الذهان كيف يفكر عقلك خارج الصندوق وأحيانًا خارج العالم │ في الحضارة

الذهان كيف يفكر عقلك خارج الصندوق وأحيانًا خارج العالم │ في الحضارة

النص الكامل للفيديو

حد فيكم ركّز قبل كدا في رقم 7؟ لو ركّزتم فيه، هتلاقوه بيشرح كل حاجة. بيشرح ليه قعدنا 7 سنين في 1444 هجرية! وبيشرح ليه التقويم الميلادي غلط! الكون حقيقته مش زي ما تبانلكم، الناس خلاص كلّموني وشرحولي كل حاجة ماشية ازاي! "ترامب" مجرد Robot! "الأرض" مُسطّحة! الـHammer هولوجرام جواه لُمَض نيون! الكون حقيقته مش زي ما انتم فاهمين. سمعتم عن تجربة الـRobot المدجن؟ دي تجربة "إيلون ماسك" بدأ يخططلها، بدأ يزرع شرايح في دماغ الطيور، عشان يبقى عندها وعي! الوعي دا هيتعمل بالـAI، من وعي ناس ماتت! مش واخدين بالكم من حاجة هنا؟! إحياء الموتى، فتنة "المسيخ الدجّال" يا حضرات! قريب أوي... دا وكل الطيور أصحابه هيحكموا العالم للمرة الأخيرة قبل نهايته! وهي دي قوة الأرقام...! إيه دا؟ إيه دا؟! إيه دا؟! هُمّا بعتوكم؟! اهدا، هنجوزك "هنومة"! ما تزعلش منّي يا صاحبي، أنا اللي عملت فيك كدا. انت شرّبته حاجة من إياهم؟ نوع جديد اسمه "عيد الفطر"، صراصير وهلاوس ومؤامرات، زي ما انت شايف كدا! صراصير إيه؟! وفطريات إيه؟! سيبوني! "رضا"، ركّز مع حركة الطيور! اخرج من السرب! ما تقلقش، دي نوبة ذُهان، كلها جلستين كهربا، وهترجع تاني. لأ، خُد بالك، لازم يرجع. ولو ما رجعش، الطيور هتحكم العالم بالذكاء الاصطناعي، مش "سيد وزّة" لسة مكمّلة في خطته؟ مكمّل إيه؟ دا وصل للجدار الجليدي! آه، هي ماشية بينكم كدا؟! طب هاتلي الأستاذ دا كمان. بعتّ رجالتك ياخدونا؟! ماشي! بس احنا راجعين! مش هتمشّونا على مزاجكم! مش هتمشّونا على مزاجكم! مش هتمشّونا على مزاجكم! And The Itsy Bitsy Spider Climbed Up The Spout Again. ليا واحد صاحبي حكالي قصة، إنه من 3 سنين، راح هو و2 أصحابه مدينة الرب، "دهب". سامعك دلوقتي وانت بتقولّي: "مدينة الرب هي (إسكندرية)". أولًا، صديقي الإنسان، ما فيش أي قصة تاريخية واحدة تقولّنا سبب تسمية "إسكندرية" بـ"مدينة الرب". لكن القصة اللي صاحبي بيحكيهالي دي على الأقل بتفسر ليه بأقول على "دهب" مدينة الرب. عارف إيه أغبى حاجة ممكن تعملها، صديقي الإنسان، وانت رايح "دهب"؟ بالظبط، إنك تاخد معاك مخدرات. لو عملت كدا، فالظابط لمّا يفتشك في الكمين، ويطلّع منك الحشيش، هيقبض عليك، بس مش بتهمة حيازة مخدرات، بتهمة الغباوة! وعشان صاحبنا دا أذكى من كدا، راح هو وأصحابه "دهب" فاضيين، وقرروا إن هما يقضوا من هناك. المهم إن الـDealer عملّهم عرض ما يقدروش يرفضوه، هما في البداية، كانوا رايحين يقضوا 5 جرام هيدرو، يقضّوا بيهم الليل، لكن الـDealer عم "أبو عُدَي"، الله يمسيه بالخير، قالّهم إن فيه عرض 50% على الـ50 جرام. طب هيشربوهم امتى دُول؟! ما مروّحين بعد يومين! المهم، إن هما في النهاية، قرروا يسهروا يخلّصوا كل المخدرات اللي معاهم، ما هو أكيد يعني مش هيرموا النعمة! سهروا هما الـ3 آخر يوم على الـ50 جرام هيدرو، وفي آخر السهرة، كان وضعهم غريب شوية. يعني، صاحبي مثلًا ساعتها كان مقتنع إن هو يقدر يمشي على الميّه. واحد تاني كان بيحلفلهم إن أبوه وعمه هما اللي اخترعوا الإنترنت، وكان قافل تليفونه، عشان ما يراقبوهوش على الطريق! والتالت، كان مقتنع بإن هو شخصيًا شهر ذو القعدة، وإنه مش هينفع يقوم من قعدته أو يتحرك من مكانه، عشان ما يتحولش لشهر تاني! الشيء المشترك بينهم كلهم في الليلة دي هو حاجتين، الأولى، إنهم ما كانوش بيهزروا، لأ، دُول كانوا مقتنعين تمام الاقتناع بادعاءاتهم دي عن نفسهم. والحاجة التانية إنهم في اللحظة دي كانوا كلهم مقتنعين بتمام اليقين وتمام المعرفة قطعًا، بإن ربنا موجود. مش بس إن كلهم كانوا مؤمنين بيه ساعتها، لأ، دا كأنهم كانوا جربوا وقتها يعني إيه يقين إنك تبقى مؤمن بالله كأنك شايفه، وإن ما فيش ولا ذرّة شك بتحول بينهم وبين إدراكهم الثابت دا بوجود الإله. اللي هما كانوا فيه دا، الطب النفسي بيسمّيه "نوبة الذُهان"، واللي بيعرّفه "يوهان ليسي" في دراسته عن الذُهان ويبدو عليه تجربته وتكوينه بإنه: وهما بعد ما المخدرات خرجت من جسمهم، ما كانش حد فيهم عنده شك إن هما كانوا في نوبة ذُهان، وإن أفكارهم كلها كانت أفكار طائشة، ما حدش لسة كان مقتنع بالضلالات اللي كانوا بيقولوها دي! ودا اللي خلّى التجربة تبقى أصعب عليهم، إذا كان كل اللي كانوا مقتنعين بيه في الوقت دا كان ضلالات، يعني، لا صاحبي دا بيمشي على الميّه، ولا هو قاعد بيخرب مع شهر ذو القعدة، ولا عم "سعيد عضمة"، أبو صاحبنا، هو اللي اخترع الإنترنت مع أخوه "محسن عضمة"! بس باقي حاجة واحدة بس كانوا متأكدين منها بعنف وشايفينها قُدّامهم طول الوقت، وهي إن أكيد ربنا موجود. ودا ساب جوايا سؤال مُلِحّ عايز أفهمه، مع الوقت، هما كانوا فين؟! وليه كانوا حاسين بالمكان والزمان بطريقة متشابهة جدًا ما بينهم هما الـ3، لكنها مختلفة عن كل الناس؟ كأنهم في بُعد تاني، والبُعد دا له قوانين وحقايق مختلفة. لمّا انت كنت في خامسة ابتدائي، صديقي الإنسان، درست حاجة اسمها "مثلث (باسكال)"، عشان تساعدك في حساب التوافيق والتباديل، ودي النظرية اللي اتسمت على اسم عالم الرياضيات الشهير "بليز باسكال". "باسكال" كان واحد من أكتر الشخصيات النابغة اللي مرت على تاريخ العالم. ساعد علماء جيله في تطوير نظريات كتير زي نظرية الاحتمالات، وتجاربه في ميكانيكا السوائل اللي اخترع على أساسها مبدأ "باسكال"، واختراعه للبارومتر والآلة الحاسبة. وكان "باسكال" بيقدّر العِلم وبيقدّر الشك، ولأنه كان مخلص فعلًا لفكرة الشك، فما كانش بيطبقه بس على اللي مقتنع بيه، لأ، كان بيشك كمان في الأشياء اللي هو مش مؤمن بيها، إذا كان ممكن تطلع صح، ودا اللي بيوضح اهتمامه وتساؤلاته حوالين محدودية عقل الإنسان والبحث عن الحقيقة المُطلَقة. علشان تفهم، صديقي الإنسان، نبوغ "باسكال" العقلي، لازم تعرف معلومة مهمة، وهي إن "باسكال" اللي كان صاحب إسهامات غيّرت شكل العالم في علوم كتير دا، مات وهو عنده 39 سنة بس، ما كانش محتاج عمر أكتر من كدا، علشان ينتج كل المعرفة اللي أنتجها دي. لكنه قبل ما يموت بـ8 سنين، حصلّه تجربة غريبة شوية، وهي دي الحاجة اللي بأحكيلك القصة دي بسببها أصلًا. في ليلة 23 نوفمبر سنة 1654، اتعرّض "باسكال" لنوبة ذُهان، أو بتعبير آخر، اتعرّض لومضة من الجنون، شيء أشبه بالرؤيا أو الوحي. ولمّا كان "باسكال" جوا النوبة اللي أصابته دي، كتب ملحوظة على رُقعة، ولمّا مات، لقوا الرُقعة دي متخيطة في جيب الـ"جاكت" بتاعه، الرُقعة كان مكتوب عليها بخط "باسكال"... وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته! عندنا مثال تاني لفيلسوف لاهوتي مشهور كتب عشرات المؤلفات الضخمة في العصور الوسطى، وهو "توما الأكويني"، لكنه في مرة وهو بيتعبّد قُدّام الصليب، شاف رؤيا أو استبصار، خلّته يمتنع عن الكتابة مرة تانية لباقي حياته، على عكس "باسكال"، اللي بعد ومضة الجنون اللي أصابته دي، بدأ يكتب بشكل مكثف في الفلسفة بطريقة روحانية، مختلفة عن كل كتاباته قبلها. لكن "توما الأكويني" كتب جملة واحدة بس بعد اللي حصلّه، واللي ممكن نسمّيه بلُغة عصرنا إنه مس من الجنون. كتب... ودا قد يكون مشابه للي حصل لـ"نيشته" برضه، اللي مر بمس من الجنون، فقد القدرة على الكلام والحركة من بعده لسنين، قبل ما يموت في سريره. كأن خيط أو علاقة خفية بين الذُهان والفلسفة، أو على الأقل، بين الذُهان والمحاولات المستميتة لفهم العالم. قبل ما أكمّل في الأفكار اللي جاي أطرحها عليك النهاردة، صديقي الإنسان، احنا مضطرين الأول نبص بصة على الذُهان من مراية الطب النفسي الإكلينيكي، بحيث ناخد كلام الأطباء النفسيين في الحسبان قبل ما نركب مع بعض أمواج التفكير الحُرة في الموضوع دا، ونحاول نتلصص على الذُهان ونشوف شكله من جوا عامل ازاي، وعشان برضه، الدكاترة النفسيين ما يعملولناش فضيحة! حسب تعريف الطب النفسي... أهو تعريف من اللي هو محتاج تعريف! بس تعالى نفهم مع بعض كلمة كلمة، في البداية، الطب بيعرّف الذُهان بإنه اضطراب عقلي، الاضطراب العقلي دا مختلف عن الاضطراب النفسي. يعني، الاضطراب النفسي بيكون تأثيره على حالة الإنسان العاطفية، الفرح والحزن، أد إيه هو خايف أو قلقان، عنده ضغوط يومية، عنده مشاكل في علاقاته، وبيتصرف بطريقة مش ناضجة أوي، أو بياخد قرارات متسرعة، كل دا ممكن يبقى تحت بند الاضطراب النفسي، اللي هو المريض فيه بيكون مدرك كل شيء زيه زي السليم بالظبط، والمختلف بينهم بس هو مشاعرهم ناحية الحاجات. المريض العقلي بقى في حتة تانية خالص، المرض العقلي هو مشكلة في إدراك العالم أصلًا، الشخص دا بيشوف العالم بطريقة غير اللي السليم بيشوف بيها، والإدراك دا بيبقى جواه، زي إنه يبقى عنده أفكار غلط أو ضلالات جوا دماغه، وفي حالات تانية، بيسمع أصوات وبيشوف حاجات مش حقيقية أصلًا، واللي هي بتتسمى بالهلوسات، بيسمع بودانه شخص بيكلمه، أو شيء بيكلمه، رغم إنه مش شايفه، أو حتى يشوف حاجات مش حقيقية. ورغم إنه بيسمع الأصوات دي، أو بيشوف الصور دي في العالم الخارجي، فدا بيكون بسبب اضطراب العقل. يعني، زي ما انت عارف، صديقي الإنسان، أو أتمنى إنك تكون عارف يعني، العقل هو المسئول عن كل حواسك، يعني، لمّا بتحس إن صباعك بيوجعك، دا مش صباعك اللي بيوجعك، دي إشارة من عقلك إن صباعك اتلسع أو اتعور، عشان تروح تعالجه أو تبعد إيدك عن مصدر النار مثلًا، وبالتالي، لمّا بيحصل خلل في العقل، أوقات العقل يبعت إشارات كاذبة للحواس، واللي بتتسمى بـ"الهلاوس"، اللي هي نفس الشيء اللي بيتفسر في الثقافة الشعبية بالمَسّ من الجن، وبيتعاملوا مع الهلوسات دي في بعض القرى بإنهم يمسكوا الشخص اللي لابسه الجن دا، من وجهة نظرهم، ويكتفوه، ويرنّوه علقة موت، لحد ما الجن يطلع منه، ويبطّل يسمع أو يشوف الأصوات دي تاني! طبعًا، أنا عندي نظرية، صديقي الإنسان، وهي إن الشخص الملبوس دا ما بيبطلش يشوف ويسمع هلوسات ولا حاجة، هو بس بيبطّل يحكي عن الهلاوس بتاعته دي، عشان بيخاف يترن العلقة دي تاني! لكن النمط الشائع والمنتشر في الذُهان هو الضلالات، اللي هو إن الإدراك الوهمي دا ما يبقاش حاجة انت شايفها بعينيك أو سامعها بودانك، وإنما صوت جوا دماغك، بيقولّك مثلًا إن فلان دا بيحتقرك، وهو في الحقيقة مش كدا، أو إن مراتك بتخونك، وهي ست مخلصة جدًا، أو إن فيه منظمة سرّية بتطاردك عشان تقتلك، ورئيس المنظمة دي هو الفنان "سيد رجب"! أو إن الناس قادرة تقرا أفكارك، أو إنك قادر تقرا أفكار الناس وتعرف اللي بيدور جواهم من مجرد النظر في عينيهم. وعند درجة معيّنة من الضلالات، البني آدم مننا، صديقي الإنسان، ما بيكونش قادر يفرّق بين الحقيقة والوهم، أو يكوّن أي نظرية واقعية ومنطقية عن اللي بيحصل حواليه في العالم، وبيفقد الإرادة وبيكون محتاج للرعاية الطبية والتدخل الدوائي، عشان عقله يرجع يميز ولو شوية بين الحقيقة والوهم. أغلب محاولات الطب النفسي لفهم الذُهان والتعامل معاه، بتكون مهتمة بالكلام عن الذُهان من نفس الزاوية دي، فمثلًا، لو حد عنده ضلالات أو هلاوس بيروح العيادة النفسية، الطبيب النفسي اتعلّم في الكلية إن الذُهان هو اضطراب مرتبط باختلال في مستويات هرمون الدوبامين في الدماغ، وبالتالي، لو المريض خد الأدوية اللي هيكتبهاله في الـ"روشتة" دي، ومستويات هرمون الدوبامين في الدماغ اتغيرت، المريض هتبطّل تجيله الحالة مرة تانية، والمريض فعلًا بتبطّل تجيله الحالة مرة تانية. بس مشكلة الأدوية دي إنها بتسكّت كل الأصوات اللي جوا دماغ المريض، سواء كان ضلالات أو غيرها. الفيلسوف الهولندي "ووتر كوسترس" في كتابه "فلسفة الجنون"، بيقول إننا بفضل الطب النفسي بقينا قادرين فعلًا نعرف طبيعة المادة أو الهرمون اللي بيشكّل الجنون في الدماغ وبيسبب الخلل فيه، لكن دا على أد ما هو مفيد، مش بيخلّينا نعرف إيه هو الجنون نفسه. وبيشبّه الموضوع دا بفيلم American Psycho، لمّا كان البطل فيه مهووس بالستات، ونفسه يفهم إيه هي أسرار الأنوثة، وعشان يكتشفها، كان بيجيب الستات ويقطّع جسمهم، ويدوّر جواه على أسرار الأنوثة دي! أو زي مثلًا، إن واحدة تجيب سكّينة وتفتح قلب جوزها، علشان تعرف مين الستات اللي في قلبه غيرها! مش هتلاقي حاجة يا بنت المجنونة! وعشان كدا، "ووتر كوسترس" بيحاول يغض النظر عن التفكير المادي بتاع الطب النفسي دا في الجنون، وبيعتبر إننا إذا اختزلنا العقل أو الحُب أو الجنون في صورة مادة أو مجموعة هرمونات أو شكل معيّن للخلايا العصبية، فدا ما بيخلّيناش نفهم إيه هو الشيء اللي اختزلناه دا، احنا أينعم، أهو جيبناه، اختزلناه في شوية ظواهر بتحصل جوا دماغ الشخص المجنون، لكننا لسة مش قادرين نفهم إيه هو أصلًا، إيه معناه، وإيه سببه، وعشان نفهمه، محتاجين نفكر فيه بطريقة مختلفة عن الطريقة اللي بيفكر بيها أطباء الأعصاب وعلماء الأدوية. وبالتالي، فالعلم بيتعامل مع الدماغ بالشكل المادي الملموس دا، علشان يعالج حاجة غير ملموسة أصلًا، خصوصًا إن الذُهان، زي ما قُلنا، مش شكل من أشكال الاضطرابات النفسية، احنا هنا مش بنتكلم عن شخص شايف العالم بنضارة سودا، أو بيكره الناس أو بيكره نفسه، أو عنده صعوبات في التعامل مع الآخر، احنا بنتكلم عن شخص شايف العالم كله غير ما احنا شايفينه أصلًا! شخص انت ممكن تبقى عايش معاه كل يوم، ممكن يكون صديقك أو زميلك في السكن، وبتتعرّضوا لنفس الظروف والأحداث، لكن المفاجأة إن إدراكك للواقع مختلف عن إدراكه للواقع. إدراكك للمكان مختلف عن إدراكه للمكان، وإدراكك للزمن مختلف عن إدراكه للزمن، عالم كامل شبه عالمنا، لكنه مقلوب 360 درجة! "قصدك 180 درجة؟" لأ، صديقي الإنسان، 360 درجة، بحيث يبدو كأنه هو هو نفس العالم ظاهريًا، لكن كل حاجة فيه اتغيرت لمّا اتشقلبت. في مقدمة كتابه "فلسفة الجنون"، بيستعير "ووتر كوسترس" أسطورة من رواية قراها في مراهقته، الأسطورة دي كانت اسمها "آلة رينيوس"، وهي آلة بتقوم بمهمة بسيطة جدًا، ولكنها مميزة جدًا، وظيفة الآلة دي إنها بتعكس أي شيء تحطه فيها، زي المراية، فلو حطيت فيها فردة الجزمة اليمين، هتطلعلك الناحية التانية فردة شمال، لو حطيت فيها فتاحة نبيذ مبرومة في اتجاه عقارب الساعة، هتطلعلك الناحية التانية فتاحة نبيذ مبرومة عكس اتجاه عقارب الساعة، وبالتالي، لو حطيت فيها إنسان كامل، هيطلعلك الناحية التانية هو هو الإنسان، ما اتغيرش في شكله حاجة، لكن لو كان أيمن، هيبقى أشول، لو جايب شعره على جنب، هيطلع منها جايب شعره على الجنب التاني، ولو قلبه في الشمال، هيطلع منها قلبه في اليمين. والأهم من دا في المثال دا إنك لو دخلت في الآلة دي وطلعت منها، وعيك نفسه هينعكس، العالم حواليك هيبان مُشوَّه بالكامل، هتشوف العربيات ماشية على الشمال، بدل اليمين، مع إنها ماشية على اليمين عادي، لو شخص مدّلك إيده اليمين، هتشوفه ماددلك إيده الشمال، لو حد قالّك: "تور"، هتقول: "احلبوه"! بيقول "كوسترس" إن الذُهان زي آلة "رينيوس" كدا، ولمّا تطلع من الآلة دي، هيبقى عندك افتراضين أساسيين، إما إن العالم كله اتبدل، وإما إنك انت اللي اتبدلت. في حالة المجنون أو مريض الذُهان، تقدر تلاحظ عليه تغيرات وتشوف ازاي هو بيتصرف تصرفات غريبة وبيقول كلام خارج سياقه، لكن من وجهة نظره هو كمان، العالم كله بيتصرف بشكل غريب، لكنه مع ذلك، مثير للفضول والمتعة والاكتشاف. وبيكون قُدّامه حل من اتنين، إما إنه يتعامل مع تجربته دي على إنها جنون، وإن كل اللي بيتعرّضله واللي بيختبره ما لهوش سياق في العالم الواقعي، وبالتالي، هينكر المتعة اللي في التجربة، هينكر رغباته وفضوله ناحيتها وناحية اكتشافها، وبالتالي، هينكر نفسه وينكر العالم اللي بيجربه دا، واللي هو أكثر منطقية في نظره من العالم اللي بيحاول كل اللي حواليه إن هما يشرحوهوله، أو إنه يصدّق أفكاره وأحاسيسه دي، ويسيب نفسه لاكتشاف الواقع البديل اللي هو عايش فيه لوحده دا. لأن الواقع اللي المجنون بيجربه ويعيشه دا، بيكون شعوره بيه أكثر واقعية كتير من درجة إحساس العقلاء بواقعية العالم بتاعهم. يعني، المجنون بيكون حاسس بواقعية العالم بتاعه أد العاقل لدرجة قد تصل إلى عشرات المرات، الواقعية اللي بيسمّوها الفلاسفة وعلماء النفس بـ"الواقعية الفائقة". صديقي الإنسان، ليا واحدة صاحبتي دكتورة في مستشفى "العباسية"، قالتلي في مرة إن عندهم مريض في المستشفى ما كانش عارف ينام امبارح بالليل من فرحته إنه بقى رئيس جمهورية! أهو دا مصدّق إن هو رئيس جمهورية أكتر من اللي كسبها بالصندوق! أو زي ما بيقول الكاتب الإنجليزي "كاستانس" عن نوبة ذُهان أصابته... في 1974، اتنشر كتاب بعنوان These Are My Sisters، واللي كاتبة الكتاب دا قررت تنشره تحت الاسم المستعار "لارا جيفرسون"، علشان تحكي فيه بحرّية عن تجربتها الشخصية داخل مستشفى الأمراض العقلية بعد ما اتشخّصت بالجنون، بتقول فيه عن تجربتها مع الذُهان... كلام بيعبّر عن نفس الوصف، لكن المميز هنا في كلام "لارا جيفرسون"، هو وصفها لأن كل مجنون هو عالم مستقل في حد ذاته، ولا يمكن يشترك اتنين مجانين في عالم واحد من الجنون. الكلام دا، صديقي الإنسان، هو مفتاح من مفاتيح الفلاسفة للتفكير في الجنون، الفلسفة ميزتها إنها بتتشكك في النتايج، وبتطرح أكتر أسئلة بدائية، وترجع تفكر فيها، والسؤال هنا: هو ليه احنا متأكدين من إن الواقع بتاعنا هو الحقيقة، وإن واقع المجنون هو اللي مزيف؟ وبالتالي، تعالوا نطلع رحلة فلسفية مع بعض دلوقتي، ونسأل نفسنا: ازاي نقدر نعرف الحقيقي من المزيف؟ في البداية، لو سهّلنا السؤال على الآخر، وتخيّلنا إن عيد ميلادك، صديقي الإنسان، بُكرة، وأنا رُحت مميّل عليك بـ"جاكت (بامب أديداس)" هدية، لزوم الشتا، فانت فرحت بالـ"جاكت"، بس لأنك عندك شكوك في نوايا الآخرين وعدم ارتياح ليهم، اللي هو واحد من أعراض الذُهان، حسب الطب النفسي بالمناسبة يعني، فانت حسيت إن الـ"جاكت" دا انت شُفته قبل كدا في فيديو من فيديوهات "الأفريقي". دلوقتي الحل الوحيد علشان تقدر تحدد الـ"جاكت" دا من "أديداس" ولّا من عند "الأفريقي"، هو إنك تعمل حاجة سهلة جدًا، وهي إنك تلبس الـ"جاكت" دا وتطلع على أقرب فرع لـ"أديداس"، وتبص على الـ"جواكت" الـ"بامب" المعروضة هناك، وتقارن بينها وبين اللي معاك، لو شبه حاجة فيهم، يبقى حقيقي، ولو لأ، يبقى مزيف. نفس الفعل دا ممكن تعمله برضه في شكوكك الموجودة جوا دماغك، يعني، بدل ما تقارن الـ"جاكيت" اللي جالك بالـ"جواكت" الأصلية، ممكن تقارن الفكرة نفسها بالأفكار الموجودة. بمعنى، إنك تقول: "دلوقتي أنا شاكك في صاحبي دا، وحاسس إنه بيغفّلني!" فتبدأ تفكر في صاحبك دا، هل عمره غفّلك قبل كدا؟! ولو الإجابة لأ، هتسأل نفسك برضه: هل عمرك شُفت صاحبك دا بيغفّل حد غيرك قبل كدا من وراه، وانت كنت شاهد على التغفيلة دي؟ ولمّا تقارن الفعل اللي انت شاكك فيه دا، اللي هو لحد دلوقتي مش متأكدين من واقعيته، بأفعال صاحبك الواقعية اللي انت شُفتها وشهدت عليها قبل كدا، بتكتشف إن الفعل دا مش زي أفعاله وتصرفاته، وبالتالي، هتصدّق إنه ما ضحكش عليك. الفلسفة لأنها فعل متشكك، زي ما بنقول، وبيحاول يتلف حوالين الأشياء من عدة جهات، عشان يضمن صحتها وسلامة جوهرها، فهي بتتعامل بنفس المبدأ دا مع فكرة الواقع، عن طريق إن هي بتعتبر كل اللي احنا نعرفه واللي بنختبره جوا دماغنا ممكن يبقى شوية أوهام غير واقعية، وإن الواقع الحقيقي ممكن يكون مستخبي ورا الأفكار المزيفة دي، وبالتالي، فهي بتتعامل مع كل الأفكار الذاتية واللي بتيجي للبني آدم جوا دماغه على إنها أوهام محتملة في مقابل الحقيقة، أو خيال في مقابل الواقع، وبالتالي، التجربة البشرية الذاتية في مقابل المعرفة الحقيقية. لأن الخيال والتجربة الإنسانية بتتكون من احتمالات لا نهائية، وبالتالي، مش هينفع نتعامل مع واحدة فيهم على إنها الواقع، لأن الواقع ما يقبلش كل الاحتمالات دي، الواقع واحد بس، زي "محمد رمضان" كدا! وبالتالي، فالواقع بيتميز باستقلالية دايمة عن نظرتنا ليه، وإن كل معنى ممكن ندركه من الواقع ممكن نلاقينا بعد شوية بنكتشف إن الواقع دا بيتمرد على كل معانينا دي، وبيثبت انفصاله الدايم عنها. فمثلًا، لو انت قاعد في أمان الله، وواحد صاحبك بعتلك رسالة، بيقولّك فيها: "وأنا سايق العربية ورايح الساحل، اشتغلت على الراديو أغنية كنا بنرقص عليها سوا، وبصراحة، الأغنية دي لمّا اشتغلت فكرتني بيك، فقُلت أبعتلك أسلّم عليك." فانت فكرت إن صاحبك دا بقاله زمن ما بيبعتلكش، لدرجة إن جه في بالك إنه ناوي يقطع علاقتك بيك، وحسب آخر معرفة بينك وبينه، ما كانش عنده عربية، ولا كان معاه فلوس يروح بيها الساحل. فأول حاجة جت في بالك إنه غالبًا بيورّيك إنه جاب عربية ورايح الساحل، وحياته أحسن من حياتك، وإلا كان إيه اللي هيخلّيه يفوّت كل الوقت دا وما يسألش عليك، ويقرر النهاردة إنه يبعتلك الرسالة دي بالتحديد بالمعلومات اللي فيها دي؟ اللي ممكن يكون جه في بالك دا، الفلسفة بتعتبره خيال أو أوهام، وعلم النفس ممكن يعتبره عرض من أعراض الذُهان، بالذات لو هي دي الطريقة الدايمة اللي بتفكر بيها في العالم والأشخاص من حواليك. رغم إنه فلسفيًا انت ممكن تثبت لنفسك صحة احتمالية إن يكون صاحبك دا مش سالك وبيعايرك، لكن هتفضل أغلب أفكارك دي لا ترقى لدرجة الحقيقة أو الواقع، لأنها أفكار ذاتية تخصك انت، وتخص تجربتك انت في التعامل مع العلاقات في العموم، ومع علاقتك بصاحبك دا بشكل خاص. فاللي انت حسيت ناحيته بالإهانة دا في واقعه لا يحمل أي إهانة، الحالة الوحيدة اللي نقدر نعتبر فيها الرسالة دي مهينة، هي إن عدد من الناس يقروها، ويتفقوا على كونها إهانة، ساعتها بس، شعورك الخاص بالإهانة دا، ما بقاش انطباع شخصي منفرد، وإنما بقى اتفاق بين عدد من الناس ما بتجمعش بينهم نفس التجربة الإنسانية، لكنهم رغم كدا من مختلف أماكنهم، شافوا الإهانة اللي موجودة في الرسالة. زي ما بتقول "إليك مولر" في أطروحتها عن الافتراضية والمادية، إن الأشياء علشان تخرج من كونها افتراض لأننا نعتبرها حقيقة مادية، لازم تلمس جميع حواس الإنسان، مش بس حاسة أو اتنين، بل إنها لا ترقى لكونها حقيقة، قبل ما الشيء دا يكون معروف ومفهوم بالنسبة للآخرين كمان. على حد تعبيرها، بتقول... من ساعة مرور "رينيه ديكارت" على الإنسانية، والفلسفة بقت بتفكر في الحقيقة بنفس المنهج دا، صديقي الإنسان، وانت كمان، اتأثرت بـ"ديكارت"، حتى لو عمرك ما قريتله كلمة، ودا لأن الوعي الإنساني كله اتأثر. والدليل على دا إن لو فيه بني آدم بيقول عن نفسه إنه رجُل مصري، هزيل الجسد، يُكشَف له الغيب، أو عنده كرامات، هنفكر بنفس الطريقة في الشخص دا، انت رجُل مصري؟ آه، حصل، باين على وشك! هزيل الجسد؟ آه، فعلًا، ضهرك لازق في بطنك! وهنيجي كلنا عند "لديه كرامات" دي، ونحطها على جنب إلى أن يثبُت العكس. وبالتالي، واحد من أهم الطرُق العلاجية لمرضى الذُهان، هي الاختلاط بالناس، سواء كان الاختلاط دا عن طريق مجموعات الدعم أو الـGroup Therapy، أو إنهم يحاوطوا نفسهم بأصدقاء وأقارب مخلصين، المهم إنهم ما يسيبوش نفسهم للعزلة. الهدف منه هو إن الشخص الذُهاني دا يكون دايمًا عنده الفرصة إنه يقارن خواطره بخواطر اللي حواليه، علشان يقدر يتعرّف على الحقيقة من الوهم اللي جوا دماغه. كل دا بيكون فعّال وعملي في حالات الاكتئاب الذُهاني أو التفكير الذُهاني الخفيف، لكنه برضه، بيكون صعب، وأوقات مستحيل في حالة نوبات الذُهان، الحالة اللي بيستحيل فيها على المجنون إنه يقارن أي شيء بغيره عشان يعرف مدى واقعيته. لأنه في نوبة الذُهان أو الجنون بيعيش الذُهاني في عالم كامل من الزيف جوا دماغه، مليان بعشرات الحقايق المغلوطة، عكس التفكير الذُهاني اللي بيبقى فيه فكرة أو فكرتين نقدر نقارنهم بالواقع، ونكتشفهم إنهم أوهام أو ضلالات، زائد إن العالم اللي بيجربه المريض أثناء نوبة الذُهان دا، بيتميز بكونه فائق الواقعية في نظره، زي ما كنا بنقول، وأحيانًا، بيكون المريض واثق في قدرته على أشياء غير واقعية، زي قدرته على التخاطر أو الخروج من الجسد، أو حتى معرفة الغيب، والتأكد من خلوده وأزليته، زي إنه يتخيل إنه إله، أو يكون متأكد من وجود خالق على اتصال معاه، وبيبعتله رسايل وإشارات في كل حاجة حواليه. ولو ركّزت في أعراض النوبات دي، من ساعة ما اتكلمنا عنها في بداية الحلقة لحد دلوقتي، هتلاقي إنها بتحتوي على كل اللي بيحلم بيه الإنسان وبيتمناه، بمعنى إنه كأنها بتيجي عشان تجاوب الإنسان على أسئلته المُلِحّة، وفضوله ناحية المعرفة واحتياجاته للبقاء، بيجاوب العقل صاحبه على كل أسئلته، لكن إجابات موجودة مسبقًا في لاوعي الإنسان نفسه. يعني مثلًا، "ووتر كوسترس"، الفيلسوف الهولندي، اللي كتب "فلسفة الجنون" دا، مرّ بنوبتين ذُهان في حياته، والنوبتين كان بينهم 20 سنة، في واحدة منهم، بيوصف نفسه فيها بإنه كان مقتنع أثناء نوبة الذُهان بإن أي إنسان لمّا بيوصل سن الـ40، بيتعلم كل لغات العالم لوحده، كأن دا كان تعبير عن شغفه بتعلم اللغات، وإنه أدرك بالتجربة، وهو في نوبة الذُهان، انعدام الفجوة بين الوجود وبين التفكير، اللي هو برضه بيقول إن عالم المجنون ما هواش العالم الخارجي، إنما هو مجرد أفكار اللاوعي بتحاول تجاوب بسذاجة على أصعب أسئلته. واعتقد إن فيه تحالف سرّي ما بين مجموعة من كبار السن بيراقبوه من خلال برنامج تجسس، لدرجة إنه تخيل نفسه "المسيح"، وخاف من إنه يُصلَب! وإن "الأرض" مسطحة، وإن الطيران الجوي مجرد مؤامرة منتشرة بين الناس، وبالإضافة لكل دا، إنه كان على يقين من وجود الرب. كأن العقل المنهك من الفضول والألم والخذلان بيحاول يبني عالم بيجاوب فيه صاحبه على كل أسئلته، وبيفلت فيه من خيبات أمله، إن الحُب اللي فقدته، موجود في مكان ما، مش محدود، زي ما كان، وإنك مش مرفوض ومطرود منه، زي ما كنت! الجنون زي ما بيوصفه "إدوارد بودفون" في كتابه "إغواء الجنون" هو شغف باللانهاية، وباللامحدودية في عالم محدود وفاني بدرجة ما يقدرش الإنسان يستوعبها، ودا نفس سبب جنون "نيتشه"، اللي فقد الصلة والحُب والعقلانية في العالم، واللي كان عبقري وألمعي وذكي، لدرجة إنك تقدر تدّعي إنه اختار الجنون بوعي وعن قصد، وهتلاقيه بنفسه بيقول في "هكذا تكلم (زرادشت)"... اللي هو نفس الجملة اللي كاتبها "ووتر كوسترس" في مقدمة كتابه. كأن الجنون فيه قوة مؤثرة بتخلّي كل شيء بيحصل في العالم له ضرورة ما، وإنه لا مفر من حدوثه، وما فيش شيء اعتباطي، وكأن الحياة بتكون أشبه بقطعة من حبكة مثيرة بتنتهي عند المجنون بإقراره بوجود قوة خارقة في العالم سواء شريرة أو طيبة، كأنه، صديقي الإنسان، محاولة لحماية عقلك من فضولك وعطشك للفهم، قُدّام عبثية العالم وغموضه، ومن فشلك في إيجاد معنى يخلّي العالم عقلاني بالنسبالك. ودا اللي كتبه "لويس ساس" في كتابه The Paradoxes of Delusion... طريق في نهايته أوهام آه، بس المريض مشي فيه من الأساس وهو بيدوّر على أي منطق أو عقلانية ترشده في العالم الفوضوي، واللي بيعبّر عن افتقاد المجنون لوجود أي معنى في العالم بتاعه. تقدر تلاحظ، صديقي الإنسان، في الأمثلة السابقة على حالات الذُهان اللي مرينا بيها، بعض الضلالات اللي ليها طوائف على الإنترنت. يعني، تقدر تلاحظ وجود صُنّاع محتوى عندهم متابعين بالملايين، كل محتواهم هو محاولة لرصد نظريات المؤامرة اللي موجودة في العالم، وتقديمها في حلقاتهم، عن أسرار أو أشياء بتحصل في أماكن مخفية في العالم، أو مؤامرات من النظام العالمي، بيحاول يخبي فيها حقايق عننا بوجود بشر آخرين متقدمين أكتر مننا ومسيطرين علينا، من غير ما نكون عارفين بوجودهم، أو كُتُب وفيديوهات بتثبت من خلال النصوص الدينية إن "الأرض" مُسطّحة، وإن "الأرض" المكورة دي مؤامرة العالم بيقنعنا بيها. وأنا هنا مش جاي أقولّك تصدّق النظام العالمي، ولو إن فعلًا "الأرض" مدوّرة، والدليل بالنسبالي إنها شَبَه الـ...! اللي جاي أقوله إن المحتوى دا واستهلاكه وتدويره وانتشاره بالدرجة دي، رغم إنه لا يحتوي على أي دليل علمي أو عملي أو منطقي للإيمان بيه، هو واحدة من الظواهر اللي بتستدعي على طول علاقة أفراد المجتمع دُول بالذُهان، وتثير التساؤل والفضول ناحية الاهتمام الغريب دا من الناس بالأوهام والأفكار الهُلامية دي. المشكلة هنا، صديقي الإنسان، إن منهجية الشك بتاعة "ديكارت" اللي اعتمدت عليها "إليك مولر" عشان نميز ما بين الواقع والأوهام، بيتضرب فيها مفك، لأن المنهجية دي كانت بتحاول تـ"فلتر" أفكار الإنسان من الأوهام عن طريق إنها تقيس أفكاره دي على أفكار المجتمع ولغته واستمراريته، واللي كلها عوامل لو اتحققت، بتخلّي الفكرة بالنسبالنا بيتم اعتبارها واقع. رغم إن كتير من الأفكار اللي قُلناها دي في جوهرها هي وهم، لكنه وهم فيه مجموعة كبيرة من الناس، ودا اللي ممكن يحسسنا إن فيه مفك اتضرب في النظرية دي. الأطباء النفسيين بيحطوا الظاهرة دي في منطقة رمادية شوية، ما بيقدروش يحكموا عليها بإنها ذُهان، لأن في نفس الوقت، مش شرط الأفكار دي تبقى أعراض لمرض عقلي جماعي بيعاني منه المجتمع مثلًا، ممكن تبقى شكل من أشكال رفض السُلطة العلمية، أو عدم الثقة فيها، أو رفض وصاية المؤسسات العلمية على فكرتنا عن الحقيقة من الزيف، رغم إن في كتير من حالاتها الفردية يبدو إنها بتتقاطع فعلًا مع أعراض الذُهان. لكن في نفس الوقت، بنشوف خطابات تانية على الإنترنت بتخاطب في جوهرها الحس المشترك عند الأشخاص الذُهانيين، بتلاقي مثلًا فيديو من الفيديوهات بيبدأ بإن شخص يخاطبك بكل الأعراض اللي بتمر بيها، يقولّك إن الفيديو دا ليك، لو انت حاسس إنك مصدوم في كل العالم من حواليك، ولو الجميع ابتعدوا عنك، لو خسرت أشياء مادية، ولو حسيت إنك أصبحت منعزل عن العالم كله فجأة، وبقيت بتشعر بالوحدة، ويقولّك إنك لو اجتمع فيك كل الأعراض دي، إذًا الفيديو دا ليك، ودي مجرد البداية للدخول للعالم الروحاني الماورائي، اللي هتكتشف فيه أسرار الكون المخفية! عشان ما يبانش إننا بنغالط نفسنا منطقيًا في نفس الحلقة، فنقول من شوية إن كل عالم من عوالم الجنون عنده خصوصية، ومش بيشترك مع عالم أي مجنون آخر، وفي نفس الوقت، بنوصف بعض الخطابات المشتركة بين الناس بإنها خطابات ذُهانية، فخلّيني أضربلك مثال، ازاي شخص ذُهاني يقدر يتواصل مع شخص ذُهاني آخر، من غير ما يكون عندهم نفس التصور عن حقايق الأمور. لو شُفت مسلسل Breaking Bad، صديقي الإنسان، في مشهد من المشاهد، اللي "جيسي بينكمان" بيروح فيها مع "مايك" في مهمة بيحاولوا يستردوا فيها كمية من مخدر الـ"ميث"، اللي اتسرقت منهم عن طريق اتنين مدمنين. وبعد شوية محاولات، أدرك "جيسي" إن جوز المدمنين اللي هما واقفين قُدّام بيتهم بيراقبوهم دُول عندهم من البارانويا نتيجة تعاطي المخدرات ما يكفي إنهم ما يفتحوش بابهم الحديد اللي قافلينه دا تحت أي ظرف من الظروف، وإنهم غالبًا مش هيخرجوا من البيت قبل ما يخلّصوا كل المخدرات اللي معاهم. وهنا، جه في دماغ "جيسي" حيلة ذكية، ودا لأنه كان مدمن هو كمان، وجرب نوبات الذُهان اللي بتحصل نتيجة تعاطي كمية كبيرة من الـ"ميث". كل اللي عمله "جيسي" في الحيلة دي إنه جاب جاروف وراح قُدّام البيت دا، وبدأ يحفر حفرة. لمّا شافه واحد من الاتنين اللي جوا بيحفر باستماتة وإخلاص، جه في باله إن أكيد "جيسي" بيحفر لهدف ما، وإن الحفرة دي أكيد معناها حاجة كبيرة، لكنه في نفس الوقت، ما كانش متأكد من نِية "جيسي". بعد شوية، فضوله سمحله إنه يفتح الباب، ويطلع يسأله، يقولّه: "بتحفر ليه؟" وهنا، "جيسي" جاوبه إجابة نموذجية، قالّه: "انت عارف." لأن زي ما قُلنا، صديقي الإنسان، مهما "جيسي" حاول يتخيل عالم المجنون اللي قُدّامه دا، هيفشل فيه! كل اللي عمله "جيسي" لمّا قالّه: "انت عارف"، إنه ادّاله إشارة كافية إن المجنون دا يصدّق الفكرة اللي جت في باله والهدف من الحفر. وفعلًا، رد المدمن بيوضح إنه صدّق هواجسه، لأن رد "جيسي" كان كافي إنه يدّيله إشارة إنهم مشتركين في نفس الهدف. سأله المدمن من تاني، قالّه: "هتحفر حفرة أد إيه؟" قالّه "جيسي": "أكبر حفرة ممكنة." وبعدها، تظاهر بالتعب، وطلب منه إن هو يكمّل حَفر بداله، علشان يسيبه بيحفر، ويتسلل هو جوا البيت. اللي عمله "جيسي" دا شبه الطريقة اللي بيتفاعل بيها بعض نصابين الطرُق الصوفية مع مريديهم، تقدر تشوف ازاي الطرُق الصوفية جاذبة لأفراد من طبقات مختلفة وعقليات متنوعة وصنوف وألوان من الناس ما بتشتركش مع بعضها إلا في شيء واحد، وهو الإحساس بقسوة الحياة، والألم النفسي الناتج عن التعامل مع العالم أو المولود من الصدمات النفسية. الشيء المثير للانتباه إن تعامل نصابين الطرُق الصوفية دُول مع المُريدين، بيكون نفس طريقة تعامل "جيسي بينكمان" كدا مع المدمن اللي سأله: "بتحفر ليه؟" إجاباتهم فضفاضة بحيث تساع كل تصورات وأنماط التدين اللي في العالم، ودقيقة في نفس الوقت، بحيث تركب على الشخص السائل دا نفسه، ودقتها دي بتيجي من قوة وإقناع شيخ الطريقة دا أو الشخص اللي يكون بيدّعي أو حتى مصدّق إنه مكشوفله شيء من الغيب، وعنده بيه كرامات، واللي بيكون شخص عدّى عليه مئات الأنماط من الناس، وبيكون عارف مريدينه وعنده حصر بيهم أكتر ما هما عارفينه. وبالتالي، في لحظة ظهور شخص جديد في الحضرة أو في المقام، ولنفترض مثلًا إن الشخص دا بيبكي بحُرقة أو متألم بشكل ظاهر، فبيكون قادر صاحب الكرامات دا إنه يقيّم سبب بكاء الشخص دا نتيجة Algorithm كدا جوا دماغه بمئات الأشخاص اللي عدّوا عليه بيعيطوا بنفس الطريقة، بالإضافة مثلًا لأنه من الواضح إن الشخص دا بيحضر معاهم لأول مرة. وبالتالي، يكفي هذا الشخص النصّاب إنه يعدّي من جنب الإنسان اللي بيتألم دا ويقولّه كلمة فضفاضة، حسب المعلومات القليلة اللي قادر يتعرّف عليه من خلالها، زي لبسه وشكله، وراجل ولّا ست، والطريقة اللي بيعيط بيها، والأشياء اللي دايمًا متأثر بيها. وإذا تجاوب هذا الشخص مع الكلمة الفضفاضة دي، فدا بيدّي الشيخ النصّاب دا مجموعة جديدة من الاحتمالات محتاج يجربها، لحد ما واحدة فيها هي كمان تلقى أثر في نفس المريد دا. واحدة واحدة لحد ما يبدو إنه عارف كل شيء عنه، كأنه مكشوفله تاريخه بالظبط. نفس طريقة عمل العرّاف اللي بيمسك إيدك على أساس إنه هيقرالك الكف، لكن آخر حاجة بيبص عليها هي إيدك، بعد ما يشوف شكلك ولبسك وطريقتك، ويشوف رد فعل عينيك على كلامه وهو بيقول كل كلمة عن حياتك أو مستقبلك، علشان يحدد بعد كدا كل الأفكار الواضحة عنك، واللي هتخلّيك ماشي من تحت إيده وانت مصدّق ومقتنع إنه عارف عنك أكتر ما انت عارف عن نفسك فعلًا. بغض النظر عن مستوى التلاعب والإجرام اللي ممكن يتم في المساحات دي، لو جينا بصينا على التصوف نفسه، بنلاقي بسهولة إنه شكل من أشكال التدين الذُهاني. وكونه تدين ذُهاني دي مش شتيمة يا صديقي الإنسان الصوفي الجميل، علماء النفس بيشوفوا التصوف بالطريقة دي، ويمكن أغلب كلامهم في المساحة دي بيبقى عن التصوف المسيحي بالتحديد. لكن في نفس الوقت، فيه فرق عملاق جدًا بين الذُهان وبين التصوف. في البداية، لو جينا نفهم التصوف من وجهة نظر المتصوفة نفسهم، بنلاقي إن التصوف هو محاولة للبحث عن الرب، وبلوغ الاستنارة الكاملة ومعرفة الحقيقة المُطلَقة، أو إنه محاولة للحضور الروحاني مع الإله والاتحاد معاه، وبتكون المحاولة دي محفوفة بالكثير والكثير من الشوق الروحاني للاتحاد مع المولى عز وجل، أو الحياة في رحابه ومعيّته. والمحاولة دي في عمقها، حسب الفكر الصوفي، مش المفروض إنها تكون محاولة أنانية، من أجل الذات، أو محاولة للتفوق، إنما لازم تكون محاولة زاهدة في كل صور الحياة، وفي كل المتع والملذّات، ومشحونة بس بالشوق الأبدي للحضور الإلهي في حياة الإنسان، المعادلة دي لمّا بتكتمل في قلب إنسان، بيحصلّه شيء من الكشف أو الرؤى، بتتكشفله حقايق الكون، وبيتسع قلبه لمعرفة الحقيقة المُطلَقة. بس الوعد بالكشف دا بييجي معاه شوية واجبات تانية، إنك عشان يُكشَف ليك شيء من الغيب، لازم تفرّغ روحك أولًا من كل حقايق الحياة علشان تستوعب الحقيقة المُطلَقة الجديدة، وتكون جاهز لتجربتها، والحقيقة اللي بتتكشفلك دي لمّا بتستقيم روحك ونفسك، حسب المنظور دا، بتكون تعبير عن تكامل الكون والوجود كله في نفس الإنسان واتحادهم للتعبير عن الإله الواحد الذي لا شيء سواه في كل هذا الكون، وبعد إفراغ روحك من كل حقايق الوجود، بيكون تجربة الكشف أو رؤية الحقيقة المُطلَقة دي أكتر تجربة واقعية ممكن إنسان يمر بيها، اللي هي برضه نفس تجربة الذُهان لمّا وصفناها من شوية بالواقعية الفائقة، وبالتالي، يدرك المتصوف الوجود الحقيقي للرب، ويختبره بنفسه ويلازمه في كل تفاصيل حياته، بل ويعتقد إنه عنده القدرة على فهم الأشياء، ويمكن قراءة دواخل البشر من حواليه، لأنه متحد مع الإله بشكل من الأشكال، أو بأي تعبير تاني مناسب. التصوف في الحالة دي وبالشكل دا بيكون وجه من أوجه الذُهان، ولنفس السبب، اللي اتكلمنا عنه من شوية، إن كل عالم من عوالم الجنون ليه خصوصية فريدة، ومن المستحيل إن يتفق عالم مجنون مع عالم أي مجنون آخر، فبرضه، من المستحيل في التصوف إن يتفق عالم أي مجذوب مع عالم أي مجذوب آخر، لكن مفهوم التصوف نفسه هو اللي بيتسع ويتضخم جدًا بحيث يستوعب كل العوالم دي جواه، ولنفس السبب، بيكون التصوف نفسه شيء ما تقدرش تفهمه، عكس أي نمط تاني من أنماط التدين. دايمًا التصوف مفاهيمه فضفاضة، وفيها شيء من الميوعة، أو غير قابلة للتماسك، ما تقدرش تمسك مفهوم واحد وتقول: "هو دا التصوف." من غير ما ينساب من بين إيديك زي الميّه! وباستعارة حتى بعض المصطلحات من إخواننا المتصوفة، زي التيار اللي مهما مشيت وراه، ما تقدرش توصل للمنبع! عشان كدا، بتنتهي محاولات وصف التصوف عند وصفه بإنه محاولة لتعلم الأمور المخفية، أو المستورة وراء الحُجُب، واللي مهما حاولت تكوّن عنها صورة، هتدوب، وكل ما هتحاول توصفها أو تسأل عنها، بتلاقيها غير قابلة للوصف، زيه زي الثقب الأسود، اللي لو حاولت تفكر فيه، هيبتلع كل أفكارك، ولو حاولت تقرب منه وتلمسه، هيبتلعك انت نفسك! لكن برغم كل السمات المشتركة دي بين التصوف والذُهان، إلا إنهم مش نفس الحاجة. وتقدر تدرك إنهم مش نفس الحاجة من غير تحليل كتير، لمّا تبص على الشخص الذُهاني دا، فتلاقيه إنسان غارق في التعاسة والألم النفسي، وعلى الناحية التانية، تبص على الصوفي، تلاقيه مستمتع ومنسجم مع الوجود والكون من حواليه، أو زي ما بيقول "جوزيف كامبل"، الكاتب الأمريكي المهتم بالميثولوجيا، هنرجع للاقتباس دا تاني، صديقي الإنسان، بعد ما نفكر في الفرق الجوهري اللي بين الذُهان والتصوف، وساعتها، هنشوفه بصورة مختلفة. فاكر لمّا قُلنا من شوية إن الذُهان هو إن العالم بينعكس كله في نفسك زي المراية، بشكل يدعو للغرابة والهلع في بعض الأوقات؟ هنا، الشخص الذُهاني اللي العالم كله اتعكس في نظره دا، بيكون عنده أزمة ذاتية، لأن العالم القديم اللي اتعكس في نظره وأصبح بيحتقره وعنده مشاكل معاه، هو جزء منه في نفس الوقت، لمّا بيبص في المراية، ويشوف العالم المختلف عنه دا، بيلاقي نفسه القديمة، وبيلاقي تاريخه كله جزء من العالم دا، وعلى أد ما هو ناقم على العالم دا، بيكون ناقم على صورته هو كمان بنفس الدرجة، يمكن دا جوهر المرض النفسي في الأساس، إن المرض النفسي حرب ما بين الإنسان وذاته، وكل ما كان الإنسان دا غارق في تصورته الذاتية وتجربته، كل ما بتكون شدة المرض أكتر. الفيلسوف الروماني "إميل سيوران" بيقتبس واحدة من الجُمَل اللي عبّر بيها مريض عقلي عن نفسه، وبيقول "سيوران" إن الجملة دي، واللي هنقولها دلوقتي، أعمق من كل الأعمال اللي وُضعت في الاستقراء الباطني للمرض العقلي، ودا من شدة معقوليتها وقوة توصيفها وجمالها الأدبي. المريض في الجملة دي كان بيقول عن نفسه... تخيل نفسك دمية، صديقي الإنسان، عروسة لعبة، لا مؤاخذة، أو دبدوب، وفكر من وجهة نظر الدمية دي هي شايفة إيه، هتلاقي إنها شايفة العالم من حواليها مثلًا، وشايفة صاحبها، وشايفة البيت اللي هو فيه، وشايفة كل الأماكن اللي بتتنقّل فيها. لكن لسبب من الأسباب، أو صدمة أو حادثة حصلت للدمية دي، خلّت عينيها تتحرك من مكانها وتُقَع جواها. في الحالة دي برضه، من وجهة نظر العروسة الدمية دي، مهما كان المكان اللي هي موجودة فيه، أو العالم من حواليها، هي ما بقيتش قادرة تشوفه، كل اللي عينيها قادرة تشوفه في الوقت دا هو مكوناتها الداخلية، لأن عينيها واقعة جواها. المرض العقلي بقى شبيه بالحالة دي بالظبط، شخص محبوس جوا منظوره الداخلي دا، مهما اتفاعل مع الناس ومهما اتعرّض للتجارب، هو عينه جواه، مش قادر يشوف غير ذاته ومشاكله هو. التصوف على الناحية التانية، بيعلم مريديه إنهم ينكروا ذواتهم دي، وإنهم يتجاوزوها ويفرّغوا نفسهم أصلًا من كل التصورات الذاتية، ودا عشان تكون نفوسهم جاهزة لاستقبال الحقايق الروحانية اللي هما متلهفين ليها، وبالتالي، بتكون تجربة التصوف من الناحية الفنية تجربة ذُهانية آه، لكنها خالية من العداء مع النفس، ومن كل التصورات المتمحورة حوالين الذات. عشان كدا، "جوزيف كامبل" تخيل الذُهان بحر بيغرق فيه الشخص الذُهاني، وعمّال يقول: "الحقوني! بأموت!" ومعدّي من جنبه الصوفي، عايم 50 متر فراشة بضهره، وباصص للسما ومتطمن ومستمتع! لو جينا نرجع للذُهان بقى بالتحديد، بنلاقي إنه فيه جانب مشرق في الذُهان، وهو إنه شيء العقل ممكن يخرج منه في كتير من الأوقات بالاعتماد على نفسه وعلى مصادر المعرفة الموثوقة، وبصنعة من الذكاء العاطفي. العالم النفسي السويسري "كارل يونج" اللي هو واحد من أهم علماء النفس اللي في التاريخ، إن لم يكن أهمهم يعني، بيشوف إن الذُهان ممكن يكون نقطة تحول في حياة الإنسان، لكن التحول دا مش شرط يكون في اتجاه واحد، وإنما له اتجاهين، بيشوف "يونج" الذُهان إنه لحظة بيهتز فيها الخط الفاصل ما بين الوعي واللاوعي، وبيغرق الإنسان في أوهام لاوعيه، وفي أحقاده ونقمته وطموحاته وأحلامه وتصوراته الذاتية عن العالم، بيترمي فيها عقل الواعي في بحر مش بس ما بيعرفش يعوم فيه، هو كمان عمره ما نزله قبل كدا! والإنسان بيكون محتاج يشوف الأوهام اللي بتصيبه في الوقت دا مؤشرات على الأشياء المدفونة في لاوعيه، إما إن الإنسان يغرق فيها ويصدّقها ويتماهى معاها، وإما إنه يتعامل معاها بحذر ويفككها ويتعلم منها في إصلاح ذاته، وإعادة بناء العالم بتاعه من جديد بعد الانهيار دا. البحر اللي لو الإنسان تلقى الدعم الكافي والمحبة من اللي حواليه وهو فيه، بيقدر يطلع منه إنسان شديد الوعي والمعرفة بذاته، وباللاوعي بتاعه، لأنه اتعرض عليه كله بدون حجاب، كأنه اترمت في وشه الشمس اللي ممكن تحرقه لو ما عرفش يسبح في الاتجاه المعاكس منها، ويقدر يطلع منه عنده وعي ومعرفة باللاوعي الجمعي كمان، اللي اتأثر بيه طول حياته جوا المجتمع، ولو ما اتلقاش الدعم والعلاج المناسبين، وفقد الثقة في نفسه والعالم، وفقد الثقة في قدرته على النجاة، هيُقَع فريسة لكل أوهامه الذاتية دي، ويغرق في قاع الجنون. عشان كدا، "يونج" بيشوف الذُهان رحلة يقدر الإنسان يعيد تكوين نفسه فيها، ويكتشف ذاته وتفرده، ويخرج منها مكتمل ومتوازن، بل وعبقري. رحلة الشفاء في الذُهان بيوصفها "يونج" بإنها رحلة روحية، وبيقول عن المعاناة اللي فيها، بإنها قادرة تساعد صاحبها على رؤى عميقة للحياة، لو أتيحت له الفرصة إنه يتواصل مع الأفكار اللي فيها، بأمان ودعم كافيين. الرموز والصور اللي بيتعرّضلهم الإنسان في الذُهان، هي إشارات على الصراعات الوجودية في نفس الإنسان، وأسئلته عن المعنى والهوية. وعلاج الإنسان في الوقت دا، ما بيجيش بأي إملاء من الخارج، وإنما بيكون بمساعدة المريض دا إنه يعيد بناء العالم بتاعه في جو آمن ومتفهم وداعم ومحب، الشيء اللي لو نجح فيه المريض، هيكون المجتمع كسب إنسان عميق، عنده قدرة على فهم تعقيدات النفس البشرية وأعماقها، بل وقادر إنه يساعد الآخرين من حواليه بفاعلية أكبر من أي حد تاني. ولذلك، إذا كان الذُهان وعد مخيف بالجنون، فالوعد دا بيحمل جواه أمل، ووعد تاني بالنمو والنضج والازدهار. ربنا يطمننا عليك دايمًا، صديقي الإنسان، ولا يشمّت فيك عدو، ولا يبكّي عليك حبيب!
الذهان كيف يفكر عقلك خارج الصندوق العلاج بالتنويم المغناطيسي 0:16

الذهان كيف يفكر عقلك خارج الصندوق العلاج بالتنويم المغناطيسي

Hypnomind

971 مشاهدة · 1 yr ago