مفهوم والقتال في وحقيقة الاسلامية وهل أمر الله بسبي النساء وما هي الجزية

مفهوم والقتال في وحقيقة الاسلامية وهل أمر الله بسبي النساء وما هي الجزية

النص الكامل للفيديو

السلام عليكم هُنَاكَ مِنْ يُتَّهَمُ الاسِّلامَ بِأَنَّهُ دِينٌ دَمَوِيٌّ يُحَرِّضُ عَلَى القَتْلِ والْعُنْفِ وَقَطْعِ الرُّؤُوسِ وَنَشْرِ الاسِّلامِ بِالسَّيْفِ مِنْ خِلالِ غَزْوِ البُلْدانِ أَوْ مَا يُسَمَّى بِاَلْفُتوحاتِ الاسِّلاميَّةِ مستدلين بآيات مثل: يا ايها النبي حرض المؤمنين على القتال قاتلوا يعذبهم الله بايديكم فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب وفي اية اخرى فضربوا فوق الاعناق قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر قاتلوا المشركين كافة واقتلوا المشركين حيث وجدتموتم والكثير من الايات التي يستدلون بها والتي يستدل بها متبعي الظن ايضاً لشرعية الجهاد، وسأناقش أيضا الفرق بين القتال والجهاد وماهي الجزية وموضوع السبايا وما معنى كلمة شهيد وهل رسول الله غزى بلدان اثناء حياته لنشر الرسالة؟ هذا هو موضوع حلقة اليوم. مرحباً بكم جميعاً أنا حسين الخليل وهذه قناتي ومنبري. وقبل البدء، أرجو الاشتراك في القناة وتفعيل زر التنبيهات ليصلك كل ما هو جديد. واريد ان انوه إلى مسألة مهمة وهي ان كل ما انشره هي أفكاري وما أُؤمن به انا فقط ولا أمنحها صفة الحقيقة المطلقة، فتحتمل الصواب والخطأ ولا أُلزِم بها أي أحد. من أكثر المسائل الجدلية والتي اتفق عليها متبعو الموروث الديني مع غير المسلم، وهنا اتحدث بلسان المجتمع وليس بلسان القرآن بكلمة مسلم، فأكثر المسائل التي اتفقوا عليها هي مسألة الجهاد والقتال، لكن اتفاقهم هو اتفاق متعاكس، فغير المسلم يطعن بالاسلام كونه دين دموي يدعوا إلى العنف والقتل لكل من لا يؤمن به من خلال الايات آنفة الذكر، بينما المسلم متبع الظن يفتخر بالاسلام ويراه مصدر قوة وفخر من خلال نفس الآيات آنفة الذكر ايضا. بداية يا صديقي العزيز لنتحدث عن كلمة شهيد وماذا تعني في القرآن، لأننا ورثنا مفاهيم بأن الشهيد هو من يقتل في سبيل الله، لنقرآ الآيات التي ذكرت هذه الكلمة ونرى هل فعلاً تؤيد هذا المفهوم أم أن القرآن له مفاهيم أخرى؟ ومن الخطأ والاجحاف يا صديقي العزيز أن نسقط مفاهيمَنا التي ورثناها على مفاهيم القران الكريم، قال تعالى: (وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ) في هذه الاية ومن خلال السياق الواضح جدا نفهم ان كلمة شهيد هو الشاهد على موضوع الدين، أي شهدوا هذا الدين الذي حصل بين الطرفين، ونفس الشيء تستخدم هذه الكلمة في المحكمة عندما يتم استدعاء الشاهد أو الشهداء. وفي اية اخرى (قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ) وفي هذه الآية ذكرت كلمة الشهيد بنفس المعنى في الآية السابقة وهي الشهادة وبالطبع ليس بالمعنى الحرفي ان يكون الله حاضراً جسداً معهم كما في الآية السابقة حتى لا يكون هناك مفهوم لم يقصد أو مقصود لم يفهم، لان الله لا تدركه الابصار. وفي اية اخرى (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا) وهذا المعنى ايضا له نفس المعاني السابقة التي هي الشهادة ان يشهد عليهم وهي من الحجة. وقوله تعالى (وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ ) وهنا كلمة الشهيد هو من شهد بالحق وآمن به ويؤكد ذلك تكلمة الآية والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فهنا فئتان، الأولى آمنت بآيات الله فشهدت الحق والثانية كفرت بآيات الله. فالشهيد يا صديقي العزيز هو من شَهِدَ حدثًا أمامه وشاهده بعينيه كما في قوله تعالى (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ) فمن كان موجودًا عند يعقوب عندما حضره الموت هو الشهيد أي كان شاهدًا الموقف الذي حصل. وأيضًا قوله تعالى (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) فهل كلمة الشهداء هنا تعني من قُتل في المعركة؟ بالتأكيد لا فسياقُ الآية ينفي هذا المفهوم. لكن ماذا نُسمّي من يموت في المعركة؟ قال تعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا) اكتفى الله بالقول مقاتل في سبيل الله. وبالتأكيد من يقاتل في سبيل الله هو من أعظم الاعمال عند الله لان الله قال عنهم: (فرحين بما آتاهم الله من فضله) وهي ليست محصورة في اتباع الرسالة المحمدية. لكن الحاصل اننا تعودنا على ان من يقتل في المعركة نسميه شهيد فرحم الله كل من مات في سبيل الله. أما مسألةُ الجهاد في القرآن فيأتي بمعنى المشقة لذا هو تكليف كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) والجهاد يكون معنوياً فيدخل ضمنه جهاد النفس، أي تدريبها على التحكم بالغرائز والشهوات أو الجهاد السلمي لنصرة قضية ما، أو الجهاد بالكلمة لإعلاء كلمة الحق فالجهاد في القرآن أبعد ما يكون عن القتال وسنرى بعد قليل يقول الله سبحانه وتعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) وفي الآية الثانية (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) والشرك المقصود في الآيتين هو طريقة التفكير الأبوية التي يلزم الأهل أولادهم عليها سواء بالمغريات (على أن تشرك) أو بالإكراه (لتشرك بي). وهذا هو الفرق بين (على ان تشرك بي) و(لتشرك بي) قال تعالى (فَلَا تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدْهُم بِهِ ۦ جِهَادًا كَبِيرًا) وهذا خطاب من الله لأن يجاهد الكفار بالقرآن والجهاد هنا بالفكر والمنهج، وليس بمفهومنا المجتمعي الذي هو حمل السلاح والقتال. وفي آية أخرى (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ) والجهاد هنا أيضاً بالفكر والمنهج، ويؤكد ذلك قوله تعالى (واغلظ عليهم) أي خاطبهم بالقول الشديد والحجج الدامغة. أما القتال فقد جاء في القرآن لرد العدوان فقط، ومنع الله الاعتداء على الناس تحت أي ذريعة. قال تعالى (وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ) القرآن يمنع الإعتداء على الآخرين مهما كان السبب فالاعتداء لا مبرر له، ولا يوجد لما يُسمّى بالفتوحات الاسلامية بحجة نشر الدين فمن يقول لولا هذه الفتوحات لما انتشر الاسلام، فهو يطعن بالاسلام لانه يُظهره على انه دين دموي قائم على العنف. الإسلام يا صديقي العزيز رسالة، بلّغني الرسالة ولا تعتدي عليّ باسم نشر الإسلام لأنك بهذا ستُنفّر العالم منه وسيرون أنه دين القتل وسفك الدماء وهذا كلُه لم يأمر به الله. ومفهوم القتال في القرآن، هو قتال المعتدين ورد الظلم وليس الإعتداء على بلدٍ آمن مطمئن، وقتل أهل ذلك البلد وسبي نسائهم وسرقة أموالهم ثم يقولوا لنا هذه فتوحات إسلامية ويسمونه جهاد في سبيل الله هذا ليس قتال في سبيل الله بل هو إعتداء، والإسلام نهى عن الإعتداء. لكن ماذا نفعل بالآيات التي تتكلم عن القتال والتي يستدلون بها؟ قال تعالى (قاتلوا المشركين كافة) ويسكتون عند هذا الحد ويقولوا هذه اية تدعوا إلى قتال المشركين وهي من الآيات التي يحتجّ بها كل متطرف ولكنه اجتزئها، فلو قرأ الآية كاملة لفهم المقصود منها. قال تعالى (قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) أي أن المشركين هم الذين بدأو القتال قاتلوا أي واجهوا عدوكم وصدوا عن أنفسكم العدوان. لذلك وجب قتالهم للدفاع عن النفس. أما قوله تعالى (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) سأقرأ الآية كاملة لأثبت لك يا صديقي العزيز أنها لصد العدوان والدفاع عن النفس قال تعالى: (أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۞ قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ) فالآية واضحة فهي تتكلم عن المشركين الذين حاربوا رسول الله وعادوه وآذوه وأخرجوه من أرضه بل ونكثوا أيمانهم وعهودهم مع الرسول أيضاً، وهم الذين بدأوا القتال. وقوله تعالى: (واقتلوهم حيث وجدتموهم). هذه الآية مثلها مثل الآية السابقة، سأقرأ لك الآية كاملة قال تعالى (فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًا ۞ وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) هذه الايات ومن خلال السياق يتضح لنا أن الله يتحدث عن المنافقين والكفار الذين يضمرون الشر للمسلمين، ويعملون التحالفات، ولم يأمر الله بقتالهم ابتداءً بدليل قوله تعالى في نهاية الآية (فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) الله سبحانه وتعالى نهى عن الاعتداء عليهم طالما انهم أظهروا السلم وعدم الاعتداء. أي أظهروا السلْم وقوله تعالى (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) سيتضح المعنى عند اكمال الآية قال تعالى (وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ) أي قاتلوهم كما يقاتلونكم، وأخرجوهم كما أخرجوكم ما يعني أن الكفار هم الذين بدأوا قتال المسلمين، وكان قتال المسلمين هو للدفاع عن النفس ومع هذا ينبههم الله ويحذرهم ان لا يقاتلوا الكفار عند المسجد الحرام حتى يقاتلهم الكفار فيه ويُقوّي ذلك أيضاً الآية التي سبقتها وهي قوله تعالى (وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ) ففي هذه الآية نعلم أن الله يأمرنا بقتال من يعتدي علينا ويقاتلنا، وينهانا عن الإعتداء على أي أحد. أما قوله تعالى: (فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) هذه الاية تحتاج إلى وقفة لتوضيحها فالآية واضحة، فإذا لقيتم وليس إذا قاتلتم فاللُقى يكون في أرض المعركة وتكون هناك الإستعدادات مجهزة فإذا إستعددتم للقاء الكفار الذين جاءوا ليقتلوكم وبدأت المعركة، فعليكم بقتالهم للدفاع عن أنفسكم وأرضكم ودينكم وضرب الرقاب لا تعني ابداً قطع الرأس قد يتعجب البعض ويقول وماذا تعني إذًا إن لم يكن المعنى ضرب الرقبة وقطع الرأس؟ جميع الآيات التي ذُكرت فيها كلمة (الرقاب) لم تأتي بمعنى الرقبة. كلمة (الرقاب) جمع رقبة وجذر الكلمة (رقب) وتدل على ما يُنصب بقوة لحمل غيره، وكما في المعجم الوسيط وغيره من المعاجم فإن ضرب الرقاب تعني (الرِبّطة) أي الربط المُحكم، والمراقبة الشديدة وليس الرقبة التي تربط الرأس بالجسد فالذي يربط الرأس بالجسد سماه الله بالعنق وليس الرقبة، كما في قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَٰقِهِمْ أَغْلَٰلًا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ) وسياق الأمر بالضرب يتعلق بالحرب والمعركة، وليس بالحياة العامة الطبيعية وهذا يعني ضرب مراكز قوى الجيش من الآلة والعتاد أو البشر القادة وشل حركتهم وفاعليتهم وليس المطلوب إزهاق حياتهم، فذلك ليس مطلبًا دينيًا وحصوله في واقع المعركة هو عرضيًا وظرفيًا فالمعركة هي الجحيم المعركة هي الجحيم يا صديقي العزيز وتنتهك فيها كل المعايير الانسانية، فلا توجد معركة نظيفة ومعركة غير نظيفة ولا يستطيع القائد ان يسيطر على تصرفات جنوده بشكل كامل فإذا حصلت انتهاكات وتصرفات فردية فهي تُنسب لأصحابها وهذا الشيء موجود في كل الحروب فعلى أرض المعركة لا تحدثني عن الانسانية إما قاتل أو مقتول. قد يقول قائل وما قولك في قوله تعالى (فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ) فهذه الآية تتكلم عن قطع الرأس فأقول: لم يتغير المعنى فكلمة الأعناق هي جمع عنق، وقد ذكر ابن فارس في معجمه (مقاييس اللغة) أن العين والنون والقاف أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على امتدادٍ في شيء إمَّا في ارتفاعٍ وإمَّا في انسياح. فالأوَّل العنُق، وهو وُصْلة ما بين الرّأس والجسد، مذكّر ومؤنَّث، وجمعه أعناق. عنق: تدل على بُعد مستور، والثاني عنق: تدل على بعد مستور منتهي بتوقف، وتطلق على الوصلة أو الامتداد بين شيئين من خلال تجمع معين كما في قوله تعالى: (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) معنى مراكز الصلة و التواصل بينهم وبين الجماعة التي تحكمهم خاضعة للآيات. فقوله تعالى (فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) فالضرب فوق الأعناق هو بمعنى توقيف بشدة لمراكز التواصل والصلة والتجمع لقوى العدو ولا يشترط لذلك زهق الحياة، لأن الضرب لا يعني زهق الحياة، قال تعالى. (ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا) في آية ثانية (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ) كما أن القتل أيضاً لا يشترط له زهق الحياة (في كل الحالات) فقتل الناس إلى درجة زهق حياتهم وموتهم ليس مطلباً دينياً وسيتضح هذا بعد قليل وإنما المطلب هو توقيف عدوانهم، فمفهوم ضرب الرقاب أو الضرب فوق الأعناق ليس القصد منه بتر الرؤوس والأمر هذا هو خطاب متعلق بحرب دائرة والقتال قائم وليس دعوة لبدء الناس بالحرب والقتال فمعروف أن القتال شُرِّع في القرءان ظرفياً وطارئاً وليس أصلاً وهو لصد العدوان أو رفع الظلم كما في قوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) يعني حتى التعامل مع المعتدي يجب ان يكون بالمثل وليس افراط في القتل أو في رد الاعتداء هل يوجد عظمة وسماحة أكثر من هذا؟ هذه توصيحات من الله ان من يعتدي عليكم اعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم أي بمقدار ما اعتدى عليكم دون مبالغة وافراط في الرد ثم يتهمون الاسلام بأنه دين دموي مستدلين بأفعال داعش التي لا تمت للاسلام بصلة بل إن أكثر من تضرر من جرائم داعش هم المسلمون أنفسهم، التي تدعي انها تحميهم!! وبعد رد العدوان يتم الرجوع للأصل وترك الناس أحرار في كفرهم أو إيمانهم وفق محور التعايش السلمي والتعاون والتعارف كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). هنا مسألة بما أن كلمتا (الرقاب، والأعناق) تحملا المعنيين الربط المُحكم وأيضًا الرقبة وهي التي تصل الجسد بالرأس كما في الكثير من المعاجم. فلماذا اخترت المعنى الأول، أي أن الكلمة لا تعني بتر الرأس لماذا لا يكون المعنى الثاني بدل الأول؟ ما الذي يجعلني اميل للمعنى الأول وابتعد عن الثاني؟! منهجية فهم القرآن يا صديقي العزيز هو من خلال الترتيل، والترتيل بالتأكيد لا يعني بالمفهوم السائد هو قراءة القرآن بطريقة سريعة كالقراء الذين نسمعهم في الحرم المكي وغيره كالسديس والعجمعي والمعيقلي وغيرهم جزاهم الله خيراً جميعهم. والذين اطلقوا على طريقة قراءتهم للقرآن هو الترتيل بينما التجويد هو القراءة البطيئة كقراءة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد والمنشاوي والحصري وغيرهم رحمهم الله اجمعين. قال تعالى (ورتلناه ترتيلا) لذا عند التعامل معه لا بد أن نرتله ترتيلا وهذا أمر من الله (ورتل القرآن ترتيلا) ما هو الترتيل يا ترى؟ الرتل هو مجموع بينه مشترك فى الوظيفة مثال: رتل طائرات، فيها السوخوي والميج والميران والاف 16 والبوينج والايرباص وهكذا وكلها مشتركة معا فى الأساسيات لكن مختلفة فى الامكانات والقدرات والأداء فبعضها فى القتال والمعارك وبعضها مدني يحمل البشر. حتى اننا نستخدم هذا المصطلح (الرتل) في المدارس ففي الطابور الصباحي في الثمانينات والتسعينات كانوا يقولون لنا: (رتلا ترادف) فنصطف وراء بعضنا البعض، ويضع كل طالب يده على كتف الطالب الذي امامه حتى نصبح رتلا واحدا متشابهين، فكلنا طلاب لكن القدارات والذكاء يختلف بين الطالب والآخر ولا أعلم إن كان هذا الموضوع لا زال مستمراً في المدارس حتى اليوم أم لا. وفى القرآن رتل القتال، أي كل الآيات التي تتحدث عن القتال مثل (قتل، قتال، يقتلون، يقاتلون ......) لأن جذر هذه الكلمات واحد وهذا الترتيل مهم جدا لاكثر من سبب منها رصد السياقات المختلفة التى ورد فيها القتال حتى لا ينفرد الفهم بأية دون أخرى ونخرج بأحكام شاذة منها كالآيات التي ذكرتها في بداية هذه الحلقة والتي يستدل بها لذلك وجب اخذُ السياقاتِ كلِها فى الاعتبار لإخراج فهم متناسق وهذا هو مفهوم ترتيل القرآن فالترتيل في القرآن الكريم هو جمعُ الآيات التي تتحدث عن مسألة واحدة وفهْمِها الفهم الصحيح حتى نخرج بفكرة منها فإذا أردنا فهم موضوع القتال في القرآن، علينا أن نجمع كل الآيات التي تتحدث عن القتال ونفهمها ونخرج بمفهوم القتال. وبالرد على المسألة لماذا اخترت المفهوم الاول وليس الثاني لكلمتا (الرقاب واعناق) اقول: كل الآيات التي تتحدث عن القتال تكون لرد العدوان لأن الأصل هو عدم الاعتداد على الآخرين بالأدلة القرآنية فكل الآيات تنهى عن الاعتداء وزهق الأنفس بل وتأمر بحفظ الدماء، قال تعالى: (لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ) يعني من لا يقاتلنا لا نقاتله لفرض ديننا عليه فإن قاتلناه لهذا الغرض اصبحنا معتدين والله نهى عن الاعتداء بل من لا يقاتلنا ولم يعتدي علينا، أمرنا الله بمعاملتهم بالحسنى بقوله (ان تبروهم وتقسطوا اليهم) فمن أين جاءوا لنا بسياسة الكره والحقد لكل من لا يؤمن بمعتقدنا!! عندما قال الله سبحانه وتعالى (فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ) فهم المعنى يأتي بتكملة الآية وهي قوله تعالى: (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) فكلمة (أثخنتموهم) تعني أرهقتموهم وأضعفتموهم وتشديد الحصار عليهم حتى يستسلموا. فأحيانا تكون المعركة عبارة عن ضرب حصار على العدو فيستسلم هذا العدو دون قتال لأنه لم يعد يمتلك الذخيرة ولا الامدادات من الطعام للجنود، فيستسلم هذا الجيش بعد أن أرهقه الحصار وبالتالي يصبح هؤلاء الجنود أسرى للمنتصر واستراتيجية الحصار هذه يتم تطبيقها في الحروب إلى يومنا هذا. ثم قال الله سبحانه وتعالى بعدها (فشدّوا الوثاق) وشد الوثاق تعني إلزام المهزوم وتكبيله بمعاهدات صارمة لأنه هو المعتدي وهو الذي خسر المعركة وهذا ما حصل في الحروب العالمية الاولى والثانية من خلال معاهدات على دول المحور لا تزال قائمة حتى يومنا هذا فتركيا مثلاً والتي كانت إحدى دول المحور في الحرب العالمية الأولى وكانت أنذاك تحت اسم الدولة العثمانية تم تكبيلها بمعاهدات لأنها خسرت المعركة ومن هذه المعاهدات هو منعها من التنقيب عن البترول في أرضها لمدة مئة عام والاكتفاء باستيراده فقط ومصادرة جميع أموال الخلافة والسلطان وإعتبار مضيق البوسفور ممراً مائياً دولياً ولا يحق لتركيا تحصيل أي رسوم من السفن المارة فيه يعنى ممراً مائياً في غاية الأهمية مثل قناة السويس ولا تستطيع تركيا تحصيل رسوم عبور حتى ولا فلسًا واحدًا فتصوّر حجم هذا التكبيل لهذه المعاهدة وبالطبع تركيا كانت مُجبرة على التوقيع ولا تملك خيارًا ثانيًا لانها الخاسرة في المعركة وهذه المعاهدة تعرف بمعاهدة لوزان وبالمناسبة فإن هذه المعاهدة تنتهي في عامنا هذا 2023 في الشهر السابع الميلادي بعد قضاء مئة عام على توقيعها. والمانيا النازية أيضًا تم تكبيلها بمعاهدات بعد أن خسرت الحرب العالمية الثانية فلا تزال حتى اليوم تدفع التعويضات للدول التي هاجمتها. وبالعودة إلى موضوعنا، ما يعني إذا إشتدّت الحرب وتم حصار الكفار المعتدين، وتم أسر المقاتلين فهنا خيّر الله المسلمين مابين أن يتم إطلاق سراح الأسرى دون مقابل لاحظوا دون مقابل مع العلم أنهم كانوا يقاتلونهم (فإما منا بعد واما فداء) أو أن يتم إستبدالهم بفدية كتبادل الأسرى أو ما شابه ولا يجوز الإعتداء على الأسرى أبداً بل وأمرنا الله بالإحسان إليهم وإطعامهم، كما قال تعالى (وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) فمن سماحة هذا الدين العظيم لم يأمر بمعاهدات تفرض عليهم بل جعلها خيارات لولي الأمر، ما يراه صالحًا، يفعله. الشيء المناسب، افعله وهذه أيضًا حجة على من يقول بمشروعية السبي فإذا أمرنا الله بالتعامل مع المقاتلين الذي اعتدوا علينا وأرادوا قتلنا أن نعاملهم بهذه الطريقة الإنسانية فكيف يتقول البعض على الله بمشروعية سبي نساء هؤلاء المقاتلين وأخذهن جواري والاعتداء عليهن جنسيّاً!! إذا كان الخطاب الرباني يمنع الاعتداء على المقاتل فمن باب أولى أن يُمنع أيضًا الاعتداء على أهل هذا المقاتل فلا تزر وازرة وزر اخرى فكيف يأمرنا الله بعدم الإعتداء على أحد، ومن ثم يأمرنا بمهاجمة الناس وقطع رؤوسهم!! فإذا فهمنا من كلمة (أعناق) أو (رقاب) هو بتر الرأس فبهذا المعنى يكون القرآن متناقضًا وحاشاه فالقرآن لا يوجد به أي تناقض. وهنا ايضاً مسألة مهمة يجب أن نعرفها وهي أن مفردات القرآن الكريم تجد الكلمة الواحدة لها نفس النطق ونفس الرسم القرآني ولكنها تختلف في المعنى بين آيتين. على سبيل المثال لا الحصر، كلمة (رجالًا) ذُكرت كثيرًا في القرآن ولها معنيين. في قوله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) وفي آيةٍ أخرى (وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ) ففي الآية الأولى جاء المعنى، مترجّلين اي على الأرجُل أو راكبين وفي الآية الثانية تعني الرجال بالمعنى السائد، أي الذكور. وفي كلمة ثانية قال تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا) وفي اية ثانية (وَأَنَّهُ ۥٓ أَهْلَكَ عَادًا ٱلْأُولَىٰ) ففي هذه الآيات جاءت كلمة (اهلك) في معنيين متناقضين تماماً ففي الآية الاولى واضح المعنى الاهل هم اهل البيت ابتداءً والاصحاب والقوم بينما في الثانية، جاءت الكلمة بمعنى الهلاك. وكلما أبحرنا وتعمّقنا في هذا الكتاب العظيم، كلما اكتشفنا أشياءً جديدة لم نكن نعرفُها. أكثر من أساء للإسلام وقام بتشويهه، هم ألّفوا الدين الموازي لدين الله بمروياتهم التي كتبوها بأيديهم وادعوا أنها أحاديث رسول الله والتي تُخالف جملةً وتفصيلًا كتاب الله، ورسول الله بريئ منها فتدعوا إلى القتل والكره والعنصرية ومحاربة الآمنين في بلدانهم وبتفسيراتهم لآيات الله المتناقضة مع جوهر القرآن الذي يحث على التسامح ونشر السلام وعدم الاعتداء إلّا على من يعتدي علينا ومن جملة تفسيراتهم المخالفة لكتاب الله هو تفسير بعضهم كالطبري والبغوي لقوله تعالى (مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ) فقالوا أن المقصود بقوله تعالى (حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ) أي يُبالغ في القتل لإدخال الرعب في قلوبهم ليوطّد بذلك دعائم الدين!! لا أعلم صراحةً لماذا يُصرّون على إظهار الإسلام بمظهر البطش والإجرام!! هل توطيد دعائم الدين يتمثّل بإظهاره بمظهر القتل والبطش وترهيب الناس!! كيف لغير المسلم أن يؤمن بهذا الدين الحنيف وهو يقرأ تلك التفسيرات التي تناقض جوهر القرآن القائم على السلم، (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) وفي آية ثانية (وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) أريد منك يا صديقي العزيز أن تدقق في تفاصيل ومفردات كل آية لاحظ أن الله قال عن المشركين في هذه الآية (ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) لربما شركهم كان عن جهل منهم لكن قومنا بمجرد أن يسمعوا أن شخصاً تدبر القرآن خارج الصندوق، كفروه ورموه بأقذع الكلمات، ثم يقولون له أنت تفسر القرآن على هواك، على أساس من فسّر القرآن فسّره بوحي من الله أنزله على قلبه ما المفسرين فسروه على هواهم يا صديقي العزيز وبحسب أدواتهم المعرفية المتاحة لهم وهناك اختلاف في التفاسير، فهذه الآية التي تحدثت عنها (حتى يثخن في الأرض) ناهيك عن الاختلاف الكامل في تفسيرها وهذا تناقض كامل في تفاسيرهم ما بين المفسر والآخر بعض الناس يناقشون الأشخاص وليس الأفكار، أرجوكم، انظروا إلى القمر وليس إلى اصبعي. فالتفسير الذي قالوه لا علاقة له بالآية لا من قريب ولا من بعيد. الله لم يقل (حتى يُثخن في الكافرين) أو (حتى يُثخن في القتل) بل قال (حتى يُثخن في الأرض) ماذا يعني هذا الكلام يا ترى؟ قبل الحديث عن معناها القرآني، سأقول أن الآية لا تتحدّث عن نبي معيّن فالآية لم تُخصّص للنبي محمد، بل قال الله (ما كان لنبي) وليس (ما كان لمحمد) او (ما كان للنبي) فالآية على العموم ونفهم هذا من خلال السياق لكن بما أن الآيات التي بعدها تتحدث عن النبي فالحديث هنا سأعتبره موجهاً لنبينا محمد القصد هو أنه لا يحق لنبي أن يأخذ الأسرى من أجل أن يُثخن في الأرض أي من أجل أن يقوم بفداء هؤلاء الأسرى أن يأخذ مقابل ذلك عرضًا من متاع الحياة الدنيا هذا هو معنى الآية. لكن اين الدليل على هذا المعنى يا حسين؟ الدليل من القرآن لن اخرج عن القران الدليل تكملة الآية (تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْآخِرَةَ) فإذا كان الأمر متعلقًا كما قال فقهاؤنا الأفاضل بكثرة القتل، فكيف نفهم الآيات التالية في نفس السورة (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۞ وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) فكيف سيخاطبهم النبي امتثالًا لأمر الله (قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ) فكيف يخاطبهم ويقول لهم والمفسرين يقولون أن المعنى هو كثرة القتل!! ثم هل إرادة الله تتحقق بقتل هؤلاء وإخراجهم من الدنيا كافرين وهو الذي يريد الخير للجميع!! وما يؤكد ويقوّي هذا المعنى هو قوله تعالى في سورة أخرى عن الأسرى التي ذكرتها لكم قبل قليل (فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) وهذا مفهوم ترتيل القرآن فالله يخاطب النبي بأن يمُنّ على هؤلاء الأسرى ويُطلق سراحهم لوجه الله دون مقابل، لاحظوا أيضاً مرةً أخرى دون مقابل مع انهم مقاتلين ومعتدين، ومع ذلك قال الله (فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ) أي انكم تمنون عليهم وتطلقون سراحهم دون مقابل أو فداء إذا كان للمسلمين اسرى عند الكفار بأن يتم استبدالهم بهم ثم يأتي من يأتي ويقول نقتلهم ونحرقهم ونستبيح اموالهم وأبناءهم ونأخذ نسائهم وبناتهم سبايا وجواري ونوزعهن على المقاتلين مع ان كل القرآن لا يوجد به كلمة سبايا أو سبيّة ولا حتى كلمة سيف ولم يأمرنا الله بالاعتداء. فإما ان يطلقوا سراحهم دون مقابل أو يُبادلونهم بأسرى مسلمين فالأمر راجع للنبي بفعل ما يراه مناسبًا لهم وبحسب المصلحة بما أنه القائد أنذاك وبعد كل هذا يفسرونها على أن الله يأمر النبي بكثّرة القتل لدبّ الرعب في قلوبهم لتوطيد دعائم الدين كما يدّعون!! يقول الله سبحانه وتعالى (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ) من ينتقد الاسلام يقول أن كلمة حرض المؤمنين على القتال كلمة واضحة للحث على القتال حتى أن الملحدين ينتقدون القرآن بهذه الآية عندما يقول الله (ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) فقالوا هل كان الله قبل هذا لا يعلم أن فيهم ضعفا وأثناء الحرب علم أن فيهم ضعفا!! طبعا يقولها استهزاءً. كلمة (القتال) لا تأتي بمعنى الاقتتال في الحروب أو ما شابه أو بمعنى آخر، لا تأتي دائمًا، وركّز على كلمة (دائمًا) بالمعنى السائد لدينا فتارة تأتي بهذا المعنى وتارة أخرى تأتي بمعنى مغاير كما أوضحته قبل قليل فالكلمة الواحدة لها معاني متعددة بحسب السياق ونحن بدورنا وبما أننا مُطالبين بتدبُّر القرآن نفهم المعنى من خلال السياق ومن خلال فهم معاني باقي الكلمات في الآية نفسها. وسيتبين لنا ذلك بعد قليل الآية لا تتحدث عن القتال في المعركة. سيقول البعض ولكن الله يقول بعدها (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ) فكيف لا تتحدث الآية عن المعركة؟ الله لا يتحدث عن معركة بالسيف والرمح وأدوات القتال. الآية تتحدث عن مناقشات ومحاججات في الدين بدليل كلمة (يغلبوا) والغلبة لا تكون في الحروب بل في المناقشات والحُجج ومن له القدرة على تقديم أقوى الحُجج أما في الحروب يكون انتصار كما في قوله تعالى عندما تحدث عن الحروب فقال (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ) وفي آية أخرى (لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) فالحروب يكون فيها انتصار لا غلبة أما المناظرات والمناقشات يكون فيها الغلبة والدليل الآخر أن الآية تتحدث عن المناقشات هو قوله تعالى في آخر الآية (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ) التفقّه هل يكون في الحرب أم في المناظرات؟! اريد ان اسال هل المقاتل في المعركة يحتاج أن يكون فقيهًا أم مقاتلًا شرسًا قويّاً؟ بالتأكيد عليه أن يكون مقاتلًا قويًا حتى يستطيع الانتصار على خصمه ولا فائدة للتفقّه في أرض المعركة. في المناظرات والحوارات والمناقشات، فهنا يحتاج الأمر إلى التفقّه والعلم لتقديم حُجج وأدلة قوية تُثبت قوة ومتانة الأفكار التي يدافع عنها الشخص فالغلبة هنا لمن يُقدّم البراهين والحُجج التي يستطيع من خلالها أن يثبت صلابة ومتابة دينه أو فكره. وحتى نفهم الموضوع، علينا أن نقرأه كاملًا من البداية. ففي بداية الآية يقول الله (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ) فالمسلمين في ذلك الموقف كانوا يخافون لكُثرة عدد من سيُحاجونهم إعتقادًا منهم أن الكفار سيتغلّبون عليهم بالحُجّة أي حُثّهم على مناظرتهم، فأنزل الله (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) وبعدها قال (ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ) فالعقل لا يستوعب أن عشرون يغلبوا مئتين أو مئة يغلبوا ألف في أرض المعركة فالمنطق يقول عكس هذا تمامًا فالنصر للأقوى وللأكثر عددًا والكفار في ذلك الزمان لم يكونوا قليلي الخبرة في المعارك بل كانوا ذو خبرة وقوة لهذا نفهم من الآية أنها تتحدث عن المناظرة والنقاشات ففي هذا الموضوع يستطيع العقل والمنطق أن يتقبل بأن عشرون يغلبوا مئتين، ويستطيع الواحد أن يغلب ألف، لأن الغلبة هنا لمن لديه العلم والمعرفة والحُجج القوية والبراهين، فهنا يستقيم المعنى. وهذا هو مفهوم قوله (قوم لا يفقهون) أي لا يستطيعون تقديم الحجج والبراهين على منهجهم وأفكارهم أمامكم لكن تبقى هنا الإشكالية في قوله تعالى (ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) فهل ربنا سبحانه وتعالى في ذلك الموقف علم الله ان المؤمنين فيهم ضعف!! الآن أثناء الحرب!! وهل كان يجهل أنهم ضعفاء قبل الحرب وعندما اندلعت الحرب حتى علم أنهم ضعفاء! حاشاه من ذلك. الآية لا تتحدث عن القتال بدايةً يا صديقي العزيز عليك أن تعلم بأن الرسم القرآني للكلمات لها دلالاتها وكل رسم يختلف بالمعنى عن الرسم الآخر فعلى سبيل مثال، كُتبت كلمة (امرأة) في شكلين مختلفين فتارة كُتبت بالتاء المفتوحة (امرأت) وتارة كُتبت بالتاء المربوطة (امرأة) وهناك فرق بين الرسمين فعندما تُكتب بالتاء المفتوحة فهي تُنسب إلى رجل معين كما في قوله تعالى (قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ) فالمرأة هنا نُسبت إلى زوجها عمران وعندما تُكتب بالتاء المربوطة فهي لا تُنسب إلى رجل معين بل تُذكر كامرأة بشكل عام كما في قوله تعالى (إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ). ونفس الشيء في كلمة (الآن) فقد ذكرها الله أكثر من مرة، وكتبت بشكلين مختلفين فتارة تُكتب بالألف بوسط الكلمة (الآن) وتارة تُكتب من دون ألف وبالتأكيد المعنى مختلف ما بين الرسمين فالكلمة لها معنى مجازي ومعنى لحظي أي اللحظة الآنية فقد كُتبت مرة واحدة فقط بالألف (الآن) في نفس طريقة الكتابة التي نستخدمها في قوله تعالى (فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلْاَنَ يَجِدْ لَهُۥ شِهَابًا رَّصَدًا) وفي هذه الآية جاءت بالمعنى اللحظي أي اللحظة الآنية لحظة قراءة القرآن بينما في باقي الآيات كُتبت من دون ألف وجاءت بمعنى مجازي كما في قوله تعالى لحظة توبة فرعون أثناء غرقه (ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ) أي الآن يا فرعون تريد التوبة بعد كل ما فعلته من بطش واستكبار وفساد في الأرض! وفي الآية التي ذكرتها (ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ) فالمعنى هنا مجازي وليس باللحظة الآنية أي وقت الحرب فالآن هنا تعني التالي أي عند هذا الحد المتعلق بعلم الله الأزلي والذي يعلم به أنه سيكون منكم من هو ضعيف ولا يستطيع أن يواجه عشرة فعند ذلك الحد المتعلق بعلم الله، تم تشريع هذا الحكم وهو أن الواحد يواجه اثنين. وكما قلت لك أن الآية لا تتحدث عن القتال أبدا بل عن المناقشات والمناظرات وهناك سلسلة كاملة عن هذا الموضوع وهو اختلاف كلمات الرسم القرآني، سأضع رابط هذه السلسلة في صندوق الوصف لمن اراد الاطلاع عليها. هناك أمور إلهية لا بد أن يجريها الله سبحانه وتعالى في خلقه فلو كانت من البداية أن الألف يغلبوا ألفين، لأصبحت قاعدة أساسية لكن الله يُبيّن لنا أننا ممكن بأقل عدد نغلب في المناقشات العدد الأكبر المهم هو أن تثق في نفسك وفي المعتقد الذي تدافع عنه وهناك أريد ان اقول نصيحة وأنا اولاً انصح بها نفسي وهي أن الملحد لا يُناقش إلّا بوجود الله، لا تُناقش الملحد بالقرآن لماذا هذه الآية تناقض هذه الآية ولماذا قال الله كذا وكذا لا تُناقشه في القرآن ليس من باب الخوف، بل لأن النقاش مضيعة للوقت، فعندما يقول لك مستهزءًا: لماذا قال الله كذا وكذا؟ لا تُجبه، بل قل له بالبداية هل تُؤمن بوجود الله؟ غالبًا سيقول لك: لا. فقل له إذًا كيف تناقشني بكتاب لا تؤمن بوجود صاحبه؟! فالنقاش هنا عقيم ومضيعة للوقت إذا كان لديك الوقت الكافي وتريد اضاعته جُزافًا فناقشه، أما إذا كان وقتك ثمين فلا تناقشه إلّا بموضوع إثبات وجود الله، في البداية ناقشه في هذا الموضوع بالذات لأنه الأساس الذي عليه تبني نقاشك، وبعدها إذا اقتنع بوجود الله، عندها ناقشه في القران. بقي لدينا أكثر اية يستدلون بها لشرعية قتال غير المسلمين وهي قوله تعالى (قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْأخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَٰغِرُونَ) فقالوا ان في هذه الآية، يُبيّن لنا الله، أن الجزية واجبة، وأنّ علينا أن نقاتل في سبيل الله، وأن نُجبِر الكفار على دفع الجزية. لكن لو تمعّنا بكلمات هذه الآية وفصلناها كلمة كلمة، لفهمنا المعنى الذي اراده الله، أرجوكم إقرأوا كتاب الله بأعينكم، وتدبروا كلماته بعقولكم وقلوبكم، وليس بعين وعقل من عاش قبل الف سنة، تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون، فالله سيحاسبنا فرادى. بدايةً هناك شروط لهذه الآية، ولا يمكن تطبيقها إلّا إذا تحققت وإستوفت كافة شروطها. قال تعالى: قاتلوا. من نقاتل يارب؟ ياتينا الجواب: 1- الذين:لا يؤمنون بالله. 2- لا يؤمنون باليوم الآخر. 3- لا يحرمون ماحرم الله ورسوله. 4- لا يدينون دين الحق. 5- أن يكونوا من الذين أوتوا الكتاب حصراً. فهذه هي الشروط الخمسة الواجب توفرها من أجل تطبيق الآية، ويجب أن يكونوا من الذين أوتوا الكتاب حصراً، بدليل الآية. وهناك فرق بين الذين اوتوا الكتاب وبين اهل الكتاب والذين اتيناهم الكتاب، وهناك حلقة سابقة شرحت بها هذه الكلمات سأضع الرابط في صندوق الوصف. فالآية تتحدث عن الذين أُتوا الكتاب، فيجب تحقيق هذه الشروط كاملة، ولا نقول أن هذه الشروط هي خيارات، فإذا تحقّق أحد شروطها، وجب تطبيق الآية، بل يجب ثبوت كافة الشروط، لأن الله لم يقل: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله (أو) باليوم الآخر، وكذلك في باقي الشروط، لم يقل (أو) فلا يجوز تطبيق الآية إذا لم تتحقق شروطها كاملةً. والأهم من هذا، علينا أن نعرف أن كلمة (قاتلوا) في هذه الآية، لا تعني القتل المعروف بمفهومه المجتمعي. بالسيف والرمح أو بالسلاح فالكلمة تحتمل أكثر من معنى ونحن نفهم المعنى من خلال السياق، فكلمة (القتل) هي فعل (قَتَل) وفي معاجم اللغة العربية قتل الجوع: أي أزال ألمه بطعام. قتله الله عني: أي صرفه الله عني. قتل الله فلانًا: أي دفع شرّه. قتْل الوقت: أي إضاعته عبثًا دون فائدة. وهذه الكلمة ذكرها الله في مواضع كثيرة ولا تدل (جميعها) على ازهاق النفس، وكما قلت لك أننا نفهم المعنى من خلال السياق وقراءة النص كاملًا من البداية دون اجتزاء للآيات. ومن مدلول الكلمة باللسان العربي المبين، فمثلًا هناك آية تقول (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ) فهل من المنطق أن نفهم القتل في هذه الآية بإزهاق النفس!! هناك عِدّة وقفات في هذه الآية لو كان المعنى هو قتل النفس. كيف يأمرهم موسى بقتل أنفسهم؟ وهل من المنطق والعقل أن يطلب منهم نبيهم هكذا مطلب؟! وهل من العقل أيضًا أن ينفذوا مطلبه ويقتلوا أنفسهم وهم الذي كانوا بالكاد يطيعونه! اذا الله نفسه أمرهم بذبح بقرة وصاروا يشطوا ويمطوا وبالأخير ذبحوها من غير نفس، فكيف يأمرهم بقتل أنفسهم بمعنى ازهاق النفس؟ ثم كيف تكون التوبة بقتل النفس! في قوله (فتوبوا إلى بارئكم)؟ وكيف يكون قتل النفس هو خير للإنسان! (ذلكم خير لكم عند بارئكم) فمفهوم الآية هو أن موسى يطلب من قومه أن يتوبوا إلى الله ويُزيلوا الكُفر من قلوبهم بعد عبادتهم للعجل الذي صنعوه بأيديهم، فهذا أفضل لهم وخير لهم من فعلتهم المُنكرة التي فعلوها، و هي عبادة العجل وأن الله سيتوب عليهم إذا تابوا إليه توبة صادقة. فهنا يستقيم المعنى وأيضًا قوله تعالى (وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُم مِّنْ إِمْلَٰقٍ) وأيضًا قوله تعالى (وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ ۞ بِأَىِّ ذَنۢبٍ قُتِلَتْ) ففي حياتك كلها، هل سمعت شخصًا قد أزهق نفس طفله لأنه لم يوفر له الطعام والشراب؟ هل سمعت يومًا أن شخصًا قتل مولوده الجديد لأنها أنثى؟ لم نسمع بهذا. مع أننا نعيش في زمان يخيّم على الناس الجوع والفقر والجهل والذكورية ومع هذا لم تحصل هذه الجرائم، ولو حصلت فتكون من آباء لديهم اضطرابات نفسية أو مدمنين مخدرات أو تحت تأثير الكحول أو غيره، فلا يفعل هذا العقلاء. ثم هل من المعقول أن يمُرّ الله سبحانه وتعالى على جريمة قتل طفل بريء ضعيف لا يستطيع الدفاع عن نفسه مرور الكرام ويكفتي بقوله (ولا تقتلوا أولادكم) أو (وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ ۞ بِأَىِّ ذَنۢبٍ قُتِلَتْ) دون أن يُشدّد على هذه الجريمة إن كان القصد هو زهق النفس!! وهنا لفتة سئلت عنها في بعض التعليقات. ماهو الفرق بين قوله تعالى (وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُم مِّنْ إِمْلَٰقٍ ۖ) وقوله (وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَٰقٍ ۖ) الأولى (من إملاق) والثانية (خشية إملاق) ففي الأولى الذين يقتلون أولادهم هم فقراء أصلاً، فهم يخشون أن يزيد فقرهم بوجود إلتزام جديد، فالله تعالى أخبرهم أنه سيرزقهم ويرزق أولادهم رزقاً مستقلاً عن رزقهم. وفي الثانية خشية املاق الذين يقتلون أولادهم ليس لأنهم فقراء، بل لخشّية الفقر، فوعدهم اللّٰه تعالى أنه سيرزق أولادهم دون أن يُنقص من رزقهم المعتاد شيئاً. نعود الى موضوعنا، فإذا كان المعنى هو ازهاق النفس فهذا يعني ان القران فيه حشو وايات زائدة. كيف هذا؟ ساوضح لك يا صديقي العزيز. الله حد لنا حد القتل وهو القصاص أو العفو من اهل القتيل، فهذه مسألة محكمة وهي النهي عن القتل، فكيف يحذرنا الله في اية ثانية ان لا نقتل؟ موضوع القتل واضح ومفروغ منه ومقفل في آية القصاص، فهناك نهي عن القتل وهنا نهي عن القتل، فهذا حشو إذا كان المعنى هو ازهاق النفس، فالطفل هو نفس اولاً واخير كباقي البشر، وقتله يستوجب القصاص حتى لو كان من والداه، فأيهما أشدّ على الله: هل هو قتل طفل ضعيف لا حول له ولا قوة، أم أكل مال الربا؟ بالتأكيد قتل النفس أشدّ على الله. نجد أن الله توعّد لآكل الربا بحرب منه فقال (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ) وهذا وعيد وتهديد شديد، بينما في قتل الأطفال اكتفى بالقول (ولا تقتلوا أولادكم) ولم يُشدّد على هذه الجريمة! طبعاً ان كان المعنى هو ازهاق النفس كما يفسر ذلك البعض. حسناً، ما معنى القتل في هذه الاية اذاً؟ عندما يقوم الأبوين بوضع رضيعهم أمام مسجد ليأخذه من يستطيع تربيته فهذا هو قتل الطفل. عندما يقوم الأبوين بوضع طفلهم في دار التبنّي فهذا هو قتل الطفل. عندما يقوم الأب بمنع طفله من الدراسة وارساله للعمل الشاق وهو طفل لا يتجاوز عشر سنوات بحجة عدم استطاعته الانفاق عليه وعلى اخوته وتحميل هذا الطفل اعمال شاقة فوق طاقته فهذا هو قتل الطفل، من حق الطفل ان يعيش طفولته بكل براءتها بعيداً عن اعمال البالغين. لماذا تقوم بإنجاب الأطفال طالما أنك لا تستطيع الإنفاق عليهم وتربيتهم التربية الحسنة!! عندما يرمي الأهل أطفالهم في الشوارع لانهم عاجزين عن توفير الطعام والشراب لهم والإنفاق عليهم، فتجد الكثير منهم يفترشون الأرصفة وينامون تحت الكباري او يشحدون على اشارات المرور، بل ويُضرَب ويُعذب ويُهان إذا لم يعمل بشكل جيد، هذا هو قتل الطفل. قتل الطفل لا يعني أن يمسك الأب سكينًا أو أي أداة قتل ويقوم بنحره كالشاة، فمن يؤمن بهذا المفهوم فهو يحتاج إلى طبيب نفسي. ومن اسباب تفشي الفقر في مجتمعنا الاسلامي. هو مصطلح (يجي الولد ويجي رزقه معاه) فتجد الشخص من ذوي الدخل المحدود أو من هو تحت خط الفقر، مخلف كتيبة اولاد أو درزن، ولديه من كل المقاسات ما شاء الله، من الصف الأول وحتى البكالوريا، ولم يرحم حتى الام بهذا الفعل، فوالدتهم كل حياتها حمل وولادة وارضاع. وهكذا لا يستطيعون تلبية حاجياتهم من تعليم وصحة وغيره. فيعيش هؤلاء الاطفال طفولة صعبة وبائسة وودّوا لو لم يأتوا على هذه الدنيا، فبدلاً أن يعيشوا طفولتهم بكل براءتها كباقي الأطفال، تجدهم يعملون منذ الصغر مع الألم والقهر والحرمان. فتجد الفقير الذي بالكاد يجد قوت يومه لديه عشرة أولاد، وممكن متزوج بالثانية والثالثة والرابعة، بينما الغني تجده لديه طفلان أو ثلاثة على اعلى تقدير. أما موضوع الموؤدة، ما نعرفه هو ما قيل لنا أن العرب في الجاهلية كانوا يدفنون الإناث وهن على قيد الحياة إذا ما رُزِق أحدهم بالأنثى لأنهم كانوا يكرهون الإناث. هذا ما نقله لنا أسلافنا في كتب التاريخ، لقد تم تهويل هذا الموضوع، فقالوا أن في الجاهلية كانوا يدفنوا الإناث وهن على قيد الحياة، مع أن جميع القصص التي رووها في كتبهم لا سند لها، ثم لماذا يدفنها والدها وهي حيّة!! لماذا لا يقتلها ومن ثم يدفنها! لماذا التعذيب في طريقة الموت أن تُدفن حيّة لتموت ببطئ! ما هذا الإستغفال بعقول الناس! هل هذا الملاك البريء عدوته حتى يدفنها حية؟ لو كان هذا الكلام صحيحًا، فكيف تكاثروا، طالما أنهم يقتلون كل أنثى كما تقول القصص، فكيف كانوا يتكاثرون؟ كيف كانوا يتكاثرون؟ قِس موضوع الوأد على نفس موضوع قتل الطفل من إملاق. ما أستطيع قوله هو أن ما يتم التخلّص منه من المواليد هم أبناء غير شرعيين، ارتكب الطرفان فاحشة نتج عنها مولودًا بريئًا لا ذنب له، فقاموا بالتخلص منه حتى يستروا فضيحتهم، ونفس الحال اليوم، فتجد مواليد تم رميهم في حاويات القمامة أو التخلّص منهم بأي طريقة كانت أو اعطائهم لزوجين لا يُنجبان، واسأل الله ان يرزق الجميع الذرية الصالحة، والسبب أنهم مواليد غير شرعيين، فالأم تخاف الفضيحة بوجود طفل لديها وهي غير متزوجة أو مُطلّقة أو أرملة، وللعلم أن الموءودة لا تخص الإناث فقط كما يروّج لذلك، بل هي للجنسين الذكر والانثى فالموءودة هنا تعود إلى النفس التي قُتلت بغير ذنب. ومن مفاهيم الوأد أيضًا، هو التقييد والكبت، فعندما نقول (وأدت الحكومة الحريات) أي قيّدتها. وعندما نسمع (وأد الفتنة) أي القضاء عليها وإنهائها. فعندما يقوم الأب بتزويج طفلته التي لم تتجاوز سن البلوغ بحجة أنها سُنّة نبوية، فهذا وأد لهذه الطفلة والقضاء على طفولتها، وبالطبع النبي بريء من هذه الجريمة المنسوبة له أنه تزوج بطفلة، فقد تزوج عائشة وهي بعمر 18 عامًا على أقل تقدير، وليس 9 سنوات كما في كتب الموروث الديني. فموضوع وأد البنات الذي يقصدون به دفنها وهي حيّة، هو عبارة عن وهم تاريخي وكذبة لفّقها بعض الرواة وألصقوها بالعصر الجاهلي. يقول الله سبحانه وتعالى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ۞ يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ) هذا بالضبط ما كان يحصل سابقًا، فالرجل في الجاهلية إذا ظهرت آثار الطلق على زوجته، توارى واختفى عن القوم إلى أن يعلم ما يولد له، فإن كان ذكراً ابتهج به، وإن كانت أنثى حزن ولم يظهر للناس أياماً، فينحرف بوجهه وينطوي على نفسه ولا يحضر مجلس الرجال، أما الدس في التراب فهو مفهوم معنوي، وهو موجود في مجتمعنا الحالي، ففي الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية يدسّون أسماء بناتهم في التراب بإخفاء أسمائهن، فالغالبية يخجل ويتحرّج من ذكر اسم والدته أو زوجته ويعتبره عيّبًا، حتى أن الكثير من الدول العربية والإسلامية أيضًا، لا يكتبون اسم الوالدة في بطاقة الأحوال المدنية لما يرونه من أمرٍ معيب، او أعراف مجتمعية ويكتفون باسم الأب الثلاثي او الرباعي وحتى في بطاقات الأفراح لا يكتبون اسم العروس، بل يكتفون بكتابة كلمة (كريمته) فهذا هو الوأد والدس في التراب. وبالعودة إلى موضوعنا الرئيسي، وهو قوله (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) فإن كلمة (قاتلوا) في الآية تعني: لاحقوا هؤلاء المجرمين أصحاب الجنايات وابحثوا عنهم وطاردوهم حتى ينصاعوا ويُطبّق عليهم الجزاء العادل لما اقترفوا من جرائم. اما الجزية فبالمفهوم السائد والذي أوصله لنا ر جال الدين أن الجزية تُدفع من قِبَل غير مسلمين كبدل دخولهم الاسلام، وبدل حماية، هذا ما وصلنا. لكن لنقرأ الآية بتروٍ ونحاول فهم كل كلمة فيها ونُطبّق عليها هذا المفهوم. يقول الله سبحانه وتعالى (وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَٰغِرُونَ) وبإعتبار أن الجزية بدل الدخول بالاسلام، فلو كان هذا المفهوم صحيحًا، لكانت الآية (حتى يؤمنوا أو يُعطوا الجزية) وانتهى الأمر، لماذا لم يُخيّرهم الله طالما أنهم يقولون بأنها بدل دخول الإسلام؟! فالآية تُجبِر على دفع الجزية ولا تُخيِّر على دفعها. هذا كلام عميق يستوجب التفكير به، طالما أنها تُدفع بدل الدخول بالإسلام كا يقولون، فلماذا لم يُخيّرهم الله بقوله (حتى يؤمنوا أو يُعطوا الجزية)؟ فما معنى الجزية إذًا؟ هذه الآية يا صديقي العزيز جاءت بمقاتلة أشخاص إتصفوا بعدة صفات كعدم الإيمان بالله ولا باليوم الآخر واستحلال الحرام والإفساد في الأرض، وهؤلاء ومن خلال السياق إما مسلمون أو يعيشون تحت حكم الإسلام، كالملحدين بدليل قول تعالى (وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ) فشرع الله ورسوله مُطالب بتطبيقه المسلمون المؤمنون بالرسالة المحمدية، فكيف تطالب مسيحي مثلاً بشرائع القرآن وهو لا يؤمن بكل الرسالة في الوقت الذي اعطاه الله حرية المعتقد؟ فهؤلاء أستطيع أن أقول لك أنهم أصحاب الجنايات، فهناك فئة من الناس لا يريدون أن يدفعوا الجزية، أي لا يريدون أن ينصاعوا للجنايات، للجزاء كمثال هناك إنسان قاتل يريد أن يتهرب من العقوبة ألا وهي القِصاص، أو إنسان سارق أو ما شابه من هذه الجنايات، فقال الله (قاتلوهم حتى يعطوا الجزية) أي لاحقوهم حتى ينصاعوا للجزاء المقابل لجناياتهم التي ارتكبوها. وهذا ما نسمعه في حياتنا القبض على أحد المطلوبين الذي كان متوارياً عن الأنظار لسنوات. فالموضوع لا علاقة له بالآخرين لإجبارهم على الدخول في الدين أو دفع الجزية، فلو كان كذلك، لكانت الآية (حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية) فالهدف من كلمة الجزية لا علاقة بدفع مال مقابل عدم الدخول في الدين كما يقولوه أغلب إن لم نَقُل كل المفسرين. نأتي إلى المسألة الأخيرة في حلقة اليوم وهي ما يسمى بالفتوحات الاسلامية والحروب التي خاضها النبي لنرى هل كانت من اجل نشر الاسلام ام لرد العدوان ورفع الظلم. هل غزى رسول الله أي بلد آمن لنشر الدين؟ جميع الحروب التي خاضها النبي ودون استثناء كانت للدفاع عن النفس وردّ الظلم. رسول الله خاض حروباً كثيرة، وكُلّها كانت ضد محاربين معتدين وأعداء شرعيين، فمثلاً معركة بدر كانت ضد كفار قريش، ومعركة أُحد أيضاً ضد كفار قريش عندما أتوا إلى المدينة، معركة الخندق أيضاً ضد كفار قريش، الحديبية كانت صلحاً مع كفار قريش خيبر كانت ضد حليف قريش والغساسنة وبقايا أهل المدينة، وكانوا يُعِدّون العُدّة للهجوم على المدينة، لذلك وجب قتالهم، أما عن معركة حنين، فهوازن قامت بإعداد الجيش، عندما أرسل لهم أبي سفيان، أبو عامر، وكان معه أُناس، وحرّضوا هوازن، وكانوا يريدون الحلف ضد المسلمين، وكان قائد الحلف العام هم الروم أنذاك والروم كانت تُحرّض الغساسنة، فالوثائق الرومانية تكشف أنه كان لها تواصل مع كفار قريش ومع المنافقين ومع اليهود وتريد التحريض، وكذلك الفرس أرسلوا عن طريق بادان في اليمن، أرسلوا من يريد إعتقال النبي وتسليمه لهم، الدول العظمى في ذلك العصر تريد إطفاء هذا النور الإلهي المتمثل بالقرآن، فجميع الحروب التي خاضها رسول الله كانت ضد أعداء شرعيين، ولتأكيد ذلك يا صديقي العزيز، فإن رسول الله أرسل سرية إلى علي بن حاتم في حائل، أرسلها من المدينة إلى حائل، وهناك مسافة طويلة ما يقارب 400 كم، وفي البحث عن حقيقة هذه السرية الذي يدّعي المؤرخون على أنها إعتداء من النبي على عليّ وقومه، مع أن عليّ لم يهاجم المسلمين، فقالوا هذا اعتداء، فكيف يخالف رسول الله منهج القرآن القائم على عدم الاعتداء؟ نجد أن علي بن حاتم كان قد نسّق مع الغساسنة ومع الروم، وكان يجمع الأعوان ليهجم على المدينة، من خلال الوثائق فكان رسول الله يمتثل لقوله تعالى (وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ) فلم يعتدي النبي على أحد، والدليل على ذلك أن السرية التي تم إرسالها إلى علي بن حاتم، والتي قالوا انه اعتداء من النبي، تجاوزت في طريقها قبائل لم تكن مسلمة، فلو كان القتال على أساس الكفر، لأمرهم الرسول بقتال الأقرب فالأقرب من القبائل، لماذا ينطلقون إلى قبيلة بعيدة!! لماذا قاتلوا قريش وأبقوا خزاعة!! وخزاعة لم تكن مسلمة!! فنفهم من هذا أن الواجب هو قتال المعتدين فقط، وليس من أجل التوسّع في المناطق، ولا على أساس جلب الغنائم ودفع الجزية وسبي النساء كما يُفسّر ذلك فقهاؤنا الافاضل لكن فيما بعد تمّت عسكرة الإسلام وأظهروا أن السيف هو الأصل، مع أن القرآن كله لا توجد فيه كلمة سيف! وبالتأكيد بعد أن نسخوا كل الايات التي تدعوا إلى السلم وعدم الاعتداء وقالوا عنها انها منسوخة أي ملغية وتم نسخها بالاحاديث التي كتبوها بايديهم. الله منع المسلمين من ان يعتدوا على غيرهم باسم الفتوحات الاسلامية للدخول في الدين، قال تعالى (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا) والقتال في سبيل الله هو محاربة الطاغوت ورفع الاكراه عن الناس لاعلاء كلمة الله العليا، وكلمة الله التي سبقت لاهل الارض هي حرية الاختيار وهذا هو مفهوم كلمة الله هي العليا. لكن هناك بعض الحروب لها مبررات إذا كان هناك أُناس مضطهدون ومظلومون، كفتح العراق، فمثلاً قبائل أبي ربيعة وبكر في جنوب العراق، كانوا قبائل عرب مضطهدون من قبل الفرس، وهنا كان القتال مبرراً لفتح العراق وللجهاد فيه وتخليص المسلمين من ظلم الفرس. ففتح العراق كان لطرد المحتل ورفع الظلم عن أهل البلد وليس لغزو البلد، لكن فيما بعد لا تجد أي مبرر، فمثلاً في أيام الحجاج، كان يجمع من يشعر أنهم يعارضونه من فقهاء الكوفة وصلحائهم وعشائرهم، وينقلهم ليقاتلوا في المشرق، فإن قُتلوا يرتاح منهم، وإن لم يُقتلوا، يواصلوا القتال إلى أن يفنوا. لكن هناك اية تقول (نصر من الله وفتح قريب) وقد يحتج بها البعض لشرعية القتال لنشر الاسلام متناسياً جميع الآيات والاستدلالات السابقة. وسيركّز على هذه الاية. أقول هذه الآية تتحدث عن فتح مكة، ومكة في حقيقة الأمر، عادت إلى أهلها، فالمسلمون تم طردهم منها، وتم تهجيرهم وتعذيبهم من قبل كفار قريش، وبعد أن أصبح المسلمون أصحاب قوة، عادوا إليها واستردوها، فهم أهلها الذين طُرِدوا منها، وتم فتحها وإعادتها للمسلمين دون إراقة دماء، ففتح مكة حصل دون إراقة نقطة دم واحدة. ولم يسبي النبي النساء ولم يأخذهن جواري وخدم وقام بتوزيعهن على المقاتلين، كل هذا لم يحصل ابداً في فتح مكة. وحتى بعد أن أصبح للمسلمين قوة، لم يأمر النبي بفتح مكة من تلقاء نفسه، بل هو أمر من الله لإستعادة أرضهم. قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ۞ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ). في حقيقة الأمر فإن ما يسمى بالفتوحات الإسلامية ما هي إلّا فتوحات ومعارك إجرامية ألصقوها بالإسلام زوراً وبهتاناً، فالإسلام يمنع الإعتداء، وهذه الحروب التي حصلت ما هي إلّا حروب لأسباب سياسية وتوسّعية وإقتصادية. لا علاقة لها بالدين، فعندما تشن دولة اسلامية حربا على دولة اخرى، هل نقول أنها فتوحات، هي حرب سياسية بالمقام الاول، فالحاكم يفعل ما يراه مناسباً وما فيه المصلحة لدولته حتى لو كانت على حساب مآسي الطرف الثاني، ففي السياسة لا يوجد صديق دائم وعدو دائم، بل هناك مصلحة دائمة. ومن يقول لولا هذه الفتوحات التي تُسمّيها إجرامية، لما وصل إلينا الإسلام!! أنت بهذا يا صديقي العزيز تُثبت أن الإسلام جاء بالسيف، ضارباً بكلام الله عرض الحائط، وهذا إفتراء وتدليس منك وقد بيّنت لك آيات القتال والغاية منها، وقلت لك أن الله يمنع الإعتداء ولا يحب المعتدين. أو بالاحرى الله هو من قال ولست أنا الإسلام ليس توسّع بالقتال، الإسلام رسالة، بلّغني الرسالة ودعني أرى الإسلام فيك وفي تعاملك مع الناس، وفي أخلاقك، ولا تفرض عليَّ أن أدخل الدين، والله يقول (لا إكراه في الدين)! كيف سأُقنع إنسان غزوت بلاده بالقوة بعد أن كان آمنًا فيها، بأني ما جئت إلّا لمصلحته ولإدخاله في الدين وأن هذا الدين هو دين الرحمة وهو يراني معتديًا قد هاجمت بلده الذي ينعم بالأمان فيه! كيف سيقتنع بهذا الدين! هل بهذه الصورة ننشر الإسلام! هو سيدخل الاسلام خوفاً منه وليس حباً فيه، والله لا يعبد بالخوف، فلا قيمة للعبادة إن كانت قائمة على الخوف والرعب. ومن يقول أن المسلمون وصلوا إلى أوربا وفتحوها، فلو كانوا على باطل لهُزِموا، أقول بأن المسألة لا تُقاس بهذا الشكل، هناك دولًا إجرامية قتلت الملايين من الأبرياء في حروبها على ما يُسمّى بالإرهاب أو غيره وهي الآن من أقوى دول العالم، فهل نقول أنهم على حق لأنهم انتصروا على الشعوب الضعيفة أو ان الله نصرهم لأنهم على حق؟ بالتأكيد لا، لأن الموضوع لا يُقاس بهذا الشكل. نعم المسلمون وصلوا إلى أوروبا بحجة الفتوحات الإسلامية، لأنهم امتلكوا القوة في ذلك الزمان، امتلكوا الادوات التي تمكنهم من ان يسيطروا على البلدان الأقل منهم قوة، وبقوا فيها ما يقارب 800 سنة، وفي النهاية ماذا حصل؟ خرجوا منها وطُرِدوا شرّ طردة، دخلوها بالخيل والنفير، وخرجوا منها على ظهور الحمير، لم يتركوا فيها أي معلم إسلامي بإستثناء قصر الحمراء الذي قالوا ان هذا من الثقافة الاسلامية التي نقلها المسلمون إلى الاندلس، ولو تكلمنا بالعقل والمنطق فأين أثر هذه الثقافة في البلدان العربية التي انطلق منها المسلمون، لا يوجد أي أثر لهذه الثقافة أي ما يشبه قصر الحمراء والزخارف هناك في البلدان العربية التي من المفروض ان يكون فيها الأصل. كانوا يعيشون في الخيام ويفترشون الحصير وبعد أن خرج المسلمون من اوروبا، لم يبقَ أي أثر للإسلام فيها، فماذا كانوا يفعلون طيلة هذه الفترة، وما هي إنجازاتهم هناك طيلة ثمانية قرون؟ ستجد الترقيعات التي تقول السبب هو محاكم التفتيش، اين الايمان القلبي اذاً. ثم لماذا يفتحوا أوروبا ويقطعوا بحاراً، وافريقيا أقرب لهم؟ لماذا لم يفتحوها بدلاً من فتح أوروبا؟! إذا عُرف السبب بطل العجب! أما عن حقيقية السبي فهي جريمة بحق الإنسانية، أن تقوم بسبي امرأة حرة، وتقوم ببيعها مثل أي سلعة، هذه من جملة الإفتراءات على الإسلام، هذه جريمة سياسية ألصقوها بالإسلام، والإسلام بريئ منها، ونهى عن إحتقار وإهانة الإنسان، الإسلام جاء ليُكرّم الإنسان، فكيف يأمر بالسبي!! رسول الله لم يسبي أي امرأة، والقرآن كله لا توجد به آية واحدة تتحدث عن السبي، تعالى الله عما يفترون. المسلمون في العصور القديمة كانت لهم اليد الطولى، وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وغزوا أكثر البلدان بحجة نشر الإسلام، كما هو الحال الآن مع أمريكا، فهي الآن القوة الأكبر عسكرياً وإقتصادياً، والكل يخاف منها ويتحاشى الإحتكاك بها، وقامت بغزوا بلدان بحجة محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية، فالسابقون ولكي يبرروا احتلالهم للبلدان الثانية امام شعوبهم والرأي العام، ألّفوا أحاديث لرسول الله، تدعي شرعية الفتوحات لنشر الاسلام، حتى يبقى هذا الاحتلال ذو طابع ديني ويُمنح القداسة، لذلك ألصقوه بالاسلام، ونفس الشيء امريكا عندما ارادت غزو البلدان لسرقة ثرواتها ووضع قواعد لها في تلك المناطق الاستراتيجية كان لا بد من سبب لشرعية هذا الغزو، فقالوا انها حرب ضد الارهاب. وفي حقيقة الأمر جميع هذه الحروب هي للهيمنة على مقدرات وخيرات وثروات هذه البلدان، فما أشبه اليوم بالأمس، فكان المسلمون في العصور السابقة هم القوة المهيمنة على العالم، ولا أحد يستطيع مواجهتهم بسبب قوتهم، ولذلك قاموا بالغزوات، وبالتاكيد تم إرتكاب الفظائع في ذلك الوقت، فلم تكن من كاميرات توثق تلك الجرائم، كما هو الحال الآن مع داعش وأخواتها، فأفعال داعش ما هو الا جزء صغير من أفعال أسلافهم عندما كانوا يغزون البلدان ويروّعون الآمنين بحجة الفتوحات الإسلامية، والذي يتفاخر به المسلمون اليوم!! فالفارق ما بين داعش وأسلافها من المجرمين، هو توثيق الجرائم فقط. بالله عليك، كيف لإنسان أن يقتنع بدين على أنه دين رحمة ودين كرامة وحرّية، وهو يرى أمه قد تم سبيها ووطئها وبيعها لمجرم آخر حتى يفرغ شهوته الحيوانية البهيمية فيها، ومن ثم يبيعها لغيره وهكذا ثم يقولون هذا ما أمرنا الله به!! تعالى الله عما يقولون. والله أكثر من اساء للاسلام هم المتحكمين فيه، ودائماً وابداً اقول اللهم احفظ الاسلام من المسلمين. فخلاصة الكلام يا صديقي العزيز: لا يوجد قتال في الاسلام إلّا ضد المعتدي ولرد المظالم، وكلمة القتال لها دلالات كثيرة وليست محصورة بحمل السلاح وازهاق النفس، ونهى الله عن الإعتداء على الغير مهما كان دينهم أو ملتهم، وجميع الحروب التي خاضها النبي والذي هو قدوتنا وليس اسلافنا الافاضل، هي حروب ضد معتدين شرعيين. وكلمة الجهاد هي من مجاهدة النفس، هناك من يجاهد بالنفس وهناك من يجاهد بالمال وغيرهم من يجاهد بالكلمة لاعلاء كلمة الله العليا وهي رفع الاكراه عن الناس. هذا هو موضوعنا لهذا اليوم ودمتم بود والسلام عليكم
لا يتحقّق توحيد العبد إلا بثلاثة أمور الشيخ أ د عبدالسلام الشويعر 3:06

لا يتحقّق توحيد العبد إلا بثلاثة أمور الشيخ أ د عبدالسلام الشويعر

تراث الشيخ عبد السلام الشويعر

165.4K مشاهدة · 4 years ago

135 ما الرد على الذين قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات 10:16

135 ما الرد على الذين قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات

عِلْمُ الدِّينِ أمانةٌ عظيمةٌ

95 مشاهدة · 1 day ago

مفهوم القتال في القرآن hussein ch 2 6:40

مفهوم القتال في القرآن hussein ch 2

حسين الخليل

3.6K مشاهدة · 2 years ago

الحيدة 03 المسمون القرآنيون 15:47

الحيدة 03 المسمون القرآنيون

Projects Association

6.1K مشاهدة · 2 years ago

هل ورد ذكر النبي ﷺ في التوراة والإنجيل 100 سؤال في التاريخ الحلقة 10 59:42

هل ورد ذكر النبي ﷺ في التوراة والإنجيل 100 سؤال في التاريخ الحلقة 10

تاريخنا

459.2K مشاهدة · 1 year ago

السنن الإلهية المحاضرة الثانية سنة التدافع الجزء الأول 1:15:20

السنن الإلهية المحاضرة الثانية سنة التدافع الجزء الأول

تواصل للعلوم الشرعية

39.7K مشاهدة · 3 years ago

Ibn Taymiyyahs Debate with the Christians How He Challenged the Trinity and Presented Evidence 46:18

Ibn Taymiyyahs Debate with the Christians How He Challenged the Trinity and Presented Evidence

ركائز الإسلام

4.6K مشاهدة · 13 hours ago