اهلا وسهلا بكم اعزائي. اليوم سنبدأ بالجزء الثاني من كتاب العقل. وهو تاريخ مختصر للجنس البشري. الجزء الثاني يتحدث عن الثورة الزراعية. وهذا الموضوع مهم جدا. يعني نستطيع ان نقول ان هذه الفترة هي التي ظهرت فيها الحضارة. وظهر فيها الاستقرار. تحن عنوان اكبر خديعة في التاريخ. وقبل ان نبدأ وجب التنويه الى امر مهم. ارجو منكم ايها المتابعين الكرام. ان تسامحوني على الاخطاء التي لمستموها في قراءتي او تقديمي لهذا الكتاب. ربما يرجع ذلك الى قراءتي الاولى لهذا الكتاب. او بسبب اخطاء في الطباعة. طبعا فمن النادر ان تجد كتابا بدون اخطاء في الطباعة. كما اقدم اعتذاري كذلك عن الاخطاء النحوية التي بدرت مني او اخطاء في النطق. او سوء في التقديم او في ربط مواضيع بعضها ببعض. وذلك يرجع غالبا الى الجهد المضاعف الذي ابذله من خلال التنسيق بين الشغل في الواقع والعمل على القناة لوحدي. مع امكانيات شبه معدومة. فارجو منكم المعذرة اعزائي. ولا تنسونا بتعليقاتكم واعطاء رأيكم لتصحيح المسار. فانتم الاهم عندي. شكرا جزيلا. تحياتي اكبر خديعة في التاريخ. هذا العنوان الذي ارتأه المؤلف. يقول تحت هذا العنوان ان البشر غذوا انفسهم على مدى اثنان فاصل خمسة مليون سنة. بجمع النباتات وصيد الحيوانات التي عاشت وتكاثرت بدون تدخل منهم. قطف الانسان المنتصب والانسان العامل وانسان النياندرثال قال قطفوا التين البري وصادوا الخراف البرية دون ان يحددوا اين ستنمو اشجار التين? او في اي مرج يجب ان يرعى قطيع الخراف? او اي تيس يجب ان يلقح اي نعجة? انتشر العقلاء من شرق افريقيا الى الشرق الاوسط ومنها الى اوروبا. ليصلوا اخيرا الى استراليا وامريكا. وكانوا في كل مكان ذهبوا اليه. يواصلون العيش بجمع النباتات البرية وصيد الحيوانات البرية. ولما تقوم باي امر اخر اذا كان نمط حياتك يضمن لك غذاء وفيرا. ويدعم عالما غنيا من البنى الاجتماعية والمعتقدات الدينية والعلاقات السياسية. كل هذا قد تغير قبل حوالي عشرة الاف سنة. عندما بدأ العقلاء في تكريس كل وقتهم وجهدهم تقريبا. للتحكم بحياة بعض انواع الحيوانات والنباتات. فقاموا من شروق الشمس الى غروبها بنثر البذور. وسقي النباتات وانتزاع الحشائش من الارض. وقادوا الخراف الى المراعي الجديدة. وتوقعوا بان هذا العمل سيقدم لهم مزيدا من الثمار والحبوب واللحوم. كانت ثورة في اسلوب حياة البشر الثورة الزراعية. بدأ التحول الى الزراعة في الفترة من حوالي تسعة الاف وخمسمائة. وحتى ثمانمائة الاف وخمسمائة قبل الميلاد تقريبا. في تلال الريف بالجنوب الشرقي لتركيا وغرب ايران وشرق المتوسط. كانت البداية بطيئة وفي منطقة جغرافية محدودة. زرع القمح ودجن الماعز قبل حوالي تسعة قبل الميلاد على وجه التقريب. وزرعت البازلاء والعدس حوالي ثمانية الاف قبل الميلاد. اما اشجار الزيتون فزرعت في حدود خمسة الاف قبل الميلاد. ودجنت الخيول حوالي اربعة الاف قبل الميلاد. وزرعت كروم العنب قبل ثلاثة الاف وخمسمئة قبل الميلاد. ورغم ان تدجين بعض الحيوانات كالجمل. وزراعة بعض النباتات كشجرة الكاجو حدثت في وقت متاخر. الا انه وعند حوالي ثلاثة الاف وخمسمائة قبل الميلاد كانت الموجة الاكبر من الزراعة والتدجين قد اكتملت. وحتى اليوم ومع كل تقنياتنا الحديثة فان اكثر من تسعين بالمئة من السعرات الحرارية التي تغذي البشرية. تأتي من تلك الحفنة من النباتات الاولى التي زرعها اسلافنا في الفترة سنتي تسعة الاف وخمسمائة الى ثلاثة الاف وخمسمائة قبل الميلاد. كالقمح والارز والذرة والبطاطا والشعير. ولا يوجد نبات او حيوان ذو اهمية. استأنس خلال الالف سنة الماضية. وان كانت عقولنا هي عقول الصيادين الجامعين فان مطبخنا هو مطبخ المزارعين الغابرين. اعتقد الباحثون لفترة بان الزراعة انتشرت انطلاقا من اصل واحد. من بقعة شرق اوسطية الى مختلف جهات العالم الاربع. لكن المتخصصين هذه الايام يتفقون بان الزراعة ظهرت في بقاع مختلفة من العالم. بشكل مستقل تماما. وليس بفعل تصدير مزارعي الشرق الاوسط لثورتهم الزراعية. بدأ الناس في امريكا الوسطى بزراعة الذرة والفاصوليا دون ان يعرفوا شيئا عن زراعة القمح والبازيلا في الشرق الاوسط. وتعلم سكان امريكا الجنوبية كيف يزرعون الذرة ويربون اللاما دون ادراك منهم بما كان يحدث في المكسيك او شرق المتوسط. اما اولئك الذين بدأوا الثورة الزراعية في الصين. فقد بدأوها بالارز والدخن والخنازير. وكان اولئك المزارعين في شمال امريكا. هم اولئك الذين تعبوا من تمشيط الشجيرات المتشابكة بحثا عن قرعيات قابلة للاكل. فقرروا زراعة اليقطين. وتحكم سكان نيوغينيا بسكر القصب والموز. بينما انتج المزارعون الاوائل في افريقيا الوسطى الدخن الافريقي والارز الافريقي ونجيل السورجم والقمح. والتي لبت احتياجاتهم. ومن هذه المراكز الاولى انتشرت الزراعة الى كل مكان. وبحلول القرن الاول الميلادي كان اغلب البشر حول معظم العالم من المزارعين. لكن لما انطلقت الثورة الزراعية في الشرق الاوسط والصين وامريكا الوسطى وليس في استراليا او الاسكا او جنوب افريقيا. ولكن لما انطلقت الثورة الزراعية في الشرق الاوسط والصين وامريكا الوسطى. وليس في استراليا او الاسكا او جنوب افريقيا. السبب بسيط. فمعظم انواع النباتات والحيوانات لا يمكن استئناسها استطاع العقلاء حفر الارض لالتقاط الكمأ اللذيذ وصيد الماموت الصوفي. الا ان استئناس اي منهما لم يكن ممكنا. فتربية الفطر امر صعب المنال. والوحوش الضخمة متوحشة جدا. فمن بين الاف الانواع التي اصطادها او جمعها اسلافنا. كان القليل منها ملائم للزراعة والتدجين. هذه الانواع القليلة في اماكن محددة. وتلك هي الاماكن التي حدثت فيها الثورات الزراعية. اعلن الباحثون مرة بان الثورة الزراعية كانت بمثابة قفزة تقدمية عظيمة للبشرية. ورووا حكاية عن تقدم تدعمه قوة العقل البشري. وثورة انتجت تدريجيا انسانا اذكى. ففي نهاية المطاف اصبح الناس اذكياء جدا الى درجة انهم استطاعوا فك الغاز الطبيعة التي مكنتهم للتحكم بالخراف وزرع القمح. وحالما حدث هذا هاجروا بابتهاج الحياة المنهكة والخطيرة والقاسية للصيادين الجامعين. واستقروا مستمتعين بحياة الفلاحين الممتعة والمرضية. بيد انها حكاية خيالية. فليس هناك دليل بان الناس غدو اذكى بمرور الوقت. عرف الجامعون اسرار الطبيعة قبل الثورة الزراعية بوقت طويل. وذلك لاعتماد بقائهم على المعرفة الوثيقة بالحيوانات التي يصطادونها. والنباتات التي يجمعونها. وبدلا من ان تؤذن بعصر جديد من الحياة السهلة. تركت الثورة الزراعية الفلاحين في حياة اصعب واتعس بشكل عام من حياة الجامعين. امضى الصيادون الجامعون اوقاتهم بطرق انشط واكثر تنوعا. وكانوا اقل عرضة لمخاطر المجاعة والامراض. ساهت الثورة الزراعية بكل تأكيد من المجموع الكلي لكمية الطعام التي في تصرف البشر. ولكن الغذاء الفائض لم ينتج عنه نظام غذائي افضل. او وقت فراغ اكبر. بل نتج عنه انفجار في اعداد السكان ونخب مرفهة. فقد عمل المزارع الاعتيادي بجهد اكبر من عمل الجامع الاعتيادي. وحصل في المقابل على نظام غذائي اسوأ. كانت الثورة الزراعية اكبر خديعة في التاريخ. لكن من المسؤول عنها? لم يكن الجناة ملوكا او كهنة او تجارا. بل كانوا مجرد حفنة من انواع النباتات تضمنت القمح والرز والبطاطا. دجنت هذه النباتات الانسان العاقل وليس العكس. فكر للحظات في الثورة الزراعية من وجهة نظر القمح. لم يكن القمح قبل عشرة الاف سنة سوى نوع من انواع عديدة من العشب البري. متقوقع في نطاق ضيق من الشرق الاوسط. وفجأة وفي غضون بضعة ألفيات قصيرة. غدا منتشرا في جميع انحاء العالم. ووفقا لمقاييس التطور الاساسية للبقاء والتكاثر. اضحى واحدا من انجح النباتات في تاريخ الارض. لم تنمو في السهول العظمى لشمال امريكا حتى ساق واحدة من القمح قبل عشرة الاف سنة. اما اليوم فبامكانك ان تتجول لمئات المئات من الكيلو مترات دون ان تصادف نباتا اخر غيره. وفي انحاء العالم يغطي القمح ما يقارب من اثنان فاصل خمسة وعشرون مليون كيلومتر مربع من سطح البسيطة. يساوي تقريبا عشرة اضعاف مساحة بريطانيا. كيف تحول هذا العشب من عديم الاهمية الى واسع الانتشار. تمكن القمح من فعل ذلك من خلال التلاعب بالبشر العقلاء من اجل مصلحته. فهذا النسان كان يعيش حياة راحة ورضا بالصيد والجمع. حتى قبل حوالي عشرة الاف سنة. لكنه بدأ حينها يوظف جهدا اكبر فاكبر في زراعة القمح وخلال بضعة ألفيات وفي اجزاء عديدة من العالم لم يعمل البشر من الفجر الى الغسق الا لرعاية نبات القمح. لم يكن الامر سهلا. تطلب القمح الكثير من الجهد. لم يحب القمح الاحجار ولا الحصى. فكسر العقلاء ظهورهم. وهم ينظفون الحقول. ولم يحب القمح مشاركة مساحاته او مائه او غذائه. مع بقية النباتات. فكابد الرجال والنساء لايام طوال. وهم يزيلون الاعشاب تحت الشمس الحارقة. وحين مرض القمح كان على العقلاء ان يراقبوا الديدان والافات بانتباه. وتعرض القمح لمهاجمة الارانب واسراب الجراد. فبنى الفلاحون السياجات ووقفوا حرصا عند الحقول. وحين عطش القمح تكبد البشر جلب الماء له من الجداول والينابيع. بل ان جوعه دفع البشر الى جمع روث الحيوانات لتغذية الارض. التي ينمو عليها لم يتطور جسم البشر العقلاء للقيام بهذا النوع من الاعمال. تكيف لتسلق اشجار التفاح ومطاردة الغزلان. وليس لتنظيف الحقول من الحجارة او حمل دلاء المياه. وهكذا فالذي دفع الثمن هو العمود الفقري والركب والرقاب والاكتاف. تشير دراسة الهياكل العظمية العتيقة الى ان التحول الى الزراعة نجم عنه زيادة في العلل. كانزلاق الغضاريف والتهاب المفاصل والفتاق. اضف الى ذلك فان الاعمال الزراعية الجديدة تطلبت الكثير من الوقت. اجبر خلاله الناس على الاستقرار الدائم بجانب حقول القمح. لقد دجننا القمح. وكلمة دجن باللغة الانجليزية اتت من الاصل اللاتيني دوماس. والذي يعني سكن. فمن هو الذي يعيش في سكن. ليس القمح بالطبع. بل العقلاء. كيف اقنع القمح الانسان العاقل باستبدال حياته الجديدة الى حد ما بحياة بائسة. ما الذي قدمه له بالمقابل. لم يمنحه نظاما غذائيا افضل. تذكر ان البشر هم لسانات. تعتمد على انواع واسعة من الغذاء. شكلت الحبوب نسبة ضئيلة من نظام البشر الغذائي قبل الثورة الزراعية. والنظام الغذائي الذي يعتمد على الحبوب نظام فقير بالاملاح والفيتامينات. وصعب الهضم وسيء حقا لاسنانك ولثتك. لم يمنح القمح الناس امنا اقتصاديا. فحياة الفلاح اخطر من حياة الصياد الجامع. اعتمد الجامعون على عشرات الانواع ليبقوا. وبالتالي كان يمكنهم النجاة من السنين العسيرة. حتى دون تخزين طعام محفوظ. فان شح توفر احد الانواع كان بمقدورهم جمع واصطياد كثير من الانواع الاخرى. بينما اعتمدت المجتمعات الزراعية. وحتى وقت قريب جدا. في اغلب استهلاكها من السعرات الحرارية على انواع قليلة من النباتات المزروعة. وفي مناطق عديدة اعتمدت المجتمعات الزراعية على نوع واحد كغذاء رئيسي. كالقمح او البطاطا او الرز. فاذا انقطع المطر او وصلت اسراب الجراد او اصابت الفطريات انواع الغذاء الرئيسية تلك. هلك الفلاحون بالالاف والملايين. لم يستطع القمح كذلك ان يمنح امنا من العنف البشري. كان المزارعون الاوائل بقدر عنف اسلافهم الجامعيين على الاقل. هذا ان لم يكونوا اعنف منهم. ذلك ان المزارعين حازوا ممتلكات اكثر واحتاجوا اراضي للزراعة. و عانت خسارة المراعي نتيجة غارات الجيران. الفرق بين وجود المؤونة والمجاعة. هكذا كان المجال لا يتسع لتوافقات عندما كانت مجموعة من الجامعين تتعرض لتضييق شديد من قبل منافسين اقوياء. كان بامكانهم عادة الانتقال الى مكان اخر. ورغم انه كان امرا صعبا وخطيرا. الا انه كان ممكنا. اما عندما كان هناك عدو قوي يهدد قرية زراعية فان الانسحاب كان يعني التخلي عن الحقول والبيوت ومخازن الحبوب. وفي كثير من الحالات قضى ذلك بالجوع على هؤلاء الفارين. هكذا جنح المزارعون للبقاء والقتال حتى النهاية المريرة. تشير كثير من الدراسات الاناسية والاثرية الى انه في المجتمعات الزراعية البسيطة التي لم تتمتع باطر سياسية خارج القرية او القبيلة كان العنف البشري مسئولا عما يقارب خمسة عشر بالمئة من الوفيات التي تضمنت خمسة وعشرون بالمئة من وفيات الذكور. كان العنف في نيوغينيا المعاصرة مسئولا ثلاثون بالمئة من وفيات الذكور. في مجتمع قبيلة داني الزراعي. وعن خمسة وثلاثون بالمائة في مجتمع قبيلة اينجا. ومن المحتمل ان خمسون بالمائة من البالغين في قبيلة وراني في الاكوادور. لقوا حتفهم على يد بشر اخرين. وبمرور الزمن. سيطر على العنف البشري بتطوير اطر اجتماعية اوسع. والممالك والدول. غير ان بناء هياكل سياسية ضخمة وفعالة كهذه. تتطلب الاف السنين. جلبت حياة القرية للمزارعين الاوائل فوائد فورية بكل تأكيد. كحماية افضل من الحيوانات المفترسة. ومن الامطار والبرد. الا انه وبالنسبة للفرد العادي فان المساوئ غالبا ما فاقت الفوائد. وهو امر من الصعب ان تقدره مجتمعات اليوم المزدهرة. فبما اننا نتمتع بالوفرة والامن وبما ان الوفرة والامن اقيم على اسس بنتها الثورة الزراعية. فاننا نفترض ان الثورة الزراعية كانت تحسنا مذهلا غير انه من الخطأ ان نحكم على تاريخ يمتد لالاف السنوات. من وجهة نظر اليوم. فوجهة النظر الاكثر تمثيلا هي تلك التي لفتاة في الثالثة من عمرها وهي تحتضر. بسبب نقص الغذاء في الصين ابان القرن الاول الميلادي. بسبب فشل محصول والدها الزراعي. هل نتصور ان بامكانها القول? انا اموت بسبب نقص الغذاء. لكن بعد ألفين سنة سيتوفر للناس الكثير ليأكلوه. وهم في منازل ضخمة مكيفة. وهكذا فان معاناتي تشكل تضحية مستحقة. ما الذي قدمه القمح للمزارعين اذا? بمن فيهم تلك الفتاة الصينية التي عانت من نقص الغذاء? لم يقدم شيئا للناس بصفتهم افرادا. لكنه اسبغ شيئا على البشر العقلاء بصفتهم نوعا. منحت زراعة القمح غذاء اكثر لكل قطعة ارض. وبهذا مكنت البشر العقلاء من التكاثر اضعافا مضاعفة. حوالي سنة ثلاثة عشر الف قبل الميلاد عندما كان الناس يغذون انفسهم بجمع النباتات وصيد الحيوانات البرية. كان يمكن لمنطقة كتلك المحيطة بواحة اريحا في فلسطين. ان تقيم اود مجموعة متجولة واحدة كحد اقصى. تتكون من حوالي مائة فرد من الاصحاء. وجيدي التغذية نسبيا. و حوالي سنة ثمانية الاف وخمسمائة قبل الميلاد. وعندما افسحت النباتات البرية المجال امام حقول القمح اقامت تلك الواحات اود قرية كبيرة مكتظة تتكون من الف شخص. عانوا كثيرا من الامراض وسوء التغذية. ان عملة التطور ليست الجوع ولا الالم. وانما هي بالاحرى نسخ من الجينوم. فكما قاس النجاح الاقتصادي لشركة ما بكمية الدولارات في حسابها البنكي لا بسعادة موظفيها. فكذلك يقاس النجاح التطوري للنوع باعداد نسخه من الجينوم. فان لم تبقى نسخ من الجينوم انقرض النوع. فاذا توفرت لنوع نسخ كثيرة من الجينوم. فان هذا يعتبر نجاحا. وحينها يزدهر النوع. من هذا المنظور فان الف نسخة افضل دائما من مئة. وهذا هو اساس الثورة الزراعية. القدرة على جعل اناس اكثر يعيشون تحت ظروف اسوأ. لكن لما يجب ان يهتم الافراد بهذه الحسابات التطورية? لما يقلل اي شخص متزن من معايير معيشته? في سبيل ان يضاعف عدد نسخ جينومات الانسان العاقل? لم يوافق احد على هذه الصفقة. كانت الثورة الزراعية فخا. ننتقل في هذه المحاضرة الى عنوان اخر. سماه المؤلف فخ الرفاهية. تحت هذا العنوان يقول كان ظهور الزراعة امرا شديد التدرج. انتشر عبر قرون والفيات. ولم تستقر مجموعة من البشر العقلاء جامعي الفطر والمكسرات وصائدي الظباء والارانب. فلم تستقر باكملها فجأة وبشكل دائم في قرية ليحرثوا الحقول. ويزرعون القمح وينقلوا الماء من النهر. حدث التغيير عبر مراحل. ساهمت كل مرحلة منها بتعديل طفيف في الحياة اليومية. وصل البشر العقلاء الى الشرق الاوسط قبل حوالي سبعون الف سنة. وازدهر اجدادنا لخمسين الف سنة تلتها. دون لان الموارد الطبيعية للمنطقة كانت كافية لرعايتهم. ففي اوقات الوفرة كان لدى الناس مزيد من الاطفال بينما قل اطفالهم في اوقات العسر. فالبشر مثلهم مثل كثير من الثدييات. وسائل هرمونية وجينية تساعد على التحكم بالتكاثر. تصل الاناث الى سن البلوغ مبكرا في الاوقات الجيدة. وتكون في حدوث الحمل اعلى قليلا. بينما يتأخر سن البلوغ وتنخفض الخصوبة في الاوقات السيئة. كانت هناك اضافة الى الضوابط الطبيعية هذه وسائل ثقافية. كان الرضع والاطفال الصغار والذين ينتقلون ببطء. ويتطلبون كثيرا من الاهتمام عبثا على الجامعين الرحل. لذا حاول الناس المباعدة بين اطفالهم بثلاث او اربع سنين بين الطفل والذي يليه. قامت النساء بذلك عن طريق ارضاع اطفالهن على مدار الساعة وحتى عمر متأخر. طبعا فالرضاعة على مدار الساعة تخفض فرص حدوث الحمل بشكل كبير. وهناك طرق اخرى من بينها العفة الكلية او الجزئية عن ممارسة الجنس. المدعومة طبعا ربما بمحرمات ثقافية. اضافة الى الاجهاضات ووأد الاطفال في بعض الاحيان. اكل الناس حبوب القمح بين حين واخر خلال تلك الالفيات الطويلة. لكن ذلك كان جزءا هامشيا من نظامهم الغذائي. وقبل ما يقارب ثمانية عشر الف سنة. افسح العصر الجليدي الاخير. المجال لفترة من الجديد مثاليا للقمح الشرق اوسطي. وبقية الحبوب التي تضاعفت وانتشرت. بدأ الناس باكل مزيد من القمح. وفي المقابل نشروه على نحو غير مقصود. وحيث انه من المستحيل اكل الحبوب البرية. من دون درسها وطحنها وطبخها. فان الناس الذين جمعوا تلك الحبوب وحملوها معهم وهم عائدون الى اماكن التجمع المؤقتة. وبما ان حبوب القمح صغيرة وكثيرة. فان بعضها لا محالة كان يسقط على الطريق الى مكان التجمع. ويفقد هناك. ونبت المزيد والمزيد من القمح بمرور الوقت على طول الممرات. التي يمشي عليها البشر وعلى مقربة من اماكن تجمعهم. عندما احرق البشر الغابات والاجمات ساعد ذلك بدوره القمح ايضا. ازالت النار الاشجار والشجيرات سامحة للقمح وبقية الاعشاب ان تستأثر بضوء الشمس والماء والعناصر الغذائية. وعندما اصبح القمح وفيرا للغاية. وتوفرت الطرائد وبقية المصادر الغذائية. تمكنت المجموعات البشرية تدريجيا من التخلي عن نمط حياة الرحل. والاستقرار في اماكن تجمع موسمية وحتى دائمة. ولعلهم استقروا في البداية لاربعة اسابيع خلال فترة الحصاد. وبعد جيل من ذلك وبتضاعف نباتات القمح وانتشارها استمرت مخيمات الحصاد لخمسة اسابيع ثم سنة. واصبحت اخيرا قرية دائمة. اكتشف دليل على مثل هذه المستوطنات في شتى انحاء الشرق الاوسط. وخاصة في شرق المتوسط. حيث ازدهرت الثقافة النطوفية منذ سنة اثنى عشر الف وخمسمائة قبل الميلاد. وحتى سنة تسعة الاف وخمسمائة قبل الميلاد. كان النطوفيين صائدين جامعين. اعتمدوا في معيشتهم على عشرات الانواع البرية. لكنهم عاشوا في قرى دائمة. وكرسوا الكثير من وقتهم لجمع وتجهيز الحبوب البرية بكثافة. بنوا بيوتا حجرية ومخازن للحبوب. وخزنوا الحبوب لاوقات الحاجة. وابتكروا ادوات جديدة. كالمناجل الحجرية لحصاد القمح البري والهاون والمدقات الحجرية لطحنه. استمر المنحدرون من سلالة النطوفيين في الاعوام التى اعقبت سنة تسعة الاف وخمسمائة قبل الميلاد في جمع الحبوب وتجهيزها. لكنهم بدأوا ايضا في زراعتها بطرق متقنة اكثر فاكثر. واكتشفوا ان بامكانهم تحقيق نتائج افضل بكثير. من خلال بذر الحبوب في عمق الارض. بدلا من بعثرتها عشوائيا على السطح. وهكذا بدأوا يحرثون. وشيئا فشيئا بدأوا كذلك بازالة الاعشاب الضارة من الحقول وحمايتها من الطفيليات. وسقيها وتسميدها. وتوجيه جهود اكثر لزراعة الحبوب. هناك وقت قليل لجمع الانواع البرية وصيدها. وبذلك تحول الجامعون الى مزارعين. ليست هناك خطوة واحدة تفصل المرأة جامعة القمح البري مع المرأة زارعة القمح المستأنس. لذا فمن الصعب القول متى حدث التحول الحاسم الى الزراعة بالتحديد. لكن وبحلول سنة ثمانية الاف وخمسمائة قبل الميلاد. كان الشرق الاوسط مليئا بالقرى الدائمة. كاريحا التي قضى سكانها معظم وقتهم في زراعة بضعة انواع مستأنسة. بدأ عدد السكان في النمو. بالانتقال الى القرى الدائمة وزيادة مؤونة الغذاء. وتمكنت النساء عن طريق التخلي عن نمط حياة الرحل من انجاب طفل كل عام. وفطم الرضع في سن مبكرة. لانه كان بالامكان تغذيتهم بالحساء والعصيدة. كانت هناك حاجة ملحة للايدي الاضافية في الحقول. غير ان الافواه الاضافية قضت على الفائض من الطعام. لذا وجبت زراعة حقول اضافية. وحين عاش الناس في تجمعات تملؤها الامراض وتغذى الاطفال اكثر على الحبوب واقل على حليب الام. وحين نافس كل طفل مع مزيد من الاخوة على عصيدته. ارتفعت وفيات الاطفال. مات واحد من كل ثلاثة اطفال على الاقل قبل بلوغه في معظم المجتمعات الزراعية. لكن ارتفاع عدد الولادات استمر بمعدل يفوق ارتفاع عدد الوفيات. وهكذا استمر البشر في الحصول على اعداد كبيرة من الاطفال. ومع مرور الوقت امست صفقة القمح مرهقة اكثر فاكثر. مات الاطفال بشكل جماعي. واكل البالغون خبزهم بعرق جبينهم. عاش الانسان العادي في اريحا سنة ثمانية الاف وخمسمائة قبل الميلاد. حياة اقسى من الانسان العادي في اريحا سنة تسعة الاف وخمسمائة او ثلاثة عشر الف قبل الميلاد. لكن لم يفطن احد لما يحدث. واستمر كل جيل بالعيش كالجيل الذي سبقه. محرزين تحسينات صغيرة فقط هنا وهناك في التعامل مع الاشياء. وللمفارقة فان سلسلة التحسينات التي كان الهدف من كل واحد منها هو تسهيل الحياة. قد اضافت اغلالا حول اعناق اولئك المزارعين. لكن لما ارتكب الناس مثل هذا الخطأ الفادح? لنفس السبب الذي من اجله ارتكب الناس اخطائهم الفادحة طوال التاريخ. لانه لم يكن بمقدورهم ادراك كافة عواقب قراراتهم. عندما قرروا فعل عمل اضافي لنقل ان يحرثوا الحقول بدلا من نشر البذور على السطح. فكروا قائلين. نعم سنضطر ان نعمل بمشقة اكبر. لكن الحصاد سيكون اوفر. ولن نقلق الان من السنوات العجاف. ولن ينام اطفالنا وهم جائعون. بدا هذا منطقيا. فاذا عملت بجهد اكبر ستحظى بحياة افضل. هكذا كانت الخطة. سار الجزء الاول من الخطة على ما يرام. وعمل الناس بجهد اكبر فعلا. لكنهم لم يقدروا ان عدد الاطفال سيزداد. ما يعني انه يجب ان يشارك الفائض من القمح بين اطفال اكثر. ولم يدرك المزارعون الاوائل كذلك ان تغذية الاطفال بكثير من العصيدة وقليل من حليب الام. يضعف اجهزتهم المناعية. وان المستوطنات الدائمة ستمسي بؤرا للامراض المعدية. ولم يتوقعوا انه وباعتمادهم على مصدر وحيد للغذاء. فانهم في الحقيقة يعرضون حياتهم اكثر لاضرار القحط. ولم يأخذوا في حساباتهم ان صوامع حبوبهم الممتلئة ستغري اللصوص والاعداء ليجعلهم ذلك مضطرين الى البدء ببناء الاسوار والقيام بواجبات الحراسة. اذا لماذا لم يتخلى البشر عن الزراعة? بعد ان اسفرت الخطة عن نتائج عكسية. يعود ذلك جزئيا الى ان التغيرات الصغيرة. تتطلب اجيالا حتى تتراكم وتؤدي الى تحول المجتمع. وحينها لن يوجد من يتذكر انه سبق لهم العيش بطريقة مختلفة. ويعود جزء اخر الى النمو السكاني الذي قسم ظهر البشرية. اذا كان تبني الفلاحة قد رفع عدد سكان قرية من مئة شخص الى مئة وعشرون. فاي عشرة منهم يجب ان يتطوعوا للموت جوعا. حتى يتمكن البقية من العودة للايام السعيدة الخالية. لم يكن هناك مجال للعودة الى الوراء. فالفخ كان قد انطبق باحكام. اسفر السعي الى حياة اسهل عن معاناة اكبر. ولم تكن تلك المرة الاخيرة. فذلك يحدث لنا هذه الايام. يتمثل احد قوانين التاريخ الصارمة في ان الرفاهيات تنحى لان تصبح ضروريات. لتنتج حينها واجبات جديدة. فبمجرد ان يعتاد الناس على رفاهية معينة. فانهم يعتبرونها امرا مضمونا. ثم يعتمدون عليها الى ان يصلوا الى مرحلة لا يمكنهم العيش بدونها. لنأخذ مثالا اخر مألوفا من عصرنا الحالي. اخترعنا في العقود القليلة الماضية. عددا لا يحصى من اجهزة حفظ الوقت. التي من المفترض ان تجعل الحياة اريح. الغسالات والمكانس المنظفة. الصحون والهواتف الثابتة والنقالة. والحواسيب والبريد الالكتروني. تطلبت كتابة رسالة جهدا كبيرا في الماضي. تضمن عنونتها ووضع طابع على الظرف ثم اخذها لصندوق البريد. واستغرق وصول الرد اياما واسابيع وربما اشهرا. اما هذه الايام. فيمكنني ان ادفع برسالة الكترونية لتذهب الى الجانب الاخر من العالم. ثم استقبل الرد بعد دقيقة. وفر هذا للجهد والوقت. لكن هل جعلني ذلك اعيش حياة اريح? للاسف لا. ففي عصر البريد العادي السالف. اعتاد الناس على كتابة الرسائل عندما يكون لديهم امر مهم للتواصل بشأنه. ولم يكن يكتبون كل ما يخطر على بالهم. كانوا يمنعون النظر فيما يرغبون بقوله وكيف يصيغونه. وكان استقبال الرد على نفس الدرجة من الاهمية. كان معظم الناس لا يكتبون ويستقبلون اكثر من عدد قليل من الرسائل شهريا. ونادرا ما شعروا بالاضطرار بان يردوا فوريا. اما في وقتنا الحالي. فانني استقبل عشرات الرسائل الالكترونية بشكل يومي. وجميعها من اناس يتوقعون ردا فوريا. ظننا ان نوفر الوقت. وبدلا من ذلك سرعنا من عجلة سير الحياة عشرة اضعاف سرعتها السابقة. وجعلنا ايامنا اكثر قلقا واضطرابا. يوجد بالطبع هنا وهناك مقاوم للتقنية. يرفض ان يفتح حساب بريد الكتروني. كما رفضت بعض المجموعات البشرية الاخذ بالزراعة قبل الاف السنين. فجت من فخ الرفاهية. بيد ان الثورة الزراعية لم تحتج لانضمام كل مجموعة بشرية في منطقة ما. بل كانت مجموعة واحدة كافية لها. فبمجرد ان تستوطن مجموعة واحدة. وتبدأ بالحراسة. سواء في الشرق الاوسط او في امريكا الوسطى تصبح الزراعة امرا لا يمكن مقاومته. ولما هيأت الزراعة الظروف لنمو سكان سريع استطاع المزارعون التغلب على الجامعين بتفوقهم العددي. كان بامكان الجامعين اما الهروب والتخلي عن اراضي صيدهم لتكون حقلا ومرعى. او ان يتناولوا المحراث بدورهم. وفي كلا الحالتين كان الهلاك هو مصير الحياة القديمة. تحمل قصة فخ الرفاهية في طيها درسا مهما. وهو ان بحث البشرية عن حياة اسهل يبعث قوى هائلة من التغيير. لم يخطط احد للثورة الزراعية. او يسعى لجميع البشر معتمدين على زراعة الحبوب. كان لسلسلة من القرارات البسيطة والتي هدفت اغلبها لملء بعض البطون او الحصول على قليل من الامان. اثارا تراكمية ارغمت الجامعين الغابرين على قضاء ايامهم وهم يحملون دلاء الماء تحت الشمس الحارقة. هنا يظهر عنوان صغير. سماه المؤلف تدخل الهي. تحت هذا العنوان يظهر السيناريو السابق الثورة الزراعية على انها سوء تقدير وهو امر وارد جدا. فالتاريخ مليء بحالات سوء تقدير اكثر حماقة. لكن هناك احتمالية اخرى ربما لم يكن البحث عن حياة اسهل. هو ما احدث التحول. ربما كانت لدى العقلاء مطامح اخرى. وارادوا عن وعي جعل حياتهم اشق سعيا لتحقيق تلك المطامح. عادة ما يحاول العلماء عزو التطورات التاريخية الى عوامل اقتصادية وسكانية قاسية. وذلك يتناسب مع مناهجهم العقلانية والرياضية. اما فيما يتعلق بالتاريخ الحديث. فان الباحثين ليس بامكانهم ان يغفلوا العوامل غير المادية. مثل العقيدة والثقافة. ذلك لان الادلة المكتوبة تجبرهم على ذلك. وثائق كافية من رسائل ومذكرات. لنثبت ان الحرب العالمية الثانية لم يكن سببها نقص الغذاء او الضغوط السكانية. لكننا لا نملك وثائق من الثقافة النطوفية. لذا فحين نتناول الحقب الغامرة. تسود المدرسة المادية على سواها. ذلك لانه من الصعب اثبات ان الناس كانوا مدفوعين بالايمان. عوضا عن الاقتصادية لمرحلة ما قبل الكتابة. بيد اننا محظوظين بما فيه الكفاية ان وجدنا في حالات نادرة قرائن دالة. بدأ علماء الاثار في سنة الف وتسعمائة وخمسة وتسعون التنقيب في موقع اثري في جنوب شرق تركيا يسمى(كوبكل تبه ) لم يجدوا في الطبقة الاقدم منه اي دليل لمستوطنة او بيوت او نشاط حياة يومي. غير انهم وجدوا اعمدة هيكلية ضخمة مزينة بنقوش رائعة. يصل وزن كل عمود حجري منها سبعة اطنان وارتفاعه الى خمسة امتار. وكشفوا ما يزيد مجموعه على عشرة ابنية ضخمة. اكبرها يمتد لقرابة ثلاثين مترا. تعتبر مثل هذه الابنية الضخمة مألوفة لذى علماء الاثار في عدة مواقع حول العالم. واشهر مثال عليها هو ستون هونج في بريطانيا. غير انهم اكتشفوا بدراستهم لموقع كوبيكلي حقيقة مدهشة. تعود اثار ستون هونج الى سنة الف وخمسمائة قبل الميلاد. وانشأها مجتمع زراعي متطور. بينما تعود ابنية كوبيكلي الى حوالي تسعة الاف وخمسمائة قبل الميلاد. وتشير كل الادلة المتوفرة الى ان بناتها كانوا صيادين جامعين. واجه علماء الاثار صعوبة في الثقة بهذه النتائج في البداية. لكن الاختيارات المتتالية اكدت الامرين. التاريخ المبكر لهذه الابنية وانتماء البنات لمجتمع ما قبل الزراعة. بدت امكانات الجامعين الغابرين. والطبيعة المعقدة لثقافاتهم مذهلة. اكثر بكثير مما كان متوقعا من قبل. يبني مجتمع جامعين ابنية كهذه. لم يكن لديهم هدف نافع واضح. لم تكن هذه الابنية مسالخ ماموث ولا اماكن تقيهم المطر وتخفيهم عن الاسود. يجعلنا هذا الامر امام الفرضية التي ترى انها بنيت لغرض ثقافي غامض. واجه علماء الاثار صعوبة في فك رموزه. ومهما يكن الغرض رأى الجامعون انه يستحق قدرا هائلا من الجهد والوقت. كان السبيل الوحيد لبناء كوبيكلي هو ان يتعاون الاف الجامعين ممن ينتمون الى مجموعات وقبائل مختلفة ولفترة طويلة من الزمن. يمكن فقط لنظام ديني او عقائدي متقدم ان يحافظ على مثل هذه الجهود. ضم موقع كوبيكلي سرا اخر مثيرا. كان علماء الجينات ولسنوات عديدة يتتبعون اصول القمح المستأنس. اشارت الاكتشافات الحديثة الى ان نوعا واحدا على الاقل من القمح المستأنس وهو القمح الوحيد الحبة. نشأ في تلال كراكاباج التي تبعد مسافة ثلاثين كيلو مترا من كوبيكلي تبة. من ان يكون الامر مجرد صدفة. فمن المحتمل ان يكون المركز الثقافي في كوبكلي له صلة ما ببداية زراعة القمح على يد البشر. وبترويض البشر على يد القمح. فمن اجل تغذية الناس الذين بنوا واستخدموا تلك الابنية الضخمة احتاج الامر لكميات كبيرة للغاية من الطعام. وربما يكون الجامعون قد تحولوا من جمع القمح البري الى زراعة القمح المكثفة. ليس بهدف زيادة امداداتهم من الطعام وانما لدعم بناء وتشغيل معبد. من المألوف ان ينشئ الرواد الاوائل في البدء قرية. وحين تزدهر يؤسس معبدا في وسطها. لكن اثار كوباكل تبة تشير الى ان المعبد ربما بني اولا وان القرية نمت لاحقا حوله. وهنا يشير الى ظهور الدين. طبعا اكتشافات مهمة في هذا المجال. وهنا نأتي الى عنوان اخر اعتقد انه العنوان الاخير في هذا الوصف. وهو ضحايا الثورة. يقول تحت هذا العنوان لم تكن الصفقة الشيطانية بين البشر والحبوب هي الصفقة الوحيدة التي عقدها نوعنا. هناك صفقة اخرى كانت جائحة. باعتبار مصير حيوانات كالخراف والماعز والخنازير والدجاج. بدلت مجموعات الرحل التي تعقبت الخراف البرية تدريجيا من بنية القطعان التي كانوا يفترسونها. بدأت العملية على الارجح بالصيد الانتقائي. اذ تعلم البشر ان من مصالحهم ان يقتصروا على صيد الكباش البالغة والنعاج العليلة. فابقوا على الاناث الخصبة والحملان الصغيرة بهدف الحفاظ على حيوية القطيع المحلي. وربما كانت الخطوة التالية ان دافعوا بشكل نشط عن القطيع ضد الحيوانات المفترسة بابعاد الاسود والذئاب ومجموعات البشر المنافسة. وبعدها ربما قامت المجموعة بمحاصرة القطيع في مساحة محدودة. لاجل تحكم افضل بها وحمايتها. واخيرا بدأ الناس بانتقاء الخراف بعناية اكبر. بهدف موائمتها لاحتياجات البشر. فذبحت اولا الكباش الاكثر عدوانية. التي ابدت مقاومة اكبر لتحكم البشر. وهذا ما حدث ايضا للاناث العجاف والاكثر فضولا. وهكذا مع مرور الاجيال اصبحت الخراف اسمن واكثر خضوعا واقل فضولا. وها نحن ذا كما تقول اغنية الاطفال المشهورة. لدى ماري حمل صغير. واينما ذهبت ماري يتبعها الحمل بالتأكيد. كافتراض بديل. ربما قبض الصيادون على حمل وربوه وسمنوه. خلال اشهر الوفرة. ثم ذبحوه خلال موسم الندرة. وبدأوا في مرحلة ما بالاحتفاظ بعدد اكبر من تلك الحملان. ووصل بعضها لسن البلوغ فبدأت في التكاثر. ذبحت الحملان العدائية والصعبة الميراث اولا. اما تلك الاكثر خضوعا واغراء. فقد سمح لها بان تعيش اطول وان تتكاثر. وكانت النتيجة قطيعا من الخراف المستأنسة والخاضعة. قدمت هذه الحيوانات المستأنسة من خراف ودجاج وحمير وغيرها. قدمت الطعام من لحم وحليب وبيض.و المواد الخام الجلود والصوف اضافة الى القوة العضلية.واطلعت الحيوانات بتزايد بمهام النقل والحراثة والطحن. وغيرها مما كان حتى ذلك الوقت ينجز بعضلات الانسان. وفي معظم المجتمعات الزراعية. ركز البشر على زراعة النباتات. وكانت تربية الحيوانات نشاطا ثانويا. الا ان نوعا جديدا من المجتمعات ظهر ايضا في بعض الاماكن. تأسس بشكل رئيسي على استغلال الحيوانات. قبائل من الرعاة مربي الماشية. بانتشار البشر حول العالم انتشرت معهم حيواناتهم المستأنسة. لم تكن تعيش في بيئات محددة من قبل عشرة الاف سنة. اكثر من عدة الاف من الخراف والابقار والاغنام والخنازير والدواجن. بينما يضم العالم في وقتنا الحالي ما يقارب مليار خروف ومليار خنزير واكثر من مليار بقرة. واكثر من خمسة وعشرون مليار دجاجة. وهي متوزعة على جميع انحاء العالم. ويعتبر الدجاج المستأنس اكثر الطيور انتشارا على الاطلاق. وتأتي الابقار ثم الخنازير ثم الخراف بعد الانسان العاقل. كثاني وثالث ورابع اكثر الثديات الكبيرة انتشارا في العالم. وهكذا. فمن منظور تطوري محدود. فان الثورة الزراعية كانت نعمة رائعة للدجاج والابقار والخنازير والخراف. لسوء الحظ فان المنظور التطوري مقياس غير مكتمل النجاح. فهو يحكم على شيء من معيار البقاء والتكاثر. دون اعتبار لمعاناة الفرد او سعادته. ربما يعتبر الدجاج والابقار المستأنسة قصة نجاح تطورية. لكنها ايضا من بين اتعس المخلوقات التي عاشت. تأسس استئناس الحيوانات على سلسلة من الممارسات الوحشية. التي اصبحت اقسى وحسب على مر القرون. تستمر دورة الحياة الطبيعية للدجاج البري ما بين سبع واثنتي عشرة سنة تقريبا. بينما تصل عند الابقار البرية من عشرين الى خمس وعشرين سنة. ويموت معظم الدجاج والابقار قبل ذلك بوقت طويل. لكن يظل لديها فرصة جيدة للعيش لسنوات معتبرة. في المقابل فان الغالبية العظمى من الدجاج والابقار المستأنسة. تذبح في عمر يتراوح بين عدة اسابيع وعدة اشهر. لان هذا هو العمر الذي طالما اعتبر الامثل للذبح من وجهة نظر اقتصادية. طبعا فلم الاستمرار في اطعام ديك لثلاثة سنوات. اذا كان قد وصل فعلا الى وزنه الاقصى في عمر ثلاثة اشهر. سمح في بعض الاحيان للدجاج البائض وابقار الحليب وحيوانات الجر بحياة تمتد لعدة سنوات. لكن الثمن كان ارغامها على نمط حياة مختلف تماما عن دوافعها ورغباتها. ومن المنطقي ان نفترض على سبيل المثال ان الثيران تفضل ان تقضي ايامها وهي تجوب السهول المفتوحة. برفقة الثيران والابقار الاخرى بدلا من ان تسحب العربات والمحاريث تحت نير صوط نسان. توجب من اجل تحويل الثيران والخيول والحمير والجمال الى حيوانات جر المطيعة. تحطيم غرائزها الطبيعية وروابطها الاجتماعية. وكبس عدائيتها ونشاطها الجنسي. والحد من حريتها في الحركة. طور تقنيات مثل حبس الحيوانات داخل حظائر واقفاص. وقمعها بالاسراج والالجمة. وتدريبها بالسياق والمهاميز. وتشويهها غالبا ما شملت عملية التسجيل خصب الذكور. فهذا يكبح عدوانيتها. ويمكن البشر من التحكم بتكاثر القطيع بشكل انتقائي. في عدد من مجتمعات نيوغينيا. تحدد ثورة الشخص تقليديا بعدد الخنازير التي يمتلكها. ولضمان عدم هروب الخنازير يبتر المزارعون في شمال نيوغينيا قطعة من انف كل خنزير. يسبب هذا ألما حادا كلما حاول الخنزير ان يتشمم. وبما ان الخنازير لا يمكنها ان تجد طعاما ولا حتى ان تجد بينما يحيط بها دون ان تتشمم. فان هذا التشويه يجعل منها معتمدة كليا على مالكيها من البشر. وفي منطقة اخرى من يوغينيا جرت العادة على فقأ عيون الخنازير. حتى لا يمكنها معرفة طريقها. اما صناعة الالبان فان لديها طرقها الخاصة. لاكراه الحيوانات على الانصياع لارادتها. تنتج الابقار والماعز والنعاج والحليب بعد ولادة العجول والسخال والحملان. وتستمر طالما استمرت الصغار في مص ابنائها. ولكي يستمر انتاج الحليب. يسمح المزارع للصغار بان تمص ابناء امهاتها. لكن يمنعها من احتكار الحليب. تتلخص احدى الطرق الشائعة عبر التاريخ ببساطة في ذبح الصغار بعد فترة قصيرة من ولادتهم. وحلب الام قدر الامكان. ومن ثم جعلها تحمل ثانية. وما يزال هذا اسلوبا واسع الانتشار. تعيش البقرة الحلوب في كثير من مزارع الالبان الحديثة حوالي خمس سنوات قبل ان تذبح. وخلال هذه الخمس سنوات فانها تكون حاملا معظم الوقت. وتخصب بعد ستين الى مئة وعشرون يوما من وضعها. من اجل الحفاظ على الحد الاعلى لانتاج الحليب. وتفصل عنها عجولها بعد الولادة بفترة قصيرة. وتربى الاناث لتكون الجيل التالي من الابقار الحلوب. بينما تسلم الذكور لصناعة انتاج اللحوم. تتمثل الطريقة الاخرى في ترك العجول والحملان بجانب امهاتها. ومنعها بواسطة عدة خدع من رفع الكثير من الحليب. تتمثل الطريقة الاسهل لعمل ذلك بالسماح للعجل او الحمل بالبدء في الرضاعة. ومن ثم ابعاده بمجرد ان يبدأ الحليب في التدفق. وعادة ما تواجه هذه الطريقة مقاومة من الصغير والام. واعتادت بعض قبائل الرعي ان تقتل الصغير وتأكل لحمه. ومن ثم تحشو جلده. ويقدم بعدها الصغير المحشو للام. فيشجعها وجوده على انتاج الحليب. وذهبت قبائل النوير في السودان. الى حد تلطيخ الحيوانات المحشوة ببول امهاتها. لاكتساب العجول المزيفة رائحة حياة مألوفة. اسلوب اخر لقبائل النوير يتمثل في ربط حلقة من الشوك حول فم العجل. وهكذا تطعن الاشواك الام ما يتسبب في مقاومتها الرضاعة. واعتاد مربي الجمال من الطوارق في الصحراء الكبرى. على ثقب اجزاء من الانف والشفة العليا لصغار الجمال او قطعها بهدف جعل الرضاعة مؤلمة. وبهذا يضبطونها عن استهلاك الكثير من الحليب. امر قاسي جدا. اليس كذلك? يا لقسوة الانسان. نكمل. لم تكن كل المجتمعات الزراعية بهذه الوحشية تجاه حيوانات مزارعهم. فحياة بعض الحيوانات المستأنسة كانت جيدة فعلا. تمتعت الخراف التي تربى لصوفها. والكلاب والقطط الاليفة وخيول الحرب والسباقات. تمتعت غالبا بظروف مريحة. ويزعم ان الامبراطورية الروماني كاليجولا. كان يعتزم تعيين حصانه الاثير قنصلا. وابدى الرعاة والمزارعون عبر التاريخ تعاطفا تجاه حيواناتهم. واهتموا بها اهتماما بالغا. تماما كما شعر كثير من مالكي العبيد بالتعاطف والاهتمام اتجاه عبيدهم. ولم تكن صدفة ان يصور الملوك والانبياء انفسهم كالرعاة. وان رعايتهم ورعاية الالهة لشعوبهم. برعاية الراعي لقطيعة. هناك صورة مرفقة في هذا الكتاب عن عجل حديث في مزرعة انتاج لحوم. يقول الكاتب يفصل العجل عن امه بعد ولادته مباشرة. ليحبس في زنزانة لا تزيد كثيرا عن حجم جسمه. يقضي العجل حياته باكملها هناك. وهي بمعدل اربعة اشهر تقريبا. لا يفارق زنزانته ولا يسمح له باللعب مع العجول الاخرى. ولا حتى المشي. كل هذا حتى لا تنمو عضلاته بشكل يجعلها قوية. فالعضلات اللينة تعني شريحة لحم طرية وذات عصارة. يحصل العجل على فرصته الاولى ليمشي ويمدد عضلاته ويلمس بقية العجول وهو في طريقه الى المسلخ. تمثل الماشية على الصعيد التطوري احد انجح انواع الحيوانات بين الحيوانات التي وجدت. وهي في الوقت ذاته من اكثر الحيوانات بؤسا على كوكبنا. نكمل. يصعب تجاهل الانطباع بان الثورة الزراعية كانت مأساة فظيعة بالنسبة لاغلبية الحيوانات المستأنسة. فلا معنى لنجاحها التطوري. وعلى الارجح فان وحيد القرن البري النادر وهو على شفا الانقراض. كان اكثر رضا من عجل يقضي حياته القصيرة. داخل صندوق ضيق. ويسمن لانتاج الشرائح الطرية. لم يكن وحيد القرن الراضي باقل رضا كونه من بين اواخر نوعه. يعتبر النجاح العددي لنوع العجول مواساة ضئيلة امام المعاناة التي يتكبدها الافراد. ربما يكون هذا التناقض بين النجاح التطوري ومعاناة الفرد اهم الدروس لنتعلمها من الثورة الزراعية. وحين ندرس حكاية النباتات من قبيل القمح والذرة. عن تلك الثورة فلربما نجد معنى للمنظور التطوري البحث. لكن وفي حالة حيوانات مثل الماشية والخراف والعقلاء وكل منها له عالمه المعقد من الاحاسيس والمشاعر. فيجب علينا ان ناخد في الاعتبار كيف ينعكس النجاح التطوري للنوع على تجارب الافراد. سنرى في الفصول القادمة مرة تلو الاخرى. كيف تلازمت الزيادة الكبيرة في السلطة الجماعية والنجاح الظاهري لنوعنا جنبا الى جنب مع معاناة اكثر للافراد. الى هنا ننهي هذا العدد من المحاضرة العاشرة. وهي كانت مفيدة وخصبة وممتعة حقيقة بالحديث عن الثورة الزراعية. ومآسيها ووحشيتها وقسوتها. انتظرونا اعزائي في الجزء القادم وهو عن بناء الاهرامات. شكرا على المتابعة. الى اللقاء.
30:21
الثورة الزراعية أكبر خدعة في تاريخ البشرية
Moroccan insanity
81.8K مشاهدة · 4 years ago
6:59
الثورة الزراعية أكبر خدعة في التاريخ
Mask Stories
157 مشاهدة · 3 years ago
0:48
هل كانت الثورة الصناعية أكبر خديعة في تاريخ البشرية لن تصدّق ما لم يخبرك به أحد
مجتمع فاصلة
1.2K مشاهدة · 1 year ago
1:35
الحلقة السابعة الثورة الزراعية
Origins
720 مشاهدة · 1 year ago
0:48
الثورة الزراعية
HS Plus
559 مشاهدة · 2 years ago
6:34
الثورة الزراعية وقصة اكتشاف الزراعة خلال العصر الحجري قبل الميلاد ونقطة التحول في تاريخ البشرية
فجر الحضارة - Birth of Civilization
1.5K مشاهدة · 1 year ago
29:47
الثورة الزراعية الجزء 4 قصة البشرية
Yassine Dinarbous
2.9K مشاهدة · 1 year ago
31:49
بودكاست مرايا الحلقة الثالثة الثورة الزراعية في الأندلس
نادر الوثير
217 مشاهدة · 9 months ago
0:31
الثورة الزراعية
الحكمة القديمة
354 مشاهدة · 1 year ago
7:48
الثورة الزراعية الخضراء التاريخ المزايا والعيوب
Si Bennasseur Alaoui
290 مشاهدة · 4 years ago
5:46
الثورة الزراعية كيف غيّرَت الزراعة العالم
H Geo
21 مشاهدة · 4 months ago
3:42
ايش هي الثورة الزراعية
AhmadOmar احمد و عمر
9.9K مشاهدة · 3 years ago
2:42
الثورة الزراعية وتأثيرها على المجتمعات
Ahmed Zied
30 مشاهدة · 8 months ago
3:51
الثورة الزراعية 1972 م
إنسانة من فولاذ
7.6K مشاهدة · 5 years ago
2:48
بدون الزراعة كيف عاش البشر على الصيد وكيف غيّرت الثورة الزراعية تاريخ البشرية إلى الأبد
قصص الحضارات - CiviStories
129 مشاهدة · 9 months ago
13:17
الرئيس هواري بومدين و الثورة الزراعية Le président Houari Boumediene et la révolution agraire