فلنفرض أن الوقت ليًلا وأنت في البيت وحدك على وشك أن تغفو، وتبدأ ذلك الحلم برقائق الذرة، وفجأة تسمع طرًقا على الباب. فجأة تستيقظ وتشعر بأن قلبك على وشك أن ينفجر، وتقفز لتهرع إلى الباب الخلفي وربما تأخذ مفًكا معك وتطعن به في الظلام حتى ينغرز في شيء. سواًء كان ملاًكا نائًحا أو جارك يريد أن يستعير علبة فاصولياء، فهذا لا يهم، لأنك عندما سمعت ذلك الضجيج المفاجىء، أطلق دماغك الجافل إعصاًرا ثلجًيا من المواد الكيمياوية. وكل ما يدور في عقلك الآن، كرغبتك في الفرار ورغبتك في الدفاع عن نفسك، وذلك الجدل داخل نفسك بشأن ما إن كانت التماثيل النائحة حقيقية أساًسا، و"لا! أين القطة؟" كل ذلك؟ كلها نتيجة لتلك المواد الكيميائية. أدمغتنا وأجهزتنا العصبية والمواد التي تنتجها وتنغمر فيها دائًما هي أجهزة متنوعة معقدة جًدا. ورغم أننا نتحدث دائًما عن أنشطتنا العقلية كأنها منفصلة عن الأمور البيولوجية التي تحدث في أجسامنا، إّلا أن الحقيقة أن المزاج والأفكار والدوافع التي تعبر أدمعتنا تحدث بسبب حالتنا البيولوجية. كما يحب علماء النفس القول: "كل شيء نفسي هو بيولوجي". إذن، إحدى الطرق لنفهم كيف يعمل العقل هي بدراسة كيف تؤثر كيميائية أجسامنا على طريقتنا في التفكير والإحساس والشعور بالعالم من حولنا. ولنفعل ذلك، نبدأ بأبسط مستوى، الجهاز الذي فيه أصغر الأجزاء، الأمر كله يتعلق بالعصبونات. العصبونات، أو الخلايا العصبية هي العناصر الأساسية التي تكّون أجهزتنا العصبية. الخلايا العصبية لها البنية ذاتها كبقية الخلايا، لكن لديها سحر كهروكيميائي يتيح لها نقل الرسائل لبعضها البعض. دماغنا وحده مكون من مليارات الخلايا العصبية، ولنفهم لم نفكر أو نحلم أو نفعل أي شيء، يجب أن نفهم أوًلا كيف تعمل هذه الناقلات الصغيرة. هناك عدة أنواع مختلفة من الخلايا العصبية في أجسامنا، من خلايا لا يتجاوز طولها ميليمتر في الدماغ، إلى خلايا تمتد على طول الساق. نعم، لديكم خلايا بطول سيقانكم وهذا لا شيء مقارنًة بالستة وأربعين متًرا التي كانت عليها خلايا بعض الديناصورات بالتأكيد، أنا أخرج عن الموضوع، أعتذر! مهما كان حجم العصب، فكلها تتكون من ثلاثة أجزاء أساسية: البدن والتغصنات والمحوار. البدن، أو جسد الخلية هو باختصار الداعم لحياة الخلية العصبية، ويحتوي على كل عمل الخلية الضروري مثل النواة والحمض النووي والمتقدرات و الريبوسومات وغيرها. لذا، إذا مات البدن، تموت الخلية العصبية كلها معه. والتغصنات، ولها زوائد وفروع مثل الأشجار التي ُسميت تيمًنا بها، تتلقى الرسائل والأقاويل من الخلايا الأخرى. إنها المنصتة، حيث تنقل ما تسمعه إلى البدن. والمحوار هو المتكلة. وهذا الحبل الطويل الشبيه بالأسلاك ينقل الإشارات الكهربائية من الخلية العصبية إلى خلايا عصبية وغدد وعضلات أخرى. وفي حين أن التغصنات قصيرة وكثيفة، فإن نسيج المحور العصبي طويل وتبًعا لنوع الخلية العصبية يكون مغلًفا أحياًنا بطبقة واقية من الأنسجة الدهنية ُتسمى "الغمد المياليني". إنها تشبه سلًكا كهربائًيا معزوًلا إلى حد ما، فالغمد المياليني يسّرع نقل الرسائل، وإذا تآكل كما يحدث للمصابين بالتصلب المتعدد، تتدهور هذه الإشارات أيًضا مؤديًة في النهاية إلى انعدام التحكم بالعضلات. تنقل الخلايا العصبية الإشارات إما عندما تتحفز بواسطة الدخل الحسي، أو عندما تنبهها خلايا عصبية مجاورة. تلتقط التغصنات الإشارة وتفّعل جهد الفعل في الخلية العصبية أو الدوافع القوية التي تطلق شحنة كهربائية نحو المحوار إلى نقاط استقباله ونحو الخلايا العصبية المجاورة. ُتسمى نقاط الاتصال بين الخلايا العصبية بالمشابك. كل تلك المتغصنات الصغيرة مزينة بالمشابك العصبية القريبة جًدا من المحور المجاور من دون ملامسته، كما لو كانت أصغر لعبة "لن ألمسك!" في العالم. فهي تبعد عن بعضها أقل من جزء من المليون من الإنش. وذلك الشق المجهري ُيسمى الفلح المشبكي. إذن، عندما يصل جهد فعل إلى نهاية محوار يشّغل الرسل الكيميائية التي تقفز عن ذلك الفلح المشبكي الصغير، وتطير كُقبلة في الهواء وتهبط على مواقع الاستقبال للخلية العصبية المتلقية. تلك الرسل هي الناقلات العصبية. رغم أن الناقلات العصبية تصل إلى مستقِبلاتها الصحيحة بدقة إّلا أنها لا تظل مرتبطة بالخلية العصبية المتلقية. إنها فقط تظهر، وبعد أن تثير أو تثبط الخلية العصبية المستقِبلة، ُيعاد امتصاص الفائض فوًرا بواسطة الخلايا العصبية التي أطلقتها في المقام الأول في عملية ُتسمى "الاسترداد". كتلك المزحة، "خذ هذا...". إذن، تتواصل الخلايا العصبية مع الناقلات العصبية التي بدورها تسبب العواطف، وهي تساعدنا في التحرك ورقص الجاز والتعلم والشعور والتذكر والبقاء متنبهين والشعور بالنعاس وفعل كل ما نفعله. بعضها ُتشعرنا بالسعادة مثل الإندورفين الذي يتدفق في أجسامنا بعد الجري 16 كيلومتًرا أو الوقوع في الحب أو أكل فطيرة لذيذة. لدينا أكثر من مئة نوع مختلف من هذه الناقلات العصبية الرائعة، بعضها استثاري وبعضها مثبط، وكلها تذّكرنا أن كل شيء نفسي هو أيًضا بيولوجي. الناقلات العصبية الاستثارية تنشط الخلية العصبية وتزيد بهذا احتمالات إطلاقها جهد فعل. لعلكم تعرفون النورابيرفرين، وهو يساعد على التحكم في اليقظة والتنبه. الغلوتاميت، ناقل عصبي آخر مرتبط بالذاكرة، لكن الكثير منه قد يؤثر على الدماغ ويسبب الصرع والشقيقة، ولهذا السبب، بعض الناس لديهم حساسية من الـ"إم إس جي"، أو غلوتاميت أحادية الصوديوم في طعامهم. الناقلات العصبية المثبطة من جهة أخرى تهدىء الأعصاب وتقلل احتمال أن تقوم الخلية العصبية بجهد. غاما، أو حمض غاما أمينوبوتيريك من الناقلات العصبية المثبطة الرئيسية، وربما سمعتم بالسيراتونين الذي يؤثر على المزاج والجوع والنوم. انخفاض كمية السيراتونين يرتبط بالاكتئاب، ونوع معين من مضادات الاكتئاب يساعد في رفع معد السيراتونين في الدماغ. بعض الناقلات العصبية مثل الأستيل كولين والدوبامين تؤدي الوظيفتين، حيث يمكنهما استثارة او تثبيط الخلايا العصبية اعتماًدا على نوع المستقبلات التي تواجهها. الأسيتل كولين يمّكن حركة العضلات ويؤثر على التعلم والذاكرة، فمرضى الزهايمر يحدث لديهم تدهور في الخلايا العصبية المنتجة للأستيل كولين. بينما يرتبط الدوبامين بالتعلم والحركة والعواطف السارة، وإفراز كميات مفرطة منه يسبب الفصام والإدمان والسلوك الاندفاعي. بعض الناقلات العصبية هي أساًسا رسل الجهاز العصبي. لكنها ليست الرسل الكيميائية الوحيدة التي تنقل الأخبار، فهناك منافسة لها في جهاز الغدد الصماء. وإن كنتم مررتم بمرحلة البلوغ فأنتم تعرفون عم أتحدث، الهرمونات. والهرمونات مثل الناقلات العصبية، تؤثر على الدماغ، وفي الحقيقة، بعضها مماثلة كيميائًيا لبعض الناقلات العصبية. تؤثر الهرمونات على مزاجنا واستثارة مشاعرنا وإيفاع حياتنا اليومي، وتنظم عملية الأيض في أجسامنا وتراقب جهازنا المناعي وتعطي مؤشًرا على نمونا وتساعد في التكاثر الجنسي. يمكن القول إن معظمها يلخص أساسيات الحياة، الجاذبية والشهية والعدوانية. بينما الخلايا العصبية والمشابك تتنشط وتتثبط مرسلًة رسائل بسرعة مذهلة، يحب جهاز الغدد الصماء التريث، حيث يوصل اتصالات الجسم الكيميائية البطيئة عبر مجموعة من الغدد التي تفرز الهرمونات في مجرى الدم حيث ُتنقل إلى أنسجة أخرى، خاصة الدماغ. إذن، مع أن الجهازين العصبي والغدد الصماء متشابهان من ناحية أن كليهما يفرزان مواًدا كيميائية لتصل إلى مستقِبلات معينة، إّلا أنهما يعملان بسرعتين مختلفتين. مثًلا، لو أراد الجهاز العصبي الاتصال بك، فسيرسل لك رسالة نصية، لكن لو أراد جهاز الغدد الصماء إرسال رسالة فسوف يلعق الطابع ثم يلصقه عليها ثم يكتب عنوانك وملاحظة وقلم وورقة ثم يطويها ثم يرسلها إليك مع مكتب البريد. لكن السرعة ليست أفضل دائًما، وسيتذكر جسمنا تلك الرسالة لوقت أطول من الرسالة النصية. الهرمونات تبقى لوقت أطول. وهذا يساعد في تفسير لم يتطلب الأمر بعض الوقت لنهدأ بعد لحظة من الخوف أو الغضب الشديدين. ولجهاز الغدد الصماء بضع غدد مهمة تفرز الهرمونات. فلدينا غدتان كظريتان فوق الكليتين تفرزان الأدرينالين، الهرمون الشهير الذي يحدد هل ستهرب أو تقاتل، ويرفع معدل ضربات القلب وضغط الدم ومعدل السكر، ويمنحك تلك الموجة من الطاقة التي تجهزك إما للهرب بسرعة أو لككم ذلك القرد الذي يهاجمك على حنجرته. البنكرياس يقح بجانب الغدة الكظرية ويفرز هرمونّي الأنسولين والغلوكاغون اللذين يراقبان امتصاص الجسم للسكر، الذي هو المصدر الرئيسي للوقود في جسمك. الغدة الدرقية والغدة الدريقية في أسفل الحنجرة تفرزان هرمونات تنظم عملية الأيض وتراقب معدلات الكالسيوم في الجسم. وإن كان لشخص خصيتان، فهما تفرزان الهرمونات الجنسية كالأستروجين والتستوستيرون، وإن كان له مبيضان فهما تقومان بالعمل أيًضا. كل تلك الغدد مهمة جًدا، لكن هناك غدة واحدة تتفوق عليها كلها، وتربطها في الظلام، إنها الغدة النخامية. رغم أنها صغيرة جًدا مخبئة عميًقا في تجويف أسفل الدماغ، إّلا أنها الغدة الأكثر نفوًذا في هذا الجهاز. فهي تطلق هرمون نمو حيوي يحفز التطور البدني، وهرمون الحب، الأوكسيتوسين الذي يشجع مشاعر الثقة والروابط الاجتماعية الدافئة الغامضة. ما يجعل الغدة النخامية الغدة الرئيسة هو أن إفرازاتها تتحكم بالغدد الصماء الأخرى، لكن حتى الغدة النخامية لها سيد في منطقة تحت المهاد في الدماغ، والتي سنتحدث عنها أكثر في الحلقة القادمة. إذن... إذا استطعت إخافتكم فأنا آسف، لكني أوّضح نقطة. نحن لا نتحكم بالشعور بالخوف لكن ربما تفهمون الآن بشكل أوضح كيف يعمل الجهازان العصبي والغدد الصماء مًعا لاتخاذا القرارات. أوًلا، الاستيعاب الحسي من أعينكم وآذانكم وصل إلى أدمغتكم، الأجزاء الأبسط من منطقة تحت المهاد، دون أن تتيح لكم الفرصة للتحليل جعلتكم تشعرون بالخوف فوًرا، ثم انتقل ذلك عبر المراحل المتسلسلة من الغدة النخامية إلى الغدتين الكظريتين إلى هرمون الأدرينالين إلى بقية أجسامكم ثم عاد إلى دماغكم، الذي أدرك عندئٍذ أنني كنت أمازحكم وأخبر كل شيء بأن يهدأ. المسألة كلها عبارة عن حلقة تغذية مرتدة: الجهاز العصبي يوجه جهاز الغدد الصماء الذي يوجه الجهاز العصبي، دماغ، غدة، هرمون، دماغ. وبالطبع، لكل جهاز من هذه الأجهزة معقد على نحو مذهل، أكثر مما يمكننا التحدث عنه هنا. في درسنا التالي، سنتحدث عن الدماغ وننقب أعمق في أجزاء الجهاز العصبي المختلفة ونعرف ما حقيقة الدماغ ونعرف كم من نستخدم من دماغنا. حتى ذلك الوقت، شكًرا لمتابعتكم هذا الدرس من كراش كورس في علم النفس، الذي قدمه إليكم زين آيس الذي يريد تبليع التحية لصديقه هاريسون، شكًرا لك يا زين. إذا أردت أن ترعى حلقة وتبلغ تحيتك لأحد، يمكنك معرفة المزيد عن ذلك وعن مزايا أخرى متوفرة للمشتركين معنا من سابابل، فقط زوروا subbable.com/crashcourse. كتب هذه الحلقة كاثرين ييل وحررها بليك دي باستينو ومستشارنا هو دكتور رانجيت باغوات. الحلقة من إخراج ومونتاج نيكولاس جينكنز. مشرف النص هو مايكل إراندا وهو أيًضا مصمم الصوت، وفريق الرسومات هو Thought Cafe.
1:07:13
Brain Chemicals 101 How Neurotransmitters Shape Your Mood Mind and Health
Pulse Rundown
5 مشاهدة · 12 days ago
53:33
Your Brain Whos in Control Full Documentary NOVA PBS
NOVA PBS Official
10.7M مشاهدة · 3 years ago
14:18
Neurotransmitters
Neuroscientifically Challenged
200.9K مشاهدة · 1 year ago
2:09:01
Optimize Control Your Brain Chemistry to Improve Health Performance Huberman Lab Podcast
Andrew Huberman
607.9K مشاهدة · 3 years ago
7:53
Brain Chemistry and Neurotransmitters How Brain Chemicals Affect Your Mood Energy