفعا إلى جنوب المغرب الأوسط بلد أشير ثمّ بلد المسيلة ثمّ الزّاب وقاعدته بسكرة تحت جبل أوراس المتّصل بدرن كما مرّ وذلك عند آخر هذا الجزء من جهة الشّرق والجزء الثّاني من هذا الإقليم على هيئة الجزء الأوّل ثمّ جبل درن على نحو الثّلث من جنوبه ذاهبا فيه من غرب إلى شرق فيقسمه بقطعتين ويغمر البحر الرّوميّ مسافة من شماله فالقطعة الجنوبيّة عن جبل درن غربيّها كلّه مفاوز وفي الشّرق منها بلد عذامس وفي سمتها شرقا أرض ودّان الّتي بقيّتها في الإقليم الثّاني كما مرّ والقطعة الجوفيّة عن جبل درن ما بينه وبين البحر الرّوميّ في الغرب منها جبل أوراس وتبسة والأوبس وعلى ساحل البحر بلد بونة ثمّ في سمت هذه البلاد شرقا بلاد إفريقية فعلى ساحل البحر مدينة تونس ثمّ السّوسة ثمّ المهديّة وفي جنوب هذه البلاد تحت جبل درن بلاد الجريد توزر وقفصة ونفزاوة وفيما بينها وبين السواحل مدينة القيروان وجبل وسلات وسبيطلة وعلى سمت هذه البلاد كلّها شرقا بلد طرابلس على البحر الرّوميّ وبإزائها في الجنوب جبل دمّر ونقرة من قبائل هوارة متّصلة بجبل درن وفي مقابلة غذامس الّتي مرّ ذكرها في آخر القطعة الجنوبيّة وآخر هذا الجزء في الشّرق سويقة ابن مشكورة على البحر وفي جنوبها مجالات العرب في أرض ودّان وفي الجزء الثّالث من هذا الإقليم يمرّ أيضا فيه جبل درن إلّا أنّه ينعطف عند آخره إلى الشّمال ويذهب على سمته إلى أن يدخل في البحر الرّوميّ ويسمّى هنالك طرف أوثان والبحر الرّوميّ من شماليّه يغمر طائفة منه إلى أن يضايق ما بينه وبين جبل درن فالّذي وراء الجبل في الجنوب وفي الغرب منه بقيّة أرض ودّان. ومجالات العرب فيها ثمّ زويلة ابن خطّاب ثمّ رمال وقفار إلى آخر الجزء في الشّرق وفيما بين الجبل والبحر في الغرب منه بلد سرت على البحر ثمّ خلاء وقفار تجول فيها العرب ثمّ أجدابيّة ثمّ برقة عند منعطف الجبل ثمّ طلمسة على البحر هنالك ثمّ في شرق المنعطف من الجبل مجالات هيب ورواحة إلى آخر الجزء وفي الجزء الرّابع من هذا الإقليم وفي الأعلى من غربيّه صحارى برقيق وأسفل منها بلاد هيب ورواحة ثمّ يدخل البحر الرّوميّ في هذا الجزء فيغمر طائفة منه إلى الجنوب حتّى يزاحم طرفه الأعلى ويبقى بينه وبين آخر الجزء قفار تجول فيها العرب وعلى سمتها شرقا بلاد الفيّوم وهي على مصبّ أحدّ الشّعبين من النّيل الّذي يمرّ على اللّاهون من بلاد الصّعيد في الجزء الرّابع من الإقليم الثّاني ويصبّ في بحيرة فيّوم وعلى سمته شرقا أرض مصر ومدينتها الشّهيرة على الشّعب الثّاني الّذي يمرّ بدلاص من بلاد الصّعيد عند آخر الجزء الثّاني ويفترق هذا الشّعب افتراقة ثانية من تحت مصر على شعبين آخرين من شطنوف وزفتي وينقسم الأيمن منهما من قرمط بشعبين آخرين ويصبّ جميعها في البحر الرّوميّ فعلى مصبّ الغربيّ من هذا الشّعب بلد الإسكندريّة وعلى مصبّ الوسط بلد رشيد وعلى مصبّ الشّرقيّ بلد دمياط وبين مصر والقاهرة وبين هذه السّواحل البحريّة أسافل الدّيار المصريّة كلّها محشوّة عمرانا وفلجا وفي الجزء الخامس من هذا الإقليم بلاد الشّام وأكثرها على ما أصف وذلك لأنّ بحر القلزم ينتهي من الجنوب وفي الغرب منه عند السّويس لأنّه في ممرّه مبتدئ من البحر الهنديّ إلى الشّمال ينعطف آخذا إلى جهة الغرب فتكون قطعة من انعطافه في الجزء طويلة فينتهي في الطّرف الغربيّ منه إلى السّويس وعلى هذه القطعة بعد السّويس فاران مّ جبل الطّور ثمّ أيلة مدين ثمّ الحوراء في آخرها ومن هنالك ينعطف بساحله إلى الجنوب في أرض الحجاز كما مرّ في الإقليم الثّاني في الجزء الخامس منه وفي النّاحية الشّماليّة من هذا الجزء قطعة من البحر الرّوميّ غمرت كثيرا من غربيّه عليها الفرما والعريش وقارب طرفها بلد القلزم فيضايق ما بينهما من هنالك وبقي شبه الباب مفضيا إلى أرض الشّام وفي غربيّ هذا الباب فحص التّيه أرض جرداء لا تنبت كانت مجالا لبني إسرائيل بعد خروجهم من مصر وقبل دخولهم إلى الشّام أربعين سنة كما قصّه القرآن وفي هذه القطعة من البحر الرّوميّ في هذا الجزء طائفة من جزيرة قبرص وبقيّتها في الإقليم الرّابع كما نذكره على ساحل هذه القطعة عند الطّرف المتضايق لبحر السّويس بلد العريش وهو آخر الدّيار المصريّة وعسقلان وبينهما طرف هذا البحر ثمّ تنحطّ هذه القطعة في انعطافها من هنالك إلى الإقليم الرّابع عند طرابلس وغزّة وهنالك ينتهي البحر الرّوميّ في جهة الشّرق وعلى هذه القطعة أكثر سواحل الشّام ففي شرقه غزّة ثمّ عسقلان وبانحراف يسير عنها إلى الشّمال بلد قيساريّة ثمّ كذلك بلد عكّا ثمّ صور ثمّ صيداء ثمّ ينعطف البحر إلى الشّمال في الإقليم الرّابع ويقابل هذه البلاد السّاحليّة من هذه القطعة في هذا الجزء جبل عظيم يخرج من ساحل أيلة من بحر القلزم ويذهب في ناحية الشّمال منحرفا إلى الشّرق إلى أن يجاوز هذا الجزء ويسمّى جبل اللّكام وكأنّه حاجز بين أرض مصر والشّام ففي طرفه عند أيلة العقبة الّتي يمرّ عليها الحجّاج من مصر إلى مكّة ثمّ بعدها في ناحية الشّمال مدفن الخليل عليه الصّلاة والسّلام عند جبل السّراة يتّصل من عند جبل اللّكام المذكور من شمال العقبة ذاهبا على سمت الشّرق ثمّ ينعطف قليلا وفي شرقه هنالك بلد الحجر وديار ثمود وتيماء ودومة الجندل وهي أسافل الحجاز فوقها جبل رضوى وحصون خيبر في جهة الجنوب عنها وفيما بين جبل السّراة وبحر القلزم صحراء تبوك وفي شمال جبل السّراة مدينة القدس عند جبل اللّكام ثمّ الأردنّ ثمّ طبريّة وفي شرقيّها بلاد الغور إلى أذرعات وفي سمتها دومة الجندل آخر هذا الجزء وهي آخر الحجاز. وعند منعطف جبل اللّكام إلى الشّمال من آخر هذا الجزء مدينة دمشق مقابلة صيدا وبيروت من القطعة البحريّة وجبل اللّكام يعترض بينها وبينها وعلى سمت دمشق في الشّرق مدينة بعلبكّ ثمّ مدينة حمص في الجهة الشّماليّة آخر الجزء عند منقطع جبل اللّكام وفي الشّرق عن بعلبكّ وحمص بلد تدمر ومجالات البادية إلى آخر الجزء وفي الجزء السّادس من أعلاه مجالات الأعراب تحت بلاد نجد واليمامة ما بين جبل العرج والصّمّان إلى البحرين وهجر على بحر فارس وفي أسافل هذا الجزء تحت المجالات بلد الحيرة والقادسيّة ومغايض الفرات. وفيما بعدها شرقا مدينة البصرة وفي هذا الجزء ينتهي بحر فارس عند عبّادان والأبلّة من أسافل الجزء من شماله ويصبّ فيه عند عبّادان نهر دجلة بعد أن ينقسم بجداول كثيرة وتختلط به جداول أخرى من الفرات ثمّ تجتمع كلها عند عبّادان وتصبّ في بحر فارس وهذه القطعة من البحر متّسعة في أعلاه متضايقة في آخره في شرقيّه وضيّقة عند منتهاه مضايقة للحدّ الشّماليّ منه وعلى عدوتها الغربيّة منه أسافل البحرين وهجر والإحساء وفي غربها أخطب والصّمّان وبقيّة أرض اليمامة وعلى عدوته الشّرقيّة سواحل فارس من أعلاها وهو من عند آخر الجزء من الشّرق على طرف قد امتدّ من هذا البحر مشرّقا ووراءه إلى الجنوب في هذا الجزء جبال القفص من كرمان وتحت هرمز بلاد فارس مثل سابور وداربجرد ونسا وإصطخر والشّاهجان وشيراز وهي قاعدتها كلّها وتحت بلاد فارس إلى الشّمال عند طرف البحر بلاد خوزستان ومنها الأهواز وتستر وصدى وسابور والسّوس ورامهرمز وغيرها وارجان وهي حد ما بين فارس وخوذستان جبال الأكراد متّصلة إلى نواحي أصبهان وبها مساكنهم ومجالاتهم وراءها في أرض فارس وتسمّى الرّسوم. وفي الجزء السّابع في الأعلى منه من المغرب بقيّة جبال القفص ويليها من الجنوب والشّمال بلاد كرمان ومكران ومن مدنها الرّودان والشّيرجان وجيرفت ويزدشير والبهرج وتحت أرض كرمان إلى الشّمال بقيّة بلاد فارس إلى حدود أصبهان ومدينة أصبهان في طرف هذا الجزء ما بين غربة وشماله ثمّ في المشرق عن بلاد كرمان وبلاد فارس أرض سجستان وكوهستان في الجنوب وأرض كوهستان في الشّمال غربا ويتوسّط بين كرمان وفارس وبين سجستان وكوهستان وفي وسط هذا الجزء المفاوز العظمى القليلة المسالك لصعوبتها ومن مدن سجستان بست والطّاق وأمّا كوهستان فهي من بلاد خراسان ومن مشاهير بلادها سرخس وقوهستان آخر الجزء. وفي الجزء الثّامن من غربة وجنوبه مجالات الحلج من أمم التّرك متّصلة بأرض سجستان من غربها وبأرض كابل الهند من جنوبها. وفي الشّمال عن هذه المجالات جبال الغور وبلادها وقاعدتها غزنه فرضة الهند وفي آخر الغور من الشّمال بلاد أستراباذ ثمّ في الشّمال غربا إلى آخر الجزء بلاد هراة أوسط خراسان وبها أسفراين وقاشان وبوشنج ومروالرّوذ والطّالقان والجوزجان وتنتهي خراسان هنالك إلى نهر جيحون. وعلى هذا النّهر من بلاد خراسان من غربيّه مدينة بلخ وفي شرقيّه مدينة ترمذ ومدينة بلخ كانت كرسيّ مملكة التّرك وهذا النّهر نهر جيحون مخرجه من بلاد وجّار في حدود بذخشان ممّا يلي الهند ويخرج من جنوب هذا الجزء وعند آخره من الشّرق فينعطف عن قرب مغرّبا إلى وسط الجزء ويسمّى هنالك نهر خرناب ثمّ ينعطف إلى الشّمال حتّى يمرّ بخراسان ويذهب على سمته إلى أن يصبّ في بحيرة خوارزم في الإقليم الخامس كما نذكره ويمدّه عند انعطافه في وسط الجزء من الجنوب إلى الشّمال خمسة أنهار عظيمة من بلاد الختل والوخش من شرقيّه وأنهار أخرى من جبال البتم من شرقيّه أيضا جوفي الجبل حتّى يتّسع ويعظم بما لا كفاء له ومن هذه الأنهار الخمسة الممدّة نهر وخشاب يخرج من بلاد التّبت وهي بين الجنوب والشرق من هذا الجزء فيمرّ مغرّبا بانحراف إلى الشّمال إلى أن يخرج إلى الجزء التّاسع قريبا من شمال هذا الجزء يعترضه في طريقه جبل عظيم يمرّ من وسط الجنوب في هذا الجزء ويذهب مشرّقا بانحراف إلى الشّمال إلى أن يخرج إلى الجزء التّاسع قريبا من شمال هذا الجزء فيجوز بلاد التّبت إلى القطعة الشرقيّة الجنوبيّة من هذا الجزء ويحول بين التّرك وبين بلاد الختل وليس فيه إلّا مسلك واحد في وسط الشّرق من هذا الجزء جعل فيه الفضل بن يحيى سدّا وبنى فيه بابا كسدّ يأجوج ومأجوج فإذا خرج نهر وخشاب من بلاد التّبت واعترضه هذا الجبل فيمرّ تحته في مدى بعيد إلى أن يمرّ في بلاد الوخش ويصبّ في نهر جيحون عند حدود بلخ ثمّ يمرّ هابطا إلى التّرمذ في الشّمال إلى بلاد الجوزجان وفي الشّرق عن بلاد الغور فيما بينها وبين نهر جيحون بلاد النّاسان من خراسان وفي العدوة الشّرقيّة هنالك من النّهر بلاد الختل وأكثرها جبال وبلاد الوخش ويحدّها من جهة الشّمال جبال البتم تخرج من طرف خراسان غربيّ نهر جيحون وتذهب مشرّقة إلى أن يتّصل طرفها بالجبل العظيم الّذي خلفه بلاد التّبت ويمرّ تحته نهر وخشاب كما قلناه فيتّصل عند باب الفضل بن يحيى ويمرّ نهر جيحون بين هذه الجبال وأنهار أخرى تصبّ فيه منها نهر بلاد الوخش يصبّ فيه من الشّرق تحت التّرمذ إلى جهة الشّمال ونهر بلخ يخرج من جبال البتم مبدئه عند الجوزجان ويصبّ فيه من غربيّه وعلى هذا النّهر من غربيّه بلاد آمد من خراسان وفي شرقيّ النّهر من هنالك أرض الصّغد وأسر وشنّة من بلاد التّرك وفي شرقها أرض فرغانة أيضا إلى آخر الجزء شرقا وكلّ بلاد التّرك تحوزها جبال البتم إلى شمالها وفي الجزء التّاسع من غربة أرض التّبت إلى وسط الجزء وفي جنوبيّها بلاد الهند وفي شرقيّها بلاد الصّين إلى آخر الجزء وفي أسفل هذا الجزء شمالا عن بلاد التّبت بلاد الخزلجيّة من بلاد التّرك إلى آخر الجزء شرقا وشمالا ويتّصل بها من غربيّها أرض فرغانة أيضا إلى آخر الجزء شرقا ومن شرقيّها أرض التّغرغر من التّرك إلى الجزء شرقا وشمالا. وفي الجزء العاشر في الجنوب منه جميعا بقيّة الصّين وأسافله في الشّمال بقيّة بلاد التّغرغر ثمّ شرقا عنهم بلاد خرخير من التّرك أيضا إلى آخر الجزء شرقا وفي الشّمال من أرض خرخير بلاد كتمان من التّرك وقبالتها في البحر المحيط جزيرة الياقوت في وسط جبل مستدير لا منفذ منه إليها ولا مسلك والصّعود إلى أعلاه من خارجة صعب في الغاية وفي الجزيرة حيّات قتّالة وحصى من الياقوت كثيرة فيحتال أهل تلك النّاحية بما يلهمهم الله إليه وأهل هذه البلاد في هذا الجزء التّاسع والعاشر فيما وراء خراسان والجبال كلّها مجالات للتّرك أمم لا تحصى وهم ظواعن رحّالة أهل إبل وشاء وبقر وخيل للنّتاج والرّكوب والأكل وطوائفهم كثيرة لا يحصيهم إلّا خالقهم وفيهم مسلمون ممّا يلي بلاد النّهر نهر جيحون ويغزون الكفّار منهم الدّائنين بالمجوسيّة فيبيعون رقيقهم لمن يليهم ويخرجون إلى بلاد خراسان والهند والعراق. الإقليم الرّابع يتّصل بالثّالث من جهة الشّمال. والجزء الأوّل منه في غربيّه قطعة من البحر المحيط مستطيلة من أوّله جنوبا إلى آخره شمالا وعليها في الجنوب مدينة طنجة ومن هذه القطعة تحت طنجة من البحر المحيط إلى البحر الرّوميّ في خليج متضايق بمقدار اثني عشر ميلا ما بين طريف والجزيرة الخضراء شمالا وقصر المجاز وسبتة جنوبا ويذهب مشرّقا إلى أن ينتهي إلى وسط الجزء الخامس من هذا الإقليم وينفسح في ذهابه بتدريج إلى أن يغمر الأربعة الأجزاء وأكثر الخامس من هذا الإقليم الثّالث والخامس كما سنذكره ويسمّى هذا البحر البحر الشّاميّ أيضا وفيه جزائر كثيرة أعظمها في جهة الغرب يابسة ثمّ مايرقة ثمّ منرقة ثمّ سردانيّة ثمّ صقلّيّة وهي أعظمها ثمّ بلونس ثمّ أقريطش ثمّ قبرص كما نذكرها كلّها في أجزائها الّتي وقعت فيها ويخرج من هذا البحر الرّوميّ عند آخر الجزء الثّالث منه وفي الجزء الثّالث من الإقليم الخامس خليج البنادقة يذهب إلى ناحية الشّمال ثمّ ينعطف عند وسط الجزء من جوفه ويمرّ مغرّبا إلى أن ينتهي في الجزء الثّاني من الخامس ويخرج منه أيضا في آخر الجزء الرّابع شرقا من الإقليم الخامس خليج القسطنطينيّة يمرّ في الشّمال متضايقا في عرض رمية السّهم إلى آخر الإقليم ثمّ يفضي إلى الجزء الرّابع من الإقليم السّادس وينعطف إلى بحر نيطش ذاهبا إلى الشّرق في الجزء الخامس كلّه ونصف السّادس من الإقليم السّادس كما نذكر ذلك في أماكنه وعند ما يخرج هذا البحر الرّوميّ من البحر المحيط في خليج طنجة وينفسح إلى الإقليم الثّالث. يبقى في الجنوب عن الخليج قطعة صغيرة من هذا الجزء فيها مدينة طنجة على مجمع البحرين وبعدها مدينة سبتة على البحر الرّوميّ ثمّ قطاون ثمّ باديس ثمّ يغمر هذا البحر بقيّة هذا الجزء شرقا ويخرج إلى الثّالث وأكثر العمارة في هذا الجزء في شماله وشمال الخليج منه وهي كلّها بلاد الأندلس الغربيّة منها ما بين البحر المحيط والبحر الرّوميّ أوّلها طريف عند مجمع البحرين وفي الشّرق منها على ساحل البحر الرّوميّ الجزيرة الخضراء ثمّ مالقة ثمّ المنقب ثمّ المرية وتحت هذه من لدن البحر المحيط غربا وعلى مقربة منه شريش ثمّ لبلة وقبالتها فيه جزيرة قادس وفي الشّرق عن شريش ولبلة إشبيليّة ثمّ أستجة وقرطبة ومديلة ثمّ غرناطة وجيّان وأبّدة ثمّ وادياش وبسطة وتحت هذه شنت مريّة وشلب على البحر المحيط غربا وفي الشّرق عنهما بطليوس وماردة ويابرة ثمّ غافق وبزجالة ثمّ قلعة رياح وتحت هذه أشبونة على البحر المحيط غربا وعلى نهر باجة وفي الشّرق عنها شنترين وموزيّة على النّهر المذكور ثمّ قنطرة السّيف ويسامت اشبونة من جهة الشّرق جبل الشّارات يبدأ من المغرب هنالك ويذهب مشرّقا مع آخر الجزء من شماليّه فينتهي إلى مدينة سالم فيما بعد النّصف منه وتحت هذا الجبل طلبيرة في الشّرق من فورنة ثمّ طليطلة ثمّ وادي الحجارة ثمّ مدينة سالم وعند أوّل هذا الجبل فيما بينه وبين أشبونة بلد قلمريّة وهذه غربيّ الأندلس. وأمّا شرقيّ الأندلس فعلى ساحل البحر الرّوميّ منها بعد المرية قرطاجنّة ثمّ لفتة ثمّ دانية ثمّ بلنسية إلى طرطوشة آخر الجزء في الشّرق، وتحتها شمالا ليورقة وشقّورة تتاخمان بسطة وقلعة رياح من غرب الأندلس ثمّ مرسية شرقا ثمّ شاطبة تحت بلنسية شمالا ثمّ شقر ثمّ طرطوشة ثمّ طركونة آخر الجزء ثمّ تحت هذه شمالا أرض منجالة وريدة متاخمان لشقّورة وطليطلة من الغرب ثمّ أفراغة شرقا تحت طرطوشة وشمالا عنها ثمّ في الشّرق عن مدينة سالم قلعة أيّوب ثمّ سرقسطة ثمّ لاردة آخر الجزء شرقا وشمالا. والجزء الثّاني من هذا الإقليم غمر الماء جميعه إلّا قطعة من غربيّه في الشّمال فيها بقيّة جبل البرنات ومعناه جبل الثّنايا والسّالك يخرج إليه من آخر الجزء الأوّل من الإقليم الخامس يبدأ من الطّرف المنتهي من البحر المحيط عند آخر ذلك الجزء جنوبا وشرقا ويمرّ في الجنوب بانحراف إلى الشّرق فيخرج في هذا الإقليم الرّابع منحرفا عن الجزء الأوّل منه إلى هذا الجزء الثّاني فيقع فيه قطعة منه تفضي ثناياها إلى البرّ المتّصل وتسمّى أرض غشكونيّة وفيه مدينة خريدة وقرقشونة وعلى ساحل البحر الرّوميّ من هذه القطعة مدينة برشلونة ثمّ أربونة وفي هذا البحر الّذي غمر الجزء جزائر كثيرة والكثير منها غير مسكون لصغرها ففي غربيّه جزيرة سردانيّة وفي شرقيّه جزيرة صقلّيّة متّسعة الأقطار يقال إنّ دورها سبعمائة ميل وبها مدن كثيرة من مشاهيرها سرقوسة وبلرم وطرابغة ومازر ومسيني وهذه الجزيرة تقابل أرض إفريقية وفيما بينهما جزيرة أعدوش ومالطة. والجزء الثّالث من هذا الإقليم مغمور أيضا بالبحر إلّا ثلاث قطع من ناحية الشّمال الغربيّة منها أرض قلوريّة والوسطى من أرض أبكيردة والشّرقيّة من بلاد البنادقة. والجزء الرّابع من هذا الإقليم مغمور أيضا بالبحر كما مرّ وجزائره كثيرة وأكثرها غير مسكون كما في الثّالث والمغمور منها جزيرة بلونس في النّاحية الغربيّة الشّماليّة وجزيرة أقريطش مستطيلة من وسط الجزء إلى ما بين الجنوب والشرق منه. والجزء الخامس من هذا الإقليم غمر البحر منه مثلّثة كبيرة بين الجنوب والغرب ينتهي الضّلع الغربيّ منها إلى آخر الجزء في الشّمال وينتهي الضّلع الجنوبيّ منها إلى نحو الثّلثين من الجزء ويبقى في الجانب الشّرقيّ من الجزء قطعة نحو الثّلث يمرّ الشّمالي منها إلى الغرب منعطفا مع البحر كما قلناه وفي النّصف الجنوبيّ منها أسافل الشّام ويمرّ في وسطها جبل اللّكام إلى أن ينتهي إلى آخر الشّام في الشّمال فينعطف من هنالك ذاهبا إلى القطر الشّرقيّ الشّماليّ ويسمّى بعد انعطافه جبل السّلسلة ومن هنالك يخرج إلى الإقليم الخامس ويجوز من عند منعطفه قطعة من بلاد الجزيرة إلى جهة الشّرق ويقوم من عند منعطفه من جهة المغرب جبال متّصلة بعضها ببعض إلى أن ينتهي إلى طرف خارج من البحر الرّوميّ متأخّر إلى آخر الجزء من الشّمال وبين هذه الجبال ثنايا تسمّى الدّروب وهي الّتي تفضي إلى بلاد الأرمن وفي هذا الجزء قطعة منها بين هذه الجبال وبين جبل السّلسلة فأمّا الجهة الجنوبيّة الّتي قدّمنا أنّ فيها أسافل الشّام وأنّ جبل اللّكام معترض فيها بين البحر الرّوميّ وآخر الجزء من الجنوب الى الشّمال فعلى ساحل البحر بلد أنطرطوس في أوّل الجزء من الجنوب متاخمة لغزّة وطرابلس على ساحله من الإقليم الثّالث وفي شمال أنطرطوس جبلة ثمّ اللّاذقيّة ثمّ إسكندرونة ثمّ سلوقيّة وبعدها شمالا بلاد الرّوم وأمّا جبل اللّكام المعترض بين البحر وآخر الجزء بحافاته فيصاقبه من بلاد الشّام من أعلى الجزء جنوبا من غربيّه حصن الحواني وهو للحشيشة الإسماعيليّة ويعرفون لهذا العهد بالفداويّة ويسمّى مصيات وهو قبالة أنطرطوس وقبالة هذا الحصن في شرق الجبل بلد سلميّة في الشّمال عن حمص وفي الشّمال وفي مصيات بين الجبل والبحر بلد أنطاكية ويقابلها في شرق الجبل المعرّة وفي شرقها المراغة وفي شمال أنطاكية المصيصة ثمّ أذنة ثمّ طرسوس آخر الشّام ويحاذيها من غرب الجبل قنّسرين ثمّ عين زربة وقبالة قنّسرين في شرق الجبل حلب ويقابل عين زربة منبج آخر الشّام. وأمّا الذروب فعن يمينها ما بينها وبين البحر الرّوميّ بلاد الرّوم الّتي هي لهذا العهد للتّركمان وسلطانها ابن عثمان وفي ساحل البحر منها بلد أنطاكية والعلايا. وأمّا بلاد الأرمن الّتي بين جبل الدّروب وجبل السّلسلة ففيها بلد مرعش وملطية والمعرّة إلى آخر الجزء الشّماليّ ويخرج من الجزء الخامس في بلاد الأرمن نهر جيحان ونهر سيحان في شرقيّه فيمرّ بها جيحان جنوبا حتّى يتجاوز الدّروب ثمّ يمرّ بطرسوس ثمّ بالمصيصة ثمّ ينعطف هابطا إلى الشّمال ومغرّبا حتّى يصبّ في البحر الرّوميّ جنوب سلوقيّة ويمرّ نهر سيحان موازيا لنهر جيحان فيحاذي المعرّة ومرعش ويتجاوز جبال الدّروب إلى أرض الشّام ثمّ يمرّ بعين زربة ويحوز عن نهر جيحان ثمّ ينعطف إلى الشّمال مغرّبا فيختلط بنهر جيحان عند المصيصة ومن غربها وأمّا بلاد الجزيرة الّتي يحيط بها منعطف جبل اللّكام إلى جبل السّلسلة ففي جنوبها الرّافضة والرّقّة ثمّ حرّان ثمّ سروج والرّها ثمّ نصيبين ثمّ سميساط وآمد تحت جبل السّلسلة وآخر الجزء من شماله وهو أيضا آخر الجزء من شرقيّه ويمرّ في وسط هذه القطعة نهر الفرات ونهر دجلة يخرجان من الإقليم الخامس ويمرّان في بلاد الأرمن جنوبا إلى أن يتجاوزا جبل السلسلة فيمرّ نهر الفرات من غربيّ سميساط وسروج وينحرف إلى الشّرق فيمرّ بقرب الرّافضة والرّقّة ويخرج إلى الجزء السّادس ويمرّ دجلة في شرق آمد وينعطف قريبا إلى الشّرق فيخرج قريبا إلى الجزء السّادس وفي الجزء السّادس من هذا الإقليم من غربيّه بلاد الجزيرة وفي الشّرق منها بلاد العراق متّصلة بها تنتهي في الشّرق إلى قرب آخر الجزء ويعترض من آخر العراق هنالك جبل أصبهان هابطا من جنوب الجزء منحرفا إلى الغرب فإذا انتهى إلى وسط الجزء من آخره في الشّمال يذهب مغرّبا إلى أن يخرج من الجزء السّادس ويتّصل على سمته بجبل السّلسلة في الجزء الخامس فينقطع هذا الجزء السّادس بقطعتين غربيّة وشرقيّة ففي الغربيّة من جنوبيّها مخرج الفرات من الخامس وفي شماليّها مخرج دجلة منه أمّا الفرات فأوّل ما يخرج إلى السّادس يمرّ بقرقيسياء ويخرج من هنالك جدول إلى الشّمال ينساب في أرض الجزيرة ويغوص في نواحيها ويمرّ من قرقيسيا غير بعيد ثمّ ينعطف إلى الجنوب فيمرّ بقرب الخابور إلى غرب الرّحبة ويخرج منه جداول من هنالك يمرّ جنوبا ويبقى صفّين في غربيّه ثمّ ينعطف شرقا وينقسم بشعوب فيمرّ بعضها بالكوفة وبعضها بقصر ابن هبيرة وبالجامعين وتخرج جميعا في جنوب الجزء إلى الإقليم الثّالث فيغوص هنالك في شرق الحيرة والقادسيّة ويخرج الفرات من الرّحبة مشرّقا على سمته إلى هيت من شمالها يمرّ إلى الزّاب والأنبار من جنوبهما ثمّ يصبّ في دجلة عند بغداد. وأمّا نهر دجلة فإذا دخل من الجزء الخامس إلى هذا الجزء يمرّ بجزيرة ابن عمر على شمالها ثمّ بالموصل كذلك وتكريت وينتهي إلى الحديثة فينعطف جنوبا وتبقى الحديثة في شرقه والزّاب الكبير والصّغير كذلك ويمرّ على سمته جنوبا وفي غرب القادسيّة إلى أن ينتهي إلى بغداد ويختلط بالفرات ثمّ يمرّ جنوبا على غرب جرجرايا إلى أن يخرج من الجزء إلى الإقليم الثّالث فتنتشر هنالك شعوبه وجداوله ثمّ يجتمع ويصبّ هنالك في بحر فارس عند عبّادان وفيما بين نهر دجلة والفرات قبل مجمعهما ببغداد هي بلاد الجزيرة ويختلط بنهر دجلة بعد مفارقته ببغداد نهر آخر يأتي من الجهة الشّرقيّة الشّماليّة منه وينتهي إلى بلاد النّهروان قبالة بغداد شرقا ثمّ ينعطف جنوبا ويختلط بدجلة قبل خروجه إلى الإقليم الثّالث ويبقى ما بين هذا النّهر وبين جبل العراق والأعاجم بلد جلولاء وفي شرقها عند الجبل بلد حلوان وصيمرة وأمّا القطعة الغربيّة من الجزء فيعترضها جبل يبدأ من جبل الأعاجم مشرّقا إلى آخر الجزء ويسمّى جبل شهرزور ويقسمها بقطعتين في الجنوب من هذه القطعة الصّغرى بلد خونجان من الغرب والشّمال عن أصبهان وتسمّى هذه القطعة بلد الهلوس وفي وسطها بلد نهاوند وفي شمالها بلد شهرزور غربا عند ملتقى الجبلين والدّينور شرقا عند آخر الجزء وفي القطعة الصّغرى الثّانية طرف من بلاد أرمينيّة قاعدتها المراغة والّذي يقابلها من جبل العراق يسمّى باريا وهو مساكن للأكراد والزّاب الكبير والصّغير الّذي على دجلة من ورائه وفي آخر هذه القطعة من جهة الشّرق بلاد أذربيجان ومنها تبريز والبيدقان وفي الزّاوية الشّرقيّة الشّماليّة من هذا الجزء قطعة من بحر نيطش وهو بحر الخزر وفي الجزء السّابع من هذا الإقليم من غربة وجنوبه معظم بلاد الهلوس وفيها همذان وقزوين وبقيّتها في الإقليم الثّالث وفيها هنالك أصبهان ويحيط بها من الجنوب جبل يخرج من غربها ويمرّ بالإقليم الثّالث ثمّ ينعطف من الجزء السّادس إلى الإقليم الرّابع ويتّصل بجبل العراق في شرقيّه الّذي مرّ ذكره هنالك وإنّه محيط ببلاد الهلوس في القطعة الشّرقيّة ويهبط هذا الجبل المحيط بأصبهان من الإقليم الثّالث إلى جهة الشّمال ويخرج إلى هذا الجزء السّابع فيحيط ببلاد الهلوس من شرقها وتحته هنالك قاشان ثمّ قم وينعطف في قرب النّصف من طريقه مغرّبا بعض الشّيء ثمّ يرجع مستديرا فيذهب مشرّقا ومنحرفا إلى الشّمال حتّى يخرج إلى الإقليم الخامس ويشتمل على منعطفه واستدارته على بلد الرّيّ في شرقيّه ويبدأ من منعطفه جبل آخر يمرّ غربا إلى آخر هذا الجزء ومن جنوبه من هنالك قزوين ومن جانبه الشّماليّ وجانب جبل الرّيّ المتّصل معه ذاهبا إلى الشّرق والشّمال إلى وسط الجزء ثمّ إلى الإقليم الخامس بلاد طبرستان فيما بين هذه الجبال وبين قطعة من بحر طبرستان ويدخل من الإقليم الخامس في هذا الجزء في نحو النّصف من غربة إلى شرقه ويعترض عند جبل الرّيّ وعند انعطافه إلى الغرب جبل متّصل يمرّ على سمته مشرّقا وبانحراف قليل إلى الجنوب حتّى يدخل في الجزء الثّامن من غربة ويبقى بين جبل الرّيّ وهذا الجبل من عند مبدئهما بلاد جرجان فيما بين الجبلين ومنها بسطام ووراء هذا الجبل قطعة من هذا الجزء فيها بقيّة المفازة الّتي بين فارس وخراسان وهي في شرقيّ قاشان وفي آخرها عند هذا الجبل بلد أستراباذ وحافات هذا الجبل من شرقيّه إلى آخر الجزء بلاد نيسابور من خراسان ففي جنوب الجبل وشرق المفازة بلد نيسابور ثمّ مرو الشّاهجان آخر الجزء وفي شماله وشرقيّ جرجان بلد مهرجان وخازرون وطوس آخر الجزء شرقا وكلّ هذا تحت الجبل وفي الشّمال عنها بلاد نسا ويحيط بها عند زاوية الجزئين الشّمال والشّرق مفاوز معطّلة. وفي الجزء الثّامن من هذا الإقليم وفي غربيّه نهر جيحون ذاهبا من الجنوب إلى الشمال ففي عدوته الغربيّة رمم وآمل من بلاد خراسان والظّاهريّة والجرجانيّة من بلاد خوارزم ويحيط بالزّاوية الغربيّة الجنوبيّة منه جبل أستراباذ المعترض في الجزء السّابع وأشنه ويخرج في هذا الجزء من غربي ويحيط بهذه الزاوية وفيها بقية بلاد هاراد والجوزخان حتى يتصل بحبل البوتم كما ذكرناه هنالك وفي شرقي نهر جيحون من هذا الجزء وفي الجنوب منه بلاد بخار ثم بلاد السقط وقاعدتها سمرقند ثم سردارا واشنا ومنها خجندة آخر الجزء شرقا وفي الشّمال عن سمرقند وسردار وأشنه أرض إيلاق ثمّ في الشّمال عن إيلاق أرض الشّاش إلى آخر الجزء شرقا ويأخذ قطعة من الجزء التّاسع في جنوب تلك القطعة بقيّة أرض فرغانة ويخرج من تلك القطعة الّتي في الجزء التّاسع نهر الشّاش يمرّ معترضا في الجزء الثّامن إلى أن ينصبّ في نهر جيحون عند مخرجه من هذا الجزء الثّامن في شماله إلى الإقليم الخامس ويختلط معه في أرض إيلاق نهر يأتي من الجزء التّاسع من الإقليم الثّالث من تخوم بلاد التّبّت ويختلط معه قبل مخرجه من الجزء التّاسع نهر فرغانة وعلى سمت نهر الشّاش جبل جبراغون يبدأ من الإقليم الخامس وينعطف شرقا ومنحرفا إلى الجنوب حتّى يخرج إلى الجزء التّاسع محيطا بأرض الشّاش ثمّ ينعطف في الجزء التّاسع فيحيط بالشّاش وفرغانة هناك إلى جنوبه فيدخل في الإقليم الثّالث وبين نهر الشّاش وطرف هذا الجبل في وسط هذا الجزء بلاد فاراب وبينه وبين أرض بخارى وخوارزم مفاوز معطّلة وفي زاوية هذا الجزء من الشّمال والشّرق أرض خجندة وفيها بلد إسبيجاب وطراز. وفي الجزء التّاسع من هذا الإقليم في غربيّه بعد أرض فرغانة والشّاش أرض الخزلجيّة في الجنوب وأرض الخليجة في الشّمال وفي شرق الجزء كلّه أرض الكيماكيّة ويتّصل في الجزء العاشر كلّه إلى جبل قوقيا آخر الجزء شرقا وعلى قطعة من البحر المحيط هنالك وهو جبل يأجوج ومأجوج وهذه الأمم كلّها من شعوب الترك. انتهى. الإقليم الخامس الجزء الأوّل منه أكثره مغمور بالماء إلّا قليلا من جنوبه وشرقه لأنّ البحر المحيط بهذه الجهة الغربيّة دخل في الإقليم الخامس والسّادس والسّابع عن الدّائرة المحيطة بالإقليم فأمّا المنكشف من جنوبه فقطعة على شكل مثلّث متّصلة من هنالك بالأندلس وعليها بقيّتها ويحيط بها البحر من جهتين كأنّهما ضلعان محيطان بزاوية المثلّث ففيها من بقيّة غرب الأندلس سعيور على البحر عند أوّل الجزء من الجنوب والغرب وسلمنكة شرقا عنها وفي جوفها سمّورة وفي الشّرق عن سلمنكة أيّلة آخر الجنوب وأرض قستالية شرقا عنها وفيها مدينة شقّونيّة وفي شمالها أرض ليون وبرغشت ثمّ وراءها في الشّمال أرض جليقيّة إلى زاوية القطعة وفيها على البحر المحيط في آخر الضّلع الغربيّ بلد شننياقو ومعناه يعقوب وفيها من شرق بلاد الاندلس مدينة شطلّية عند آخر الجزء في الجنوب وشرقا عن قستالية وفي شمالها وشرقها وشقة وبنبلونة على سمتها شرقا وشمالا وفيها من شرق بلاد الأندلس ويعترض وسط هذه القطعة جبل عظيم محاذ للبحر وللضّلع الشّماليّ الشّرقيّ منه وعلى قرب ويتّصل به وبطرف البحر عند بنبلونة في جهة الشّرق الّذي ذكرنا من قبل أن يتّصل في الجنوب بالبحر الرّوميّ في الإقليم الرّابع ويصير حجرا على بلاد الأندلس من جهة الشّرق وثناياه لها أبواب تفضي إلى بلاد غشكونيّة من أمم الفرنج فمنها من الإقليم الرّابع برشلونة وأربونة على ساحل البحر الرّوميّ وخريدة وقرقشونة وراءهما في الشّمال ومنها من الإقليم الخامس طلّوشة شمالا عن خريدة. وأمّا المنكشف في هذا الجزء من جهة الشّرق فقطعة على شكل مثلّث مستطيل زاويته الحادّة وراء البرنات شرقا وفيها على البحر المحيط على رأس القطعة الّتي يتّصل بها جبل البرنات بلد نيونة وفي آخر هذه القطعة في النّاحية الشّرقيّة الشّماليّة من الجزء أرض بنطو من الفرنج إلى آخر الجزء. وفي الجزء الثّاني من النّاحية الغربيّة منه أرض غشكونيّة وفي شمالها أرض بنطو وبرغشت وقد ذكرناهما وفي شرق بلاد غشكونيّة في شمالها قطعة أرض من البحر الرّوميّ دخلت في هذا الجزء كالضّرس مائلة إلى الشّرق قليلا وصارت بلاد غشكونيّة في غربها داخلة في جون من البحر وعلى رأس هذه القطعة شمالا بلاد جنوة وعلى سمتها في الشّمال جبل نيت جون وفي شماله وعلى سمته أرض برغونة وفي الشّرق عن طرف جنوة الخارج من البحر الرّوميّ طرف آخر خارج منه يبقى بينهما جون داخل من البرّ في البحر في غربيّه نيش وفي شرقيّه مدينة رومة العظمى كرسيّ ملك الإفرنجة ومسكن البابا بطركهم الأعظم وفيها من المباني الضّخمة والهياكل الهائلة والكنائس العاديّة ما هو معروف من الأخبار ومن عجائبها النّهر الجاري في وسطها من المشرق إلى المغرب مفروش قاعه ببلاط النّحاس وفيها كنيسة بطرس وبولس من الحواريّين وهما مدفونان بها وفي الشّمال عن بلاد رومة بلاد أقرنصيصة إلى آخر الجزء، وعلى هذا الطّرف من البحر الّذي في جنوبه رومة بلاد نابل في الجانب الشّرقيّ منه متّصلة ببلد قلوريّة من بلاد الفرنج وفي شمالها طرف من خليج البنادقة دخل في هذا الجزء من الجزء الثّالث مغرّبا ومحاذيا للشّمال من هذا الجزء وانتهى إلى نحو الثّلث منه عليه كثير من بلاد البنادقة دخل في هذا الجزء من جنوبه فيما بينه وبين البحر المحيط ومن شماله بلاد إنكلاية في الإقليم السّادس. وفي الجزء الثّالث من هذا الإقليم في غربيّه بلاد قلوريّة بين خليج البنادقة والبحر الرّوميّ يحيط بها من شرقيه صل من برّها في الإقليم الرّابع في البحر الرّوميّ في جون بين طرفين خرجا من البحر على سمت الشّمال إلى هذا الجزء في شرقيّ بلاد قلوريّة بلاد أنكبردة في جون بين خليج البنادقة والبحر الرّوميّ ويدخل طرف من هذا الجزء في الجون في الإقليم الرّابع وفي البحر الرّوميّ ويحيط به من شرقيّه خليج البنادقة من البحر الرّوميّ ذاهبا الى سمت الشّمال ثمّ ينعطف إلى الغرب محاذيا لآخر الجزء الشّماليّ ويخرج على سمته من الإقليم الرّابع جبل عظيم يؤازيه ويذهب معه إلى الشّمال ثمّ يغرّب معه في الإقليم السّادس إلى أن ينتهي قبالة خليج في شماليّه في بلاد إنكلاية من أمم اللّمانيّين كما نذكر وعلى هذا الخليج وبينه وبين هذا الجبل ما داما ذاهبين إلى الشّمال بلاد البنادقة فإذا ذهبا إلى المغرب فبينهما بلاد حروايا ثمّ بلاد الألمانيّين عند طرف الخليج. وفي الجزء الرّابع من هذا الإقليم قطعة من البحر الرّوميّ خرجت إليه من الإقليم الرّابع مضرّسة كلّها بقطع من البحر ويخرج منها إلى الشّمال وبين كلّ ضرسين منها طرف من البحر في الجون بينهما وفي آخر الجزء شرقا قطع من البحر ويخرج منها إلى الشّمال خليج القسطنطينيّة يخرج من هذا الطّرف الجنوبيّ ويذهب على سمت الشّمال إلى أن يدخل في الإقليم السّادس وينعطف من هنالك عن قرب مشرّقا إلى بحر نيطش في الجزء الخامس وبعض الرّابع قبله والسّادس بعده من الإقليم السّادس كما نذكر وبلد القسطنطينيّة في شرقيّ هذا الخليج عند آخر الجزء من الشّمال وهي المدينة العظيمة الّتي كانت كرسيّ القياصرة وبها من آثار البناء والضّخامة ما كثرت عنه الأحاديث والقطعة الّتي ما بين البحر الرّوميّ وخليج القسطنطينيّة من هذا الجزء وفيها بلاد مقدونيّة الّتي كانت لليونايّين ومنها ابتداء ملكهم وفي شرقيّ هذا الخليج إلى آخر الجزء قطعة من أرض باطوس وأظنّها لهذا العهد مجالات للتّركمان وبها ملك ابن عثمان وقاعدته بها بورصة والتي كانت من قبلهم للرّوم وغلبهم عليها الأمم إلى أن صارت للتّركمان. وفي الجزء الخامس من هذا الإقليم من غربيّه وجنوبيّه أرض باطوس وفي الشّمال عنها إلى آخر الجزء بلاد عمّوريّة وفي شرقيّ عمّورية نهر قباقب الّذي يمدّ الفرات ويخرج من جبل هنالك ويذهب في الجنوب حتّى يخالط الفرات قبل وصوله من هذا الجزء إلى ممرّه في الإقليم الرّابع وهنالك في غربيّه آخر الجزء في مبدإ نهر سيحان ثمّ نهر جيحان غربيّه الذّاهبين على سمته وقد مرّ ذكرهما وفي شرقه هنالك مبدأ نهر دجلة الذّاهب على سمته وفي موازاته حتّى يخالطه عند بغداد وفي الزّاوية الّتي بين الجنوب والشّرق من هذا الجزء وراء الجبل الّذي يبدأ منه نهر دجلة بلد ميّافارقين ونهر قباقب الّذي ذكرناه يقسم هذا الجزء بقطعتين إحداهما غربيّة جنوبيّة وفيها أرض باطوس كما قلناه وأسافلها إلى آخر الجزء شمالا ووراء الجبل الّذي يبدأ منه نهر قباقب أرض عمّورية كما قلناه والقطعة الثّانية شرقيّة شماليّة على الثّلث في الجنوب منها مبدأ دجلة والفرات وفي الشّمال بلاد البيلقان متّصلة بأرض عمّوريّة من وراء جبل قباقب وهي عريضة وفي آخرها عند مبدإ الفرات بلد خرشنة وفي الزّاوية الشّرقيّة الشّماليّة قطعة من بحر نيطش الّذي يمدّه خليج القسطنطينيّة. وفي الجزء السّادس من هذا الإقليم في جنوبه وغربه بلاد أرمينيّة متّصلة إلى أن يتجاوز وسط الجزء إلى جانب الشّرق وفيها بلدان أردنّ في الجنوب والغرب وفي شمالها تفليس ودبيل وفي شرق أردنّ مدينة خلاط مّ بردعة في جنوبها بانحراف إلى الشّرق مدينة أرمينيّة ومن هنالك مخرج بلاد أرمينيّة إلى الإقليم الرّابع وفيها هنالك بلد المراغة في شرقيّ جبل الأكراد المسمّى بأرمى وقد مرّ ذكره في الجزء السّادس منه ويتاخم بلاد أرمينيّة في هذا الجزء وفي الإقليم الرّابع قبله من جهة الشّرق فيها بلاد أذربيجان وآخرها في هذا الجزء شرقا بلاد أردبيل على قطعة من بحر طبرستان دخلت في النّاحية الشّرقيّة من الجزء السّابع ويسمّى بحر طبرستان وعليه من شماله في هذا الجزء قطعة من بلاد الخزر وهم التّركمان ويبدأ من عند آخر هذه القطعة البحريّة في الشّمال جبال يتّصل بعضها ببعض على سمت الغرب إلى الجزء الخامس فتمرّ فيه منعطفة ومحيطة ببلد ميّافارقين ويخرج إلى الإقليم الرّابع عند آمد ويتّصل بجبل السّلسلة في أسافل الشّام ومن هنالك يتّصل بجبل اللّكام كما مرّ وبين هذه الجبال الشّماليّة في هذا الجزء ثنايا كالأبواب تفضي من الجانبين ففي جنوبيّها بلاد الأبواب متّصلة في الشرق إلى بحر طبرستان وعليه من هذه البلاد مدينة باب الأبواب وتتّصل بلاد الأبواب في الغرب من ناحية جنوبيّها ببلد أرمينيّة وبينهما في الشّرق وبين بلاد أذربيجان الجنوبيّة بلاد الزّاب متّصلة إلى بحر طبرستان وفي شمال هذه الجبال قطعة من هذا الجزء في غربها مملكة السّرير في الزّاوية الغربيّة الشّماليّة منها وفي زاوية الجزء كلّه قطعة أيضا من بحر نيطش الّذي يمدّه خليج القسطنطينيّة وقد مرّ ذكره ويحفّ بهذه القطعة من نيطش بلاد السّرير وعليها منها بلد أطرابزيدة وتتّصل بلاد السّرير بين جبل الأبواب والجهة الشّماليّة من الجزء إلى أن ينتهي شرقا إلى جبل حاجز بينها وبين أرض الخزر وعند آخرها مدينة صول ووراء هذا الجبل الحاجز قطعة من أرض الخزر تنتهي إلى الزّاوية الشّرقيّة الشّماليّة من هذا الجزء من بحر طبرستان وآخر الجزء شمالا. والجزء السّابع من هذا الإقليم غربيّه كله مغمور ببحر طبرستان وخرج من جنوبه في الإقليم الرّابع القطعة الّتي ذكرنا هنالك أنّ عليها بلاد طبرستان وجبال الدّيلم إلى قزوين وفي غربيّ تلك القطعة متّصلة بها القطعة الّتي في الجزء السّادس من الإقليم الرّابع ويتّصل بها من شمالها القطعة الّتي في الجزء السّادس من شرقه أيضا وينكشف من هذا الجزء قطعة عند زاويته الشّماليّة الغربيّة يصبّ فيها نهر أثل في هذا البحر ويبقى من هذا الجزء في ناحية الشّرق قطعة منكشفة من البحر هي مجالات للغزّ من أمم التّرك يحيط بها جبل من جهة الجنوب داخل في الجزء الثّامن ويذهب في الغرب إلى ما دون وسطه فينعطف إلى الشّمال إلى أن يلاقي بحر طبرستان فيحتفّ به ذاهبا معه إلى بقيّته في الإقليم السّادس ثمّ ينعطف مع طرفه ويفارقه ويسمّى هنالك جبل سياه ويذهب مغرّبا إلى الجزء السّادس من الإقليم السّادس ثمّ يرجع جنوبا إلى الجزء السّادس من الإقليم الخامس وهذا الطّرف منه وهو الّذي اعترض في هذا الجزء بين أرض السّرير وأرض الخزر واتّصلت بأرض الخزر في الجزء السّادس والسّابع حافات هذا الجبل المسمّى جبل سياه كما سيأتي. والجزء الثّامن من هذا الإقليم الخامس كلّه مجالات للغزّ من أمم التّرك وفي الجهة الجنوبيّة الغربيّة منه بحيرة خوارزم الّتي يصبّ فيها نهر جيحون دورها ثلاثمائة ميل ويصبّ فيها أنهار كثيرة من أرض هذه المجالات وفي الجهة الشّماليّة الشّرقيّة منه بحيرة عرعون دورها أربعمائة ميل وماؤها حلو وفي النّاحية الشّماليّة من هذا الجزء جبل مرغار ومعناه جبل الثّلج لأنّه لا يذوب فيه وهو متّصل بآخر الجزء وفي الجنوب عن بحيرة عرعون جبل من الحجر الصّلد لا ينبت شيئا يسمّى عرعون وبه سمّيت البحيرة وينجلب منه ومن جبل مرغار شماليّ البحيرة أنهار لا تنحصر عدّتها فتصبّ فيها من الجانبين وفي الجزء التّاسع من هذا الإقليم بلاد أركس من أمم التّرك في غرب بلاد الغزّ وشرق بلاد الكيماكيّة ويحفّ به من جهة الشّرق آخر الجزء جبل قوقيا المحيط بيأجوج ومأجوج يعترض هنالك من الجنوب إلى الشّمال حتّى ينعطف أوّل دخوله من الجزء العاشر وقد كان دخل إليه من آخر الجزء العاشر من الإقليم الرّابع قبله واحتفّ هنالك بالبحر المحيط إلى آخر الجزء في الشّمال ثمّ انعطف مغرّبا في الجزء العاشر من الإقليم الرّابع الى ما دون نصفه وأحاط من أوّله إلى هنا ببلاد الكيماكيّة ثمّ خرج إلى الجزء العاشر من الإقليم الخامس فذهب فيه مغرّبا إلى آخره وبقيت في جنوبيّه من هذا الجزء قطعة مستطيلة إلى الغرب قبل آخر بلاد الكيماكيّة ثمّ خرج إلى الجزء التّاسع في شرقيّه وفي الأعلى منه وانعطف قريبا إلى الشّمال وذهب على سمته إلى الجزء التّاسع من الإقليم السّادس وفيه السّدّ هنالك كما نذكره وبقيت منه القطعة الّتي أحاط بها جبل قوقيا عند الزّاوية الشّرقيّة الشّماليّة من هذا الجزء مستطيلة إلى الجنوب وهي من بلاد يأجوج ومأجوج وفي الجزء العاشر من هذا الإقليم أرض يأجوج ومأجوج متّصلة فيه كلّه إلّا قطعة من البحر غمرت طرفا في شرقيه من جنوبه إلى شماله إلّا القطعة الّتي يفصلها إلى جهة الجنوب والغرب جبل قوقيا حين مرّ فيه وما سوى ذلك فأرض يأجوج ومأجوج والله سبحانه وتعالى أعلم. الإقليم السادس فالجزء الأوّل منه غمر البحر أكثر من نصفه واستدار شرقا مع النّاحية الشّماليّة ثمّ ذهب مع النّاحية الشّرقيّة إلى الجنوب وانتهى قريبا من النّاحية الجنوبيّة فانكشف قطعة من هذه الأرض في هذا الجزء داخلة بين الطّرفين وفي الزّاوية الجنوبيّة الشّرقيّة من البحر المحيط كالجون فيه وينفسح طولا وعرضا وهي كلّها أرض بريطانية وفي بابها بين الطّرفين وفي الزّاوية الجنوبيّة الشّرقيّة من هذا الجزء بلاد صاقس متّصلة ببلاد بنطو الّتي مرّ ذكرها في الجزء الأوّل والثّاني من الإقليم الخامس. والجزء الثّاني من هذا الإقليم دخل البحر المحيط من غربة وشماله فمن غربة قطعة مستطيلة أكبر من نصفه الشّماليّ من شرق أرض بريطانية في الجزء الأوّل واتّصلت بها القطعة الأخرى في الشّمال من غربة إلى شرقه وانفسحت في النّصف الغربيّ منه بعض الشّيء وفيه هنالك قطعة من جزيرة أنكلترّا وهي جزيرة عظيمة مشتملة على مدن وبها ملك ضخم وبقيّتها في الإقليم السّابع وفي جنوب هذه القطعة وجزيرتها في النّصف الغربيّ من هذا الجزء بلاد أرمندية وبلاد أفلادش متّصلين بها ثمّ بلاد إفرنسية جنوبا وغربا من هذا الجزء وبلاد برغونية شرقا عنها وكلها لأمم الافرنجة وبلاد اللّمانيّين في النّصف الشّرقيّ من الجزء فجنوبه بلاد أنكلاية ثمّ بلاد برغونية شمالا ثمّ أرض لهويكة وشطونية وعلى قطعة البحر المحيط في الزّاوية الشّماليّة الشّرقيّة أرض أفريرة وكلّها لأمم اللّمانيّين. وفي الجزء الثّالث من هذا الإقليم في النّاحية الغربيّة بلاد مراتية في الجنوب وبلاد شطونية في الشّمال وفي النّاحية الشّرقيّة بلاد أنكوّيّة في الجنوب وبلاد بلونيّة في الشّمال يعترض بينهما جبل بلواط داخلا من الجزء الرّابع ويمرّ مغرّبا بانحراف إلى الشّمال إلى أن يقف في بلاد شطونيّة آخر النّصف الغربيّ. وفي الجزء الرّابع في ناحية الجنوب أرض جثوليّة وتحتها في الشّمال بلاد الرّوسيّة ويفصل بينهما جبل بلواط من أوّل الجزء غربا إلى أن يقف في النّصف الشّرقيّ وفي شرق أرض جثوليّة بلاد جرمانية وفي الزّاوية الجنوبيّة الشّرقيّة أرض القسطنطينيّة ومدينتها عند آخر الخليج الخارج من البحر الرّوميّ وعند مدفعه في بحر نيطش فيقع قطيعة من بحر نيطش في أعالي النّاحية الشّرقيّة من هذا الجزء ويمدّها الخليج وبينهما في الزّاوية بلد مسيناه. وفي الجزء الخامس من الإقليم السّادس ثمّ في النّاحية الجنوبيّة عند بحر نيطش تّصل من الخليج في آخر الجزء الرّابع ويخرج من سمته مشرّقا فيمرّ في هذا الجزء كلّه وفي بعض السّادس على طول ألف وثلاثمائة ميل من مبدئه في عرض ستّمائة ميل ويبقى وراء هذا البحر في النّاحية الجنوبيّة من هذا الجزء في غربها إلى شرقها برّ مستطيل في غربة هرقليّة على ساحل بحر نيطش متّصلة بأرض البيلقان من الإقليم الخامس وفي شرقه بلاد اللّانيّة وقاعدتها سوتلي على بحر نيطش وفي شمال بحر نيطش في هذا الجزء غربا أرض ترخان وشرقا بلاد الرّوسيّة وكلّها على ساحل هذا البحر وبلاد الرّوسيّة محيطة ببلاد ترخان من شرقها في هذا الجزء من شمالها في الجزء الخامس من الإقليم السّابع ومن غربها في الجزء الرّابع من هذا الإقليم. وفي الجزء السّادس في غربيّه بقيّة بحر نيطش وينحرف قليلا إلى الشّمال ويبقى بينه هنالك وبين آخر الجزء شمالا بلاد قمانيّة وفي جنوبه منفسحا إلى الشّمال بما انحرف هو كذلك بقيّة بلاد اللّانيّة الّتي كانت آخر جنوبه في الجزء الخامس وفي النّاحية الشّرقيّة من هذا الجزء متّصل أرض الخزر وفي شرقها أرض برطاس وفي الزّاوية الشّرقيّة الشّماليّة أرض بلغار وفي الزّاوية الشّرقيّة الجنوبيّة أرض بلجر يجوزها هناك قطعة من جبل سياكوه المنعطف مع بحر الخزر في الجزء السّابع بعده ويذهب بعد مفارقته مغرّبا فيجوز في هذه القطعة ويدخل إلى الجزء السّادس من الإقليم الخامس فيتّصل هنالك بجبل الأبواب وعليه من هنالك ناحية بلاد الخزر. وفي الجزء السّابع من هذا الإقليم في النّاحية الجنوبيّة ما جازه جبل سياه بعد مفارقته بحر طبرستان وهو قطعة من أرض الخزر إلى آخر الجزء غربا وفي شرقها القطعة من بحر طبرستان الّتي يجوزها هذا الجبل من شرقها وشمالها ووراء جبل سياه في النّاحية الغربيّة الشّماليّة أرض برطاس وفي النّاحية الشّرقيّة من الجزء أرض شحرب ويخناك وهم أمم التّرك. وفي الجزء الثّامن والنّاحية الجنوبيّة منه كلّها أرض الجولخ من التّرك في النّاحية الشّماليّة غربا والأرض المنتنة وشرق الأرض الّتي يقال إنّ يأجوج ومأجوج خرباها قبل بناء السّدّ وفي هذه الأرض المنتنة مبدأ نهر الأثل من أعظم أنهار العالم وممرّه في بلاد التّرك ومصبّه في بحر طبرستان في الإقليم الخامس في الجزء السابع منه وهو كثير الانعطاف يخرج من جبل من الأرض المنتنة من ثلاثة ينابيع تجتمع في نهر واحد ويمرّ على سمت الغرب إلى آخر السّابع من هذا الإقليم فينعطف شمالا إلى الجزء السّابع من الإقليم السّابع فيمرّ في طرفه بين الجنوب والمغرب فيخرج في الجزء السّادس من السّابع ويذهب مغرّبا غير بعيد ثمّ ينعطف ثانية إلى الجنوب ويرجع إلى الجزء السّادس من الإقليم السّادس ويخرج منه جدول يذهب مغرّبا ويصبّ في بحر نيطش في ذلك الجزء ويمرّ هو في قطعة بين الشّمال والشّرق في بلاد بلغار فيخرج في الجزء السّابع من الإقليم السّادس ثمّ ينعطف ثالثة إلى الجنوب وينفذ في جبل سياه ويمرّ في بلاد الخزر ويخرج إلى الإقليم الخامس في الجزء السّابع فيصبّ هنالك في بحر طبرستان في القطعة الّتي انكشفت من الجزء عند الزّاوية الغربيّة الجنوبيّة. والجزء التّاسع من هذا الإقليم في الجانب الغربيّ منه بلاد خفشاخ من التّرك وهم قفجاق وبلاد الشّركس منهم أيضا وفي الشّرق منه بلاد يأجوج يفصل بينهما جبل قوقيا المحيط وقد مرّ ذكره يبدأ من البحر المحيط في شرق الإقليم الرّابع ويذهب معه إلى آخر الإقليم في الشّمال ويفارقه مغرّبا وبانحراف إلى الشّمال حتّى يدخل في الجزء التّاسع من الإقليم الخامس فيرجع إلى سمته الأوّل حتّى يدخل في هذا الجزء التّاسع من الإقليم من جنوبه إلى شماله بانحرافه إلى المغرب وفي وسطه ها هنا السّدّ الّذي بناه الإسكندر ثمّ يخرج على سمته إلى الإقليم السّابع وفي الجزء التّاسع منه فيمرّ فيه إلى الجنوب إلى أن يلقى البحر المحيط في شماله ثمّ ينعطف معه من هنالك مغرّبا إلى الإقليم السّابع إلى الجزء الخامس منه فيتّصل هنالك بقطعة من البحر المحيط في غربيّه وفي وسط هذا الجزء التّاسع هو السّدّ الّذي بناه الإسكندر كما قلناه والصّحيح من خبره في القرآن وقد ذكر عبد الله بن خرداذبه في كتابه في الجغرافيا أنّ الواثق رأى في منامه كأنّ السّدّ انفتح فانتبه فزعا وبعث سلّاما التّرجمان فوقف عليه وجاء بخبره ووصفه في حكاية طويلة ليست من مقاصد كتابنا هذا وفي الجزء العاشر من هذا الإقليم بلاد مأجوج متّصلة فيه إلى آخره على قطعة من هنالك من البحر المحيط أحاطت به من شرقه وشماله مستطيلة في الشّمال وعريضة بعض الشّيء في الشّرق. الإقليم السابع والبحر المحيط قد غمر عامّته من جهة الشّمال إلى وسط الجزء الخامس حيث يتّصل بجبل قوقيا المحيط بيأجوج ومأجوج فالجزء الأوّل والثّاني مغموران بالماء إلّا ما انكشف من جزيرة أنكلترّا الّتي معظمها في الثّاني وفي الأوّل منها طرف انعطف بانحراف إلى الشّمال وبقيّتها مع قطعة من البحر مستديرة عليه في الجزء الثّاني من الإقليم السّادس وهي مذكورة هناك والمجاز منها إلى البرّ في هذه القطعة سعة اثني عشر ميلا ووراء هذه الجزيرة في شمال الجزء الثّاني جزيرة رسلاندة مستطيلة من الغرب إلى الشّرق. والجزء الثّالث من هذا الإقليم مغمور أكثره بالبحر إلّا قطعة مستطيلة في جنوبه وتتّسع في شرقها وفيها هنالك متّصل أرض فلونيّة الّتي مرّ ذكرها في الثّالث من الإقليم السّادس وأنّها في شماله وفي القطعة من البحر الّتي تغمر هذا الجزء ثمّ في الجانب الغربيّ منها مستديرة فسيحة وتتّصل بالبرّ من باب في جنوبها يفضي إلى بلاد فلونيّة وفي شمالها جزيرة برعاقبة (وفي نسخة بوقاعة) مستطيلة مع الشّمال من المغرب إلى المشرق والجزء الرّابع من هذا الإقليم شماله كلّه مغمور بالبحرالمحيط من المغرب إلى المشرق وجنوبه منكشف وفي غربة أرض قيمازك من التّرك وفي شرقها بلاد طست ثمّ أرض رسلان إلى آخر الجزء شرقا وهي دائمة الثّلوج وعمرانها قليل ويتّصل ببلاد الرّوسيّة في الإقليم السّادس وفي الجزء الرّابع والخامس منه وفي الجزء الخامس من هذا الإقليم في النّاحية الغربيّة منه بلاد الرّوسيّة وينتهي في الشّمال إلى قطعة من البحر المحيط الّتي يتّصل بها جبل قوقيا كما ذكرناه من قبل وفي النّاحية الشّرقيّة منه متّصل أرض القمانية الّتي على قطعة بحر نيطش من الجزء السّادس من الإقليم السّادس وينتهي إلى بحيرة طرمى من هذا الجزء وهي عذبة نجلب إليها أنهار كثيرة من الجبال عن الجنوب والشّمال وفي شمال النّاحية الشّرقية من هذا الجزء أرض التّتاريّة من التّرك (وفي نسخة التركمان) إلى آخره. وفي الجزء السّادس من النّاحية الغربيّة الجنوبيّة متّصل بلاد القمانيّة وفي وسط النّاحية بحيرة عثور عذبة تنجلب إليها الأنهار من الجبال في النّواحي الشّرقيّة وهي جامدة دائما لشدّة البرد إلّا قليلا في زمن الصّيف وفي شرق بلاد القمانيّة بلاد الرّوسيّة الّتي كان مبدؤها في الإقليم السّادس في النّاحية الشّرقيّة الشّماليّة من الجزء الخامس منه وفي الزّاوية الجنوبيّة الشّرقيّة من هذا الجزء بقيّة أرض بلغار الّتي كان مبدؤها في الإقليم السّادس وفي النّاحية الشّرقيّة الشّماليّة من الجزء السّادس منه وفي وسط هذه القطعة من أرض بلغار منعطف نهر أثل القطعة الأولى إلى الجنوب كما مرّ وفي آخر هذا الجزء السّادس من شماله جبل قوقيا متّصل من غربة إلى شرقه وفي الجزء السّابع من هذا الإقليم في غربة بقيّة أرض يخناك من أمم الترك وكان مبدؤها من النّاحية الشّماليّة الشّرقيّة من الجزء السّادس قبله وفي النّاحية الجنوبيّة الغربيّة من هذا الجزء ويخرج إلى الإقليم السّادس من فوقه وفي النّاحية الشّرقيّة بقيّة أرض سحرب ثمّ بقيّة الأرض المنتنة إلى آخر الجزء شرقا وفي آخر الجزء من جهة الشّمال جبل قوقيا المحيط متّصلا من غربة إلى شرقه. وفي الجزء الثّامن من هذا الإقليم في الجنوبيّة الغربيّة منه متّصل الأرض المنتنة وفي شرقها الأرض المحفورة وهي من العجائب خرق عظيم في الأرض بعيد المهوى فسيح الأقطار ممتنع الوصول إلى قعره ستدلّ على عمرانه بالدّخان في النّهار والنّيران في اللّيل تضيء وتخفى وربّما رئي فيها نهر يشقّها من الجنوب إلى الشّمال وفي النّاحية الشّرقيّة من هذا الجزء البلاد الخراب المتاخمة للسّدّ وفي آخر الشّمال منه جبل قوقيا متّصلا من الشّرق إلى الغرب وفي الجزء التّاسع من هذا الإقليم في الجانب الغربيّ منه بلاد خفشاخ وهم قفجق يجوزها جبل قوقيا حين ينعطف من شماله عند البحر المحيط ويذهب في وسطه الى الجنوب بانحراف الى الشّرق فيخرج في الجزء التّاسع من الإقليم السّادس ويمرّ معترضا فيه وفي وسطه هنالك سدّ يأجوج ومأجوج وقد ذكرناه وفي النّاحية الشّرقيّة من هذا الجزء أرض يأجوج وراء جبل قوقيا على البحر قليلة العرض مستطيلة أحاطت به من شرقه وشماله. والجزء العاشر غمر البحر جميعه. هذا آخر الكلام على الجغرافيا وأقاليمها السّبعة وفي خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار لآيات للعالمين.
1:30:59
الدرة اليتيمة عبد الله بن المقفع فنون الحكمة والأدب كتاب صوتي كامل بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
103.2K مشاهدة · 10 months ago
5:53:27
الخيميائي الكتاب كاملا باولو كويلو Alchemist in Arabic بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
451.5K مشاهدة · 3 years ago
11:43:23
الكتاب المسموع وقائع عربية حكايات عربية تاريخية مؤثرة
الفلسفة للجميع / Philosophy for all بودكاست فلسفي
69.7K مشاهدة · 3 years ago
2:01:48
الفراسة دليلك لمعرفة أخلاق الناس وطبائعهم للإمام الرازي كامل الكتاب
Lisan Arabi لسان عربي
1.3M مشاهدة · 1 year ago
2:42
I want to learn the Arabic language What are the most important books that deal with the language
الشيخ الدكتور أحمد النقيب - البصيرة نت
155.2K مشاهدة · 9 years ago
2:40:02
الفتوحات المكية لمحي الدين ابن عربي كتاب صوتي
سياقات
556.6K مشاهدة · 7 years ago
0:16
افضل 5 كتب رح تغير حياتك
Kazema Mohamad
509.6K مشاهدة · 2 years ago
5:41
عشرة كتب في الإثراء اللغوي والآداب
المثنى بن عبدالعزيز الجرباء
86.8K مشاهدة · 4 years ago
27:40
الكتاب الأول – الدرس الأول – سلسلة العربية بين يديك Book 1 Lesson 1 Arabyah Bayn Yadaik
Arabic Students' Gate
517K مشاهدة · 5 years ago
0:55
تلخيص الكتب القراءة العربي البكور
تحدي القراءة العربي Arab Reading
235.9K مشاهدة · 3 years ago
14:04
reading only ARABIC books for a week in english
Jack Edwards
381.8K مشاهدة · 5 years ago
0:59
خطة سحرية لاختيار الكتب
تحدي القراءة العربي Arab Reading
32.5K مشاهدة · 3 years ago
0:05
نطق كلمة كتاب
ذاكرلي بسهوله
29.8K مشاهدة · 1 year ago
1:00
كيف أجابت شام على السؤال النهائي للدكتورة ليلى العبيدي على مسرح تحدي القراءة العربي
Emirates Loves Syria - الإمارات تحب سوريا
15.4M مشاهدة · 3 years ago
32:30
حل كتاب التقييمات صفحة 59 60 61 62 63 مراجعة عامة علي المنهج لغة عربية الصف الاول الاعدادي اخر العام