رحلة النبي محمد في معجزة ليلة القدر تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 4

رحلة النبي محمد في معجزة ليلة القدر تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 4

النص الكامل للفيديو

تَخَيَّلْ مجاعة حيث تُحاصَرُ أنتَ وأقاربُكَ داخلَ حصارٍ مُطبَق بينما الناسُ في الخارج لا يُعانون مثلَ هذا البلاء الأطفالُ الرُّضَّعُ يَبكون من الجوع والأمهاتُ في ألمٍ عميق لأنهنَّ لا يستطعن تهدئتَهم لا يجدون شيئاً يُطعِمون به أنفسَهم او يُطعِمون حتي أطفالَهم أينما نظرتَ، رأيتَ الناسَ مُنهَكين ولكي تبقى على قيد الحياة لا يوجد ما تأكله إلا أحدَ أمرين: إمَّا أوراقَ الشجر، أو قطعةَ جلدِ دابَّةٍ وجدتَها على الأرض لا تستطيع أن تُسكِّن جوعَك ولا أن تُسكِّن جوعَ غيرِك عبئان لا يُطاقان في الوقت نفسه كلُّ هذا العناءِ والظُّلمِ وقع في السنة السابعة من النبوَّة في الشِّعْب المعروف بشِعْبِ أبي طالب بمكّة هذه السلسلةُ المرئية تستند إلى مئاتِ المراجع من المصادرَ الإسلاميةٍ الموثقة جميعُ الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي أعدت بالتشاور مع علماءَ مسلمين مؤهَّلين وبما يوافق الضوابط الإسلامية في تلك الأيام، شهدت مكّةُ مسلمين يُعذَّبون بالجوع ولكن إلى متى سيستمرُّ ذلك؟ يومين؟ ثلاثةَ أيام؟ أسبوعاً؟ شهراً؟ لا شيء من ذلك بل سيستمرُّ ثلاثَ سنواتٍ طوالاً لسنواتٍ، تحمَّل رسولُ الله ﷺ وأصحابُه ما لا نطيق أن نتحمَّله يوماً واحداً وكان سيُعرَف هذا الزمنُ لاحقاً بسنواتِ الحصار اذن ماذا حدث؟ كيف وصلت الأمور إلى هذا الحدّ حين بدت أنها ستتحسن؟ لنرجع خطوةً إلى الوراء كانت السنةُ السابعة من النبوَّة وكان عُبّادُ الأصنام في مكّة لا يزالون عاجزين عن إيجاد سبيلٍ لوقف انتشار الإسلام وعلى الرغم من كلِّ التعذيب والضغط ظلَّ عددُ المسلمين في ازدياد وكانت كلُّ حيلةٍ جرَّبوها تبوء بالفشل وفوق ذلك لم يستطيعوا إعادةَ المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة ولمَّا أسلم حمزةُ وعمر ازداد قلقُ قريشٍ أكثر وأدركوا أنه بهذا المعدَّل سيغلب الإسلامُ مكّةَ قريباً ولإيقاف ذلك كلِّه، اجتمع سادةُ قريشٍ وحلفوا يميناً "سَنقتُلَنَّ محمداً، سِرّاً أو جهاراً" "صدقتَ، اتفقنا" وزاد ذلك أبا طالبٍ هماً وقلقاً فجمع بطونَ بني هاشم وبني المطَّلب وأمرهم أن يقفوا مع النبي ﷺ ويحموه من كلِّ خطر وكان بعضُ أبناء المطَّلب لم يُسلِموا بعد لكنهم ما إن سمعوا نداءَ أبي طالب حتى لبَّوا فوراً لأنه في ذلك الوقت كانت روابطَ الأسرة قوية جداً مهما اختلفت الديانات لم يكن أحدٌ ليَسمح لغريبٍ أن يؤذي أقاربَه فذلك يجلب العار على القبيلة كلِّها وهكذا اجتمع بنو هاشم وبنو المطَّلب كلُّهم في شِعْبِ أبي طالب وأخذوا رسولَ الله ﷺ في جوارهم وحمايتهم ولمَّا علمت قريشٌ أن قتلَ النبي ﷺ داخل هذا الشِّعب لن يكون سهلاً، اجتمعوا في دارِ الندوة ليضعوا خطةً وجاء قرارُهم ليُظهِر مرةً أخرى أن أعداءَ الإسلام لم تبقَ في قلوبهم رحمة وبحسب اتفاقهم: "لا تُنكَحُ نساءُ بني هاشم ولا نساءُ بني المطَّلب" "ولا يُزوِّجهم أحدٌ بناتِه" "ولا يُباع لهم شيءٌ، ولا يُشترى منهم شيءٌ" "ولا يدخل أحدٌ بيوتهم، ولا يجالسهم، ولا يلقاهم" "ولا يُكلِّمهم" ما لم يسلَّموا رسول الله ﷺ ليُقتَل فلن يُقبَل منهم صلحٌ أبداً ولا تُبدى لهم رحمةٌ على الإطلاق كُتِبت البنودُ وسُطِّرت ولإضفاء صبغةٍ مُقدَّسةٍ على الصحيفة، عُلِّقت داخلَ الكعبة شيوخاً وشباباً، رجالاً ونساءً وأطفالاً أُجبر بنو هاشم جميعاً على الدخول في حصارٍ بشِعْبِ أبي طالب رسولُ الله ﷺ، وخديجة، وأبو طالب، وسعدُ بن أبي وقاص وكلُّ فردٍ من بني هاشم قُطِعوا عن المجتمع قطعاً تامّاً إلا واحداً: أبا لهب كان من بني هاشم أيضاً، لكنه اختار أن يتبرَّأ من قومه وقد أظلم قلبُه حتى تمنى موتَ أقاربه كان يَعترض القوافلَ الداخلةَ إلى مكّة ويصيح: "يا معشرَ التُّجّار!" "ارفعوا الأسعار على أهلِ بيتِ محمدٍ رفعاً" فلا يستطيعوا أن يشتروا منكم شيئاً تعلمون أنني ذو مالٍ، و صادقٍ في وعدي" "افعلوا ذلك، و أتحمّل ما يكون من خسارتكم" وتعهَّد أن يعوِّضهم عن كلِّ خسارة فوثق به التجّار ورفعوا الأسعار أضعافاً مضاعفة وفي النهاية كان بنو هاشم يعودون إلى أطفالهم الذين يبكون من الجوع، وليس في أيديهم شيء لقد نفد كلُّ ما كان عندهم ومع أن الطعام كان يُباع بضعف الثمن كان لا بد أن يشتروه وأما الذين كانت لديهم قدرةٌ مالية فلم يبخلوا بإنفاق كلِّ ما يملكون ضحَّى النبيُّ ﷺ، وأبو طالب، وخديجةُ بكلِّ ما لديهم تأمَّل ذلك كانت خديجةُ يوماً من أغنى أهل مكّة ثم ها هي الآن تُنفق مالَها كلَّه دون أدنى تردُّد من جهةٍ كانت خديجةُ تُنفق ثروتَها لإنقاذ الناس من الجوع ومن جهةٍ أخرى كان أبو لهبٍ يُنفق مالَه ليُجوِّعهم من الخارج بدا الأمر واحداً كلاهما يُنفق لكن النيةَ هي الفارقُ كلَّه فبإنفاقها كانت تغرس أشجارَ طوبى في جنَّتها وبإنفاقه، كان يغرس أشجارَ الزقّوم في نارِه وكان أبو بكرٍ رضي الله عنه تاجراً ناجحاً أيضاً لكنه أنفق كلَّ مالِه لفكِّ رقابِ عبيدٍ مسلمين كانوا يُعذَّبون وطوال حياته كان يُضحِّي بكلِّ ما يملك مرةً بعد مرةٍ في سبيل الله هكذا قاموا بنصر دينَ الله مِنهم من نصره بنفسِه، ومنهم من نصره بمالِه ومنهم من نصره بكلمتِه ومنهم من نصره بصبره وجهاده على الشدائد وكما قال تعالى في سورة التوبة: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" "أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ" وهؤلاء الناس هم من شُرِّفوا بذلك الوعد وفي تلك الفترة كان أبو طالبٍ يبذل جهداً إضافياً لحماية ابنِ أخيه كلَّ ليلةٍ كان يأمر النبيَّ ﷺ أن ينام على فراشه حيث يراه الناسُ جميعاً فإذا نام الناسُ جميعاً، أخذه في هدوءٍ من هناك وأدناه إلى جانبه دون أن يشعر به أحد ويجعل مكانه رجلاً آخر ينام وبذلك كان يحاول أن يمنع وصولَ الأذى إليه كان أبو طالبٍ عمَّه، وكذلك أبا لهب لكن أحدَهما كان يحميه، والآخر يتمنى موتَه أحدُهما كان يجتهد في حفظ ابنِ أخيه والآخر يظلمه ويؤذيه وسيستمرُّ هذا التباين هكذا إلى النهاية وخلال الحصار، تخلّى بنو هاشم عن كلِّ ما كانوا يملكون ومع ذلك، لم يكن حتى ذلك كافياً لإنقاذهم من الجوع لكنهم، على الرغم من كلِّ الشدائد، لم يستسلموا قط ولأجيالٍ تأتي من بعدهم قدَّموا المثال الحقيقي لمعنى الثبات والصمود وعلى النقيض من ذلك كان سلوكُ قريشٍ على العكس تماماً فقد أظهروا إلى أيِّ مدى يمكن أن يبلغوا في الكفر وفي انعدام الرحمة وفي أحد تلك الأيام العصيبة استطاع رجلٌ أن يشتري شيئاً من الدقيق بما تيسَّر لديه من القليل ثم حمله سِرّاً إلى مدخل الشِّعب كان ذلك الرجلُ حكيمَ بنَ حزام وهو ابنُ أخي خديجةَ رضي الله عنها وقد أقلقه ظلمُ قريشٍ الجائر فخرج ليقدِّم ما استطاع من عونٍ يسير وكان هناك آخرون قد آلمتهم هذه المظلمة لكن أكثرَ الناس لم يجرؤوا على إظهار الشجاعة ومساعدتهم بسبب ضغطِ المشركين وبعيداً عن أيِّ معونة بل حتى إن من يدخل الشِّعب ولو عن طريق الخطأ كان يُوبَّخ توبيخاً شديداً حاول حكيمٌ أن يتسلَّل خفيةً، غير أن أبا جهلٍ رآه ورفض أن يدخِل الطعام "توقَّفْ مكانك!" بل أمسكه من طوقِ ثوبِه وفي تلك اللحظة رأى أحدُ زعماء قريشٍ، أبو البختري، ما يجري فاشتدَّ غضبُه لما فعله أبو جهلٍ وقال: "كيف تمنعه من أن يُدخِل لعمَّته" "طعامَها الذي هو لها؟" "تَنَحَّ عن طريقه، ودَعْه يذهب حيث يذهب" ولما أصرَّ أبو جهلٍ، التقط أبو البختري عظماً من الأرض وضرب به رأسَ أبي جهلٍ فَشَقَّه ثم صرعه أرضاً وراح يركله مراراً وتكراراً، ثم مضى وهكذا، من حينٍ إلى حين كان بعضُ المؤمنين وبعضُ غيرِ المؤمنين يُدخلون طعاماً خفيةً إلى شِعْبِ أبي طالب لكنه لم يكن كافياً وكان الكفار يزعمون أنهم يسمحون لهم بالبيع والشراء في موسم الحج شهراً واحد وأقول: يزعمون لأنه حتى حينها كانوا يقومون بكل الطرق لمنع المسلمين من التزود بالمؤن فإمَّا أن يهددوا التجار بألّا يبيعوهم شيئاً... "لن تبيع لهم شيئاً، فهمت؟" ...وإمَّا أن يُشترى مخزونُهم كله حتى لا يبقى للمسلمين شيء ولأنه لا أحد يتاجر مع بني هاشم لم يكن لديهم مصدرُ دخلٍ وقد استهلكوا كلَّ ما كان عندهم والآن، بدأ الأطفالُ يصرخون من الجوع لكن أولئك الظالمين القساة، وقد أظلمت قلوبُهم سدُّوا آذانَهم عن الصراخ بل بدا أن بعضَهم يستلذُّ بها وكان سعدُ بنُ أبي وقاصٍ رضي الله عنه ممَّن عاش هذه المحنة وفي ليلةٍ، لم يستطع النوم من الجوع، فخرج من بيته ثم وصف ما وقع بعد ذلك بهذه الكلمات: "فوجدتُ قطعةَ جلدِ بعيرٍ بين الشَّوك" "فأخذتُها، وجفَّفتُها في الشمس" "فمكثتُ أياماً أعيشُ على تلك القطعة من الجلد" كان بعضُهم يحاول البقاء بأكلِ جلودِ الدواب وكان آخرون يأكلون أوراقَ الشجر ومضت ثلاثُ سنواتٍ طوالٍ من الجوع والعناء على هذا الحال ومع ذلك، لم تُحلَّ الأزمة لكن كان لا يزال هناك أناسٌ لم تمت ضمائرُهم بل إن بعضَهم اضطرب من أول الأمر وكان الذي كتب بنودَ الصحيفة منصورَ بنَ عكرمة ويُقال إنه منذ ذلك اليوم لم يستطيع تحريك اليد التي كتب بها فلما وقع ذلك، قال بعض الناس: "أُصيب منصورٌ بمصيبةٍ" "لأننا ظلمنا بني هاشم" لكنهم ظلُّوا صامتين خوفاً من قريش كانوا ينتظرون من يتقدَّم بالخطوة الأولى وأخيراً أقدم على تلك الخطوة خمسةُ رجال أبو البختري، والمطعمُ بنُ عديّ، وهشامُ بنُ عمرو وزهيرُ بنُ أبي أميَّة، وزمعةُ بنُ الأسود اجتمع هؤلاء ووضعوا خطةً في اليوم التالي، سيذهبون إلى الكعبة حين يزدحم الناس وسيقف كلُّ منهم بركنٍ كانهم لا يعرفون بعضُهم وبإظهار الأمر كأن أصواتاً مختلفة تنادي بالمطلب نفسه سيطالبون أخيراً بتمزيق تلك الصحيفة الظالمة وفي اليوم التالي، ذهب أولئك الخمسة إلى الكعبة واختلطوا بالناس في مواضع متفرقة وكان زهيرٌ أولَ من تكلَّم "يا معشرَ قريش!" "أيرضى بهذا أحدٌ من الناس؟" "نحن نغتبط بكلِّ نعمة" "أنأكلُ الطعامَ ونلبسُ الثياب، وبنو هاشمٍ هلكى؟" "واللهِ لا أبرحُ حتى تُشقَّ هذه الصحيفة!" ثم تكلَّم زمعةُ بنُ الأسود "صدق زهير" "والله ما رضيناها يوم كُتبت" "والآن آن أن ينتهي هذا الظلم!" ثم أخذ كلُّ واحدٍ منهم يرفع صوته إنكاراً للجور من مكانه الذي يقف فيه وازداد الجمعُ من حولهم، وارتفعت أصواتُ الاعتراض وزعم أبو جهل أن الأمر مُدبَّرٌ ومُتَّفَق عليه لكن لم يلتفت إليه أحد و أضعفت هذه الحادثةُ هيبةَ الصحيفة وكانت من المنعطفات التي مهَّدت لانتهاء الحصار غير أن الذي أنهى الحصار حقاً كان هذا بأمرِ الله، أُرسلت دُوَيْدَةٌ صغيرة إلى الصحيفة المعلَّقة داخل الكعبة فأكلت تلك الدويدةُ الصحيفةَ كلَّها إلا كلماتِ "باسمك اللهم" وأخبر جبريلُ عليه السلامُ النبيَّ ﷺ بذلك فبادر النبيُّ ﷺ إلى إبلاغ عمِّه أبي طالبٍ بالبُشرى فلما سمع أبي طالبٍ ذلك، جمع فِتيةَ بني هاشم وذهب لملاقاة سادةِ قريش ثم عرض عليهم هذا الاقتراح: "يا معشر قريش! إن ابن أخي أخبرني" "أن الله قد سلّط الأرضة على الصحيفة التي علَّقتموها في الكعبة" "فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها" "ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان" "فهلم صحيفتكم" "فإن كانت كما قال، فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عنها" "وإن كان كاذباً، دفعت إليكم ابن أخي" "فلكم الخيار: إن شئتم قتلتموه، وإن شئتم تركتموه" ومع أنهم لم يصدقوه أول الأمر إلا أنهم خافوا أن يكون قوله حقاً ثم إن أبا طالبٍ وعدهم بتسليم النبي إن كان هذا الخبر كذباً فأسرعوا إلى الكعبة وكالعادة كان بابُها مُغلَقاً ففتحوه، ودخلوا ونظروا إلى الصحيفة المعلَّقة على الجدار فرأوا أن الله قدِّر مرةً أخرى ألا يُكذَّب رسولُه لقد رأوا بأعينهم تماماً ما وصفه أبو طالب ومع أنهم دُهِشوا إلا أنهم أبَوا أن يقبلوا انها آيةً ومعجزة وقالوا بدلاً من ذلك: إن هذا إلا سِحرٌ عظيم وبعد هذه الحادثة أُعلن للناس أن الصحيفة قد أُبطلت وأن الحصار قد رُفع اذن ماذا حدث بعد انتهاء الحصار؟ خلال تلك السنوات الثلاث، لم يكن رسولُ الله ﷺ يستطيع أن يبلِّغ الدعوة إلا للوافدين والمسافرين الذين يأتون إلى مكّة لم يكن قادراً على نشر الإسلام على نطاقٍ واسعٍ بالكلام لكن بصبره وجهاده، غرس بذورَ الإيمان في قلوبٍ كثيرة ولما رأى الناس صدقَه في قضيته أقبل كثيرون عليه وأعلنوا إيمانهم جهراً والآن لنجتهد في فهم ما الذي كانت قريشٌ قد تفكِّر فيه وهي تشهد كلَّ ذلك كان النبيُّ ﷺ الذي عُرِف يوماً بأنه من أشرف رجال مكّة وأعلاهم مكانةً يُتَّهم الآن بالكذب والسحر وقد رفض كلَّ عروضِ المال والجاه وصبر على أذىً شديد أيمكن لأحدٍ أن يحتمل كلَّ ذلك من أجل كذبة؟ إن الكذب غالباً ما يرتبط بمنفعةٍ شخصيةٍ ما لكن حياةَ النبيِّ ﷺ لم تكن إلا تعباً ومشقَّة وبينما يعيش الكذَّابون في خوفٍ من انكشاف أمرهم كان هذا الرجل يعيش حياةَ بذلٍ وكفاح ولو كانت غايته مكسباً دنيوياً لبلغ أرفعَ مقامٍ بأيسر طريقٍ وبوسائل أخرى كثيرة لكن مقصده الحقَّ لم يكن إلا نشرَ دينِ الله وهدايةَ الناس إلى السعادة الأبدية ومن جهةٍ أخرى، انظروا إلى الأمر من زاوية خديجة رضي الله عنها لماذا اختارت أن تمرَّ بكلِّ هذا؟ ولماذا أنفقت مالَها كلَّه في هذه الدعوة؟ لو لم ترَ الحقَّ في رسولِ الله ﷺ أكانت تقبل كلَّ ذلك بهذه الطواعية؟ لقد كانت أقربَ الناس إليه كانت تعرفه أكثرَ من أيِّ أحد وتعرف كلَّ تفاصيل حياته لو أنه، معاذ الله، كان يكذب أفلم تكن هي أولَ من يدرك ذلك؟ ولو انه دخلها أي شك أكانت ستحتمل مثل تلك الشدائد؟ وليست خديجة فقط فطوال حياته، كان أصدقاؤه وأعداؤه يراقبون كلَّ كلمةٍ وكلَّ فعلٍ منه بعيونٍ فاحصة ومع ذلك، لم يجدوا قطُّ أثراً واحداً للكذب نحن نتحدَّث عن رجلٍ رُوقِب بهذه الدقة حتى إن عددَ الرشفات التي كان يأخذها ليشرب الماءٍ قد سُجِّل وكما يستحيل على رجلٍ من أهل القرى أن يتظاهر بأنه ملكٌ سنواتٍ طويلة دون أن يُفتَضح فإنه يستحيل كذلك على أحدٍ أن يتظاهر بأنه رسولُ الله رجلٌ في أعلى درجات الخُلُق والاستقامة أفيمكن بالكذب أن يبدو الإنسانُ أكثر الناس صدقاً وأمانتاً وأكثرهم استقامة وهل يمكن لمثل هذا الدور أن يستمر ثلاثاً وعشرين سنة دون أن يتعثَّر مرة أو حتي ينكشف لم يُعثر فيه على أقل أثرٍ للكذب ولهذا آمن الذين أبصروا الحقَّ بينما ظلَّ الذين أغمضوا أعينَهم ماضين في عداوتهم وبانتهاء الحصار، استطاع رسولُ الله ﷺ أن يلتقط أنفاسَه أخيراً لكن ابتلاءً آخر كان سيبدأ فعمه أبو طالب قد اشتدت مرضه كثيراً ولما سمع رسولُ الله ﷺ بحال عمِّه، اضطرب قلبُه اضطراباً شديداً لقد كان أبو طالبٍ عوناً له دائماً لا يتراجع أمام ضغطِ مكّة المتزايد وتهديداتها أما الآن، فقد صار على طريقٍ لا رجعة منه ومع ذلك، لم يكن قد أسلم بعد كان ذلك يُفطِر قلبَ النبي ﷺ لأنه كان يعلم أن الإيمان هو المفتاحُ الوحيدُ للسعادة الأبدية ولهذا لازم عمَّه عند فراشِ الموت يبذل كلَّ ما يستطيع ليُدخِله الإسلام قبل فوات الأوان وفي الوقت نفسه، بدأ مشركو مكّة يقلقون أيضاً لأنه ان تُوُفِّي أبو طالب لما بقي وسيطٌ بينهم وبين رسولِ الله ﷺ ولذلك أرادوا أن تُحسَم هذه القضية قبل وفاته فكانوا يزورون أبا طالبٍ مراراً يطلبون منه أن يجعل ابنَ أخيه يترك دعوته وبعد أن سمع مطالبَهم دعا أبو طالبٍ يوماً رسولَ الله ﷺ وقال: "يا ابنَ أخي، إن قومَك قد جاءوك" يساومونك على أمرٍ ويعدونك بعطاءٍ" فأجاب رسولُ الله ﷺ: "يا عمِّ إنِّي أريدهم" "على كلمةٍ واحدةٍ يقولونها" "تدينُ لهمْ بهَا الْعربُ وَالْعجمُ" امتلأ الجميعُ بالفضول فما تلك الكلمةُ الواحدة؟ وتقدَّم أبو جهلٍ إلى رسول الله ﷺ وقال: "قل لنا ما هي" "فوالله لنعطينَّك بها عشراً" حينها أعلن رسولُ الله ﷺ الكلمةَ التي كان الجميع ينتظرها "قولوا: لا إلهَ إلا الله" "وَألقوا بأيديكم الأصنامَ التي تعبدونها من دونه" و مع أنهم قد قالوا لتوِّهم: "بكلمةٍ نعطيك عشراً" وجدوا هذه الكلمةَ الواحدة ثقيلةً عليهم لم يُعجِبهم ما سمعوا أبداً "يا محمد!" "أتجعَلَ الْآلهةَ إِلهاً واحِداً؟" "إنَّ هذا لشيءٌ عُجابٌ" ثم انصرفوا، إذ لم ينالوا ما أرادوا وبعد أن خرجت قريشٌ، قال أبو طالبٍ: "يا ابنَ أخي" "واللهِ ما أرى فيما سألتَهم به شيئاً" "يخالف الحقَّ والعدل" فلما سمع رسول الله ﷺ ذلك بدأ يرجو أن يقبل عمُّه الإسلام فقال: "يا عمِّ، قل: لا إلهَ إلا الله" "كلمةً أُحاجُّ لك بها عند الله" لكن عمَّه، للأسف، لم يُجِبه بما يُقرُّ عينَه بل قال: "يا ابنَ أخي" "لولا أني أخشى إذا أنا متُّ" "أن يعيِّرك الناسُ ويُعيِّروا آباءَنا" "وأن تقولَ قريش: إنما حمله" "على ذلك الجزعُ" "لأقررتُ بها عينَك" وهكذا، وهو واقف على عتبةِ الإسلام تراجع أبو طالبٍ خوفاً مما سيقوله الناس وللأسف، لم يقبل الإيمان ومع ذلك، ظلَّ رسولُ الله ﷺ يقول له: "يا عمِّ، قل: لا إلهَ إلا الله" "كلمةً أُحاجُّ لك بها عند الله" وبينما كان يحاول إقناعَه كان أبو جهلٍ وعبدُ الله بنُ أبي أميَّة حاضرين أيضاً "يا أبا طالب!" "أترغب عن مِلَّةِ عبدِ المطلب؟" لكن رسولَ الله ﷺ ظلَّ يدعوه إليها مرةً بعد مرة حتى قال أبو طالبٍ في آخر الأمر، مُشيراً إلى نفسه: "هو على مِلَّةِ عبدِ المطلب" ثم تُوُفِّي وكان في الثمانين من عمره وشعر رسول الله ﷺ بفراغٍ مؤلمٍ في داخله لقد كانت نصرةُ أبي طالبٍ له لا تُقدَّر بثمن فمنذ أن كان في الثامنة من عمره، عاش في كنفِ عمِّه وعلى الرغم من كلِّ الضغوط، ظلَّ أبو طالبٍ يسانده ويغمره باللطف والرحمة دائماً لكن محبته ورأفته كانت لمحمدٍ ابنَ أخيه ليست لمحمد رسولَ الله وهكذا، دون أن ينطق بالشهادة مات ابو طالب وبقي رسولُ الله ﷺ مثقلاً بهذا الحزن العظيم ولزم بيتَه، ولم يخرج مدةً من الزمن وبعد ثلاثةِ أيامٍ فقط من وفاة أبي طالب مرضت أمُّنا خديجةُ رضي الله عنها مرضاً شديداً وبينما كان حزنُ فقد العمِّ لا يزال طريّاً في قلبِ النبي ﷺ إذا به يُفجَع بمرض زوجته الحبيبة وأقربِ الناس إليه، وصاحبةِ دربه في الحياة لقد أضعفتها سنواتُ الحصار الطويلة وأرهقتها وكان عمرُها خمساً وستين سنة وكان ﷺ ملازماً لها يحاول أن يُخفِّف عنها الألام يبذل كلَّ ما يستطيع ليُطمئنها لكن يوماً بعد يوم كانت حالُها تزداد سوءاً وبدأ يتضح إلى أين تمضي هذه العلَّة كانت تلك أيامَ الوداع لرفيقةِ عمرِه التي سارت بجواره خمساً وعشرين سنة عاشت خديجةُ أفضلَ أيامِها وأعزَّ سنينِها مع النبي ﷺ كان زواجاً لم تُعرف فيه لحظةَ ندمٍ واحدة وفي أشدِّ الأوقات كانت تُواسي رسولَ الله ﷺ وتشدُّ أزره وفي كلِّ فرحة وحزنٍ، كان يجدها إلى جواره كانت خديجةُ ملاذَه الآمن، الذي يأوي إليه وفي ليلةِ الوحي الأولى قال لها: "زَمِّلوني، زَمِّلوني" والآن جاء دورُ النبي ﷺ ليُزَمِّلها تُوُفِّيت خديجةُ رضي الله عنها، سيِّدةُ نساءِ الدنيا عام 619 ميلادياً، وعمرُها خمسٌ وستون سنة وكان رسولُ الله ﷺ يقول بعد ذلك: "خيرُ نسائها مريم بنت عمران" "وخيرُ نسائها خديجة بنتُ خويلد" وكانت هذه المصائب ثقيلةً على رسولِ الله ﷺ حتى سمَّى ذلك العام بنفسه: "عامَ الحزن" كأن الأمر و كأن جناحَيه قد كُسِرا معاً وبغياب نصرةِ أبي طالب وجدت قريشٌ الفرصة لتُمعن في السَّبِّ والأذى أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى ومع اشتداد الاضطهاد يوماً بعد يوم لم يعد النبي ﷺ يستطيع أداءَ رسالته في مكّة ورغم عشرِ سنواتٍ من جهد رسولِ الله ﷺ لم يظهر على قريشٍ تغيرٌ يُذكر ومادام المسلمون قلَّة لم يكن يُظنُّ أن موقفَهم سيتبدَّل كذلك كان يبحث عن طريقٍ جديدٍ للمضيّ قُدماً أرضٍ جديدةٍ ينتشر فيها الإسلام أيسر ويصل إلى عددٍ أكبر من الناس لقد جاء ذلك اليوم اليوم الذي وصفه النبي ﷺ بأنه "أشدُّ يومٍ مرَّ عليَّ في حياتي" وفي حديث شريف قال ﷺ "أشدُّ الناس بلاءً" "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل" "يُبتلى الرجلُ على قدر دينه" قد يتخيَّل الإنسانُ أنه عالقٌ في مطرٍ شديدٍ غزير كأن السماء تصبُّ صبّاً لكن أحداً لا يتخيَّل أن يُبتلى بعاصفةٍ من الحجارة تنهال عليه حجارةٌ لا تُحصى، كلُّ حجرٍ منها يؤلم جسدَه ولا يجد مأوى يلوذ به أليس مُرعباً حتى مجرَّد ان تتخيل ذلك؟ وهكذا كانت تلك المحنةُ العظيمة على وشك أن تقع على رسولِ الله ﷺ نفسه كان سيواجه ظلماً لم يواجه مثله من قبل كلُّ ذلك من أجل أمتِه سيتألَّم ألماً لا يشبه ما قبله وسيغتسل بالدم، ويسمِّي ذلك اليومَ الكالح "أشدَّ يومٍ مرَّ عليَّ في حياتي" كانت تلك الرحلةُ المؤلمة هي رحلةَ الطائف مرَّت عشرُ سنواتٍ منذ نزول الوحي الأول جرَّب رسولُ الله ﷺ كلَّ سبيلٍ ممكن ومع ذلك، لم يزدد عددُ المسلمين على نحو ثلاثمائة بعضهم في مكّة، وبعضهم في الحبشة، وقليلٌ بين قبائلَ أخرى كانوا متفرِّقين ومع عداوة قريش لم يكن يبدو ممكناً أن يجتمعوا في سلام وبالمقارنة مع أهل مكّة، لم يكونوا حتى عُشرَ العدد وفي جزيرة العرب كانوا أقلَّ من ذلك بكثير غير أن الهدف لم يكن محصوراً في تلك البقعة بل كان العالمَ كلَّه ورغم عشرِ سنواتٍ من جهد رسولِ الله ﷺ لم يظهر على قريشٍ تغيرٌ يُذكر ومادام المسلمون قلَّة لم يكن يُظنُّ أن موقفَهم سيتبدَّل كذلك كان يبحث عن طريقٍ جديدٍ ليمضيّ قُدماً أرضٍ جديدةٍ ينتشر فيها الإسلام أيسر ويصل إلى عددٍ أكبر وكان لا بد أن تكون هذه الأرضُ الجديدة قريبةً من مكّة وترتبط بقريشٍ ارتباطاً قوياً فذلك يجعل قبولَهم للإسلام أيسر ولهذا السبب اختار النبي ﷺ الطائف مدينةً تبعد نحو 120 كيلومتراً عن مكّة كانت مشهورةً بحقولها وبساتينها وكانت لها علاقاتٌ تجاريةٌ قويةٌ بقريش فلو قبلت الطائفُ الإسلام لصار نشرُه في مكّة أسهل أيضاً وعلى هذا الأمل خرج رسولُ الله ﷺ ومعه مولاه زيدٌ متجهين إلى الطائف على الأقدام وكان في الطائف ثلاثةُ إخوةٍ لهم سلطانٌ ونفوذ: عبدُ ياليل، ومسعود، وحبيب وأراد رسولُ الله ﷺ أولاً أن يلقى هؤلاء الثلاثة من وجوه القوم فذهب إليهم وأعلن لهم أنه رسولُ الله وبعدها دعاهم إلى الإسلام وطلب نصرتَهم في نشر هذا الدين لقد أُتيح لهم بابٌ عظيم فلو آمنوا لتبعهم كثيرٌ من أهل تلك الناحية ولربما صار قبولُ قريشٍ للإسلام أيسر بعد ذلك كان يمكن أن يكونوا مفتاحاً لفتح الأبواب المغلقة لكنهم ردُّوا هذه الفرصةَ ردّاً تاماً وفوق ذلك، شرعوا يستهزئون برسولِ الله ﷺ بكِبْرٍ وتعالٍ وقالوا ما هو أشدُّ مما قالت قريش "أنا أسرق أستار الكعبة" "إن كان الله بعثك بشيء قط" كان هذا كلاماً بالغَ القسوة وكان عند العرب يعني السقوط في غاية الهوان والعار "أعجز الله أن يرسل غيرك" "والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا" "والله لئن كنت رسول الله" "لأنت أعظم شرفاً وحقاً من أن أكلمك" "ولئن كنت تكذب على الله" "لأنت أشر من أن أكلمك" لقد أظلمت قلوبُهم وكانت كلُّ كلمةٍ يقولونها تجرح قلبَ نبينا ﷺ جرحاً عظيما أقام هناك عشرةَ أيامٍ، ينتقل من بيتٍ إلى بيت ويحادث سادةَ الطائف شرح لهم دعوته، لكن الجواب كان واحداً دائماً ولما رفض السادةُ الإيمان، أعرض الناسُ كذلك بل بلغوا مرحلةً لم يعودوا يطيقون وجود رسولِ الله ﷺ خافوا أن تتبدَّل قلوبُ الشبان فقالوا: "اخرج من أرضِنا!" "واذهب حيث شئت، ولا تعد إلينا أبداً" "لما لم يقبل قومُك وعشيرتُك ما جئتَ به" "جئتَ إلينا" "واللهِ لنبتعدنَّ عنك ما استطعنا" "ولن نقبل منك ما تدعونا إليه" أيمكن أن يكون فعلُ قبيلةٍ بهذه القسوة؟ لكن هذا لم يكن أقصى ما سيُبدونه من قسوة فقد جمعوا سُفَهاءَهم وصبياناً من مختلف الأعمار واصطفُّوا بهم على جانبي الطريق وكانت أيديهم ممتلئةً بالحجارة وفي ذلك اليومِ المظلم، واجه رسولُ الله ﷺ مشهداً لم يكن يتوقعه قط وسرعان ما بدؤوا يرجمونه بلا رحمة حجارةٌ، وبصاقٌ، وشتائمُ، وضحكٌ كان موقفاً مُرعباً كانوا يطاردونهما ويقذفونهما بالحجارة بلا انقطاع ولا نعرف ما سمع من كلمات مؤذية إذ كانت أوجعَ من أن يذكرها بعد ذلك أبداً وحاول زيدٌ أن يتلقَّى الحجارةَ بجسده دون رسولِ الله ﷺ لكن بلا جدوى كانت الحجارةُ تأتي من كلِّ جهة فصاح زيد: "يا أهلَ الطائف!" "أَتدرون أن الذي ترجمونه نبيٌّ؟" لم يكن يبالي بالحجارة التي تصيبه لكن التي كانت تُصيب رسولَ الله ﷺ كانت تُوجِعه في قلبه وغُطِّي رسولُ الله ﷺ وزيدٌ بالدماء "يا رسولَ الله!" "أأنت بخير؟" وحينٍها اشتدَّ الألم كثيراً حتى لم يجد النبي ﷺ بُدّاً من أن يجلس تأمَّل ذلك فقط رجلٌ في الخمسين من عمره يمرُّ بذلك لم يكن شابّاً لم تبقَ لديه قوةٌ للمشي ومع ذلك لم يتوقَّف الظالمون أجبروه على أن يقف مرةً أخرى ثم عادوا فرجموه بالحجارة من جديد وكانوا يضحكون ويستمتعون بذلك حقّاً كانت ساقاه مغمورتين بالدماء كلُّ حجرٍ ألمٌ، وكلُّ خطوةٍ ألمٌ آخر كلما سقط، اجبروه علي الوقوف وقذفوه بمزيدٍ من الحجارة وتكرَّر الأمرُ مرةً بعد مرة واستمرَّ ذلك لمسافةِ كيلومترين ونصف أي ما يزيد على ثلاثة آلاف خطوة أيمكنك أن تتخيَّل؟ شُجَّ رأسُ زيدٍ شجّاً ومع ذلك ظلَّ يفكِّر في رسولِ الله ﷺ قائلاً: "ليت هذه الحجارةَ أصابتني بدلَه" وأخيراً، عند نهاية الطريق، مرُّوا ببستان من البساتين فأسرعوا فالتجأوا إليه وبهذا وحده تمكَّنوا أخيراً من الإفلات كانا منهكَين ومغطَّيين بالدماء وكان قلبُ زيدِ بنِ حارثة يتفطَّر كلما نظر إلى رسولِ الله ﷺ وكيف لا يتفطَّر؟ نبيُّك أمامك مضرجٌ بالدم وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً وعند طرفِ البستان، وجدا أخيراً لحظةً لالتقاط الأنفاس غسلا جراحَهما وتطهَّرا ونظَّفا أنفسَهما أتدري ماذا فعل رسولُ الله ﷺ هناك أيضاً؟ كان يعلم أن السكينةَ الحقيقية لا تُنال إلا في حضرةِ ربِّه فتوضَّأ، وصلَّى ركعتين ثم رفع يديه إلى السماء وبثَّ إلى ربِّه كلَّ ما لقي من ألمٍ وظلم "اللهم إليك أشكو ضعفَ قوتي" "وقلةَ حيلتي، وهواني على الناس" "يا أرحمَ الراحمين" "أنت ربُّ المستضعفين" "إلى من تكلني؟" "إلى بعيدٍ يتجهَّمُني" "أم إلى عدوٍّ ملَّكتَه أمري؟" "يا الله!" "إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي" "ولكن عافيتَك هي أوسعُ لي" حتى في مثل تلك اللحظة لم يكن يفكِّر إلا في رضا الله عز وجل لم يجزع بل كان يفتِّش عن التقصير في نفسه فهذه الدنيا هي دارَ ابتلاء وفي كلِّ شدةٍ كان لا يلجأ إلا لله تعالي لقد بلِّغ مقامَ العبودية لله على أكمل وجه وقد جاء في سورة البقرة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" "اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ" "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" وهكذا فعل رسولُ الله ﷺ استعان بالله بالصبر والصلاة فقد كان يعلم أن العونَ هو ثمرةُ الصبر علي المصائب وما إن فرغا من الصلاة حتى لاحظا رجلاً يقف قريباً منهما كان قد أُرسِل من قِبَل صاحبي البستان الذي احتميا فيه ولكن مَن يكونا؟ إنهما أخوان من مكّة: عتبةُ وشيبةُ لقد رأيا ما حدث فرقَّ قلبُهما لرسولِ الله ﷺ فأرسلا غلامَهما عدّاساً بطَبَقٍ من العنب عدّاس، خُذ هذا العنبَ إليهما" تخيَّل حاجةَ رسولِ الله ﷺ إلى ذلك العنب في تلك اللحظة ومع ذلك، لم ينسَ شيئاً واحداً حتى في تلك الحال: المالكَ الحقيقيَّ للبستان والعنب فقال: "بِسْمِ الله" ثم بدأ يأكل فعجب عدّاسٌ من هذه الكلمة وقال: "والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد!" لاحظ رسولُ الله ﷺ دهشتَه وسأله عن اسمه ثم سأله: "ومن أهل أي بلاد أنت يا عداس؟" قال: "أنا رجل من أهل نينوى" فقال رسول الله من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟" فازداد تعجُّب عدّاسٍ وسأل: "وما يدريك ما يونس بن متى؟" فلما رأى بريقَ عينيه، قال النبي ﷺ: "ذلك أخي كان نبيا وأنا نبي" فامتلأ قلبُه نوراً بما رأى وسمع وتيقَّن أن رسولَ الله ﷺ جاء بالدين الحق فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله" "وأشهد أن محمداً رسولُ الله" وفي تلك اللحظة، جعلت هدايةُ ذلك الرجل الواحد رسولَ الله ﷺ ينسى كلَّ ما لاقاه من آلام الطعنَ في عرضه، والسبَّ الذي سمعه وكل العذابَ على طول ذلك الطريق... شهادةُ رجلٍ واحدٍ أطفأت ألامَه في لحظة وكان رسولُ الله ﷺ يقول بعد ذلك: "واللهِ لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً" "خيرٌ لك من حمرِ النَّعم" أي: إنها أعظمُ قيمةً من أثمنِ ثروةٍ في ذلك الزمن وعاد رسولُ الله ﷺ وزيدُ بنُ حارثة إلى مكّة وكان النبي ﷺ غارقاً في التفكير كان يعلم يقيناً أن العودة إلى مكّة لن تكون سهلة وكان واثقاً أن قريشاً إذا سمعت بما حدث في الطائف فلن تزيد إلا ضغطاً وأذى وبينما هو يسير بهذه الخواطر ظهر جبريلُ عليه السلام من بين السحاب وقال: "إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك" "وقد بعث إليك ملك الجبال" "لتأمره بما شئت فيهم" ثم قال مَلَكُ الجبال: "إن شئتَ يا رسولَ الله" "أطبقتُ عليهم الأخشبين" بجمع جبلي أبي قبيس وقعيقعان عليهم لكن النبي ﷺ أجاب: "لا، لا أريد ذلك" "بل أرجو" "أن يخرج الله من أصلابهم" "من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً" والآن، تخيَّل أن تُرجَم بالحجارة مسافةَ كيلومترين ونصفاً ولا تملك أن تفعل شيئاً لو عُرض علينا ما ذكره جبريل فكم منَّا سيستسلم لغضبه ويقبل؟ لكنه كان نبيَّ الإحسان والرحمة ترك ألمَه ورغبتَه في الانتقام جانباً، وبدلاً من ذلك فكّر في احتمال أن يهتدي أهلُ الطائف يوماً إلى الإسلام وإن لم يكن ذلك يقيناً، فكان يكفيه مجرد الأمل وتصف هذه الآية ذلك الجانب من النبي ﷺ وصفاً بليغاً: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" وهكذا لم يترك الله أملَه بلا جواب، ومع الأيام دخل أهلُ الطائف في الإسلام كانت ليلةَ السابع والعشرين من رجب في السنة الحادية عشرة من النبوَّة وكان رسولُ الله ﷺ في بيت ابنةِ عمِّه أمِّ هانئ وبعد كلِّ ما مرَّ به من شدائد كان يحاول أن يستريح ويستعيد قواه لم تكن السنواتُ الإحدى عشرة الماضية سهلةً قط اضطهادٌ، وسبٌّ، وألوانٌ من العذاب وسنواتُ الحصار، وعامُ الحزن، ورحلة الطائف لم يكن له سندٌ إلا الله وفي لحظةِ الوحدة تلك، شعر بذلك أعمقَ ما يكون كان نائماً، لا يدري ما الذي سيقع وكان جبريل قد تلقَّى الأمرَ العظيم وهو في طريقه الآن إلى رسولِ الله ﷺ كانت معجزةٌ من أعظم معجزات تاريخ البشرية على وشك أن تقع حين يكون عبدُه في أشدِّ ساعاته ظلمةً يمنحه الله أعظمَ سكينة أليست هذه سُنَّته دائماً؟ إن مع العسر يُسراً وفجأةً ظهر جبريلُ عليه السلام وأيقظ رسولَ الله ﷺ لكن هذه الزيارة لم تكن كسائر الزيارات كان الله يدعو أحبَّ عبادِه إلى حضرته بعد كلِّ ما تحمَّله من عناء كان النبي ﷺ يُدعى الآن إلى لقاءٍ يطمئنُّ به قلبُه وتسكنُ به نفسُه وأتى جبريلُ عليه السلام بدابّةٍ للرحلة تدعي البُراق ثم أركب عليها النبيَّ ﷺ وكانت الوجهةُ المسجدَ الأقصى حيث عاش مئاتُ الأنبياء من قبل وهكذا بدأت هذه الرحلةُ الفريدة كانت المسافةُ بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام نحو ألفٍ وخمسمائة كيلومتر وكانت مثلُ هذه الرحلة في ذلك الزمان تستغرق شهراً لكنها لم تكن رحلةً عادية فبإذن الله بلغ النبي ﷺ هناك في ثوانٍ معدودة فالله هو مالكُ الزمان والمكان يصرِّفهما كيف يشاء قوانينُ الطبيعة تجري علينا ولا تجري على مَن خلقها و دبِّرها فلما وصل رسولُ الله ﷺ إلى المسجد الأقصى رأى مشهداً مهيباً كان جميعُ الأنبياءِ الذين عاشوا عبر التاريخ حاضرين أمامه فتقدَّم رسولُ الله ﷺ وأمَّ الأنبياءَ جميعاً في الصلاة تخيَّل: كلُّ نبيٍّ قد عاش وفي المقدمة رسولُ الله ﷺ صلَّى بهم ركعتين جماعةً وبذلك تحمَّل مسؤوليةَ أممِ الأنبياء جميعاً وصار هادياً للبشرية إلى يوم القيامة ومنذ أن أيقظه جبريلُ عليه السلام إلى هذا الموضع يُسمَّى ذلك: الإسراء وبهذا انتهى الإسراء وكانت المرحلةُ التالية على وشك أن تبدأ المعراج وضع جبريلُ النبيَّ ﷺ على صخرةٍ تُعرَف بالحجرِ المُعلَّق ومن هناك بدأ الصعودُ إلى السماوات كان رسولُ الله ﷺ سيجتاز السماواتِ السبع وفي كلِّ سماءٍ سيرى مشاهدَ مختلفة ويطالعُ مُلكوتَ الخلق ويشهدُ تجلّيات أسماءِ الله العظيمة وسيلتقى ببعضَ الأنبياءِ الذين كان يسميهم إخوته ويحدثهم ثم يعرج حتى يبلغ سدرة المنتهى وفي النهاية سيُمنَح تشريفاً لم يُمنَحْ لعبدٌ من قبلَه سيعبر إلى عالمٍ آخر، ويلقى بالله عز وجل بنفسه وبينما كنتُ أقرأ عن المعراج في مصادرنا، قلتُ في نفسي: ما أعجبَ ما وقع في تلك الليلة من أحداثٍ ولكن خطرت فكرةٌ أخرى ما عسَى أن يكون شيءٌ من ذلك عسيراً أمام قدرةِ الله؟ لقد بنى السماءَ وزيَّنها بنجومٍ لا تُحصى أكثرَ من حبّات الرمل وهو الذي يُدير الكواكبَ بسرعاتٍ هائلة ومع ذلك، حين يجعل الأرضَ تدور، لا يتناثر ما عليها ولا يَدَعها تصطدم بأيِّ جرمٍ سماويٍّ آخر يخلق نجماً كما يخلق زهرةً في يسرٍ وسهولة ويُبدع في صنعِ الزهرةٍ كما يُبدع في تكوينِ الكوكب وفي كلِّ ربيعٍ، يُحيي الأرضَ بعد موتها ويُبقي ملايينَ الأنواعِ حيَّةً في نظامٍ مُحكمٍ بلا اضطراب ومع كلِّ ذلك، لا يغفل عن أصغرِ حاجةٍ لبرغوثٍ صغير بل يرزقه رزقَه كذلك لا يشغله شأنٌ عن شأن سبحانه يقضي حاجاتِ خلقٍ لا تُحصى في آنٍ واحد فما الذي يمكن أن يكون عسيراً أمام هذه القدرة؟ أيعسُر عليه أن يسري بجسدِ رسولِه المبارك ﷺ في مثل هذه الرحلة؟ كلا، معاذَ الله وأخيراً، بعدما رأى رسولُ الله ﷺ ما رأي وشهد ما شُهِّد رجع ومرةً أخرى، و جبريلَ عليه السلام إلى جواره هبط من السماوات إلى المسجد الحرام ثم إلى فراشه لم يكن رسولُ الله ﷺ قد وجد بعدُ أرضاً جديدةً للإسلام فماذا عساه أن يفعل الآن؟ كانت السنةُ الحاديةَ عشرة من النبوَّة لم يتوقف عن تبليغ رسالته كما لم يتوقف أعداؤه عن عنادهم وضغطهم ثم جاء موسمُ الحج وفي تلك السنة أيضاً، قدم آلافُ الناس إلى مكّة من أنحاء شتى من جزيرة العرب للحج قد تكون هذه فرصةً لرسولِ الله ﷺ كان سيلتقي زعماء القبائل واحداً بعد واحدٍ القادمين إلى مكّة ويدعوهم إلى الإسلام ولن يضيع الله جهدَ رسولِه سيُقدِّر أن يلقى ستةَ رجالٍ مميَّزين لكن إلى ماذا سيؤدي هذا اللقاء؟ سنرى ذلك بعد قليل لكننا الآن ينبغي أن نعلم أن العثور على أولئك الستة لم يكن سهلاً كذلك كان رسولُ الله ﷺ يعمل بلا كللٍ في موسم الحج الذي يستمرُّ قرابةَ شهرٍ كامل كان يدخل خيامَ أكثرَ من عشرِ قبائل، واحدةً تلو الأخرى يعرِّف بنفسه ويشرح رسالته وكان يبحث عن قبيلةٍ تنصر دعوةَ الإسلام وتمنحه موضعَ هجرةٍ وأمان وفي الوقت نفسه، لم يتوقف عن النداء على الناس جهاراً كان يقول: "يا أيها الناس! قولوا: لا إلهَ إلا الله" "تفلحوا!" أينما ذهب، جاء من سمع هذا النداء ليستمع واجتمع الناس من حوله ومع ذلك، لم يُجِبه صوتٌ واحد لم يُسمَع إلا صوتٌ واحد شخصٌ كان يتبعه كظلِّه لكن قصده لم يكن نصرةَ رسولِ الله ﷺ ولا طلبَ الحق كان ينتقل من خيمةٍ إلى خيمة: "إن محمداً قد ترك دينَ آبائه!" "إنه يختلق الأكاذيب!" "لا تُصدِّقوه!" وكان هذا الصوت صوتَ عمِّه أبي لهب وقد صار هدفُ حياته حينئذٍ إنكارَ النبي ﷺ ومحاربةَ الإسلام وقد شاخ، وكان يظن أنه بعد الموت لن يكون شيئاً ومع ذلك كان قد أعمته الكراهية حتى أفنى عمره في هذا الطريق ومن يرى هذا الإصرار لا يملك إلا أن يسأل: إذا كان قد بذل كلَّ هذا الجهد لقضيةٍ باطلة فكم أبذل أنا من الجهد لدينِ الله وهو الحقُّ المبين؟ كان بعضُ زعماءِ القبائل يزدري النبيَّ ﷺ وبعضُهم لم يكن يريد ترك طريق آبائه وآخرون كانوا يخافون أن يحرِّضوا قبائلَ أخرى عليهم كلُّ خيمةٍ دخلها كانت تعطيه جواباً سلبياً لكنه لم يفقد الأمل بل كان ينتقل إلى الخيمة التالية ومن بين القبائل كلِّها كان أقربُها إلى القبول بنو شيبانَ بنِ ثعلبة فلما تلا عليهم رسولُ الله ﷺ آياتٍ من القرآن تأثر أحدُ زعمائهم "واللهِ يا أخا قريش!" "لقد دعوتَ إلى مكارمِ الأخلاق وأحسنِ الأعمال" "لقد افترى عليك من كذَّبك وعاندك" ثم قال زعيمٌ آخر: "يا أخا قريش!" "لقد سمعتُ ما قلتَ فصدَّقته" هذه الكلماتُ جعلت رسولَ الله ﷺ يشعر بسعادة عظيمة هل وجد أخيراً داراً جديدةً للإسلام؟ أكانت الآلامُ كلها ستنتهي لكن زعيماً آخر تكلَّم فقال: "إنني أرى أن تركَ ديننا" "واتباعَ ما تدعونا إليه من غير نظرٍ في عواقب الأمر" "ليس إلا ضعفَ رأيٍ وخطأً" "وسفهاً، ثم هو في نهاية الأمر قِصرُ نظر" فلما قال ذلك، تغيَّرت آراءُ بقية الزعماء كذلك وضاعت على بني شيبان فرصةُ أن يكونوا الأرضَ التي ينتشر فيها الإسلام ولم يكونوا يعلمون أن هذا الدين لا يحمله إلى الأمام من يزن الربحَ والخسارة بل يحمله من كان مستعداً للتضحية ومنذ ذلك اليوم، كان الأمر يمضي على هذا النحو فالذين فازوا السعادة في الدنيا والآخرة هم الذين كانوا على استعدادٍ للبذل والتضحية ومع ذلك، ظلَّ صابراً وفي كلِّ مرةٍ يذهب فيها لتبليغ هذا النداء كان بعضُ الناس يستحسنون قوله، لكنهم يقولون: "سنأتي في العام القادم" "وسوف نبايعك حينئذ" كانوا يؤجِّلون أعظمَ قضيةٍ في الكون الغايةَ التي خُلقوا لأجلها: الإيمانَ بالله ورسولِه ومع مرور الوقت، كانت تفترُ هممُهم ويزول اهتمامُهم ثم يتركون أمرَ البيعة وبعضُهم لم يعش حتى يدرك العامَ التالي لقد دفعوا ثمناً باهظاً لتأخيرهم وبالنسبة لبعضهم، لم تكن هناك عودة ومع مضيِّ الأيام على ذلك الحال أخذ موسمُ الحج يشارف على نهايته لكن رسولَ الله ﷺ لم يجد بعدُ ما كان يرجوه غير أن كلَّ شتاءٍ يعقبه ربيع، ولكل ليلٍ صباح وفي يومٍ ما، لقي ستةَ فتيانٍ في موضعٍ يُقال له العقبة سألهم أولاً: من أنتم؟ قال الفتيان: "نحن من قبيلة الخزرج" وكانت هذه القبيلة إحدى القبيلتين الكبيرتين في المدينة التي كانت تُعرَف يومئذٍ بيثرب سألهم رسولُ الله ﷺ: "أأنتم جيرانٌ لليهود وحلفاؤهم؟" قالوا: "نعم" فقال النبي ﷺ: "أفلا تجلسون فنكلِّمكم قليلاً؟" فوافقوا، فجلسوا جميعاً فتلا رسولُ الله ﷺ عليهم آياتٍ من القرآن ودعاهم إلى توحيدِ الله وإلى الإسلام وكانت دعوته تبدو مألوفةً بالنسبة لهم تذكَّروا انه في خصوماتهم مع اليهود كان اليهود دائماً ما يذكرون النبيِّ الخاتم الذي سيتبعونه إذا جاء وبذلك يغلبون العرب فأدرك الفتيان الستة أن النبيَّ الخاتم قائمٌ أمامهم وقال بعضُهم لبعض: "واللهِ إنه النبيُّ الذي كانت اليهود تُحدِّثنا عنه" "لا ينبغي أن يسبقونا إليه" ففي الحال، أمام رسولِ الله ﷺ، نطقوا بالشهادة أسعدُ بنُ زرارة، وعوفُ بنُ الحارث ورافعُ بنُ مالك وقُطبةُ بنُ عامر وعُقبةُ بنُ عامر وجابرُ بنُ عبدِ الله رضي الله عنهم جميعاً ومن بين عشرات الخيام وآلاف الناس لم يكن إلا هؤلاء الفتيان الستة فكانوا أولَ من أسلم من أهل المدينة وكما بدأ الأمر في مكّة، كذلك في المدينة ستنتشر هذه الدعوةُ أولاً على أيدي الشباب وطلب الفتيان من رسولِ الله ﷺ الإذنَ أن يرجعوا إلى يثرب، إلى المدينة ويدعوا قومَهم إلى الإسلام و وعدوا النبي أن يلتقوا به بعد عامٍ واحد ثم مضوا إلى يثرب فلما رجعوا إلى مدينتهم لم يعد المؤمنون ستةَ أفرادٍ فقط بل صاروا ستَّ بيوت لأن أهلَهم أسلموا أيضاً بعدما سمعوا الدعوة وبدؤوا يغرسون بذورَ الإيمان في قلوبِ غيرهم ويوماً بعد يومٍ أخذ عددُ المؤمنين يزداد حتى إنه قبل أن ينقضي العام، كانت بيوتٍ كثيرة تتحدَّث عن الإسلام والآن جاء وقتُ اللقاء وفّى فتيانُ يثرب بوعدهم وعادوا إلى مكّة و هذه المرة كانوا اثني عشر لكن هل هذا كلُّ من آمن في عامٍ واحد لا، كان هناك آخرون وفي ليلةٍ، اجتمعوا سِرّاً برسولِ الله ﷺ في شِعْبٍ ضيِّقٍ يُقال له العقبة وكان ذلك في السنة الثانية عشرة من النبوَّة وفي ذلك اللقاء التاريخي، أخذ رسولُ الله ﷺ بيعتَهم على ستةِ أصول: "لا نُشرك بالله شيئاً" "ولا نسرق" "ولا نزني" "ولا نقتل أولادنا" "ولا نأتي ببهتان" "ولا نعصي في معروف" ثم عادوا بعد هذه البيعة إلى يثرب لكنهم كانوا يحتاجون إلى رجلٍ معلِّمٍ لا يكتفي بتلاوة القرآن وشرحه لهم بل يعلِّمهم أيضاً آدابَ الإسلام وأحكامه فاستجاب رسولُ الله ﷺ لطلبهم واختار مُصعبَ بنَ عُميرٍ ليبعثه إلى يثرب كان مُصعبٌ معروفاً بذكائه، ولينِ خُلُقه، ورقَّةِ قلبه وفصاحته وحُسنِ بيانه وكان سيؤدي مهمةَ الدعوة إلى الإسلام بأكمل وجه فلما قدم المدينة، نزل في بيتِ أسعدَ بنِ زرارة فصار ذلك البيتُ سريعاً مركزاً للإسلام في المدينة وبكلماته اللطيفة وخطابه البليغ كان يشرح الإسلام لمن يقصده فتأثر كثيرٌ ممن سمعوا بهذه الدعوة، فدخلوا في الإسلام غير أن الأمر لم يكن كذلك عند الجميع فكما كان هناك من أحبَّ ذلك، كان هناك من كرهه أيضاً وفي يومٍ من الأيام، كان مُصعبٌ وأَسعدٌ جالسين عند بئرٍ يشرحان الإسلام لبعض الناس فانزعج أحدُ زعماءِ الأوس مما رأى من فضولٍ على وجوه الفتيان و الأوسُ هي إحدى القبيلتين الكبيرتين في المدينة وكان زعيمُ إحدى بطونها سعدَ بنَ معاذ فاتفق هو وصديقُه المقرَّب أُسيدُ بنُ حُضيرٍ على أن يتحرَّكا وكانا في غاية الغضب فأخذ أُسيدٌ رمحَه، وشدَّ قبضته عليه، ثم انطلق إليهما وصاح "لِمَ جئتم إلينا؟" "تُسفِّهان ضعفاءَنا؟" "اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة" لكن مُصعباً أبدى سكينةً ووقاراً عجيبين وقال: "تمهَّل قليلاً" "اجلس واسمع منا، وافهم مقصدَنا" "فإن أحببتَ ما تسمع فاقبلْه" "وإن كرهته كففنا عنك" لم يكن أُسيدٌ يتوقع مثل هذا الجواب فترك هيئةَ المقاتل وقال: "أنصفت" ثم جلس وبدأ مُصعبٌ يشرح الإسلام، وتلا شيئاً من آيات القرآن وفي ذلك اليوم، اقتنع أُسيدٌ اقتناعاً تاماً فنطق بالشهادة ودخل في الإسلام ومن ذاق حلاوةَ الإيمان لا يطيق أن يكتمها بل يحب أن ينقلها إلى غيره فقال أُسيدٌ: "دعني أذهب فأبعث إليكما رجلاً" "فإن آمن هو أيضاً، فلن يبقى في هذه الأرض أحدٌ إلا آمن" كان في القرآن من النور ما يجعل كثيراً ممن جاءوا غضاباً يعودون بالطمأنينة فرجع أُسيدٌ إلى سعدِ بنِ معاذ لكنه لم يخبره أنه أسلم لأنه لو قال: "لقد آمنتُ" لغضب سعدٌ وربما اشتدَّ في ردِّه بل قال له: اذهب أنت فكلمهما بنفسك وبهذه الطريقة ذهب سعد إلى مُصعب فلما جاء إلى مُصعبٍ وأَسعدٍ قال: "يا أَسعد! لولا ما بيننا من قرابةٍ ورحم" "ما كنتُ لأحتمل" الذي أدخلتَه على قبيلتنا من أمرٍ مُشين" وبنفس السكينة دعاه مُصعبٌ إلى أن يجلس ويسمع ويحاول فهم الكلام فوافق سعدٌ، وجلس، وبدأ يستمع فشرح مُصعبٌ ما هو الإسلام وتحدث عن محاسن هذا الدين الذي جاء به نبي الله ﷺ وتلا عليه أوائلَ سورة الزخرف فتأثر سعدٌ كذلك تأثراً شديداً بحقائق القرآن لم يسمع مثل هذا الكلام من قبل فسأل: "ماذا أفعل لأدخل في هذا الدين؟" فشرح مُصعبٌ أصولَ الإسلام وآدابه وفي الحال، سعدٌ بن معاذ، سيدُ الأوس نطق بالشهادة وأسلم ثم انطلق مباشرةً إلى قومه فجمعهم وقال: "كيف تعلمون أمري فيكم" "أنت سيدُنا، وأفضلُنا رأياً، وأيمنُنا نقيبة" "فإن كلامَ رجالكم ونسائكم عليَّ حرامٌ" "حتى تؤمنوا بالله ورسوله" وعند ذلك أسلم بنو عبدِ الأشهل جميعاً "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسولُ الله" "لا إله إلا الله، محمد رسولُ الله" إلا رجلاً واحداً والذي أسلم بعد ذلك أيضاً وبإسلام هؤلاء الأعيان من أهل التأثير قويت دعوةُ الإسلام بشكل كبير وصار الإسلام يُتحدَّث عنه في يثرب في بيوتٍ كثيرة وفي نهاية ذلك العام قدم مُصعبُ بنُ عُميرٍ إلى مكّة ومعه خمسةٌ وسبعون مسلماً ليُخبر النبيَّ ﷺ بما جدَّ من أمر المدينة وليؤدوا الحج ولكي لا يلفتوا الأنظار ذهب مُصعبُ بنُ عُميرٍ أولاً وحده للقاء النبي ﷺ وأخبره كيف ينتشر الإسلام في يثرب ثم اتفقوا على اللقاء ليلاً عند العقبة لكن رسولُ الله ﷺ أوصاه بوصيةٍ واحدة: من نام في الوقت المحدَّد فلا يُوقَظ ومن تأخر فلا يُنتظَر لأنه من لم يستطع أن يضحي بليلةِ نومٍ واحدة فليس من أهل ذلك الاجتماع اذن هل نام اي أحدٌ منهم أو تأخر؟ كلا كان الخمسةُ والسبعون كلُّهم حاضرين في الموعد دون استثناء وجاء رسولُ الله ﷺ ومعه عمُّه العباس ولم يكن قد أسلم بعد لكنه لم يُرِد أن يذهب ابنَ أخيه وحده فخاطب العباسُ أهلَ المدينة وقال: "لقد آمنتم به وصدَّقتم ما جاء به" "وأظنُّكم تعلمون أنكم تحملون حملاً ثقيلاً" "حملاً شاقّاً، ومسؤوليةً عظيمة" "فهل تقدرون على حمايته من أعدائه؟" "وهل تملكون الثبات أمام العرب جميعاً" "الذين سيقبلون عليكم كسهامٍ انطلقت من قوسٍ واحد؟" "إن وجدتم في أنفسكم هذه القوة" "فليس لي بعد هذا كلام" "وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد خروجه إليكم" "فمن الآن فدعوه" "فإنه في عزٍّ ومنعةٍ من قومه وبلده" وأعلن قائدُ المسلمين من أهل المدينة، أسعدُ بنُ زرارة ولاءَه لرسولِ الله ﷺ وقال إن الدين الذي دُعوا إليه عسيرٌ حقاً لكنهم قبلوه، وسيحمون رسولَ الله ﷺ مهما كان ثم قال: "يا رسولَ الله" "خذ منا لنفسك ما شئت من البيعة" "واشترط لربِّك ما شئت" فعند ذلك تلا رسولُ الله ﷺ آياتٍ، ثم قال: "أشترط لربي" "أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً" "وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة" "وأشترط لنفسي أن تشهدوا أني رسولُ الله" "وأن تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسَكم وأبناءَكم ونساءَكم" عندها سأل عبدُ الله بنُ رواحة: "يا رسولَ الله ﷺ! فما لنا" "إن فعلنا ذلك؟" فقال رسولُ الله ﷺ: "الجنة" جنةٌ خالدةٌ عِوضَ أن يعيش المرء ستين أو سبعين سنةً ضمن حدود الإسلام تلك هي أعظمُ صفقةٍ وأربحُ تجارةٍ يمكن أن يربحها أحد امتلأت قلوبُهم فرحاً وشجاعةً فقالوا: "ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل" ولبقية حياتهم بقوا على عهدهم هذا ورأى رسولُ الله ﷺ أبوابَ مدينةٍ تُفتَح يمكنه فيها أن ينشر الإسلام بحريةٍ أكبر كانت هذه بداية رحلةٍ عظيمة ولم يبقَ إلا انتظارُ الإذن الإلهي بالخروج من مكّة وكان ذلك الإذنُ وشيكاً و ستبدأ الرحلةُ المباركة التي كانت نقطةَ تحوُّلٍ في تاريخ الإسلام وما سيُلاقى فيها من شدائد وما سيُخاض فيها من جهادٍ بشجاعة وما سيُصبر عليه من ابتلاءاتٍ بإيمانٍ شديد سنشهد رحلةً تحمل كلُّ خطوةٍ فيها دروساً لا تُقدَّر بثمن وكلُّ ذلك في الحلقة القادمة فترقَّبوا
رُجم النبي لمسافة ميلين في الطائف تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 4 58:58

رُجم النبي لمسافة ميلين في الطائف تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 4

Towards Eternity

2.7M مشاهدة · 3 months ago

اضطر النبي محمد إلى مغادرة مكة تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 5 54:18

اضطر النبي محمد إلى مغادرة مكة تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 5

Towards Eternity - العربية

94.8K مشاهدة · 2 weeks ago

غزوة بدر الكلمات الأخيرة لأبي جهل تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 6 52:09

غزوة بدر الكلمات الأخيرة لأبي جهل تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 6

Towards Eternity - العربية

175.7K مشاهدة · 2 weeks ago

استشهاد حمزة رضي الله عنه غزوة أحد تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 7 53:18

استشهاد حمزة رضي الله عنه غزوة أحد تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 7

Towards Eternity - العربية

29.6K مشاهدة · 13 days ago

اليهود يحاولون تسميم النبي غزوة ​​خيبر الملحمية تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 9 58:17

اليهود يحاولون تسميم النبي غزوة ​​خيبر الملحمية تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 9

Towards Eternity - العربية

147.2K مشاهدة · 8 days ago

حمزة وعمر يُسلمان تصوير بالذكاء الاصطناعي يا رسول الحلقة 3 45:24

حمزة وعمر يُسلمان تصوير بالذكاء الاصطناعي يا رسول الحلقة 3

Towards Eternity - العربية

34.5K مشاهدة · 2 weeks ago

غزوة الخندق مبارزة ملحمية بين علي رضي الله عنه تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 8 55:40

غزوة الخندق مبارزة ملحمية بين علي رضي الله عنه تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 8

Towards Eternity - العربية

191.2K مشاهدة · 10 days ago

تصاعد التوتر في مكة المكرمة – الذكاء الاصطناعي يصوّر أصعب أيام الإسلام يا رسول الله الحلقة 2 46:17

تصاعد التوتر في مكة المكرمة – الذكاء الاصطناعي يصوّر أصعب أيام الإسلام يا رسول الله الحلقة 2

Towards Eternity - العربية

57.7K مشاهدة · 3 weeks ago

أصعب أيام الإسلام تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 2 46:17

أصعب أيام الإسلام تصوير الذكاء الاصطناعي يا رسول الله الحلقة 2

Towards Eternity

3.1M مشاهدة · 3 months ago

الذكاء الاصطناعي يصور رحلة الإسراء والمعراج وماذا رأى النبي ﷺ في السموات السبع والجنة والنار 9:34

الذكاء الاصطناعي يصور رحلة الإسراء والمعراج وماذا رأى النبي ﷺ في السموات السبع والجنة والنار

Muslim Stories

302.5K مشاهدة · 1 year ago

أول مسلسل بتقنية الذكاء الاصطناعي يُصوّر حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الحلقة 1 58:43

أول مسلسل بتقنية الذكاء الاصطناعي يُصوّر حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الحلقة 1

Towards Eternity - العربية

229.2K مشاهدة · 3 weeks ago

حمزة وعمر يُسلمان تصوير بالذكاء الاصطناعي يا رسول الحلقة 3 45:24

حمزة وعمر يُسلمان تصوير بالذكاء الاصطناعي يا رسول الحلقة 3

Towards Eternity

2.9M مشاهدة · 3 months ago

ماذا لو عاش النبي محمد ﷺ في عصرنا اليوم الذكاء الاصطناعي يعيد تصور حياته 24:12

ماذا لو عاش النبي محمد ﷺ في عصرنا اليوم الذكاء الاصطناعي يعيد تصور حياته

AI - رحلة الإيمان

330 مشاهدة · 3 weeks ago

سيرة النبي محمد أول سلسلة مصورة بتقنية الذكاء الاصطناعي في العالم يا رسول الله الحلقة 1 58:43

سيرة النبي محمد أول سلسلة مصورة بتقنية الذكاء الاصطناعي في العالم يا رسول الله الحلقة 1

Towards Eternity

13.1M مشاهدة · 3 months ago

يا رسول الله أضخم إنتاج مرئي للسيرة النبوية بالذكاء الاصطناعي الحلقة ١ 2:27

يا رسول الله أضخم إنتاج مرئي للسيرة النبوية بالذكاء الاصطناعي الحلقة ١

مآثر الإسلام

638 مشاهدة · 2 months ago