كيف تصنع المعجزة الدحيح

كيف تصنع المعجزة الدحيح

النص الكامل للفيديو

خطّي يا "رامي". إيه دا؟! انت عارف اسمي؟! إيه يا ابني؟ أنا أعرف عنك حاجات كتير. أنا جاي لحضرتك من آخر الدنيا، في رحلة استغرقت 3 أيام من "نيو كايرو". إلا قولّي يا "رامي"... إيه اللي جابك المشوار دا كله؟ طب اشمعنى بقى ما عرفتش دي؟! لأ، أنا عارف، بس بأختبرك. طب قول أول حرفين. ولا، انجز ياه! أنا يعني سمعت إن حضرتك من أصحاب الكرامات، وأنا، زي ما حضرتك شايف، ما عنديش كرامة! آه، هو بداية أنا مش شايف، بس واضح. إيه المطلوب؟ كنت عايز أعرف، هل حضرتك تقدر تروح بلد تانية في لمح البصر؟ أو تبقى في مكانين في نفس الوقت؟ طبعًا يا "رامي"... دُول اللي بيسمّوهم "أهل الخطوة"، دي حالة ومقام من التأمل الـ... طب بُص، أنا كنت عايز أجيب جزمة من "دبي"، وما فيش حد نازل قريب، وفيه حفلة طرش الـWeekend اللي جاي. يعني، انت عايزني... أخطّي لـ"دبي"... عشان أجيبلك جزمة؟! آه! عندك حق، عندك حق! مش مستاهلة المشوار. أقولّك، عندي فكرة، ممكن أطلب كذا حاجة تانية، عشان تملا الـContainer. يا حبيبي... الخطوة دي ما أقدرش أستخدمها غير في أغراض محددة، أغراض نبيلة، أخدم ناس محتاجين، أو أفك ضيقة. طب ولو قُلتلك... أبويا، الله يرحمه... وعد أخويا الصغير بالجزمة دي... قبل ما يموت في حادثة عربية، وهو بيعمل عُمرة! أبوك الله يرحمه؟! وأعتقد ما فيش خدمة أسمى... من إنك تطيّب خاطر طفل يتيم... مش كدا، ولّا إيه؟ خُد يا ابني الجزمة، وفرّح أخوك اليتيم. اللهم صلِّ على النبي! اللهم صلِّ على النبي! أنا مش عارف أقولّك إيه! ما تقولش حاجة، أنا بأعمل الخير لأجل الخير. لأ، أنا بجد مش عارف أقولّك إيه، لأن مش هو دا اللون اللي أنا عايزه! أو اللي أخويا اليتيم الصغير كان نِفسه فيه. هل فيه استبدال للخطوة؟ احنا لينا 14 يوم، على فكرة! والله يا ابني، لو على الخطوة، فما فيش مشكلة، المشكلة إني نسيت الـReceipt! يلّا، كويس إني جبتها من "براندز فور ليس"! أعزائي المشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا بكم في حلقة جديدة، من برنامج "الدحّيح"! "(أبو حميد)، أني قلقان من الحلقة دي ومن اسم الحلقة دي! شايفك بتطلّع مجدافين، وهتجدّف!" عزيزي، أرجوك، احترم سياق الحلقة، احنا هنا، يا عزيزي، بنتكلم على المعجزات بصيغة الـParanormal، الخارق للعادة، فيه عادة، حاجة بتحصل بشكل يومي، متكررة، بنشوفها، مصدقينها، متعايشين معاها، بننظم يومنا على أساسها، وفيه حاجة بتخرق هذه العادة، دا المقصود، هه. احنا بنتكلم على الوصف اللغوي للمعجزة، وليس الوصف الديني، وأقسملكم بالله، أي حد هيقتطعني من سياقي، هأقتطعه من سياقه! هأمسكه من سياقه كدا، أقتطعه! ولو سمحت يا أستاذ يا اللي بترد على "الدحّيح"، حُطّلي صورة حلوة، ما تحطينيش وأنا بأعمل كداهو! يبقى انت وشك 1080، بيبرُق، وأنا وشي باهت جنبك، مهزوز! أهو، اقتطع دلوقتي! اقتطع، يلّا! عزيزي، تخيل معايا المشهد التالي، انت ماشي في الشارع، والجو جميل، فجأة، البرق بينوّر السما، والرعد بصوته المرعب بيخرم ودانك، والمطرة بتنزل سيول، سيول، سيول! أول حاجة، يا عزيزي، بتعملها، هو إن انت تشوف مكان تستخبى، لأنك متعلم وعارف كويس إن صاعقة البرق لو عترت فيك، هتبخرك! ولكن، يا عزيزي، لو رجعنا لزمن القرن العاشر، وتحديدًا "إسكندنافيا"، هتلاقي إن الفايكينج لمّا بيحصلّهم برق، بيبصوا للسما، وبيهللوا، البرق عندهم مش زيك، ظاهرة طبيعية كدا وخلاص، دا ببساطة هو إلههم الحامي "ثور"، اللي بيحرك مطرقته "ميلونير"، وبيمطر أعداءه بصواعق البرق، ويمكن، يا عزيزي، تحس إن دُول ناس مجانين. نروح، يا عزيزي، لـ"اليونان" القديمة، نشوف "أفروديت"... "أفروديت" يا لا! لو طلعت على "اليونان" في أزمنة أبعد، هتلاقيهم بيقولوا نفس الكلام، نفس التفسير، الفرق هنا إن البرق مش سلاح "ثور"، ولكنه في الحالة دي سلاح "زيوس"، كبير الآلهة. لو رُحت "الهند"، هتلاقي إن البرق سلاح "إندرا"، "إندرا" دا يبقى إله العواصف الهندوسي. البشر، يا عزيزي، اعتبروا البرق معجزة، معجزة بتدل على وجود كائنات عملاقة بتحارب بعض، في عالم احنا مش مستوعبين وجوده! ورغم، يا عزيزي، إن التفسيرات دي فضلت مع الوقت تقِلّ، تقِلّ، تقِلّ، إلا إن البرق هيفضل ظاهرة ما لهاش تفسير، لحد القرن الـ18، لمّا هيلاحظ المخترع "بنيامين فرانكلين" إن البرق في لونه وطقطقته وشرارته، شبه اكتشاف جديد قالب العالم الوقت دا، اكتشاف اسمه الكهربا، وقتها، يا عزيزي، الكهربا كانت اكتشاف العلماء بيوظفوه في تجارب محدودة، بسيطة، زي اللي بيعمله "عبد الله عنان"، حاجات كدا... Wow! "ولّعت في حمام سباحة، Wow!" تجارب ممتعة على الكهربا الساكنة. مثلًا، تيجي تحك الكهرمان في الصوف، تلاقيه لزق، البلونة تدعكها، تلاقيها لزقت، تحك القلم في شعرك، تبقى صياد ورق أد الدنيا! المشكلة، يا عزيزي، في التشبيهة بتاعة "فرانكلين"، "بنيامين فرانكلين" دي، إن دي مجرد افتراضية، اللي انت بتقوله: "أنا حاسس إن البرق دا بيتصرف زي الكهربا." "طب يا (أبو حميد) ما سهلة، قالّك الجَمَل طلِع نخلة، آدي الجَمَل، وآدي النخلة، يثبتلهم، يورّيهم." يا عزيزي، الإثبات دا مش سهل خالص، هيجرب على إيه؟ صاعقة البرق الواحدة قوتها 300 مليون فولت، هيقفش أمها ازاي؟! "فرانكلين"، يا عزيزي، هيبدأ يجرب على حاجة بسيطة، هيلاقي مثلًا إن في تجربة إبرة حديد قادرة توصّل كهربا بعيد عن كُرة معدنية مشحونة، وبينما الفايكينج من آلاف السنين كانوا بيتخيلوا "ثور" وهو بيشوّحلي بالمطرقة عشان يعمل برق، فـ"فرانكلين" هيقف زيه زي "ثور" بالظبط، ولكنه المرادي مش هيحركلي مطرقة أو شاكوش أو أي حاجة، وإنما هيطيّر طيارة ورق، طيارة توصل للسُحُب وقت البرق، ويكون رابط فيها مفتاح معدني، بحيث المفتاح المعدني دا يجذب شحنات الكهربا، لو هي كهربا فعلًا، الكهربا، زي ما قُلنا، يفترض وجودها في البرق، ما لسة ما نعرفش البرق دا كهربا ولّا لأ. وأول ما بدأ التجربة، وحس بالشحنة الكهربية، اتأكدت نظريته على طول، البرق ما هو إلا كهربا. "فرانكلين"، يا عزيزي، هيقدّم للعالم مانع الصواعق، Lightning Rods، قضيب حديدي طويل بيتحط فوق المباني، بيعمل حاجة عبقرية جدًا، بيمتص الكهربا من السحب، وبيمنع البرق إنه يوصل للأرض، فيكهربها ويدمر الدنيا! "فرانكلين"، يا عزيزي، مش مشهور بس باختراعاته... "(أبو حميد)، مش دا (بنيامين فرانكلين) اللي هو واحد من مؤسسين (الولايات المتحدة الأمريكية)؟ ولّا دا تشابه أسماء، زي الكابتن (هاني رمزي) والفنان (هاني رمزي)؟" لأ، يا عزيزي، احنا بنتكلم عن نفس الشخص. "بنيامين فرانكلين" في نفس هذا الوقت كان مشهور باعتباره واحد من الآباء المؤسسين لـ"الولايات المتحدة الأمريكية"، ودا هيخلّي الملك البريطاني مقلق من استخدام الاختراع بتاعه، لأن "بنيامين فرانكلين" على الورق كدا متمرد على التاج البريطاني. خلّيني أقولّك، يا عزيزي، معلومة كدا على جنب، إن الأسطول البريطاني في الحروب النابليونية، خسرله بتاع 220 سفينة، ما ماتوش، يا عزيزي، في الحرب، ماتوا متكهربين! خسر السفن بصعقات البرق، خسروا السفن بتاعتهم، لأنهم كانوا خايفين يستعملوا اختراع واحد أمريكي متمرد عليهم. مش محتاج أقولّك، يا عزيزي، إن اختراع "فرانكلين" هيغزو العالم كله، وهيكون بداية فهم ظاهرة مخيفة فضلت لفترة طويلة معجزة، الناس فاكراها معجزة، حاجة خارقة للعادة، اللي هي البرق، "فرانكلين" جه قالّنا: "البرق يا جماعة اللي انتم بتشوفوه دا، ومستغربين هو بييجي ليه، وبيبقى بالقوة دي ازاي، حاجة عادية جدًا، دا كهربا." الناس لقت لمّا جربوا الاختراع بتاعه إنه بالفعل بيحميهم وبيحمي مبانيهم. "ثانية واحدة يا (أبو حميد)، معقولة فكرة زي دي تحتاج قرون، عشان نوصل للقرن الـ18 في زمن حديث، عشان نجربها فيه؟!" الحقيقة، يا عزيزي، الإنسان من ساعة ما جه على الأرض، وهو عمره ما بطّل يجرب، عايش عمّال يفعّص في الكوكب، بس أحيانًا عشان يجرب، بيكون الموضوع أصعب وأكبر منه كإنسان يعني، ظاهرة زي البرق، زي ما قُلتلك، فولتاتها عالية، قوية، كبيرة، مدمرة، فهنا، التعبير الأول اللي بيطلع، بيبقى المعجزة، باعتبارها تفسير قادر يطمن الإنسان، "يا إنسان، ما تقلقش، دي حاجة نقدر نتنبأ بيها ونتوقعها، بل وكمان، نحمي نفسنا منها." على حسب كلام البيولوجي "ديفيد بالتيمور"، الحائز على جائزة "نوبل"، فالعِلم هو إن انت توصل لنتايج، ولكن لو ما وصلتش بقى لفهم معيّن لظاهرة معيّنة، فدا مش معناه إنها خارقة للطبيعة، أو إنها معجزة، معناه إن انت لسة فهمك محدود للنتايج اللي قُدّامك، دايمًا فيه تفسير لكل حاجة، حتى لو انت لسة ما وصلتلهوش، وانت كإنسان يجب أن تكون متواضع، إن انت تدرك دا. طبعًا، يا عزيزي، دا يبدو كلام عبقري جدًا في هذا العصر، لكن الإنسان في العصور القديمة ما كانش حائز على "نوبل"، وإنما تاريخيًا كان بيواجه ظواهر مرعبة زي البرق كدا، ممكن تـ...! - "إيه؟!" - تـ...! عمك الإنسان القديم كان قاعد في الغابة بتاعته، لا بيه ولا عليه، قُدّامه طبق البُقسماط، بيتابع "القاهرة والناس"، فجأة، تجيله صاعقة من السما، تحرقله المدينة بالكامل، برق عشوائي قادر إنه يبخر غابة كاملة! هنا، الإنسان القديم لو ما فكرش في البرق دا، باعتباره جزء من سلاح كيان عاقل أكبر منه بيحرسه، هنا، الإنسان ممكن يتجنن! لو دي مش مطرقة "ثور"، أمّال دا يبقى إيه؟! عشان كدا، المعجزة كانت بتسدّ فراغات كتير، في فهمنا للعالم، لحد ما تظهر تجربة تشرحهالنا. لو فكرنا في أبسط عنصر، زي النار مثلًا، هنلاقي إن البشر قابلوها من مليون ونُص سنة في "أفريقيا"، ولكنهم غالبًا قابلوها باعتبارها معجزة أسطورية، قادرة تدمر وتبيد أي حاجة قُدّامها، زي تصوُّر مثلًا الرومان عن إلههم إله النار "فولكان"، اللي كان حدّاد شاطر قادر إنه يسيطر على النار، ويعمل منها أسلحة، كأنه بيعبّر عن حلم البشر وبيجسّده، حلم السيطرة على قوة كونية، صعب جدًا التعامل معاها. النار، يا عزيزي، حاجة موجودة من تقريبًا مليون وُنص سنة، خلّيني أقولّك إن أقرب مصدر مُسجَّل لامتى البشر قرروا إن هما يولّدوا نار بنفسهم عن طريق إن هما يحكّوا، بيرجع لحوالي 40 ألف سنة، بينما بقى تجربة البشر في التحكم بالنار، عشان يستخدموها مثلًا في حاجة زي الإضاءة مثلًا، الحاجات بقى اللي زي الشوي، وإننا نخوّف الحيوانات المفترسة، إن احنا نولعلهم نار بالليل كدا، الكلام دا كله بيرجع لـ7000 سنة بس. شايف، يا عزيزي، الفروقات؟ من اكتشاف الظاهرة، لتفسيرها، للتحكم فيها! احنا هنا قُدّام عنصر واحد بس، احتاج لآلاف السنين. انت، يا عزيزي، لو عايز ترجع بالزمن، وتحكُم العالم القديم، مش محتاج غير ولّاعة سخّان! "بس يا (أبو حميد)، احنا كدا أمام عنصر واحد بس، البشر، ما تآخذنيش، لو مشيوا بهذه الوتيرة وهذا المعدّل، كان زمانهم محتاجين آلاف السنين عشان يكتشفوا كل حاجة حواليهم!" عزيزي، كلامك صح، عشان كدا، في القرن الـ17، هتحصل حاجة هتغيّر المعادلة دي بالكامل. "(أبو حميد)، اكتشاف جديد؟ ولّا اختراع ثوري؟" الاتنين، يا عزيزي، هيتم اكتشاف منهج جديد وثوري. لو رُحنا، يا عزيزي، لـ"أوروبا" في القرن الـ16، وسألنا على كُتُب الـBest Sellers مش هنلاقيها كُتُب الخرافات أو الأساطير، ولا إصدارات "المؤسسة العربية الحديثة"، وإنما هنلاقي كُتُب علمية بيقدّم أصحابها رؤية جديدة للعالَم والظواهر اللي بتحصل فيه، رؤية، يا عزيزي، أساسها التجربة، الـExperimentation، تجربة بتقيس وبتفحص وبتدعبس، دي نظرية الدعبسة! يبقى الظاهرة طبيعية كدا، في حالها، لازم ندعبس فيها، دي المنهجية العلمية، منهجية الدعبسة! الدعبسة مش بس بتمتد على العالم المادي، ولكن الدعبسة كمان بتطول الأفكار القديمة السابقة، عندك مثلًا، واحدة من أهم كُتُب الـBest Sellers دي، كتاب حول دوران الأجرام السماوية، كتاب طلع سنة 1543، مؤلفه، يا عزيزي، هو "كوبرنيكوس". دا، يا عزيزي، الراجل اللي صدم البشر، وقام قايل لـ"الأرض": "انتي فاكرة نفسك مركز الكون؟ فوقي يا موهومة!" الراجل دا اكتشف إن "الأرض" بتدور، واحنا بندور معاها حوالين الشمس، هنا، يا عزيزي، البشر اتصدموا في إحساسهم إن هما مش مركز الكون! كمان، عندنا كتاب "الكيميائي المتشكك "روبرت بويل"، الراجل دا، يا عزيزي، كسّر الخرافات الخيميائية القديمة، زي مثلًا إن انت تقدر تحول المعادن الرخيصة للمعادن النفيسة، عشان يظهرلنا العلم الكيميائي الحديث، العِلم القائم على التجربة، الـExperimentation، الدعبسة. عندنا كتاب تالت مهم، كتاب التشريح لـ"أندرياس فيسالياس"، اللي بدل ما يقولّك: "عم (جالينوس) على راسنا، نسمع كلامه." قالّك: "لا، لا، لا، احنا هنروح ندعبس في الجثث." قرر إنه يشرّح شغل اللي سبقوه، الراجل، يا عزيزي، شمّر ومد إيده وبدأ يمارس التشريح، والجثة هي اللي تتكلم، مش الماضي، فبقت، يا عزيزي، الجثث هي اللي تتكلم، بس بطريقة طبيعية، مش بطريقة خارقة للطبيعة، ما بقتش تتكلم بالمعجزة، بقت تتكلم عن طريق المشرط. شايف البلاغة يا عزيزي؟ "الله أكبر عليك يا (أبو حميد)! إيه البلاغة دي؟! ياه! يعني، انت قصدك إن الجثة أكثر حكمة من الماضي؟! آه! يا أخي، أبو (الفرزدق) على أبو (جرير) يا أخي! إيه البلاغة دي يا (أبو حميد)؟!" بفضل تجربة "فيسالياس"، البشرية هتوصل لاكتشاف الدورة الدموية، على إيد "ويليام هارفي"، كمان، هنفهم جسمنا أصلًا بيشتغل ازاي. "طب يا (أبو حميد)، انت بلسانك قُلت إن الناس من زمان وهي بتجرب وبتدعبس، اشمعنى يعني تجارب الناس دي هي اللي انتشرت أوي كدا؟!" الانتشار دا له سبب وجيه جدًا، يا عزيزي، الكتب دي هتظهر في ظل اختراع ثوري، اختراع بيُنسَبله الفضل الأول في ما يُعرف بـ"الثورة العلمية"، الثورة اللي غزت "أوروبا" من أول القرن الـ15. عزيزي المشاهد، اسمحلي أقدّملك المطبعة، مطبعة "جوتنبيرج"، حبيبتك، اللي بفضلها ما بقاش فيه سُلطة بعينها بتحكُم إيه الأفكار اللي يتم نقاشها، وإيه الأفكار اللي تنتشر، وإيه الأفكار اللي يتم احتكارها، وإيه الأفكار اللي لها خصوصية، لأ، دا، يا عزيزي، كان بمثابة الـ"فيسبوك"، أي حد يقدر يقول رأيه، ما فيش ناشر، ما فيش محرر، ما فيش سُلطة، فالكتب، يا عزيزي، زي الـ"فيسبوك" دلوقتي يعني، عشان أقربهالك يعني، زمان، كانت جهات معيّنة بس هي اللي بتعمل. الكتب دي، يا عزيزي، مع انتشارها كتاب ورا التاني، عمّالة تعمل صدمات للمجتمع، خُدلك صدمة معرفية في الفَلَك، "بوكسين" وعي في الأحياء، شلوتين إدراك في الكيميا! هنا، يا عزيزي، كان واضح إن هناك فكر جديد بيتم تشكيله، وطريقة جديدة تظهر بتحل محل طريقتنا القديمة اللي كنا بنبص بيها للعالم، طريقة هتغيّر نظرتنا لنفسنا وللعالم. الكتاب، يا عزيزي، وهو محور هذه الحلقة، اللي بيوصف هذا التغيير، وبيشرح ليه الكتب دي انتشرت وعملت الضجة الكبيرة دي، كان كتاب فريد من نوعه، اسمحلي، يا عزيزي، أقدملك كتاب الـ"(أورجانوم) الجديد"، للفيلسوف البريطاني "فرانسيس بيكون"، الكتاب، يا عزيزي، اللي ظهر سنة 1620. "طب يا (أبو حميد)، أستاذ (فرانسيس بيكون) دا اخترع إيه؟ ولّا اكتشف إيه؟!" الحقيقة، يا عزيزي، إن الكتاب دا ما فيهوش أي اختراعات معيّنة، ولا جاي يعملّك أي صدمات جديدة، أهميته جاية، يا عزيزي، من إنه بيشرح طريقة التفكير الجديدة، جاي يعرّف الناس ليه نموذج "كوبرنيكوس" كان صادم، وليه الخيمياء خذلتنا، ومش هنقدر نحوّل التراب لدهب، وليه الفكرة مهما كانت سائدة ومنتشرة، مش بالضرورة تكون صحيحة، والأفكار الصحيحة مش بالضرورة تكون منتشرة. لو ركّزنا، يا عزيزي، في اسم الكتاب، هنلاقي الـOrganom دي كلمة معناها الأداء أو الآلة، دي كلمة إغريقية من أيام "أرسطو"، أطلقوها على كُتُب علم المنطق بتاعته، لأن المنطق عند "أرسطو" هو أداة العقل، الـTool بتاعة الـBrain، "أرسطو" كان بيعتبر العقل هو الحَكَم المُطلَق، الحَكَم اللي بنحكُم بيه على كل القضايا، كان بيشوف إن العقل قاضي، والمطرقة اللي في إيده هي المنطق. "بلاغة تاني دي يا (أبو حميد)، هه! (أبو حميد)، انت بلغت كتير النهاردة أوي!" لسة تاني، فيه بلاغة جاية! "ما شاء الله يا (أبو حميد)! بقيت شاطر في البلاغة، عقبال الأدب!" "أرسطو"، يا عزيزي، قالّك إن احنا هنبص في العالم اللي حوالينا بالعقل والمنطق، ونفسر بيهم كل الظواهر، هنستخدم المنطق، عشان نحسبها بالعقل. طب مش عايز يا عم "أرسطو" تجرب؟ نجيب حتة من العالم كدا، ونقعد نقسّمها ونلعب فيها، وندعبس ونشوف؟ "أرسطو" يقولّك: "لأ، مش محتاجين نجرب، لأن أصلًا التجربة هتكون صحيحة بس على العينة على اللي معانا، اللي هنجرب عليها. احنا إيش عرفنا إن الحقيقة اللي هنطلع بيها من التجربة دي، صالحة في كل مكان وكل زمان؟" يعني، أنا لو اكتشفت إن التفاحة بتقع في المكان دا، إيش ضمنّي إنها تقع في "أمريكا"، إيش ضمنّي إنها لمّا تبقى برتقالة، هتقع برضه؟ ما هو دا اللي التجربة بتبيّنه. "أنا، كعم (أرسطو)، بأستخدم العقل والمنطق، الحاجات اللي هتضمنلي إن دا هيفضل مستمر مدى الحياة في أي مكان." دا، يا عزيزي، اسمه... أو بالعربية، "الاستنباط". عمك "أرسطو" كان شايف إن طالما التجربة مش صالحة لأي مكان وأي زمان، إذًا التجربة ما لهاش لازمة، "مش معنى إن كل اللي شُفتهم بِجاع بيضا، إن ما فيش بجعة سودا، ما تقدرش تحسمهالي! لكن بالمنطق، أقدر أضمن إن الـ2 هتفضل أكتر من الـ1. بالمنطق، الكل أكتر من الجزء. بالمنطق، العين ما تعلاش عن الحاجب." لأ، دا بالتجربة، بصراحة! العقل بس، كان شايف إن العقل بس هو اللي بيوصّلنا لكل حاجة. بصراحة، يا عزيزي، ما نقدرش نختلف إن "أرسطو" كان عنده حق، ما فيش معانا ما يضمن إن نتايج التجارب اللي بتتعمل النهاردة في المكان دا، نقدر نعممها، المشكلة، يا عزيزي، إن هو حطلنا شرط قاسي أوي بتفكيره دا، يعني، آه، كلامك صح 100%، بس ممكن ناخد 50%، ونبقى كويسين برضه. مش عشان أحمي نفسي من الخطأ، ما أعرفش إيه ممكن يبقى صح. باستبعاد التجارب، أنا كدا هأعرف حقايق بسيطة جدًا، شوية حقايق بديهية ومنطقية عن العالم، معرفتي هتفضل محدودة! دا، يا عزيزي، الكلام اللي قاله "فرانسيس بيكون" بعد "أرسطو" بييجي 2000 سنة، "فرانسيس بيكون" قام قايلّه: "يا جماعة، انتم خسرانين إيه؟! ما تجرب يا أخي! جرب وشوف! انت يعني كنت (أحمد السويدي) وفلّست؟! ما تجرب! حتى لو ما فيش ما يضمن إن النتيجة ينفع تتعمم. خلّينا نطلّع نتايج، وبعد كدا نشوف، هنعممها ولّا هنخصخصها! بعد كدا، هنكتشف استثناءات وثغرات، ويمكن نعدّلها." اللي بيحصل، يا عزيزي، إن بعد سيادة منطق "أرسطو" أكتر من 2000 سنة، بييجي منطق جديد، تفكير جديد، طريقة مختلفة للتعامل مع الحقيقة، وما يُمكن أن يكون حقيقة، دا، يا عزيزي، ما يُعرف بالمنهج العلمي، وأنا هأزوّد من عندي، المنهج العلمي التجريبي، لغات! "بيكون" مثلًا هيكون من أوائل الناس اللي استخدموا كلمة Electric، وكل اللي كان يقصده بيها... فاكر لمّا كانت الناس بتجرب تحكّ الكهرمان في الصوف، فيلزق، بالرغم من إن الكهربا كظاهرة هي أعقد من كدا، بس التجارب في وقته كانت بسيطة، فضلت مع الوقت تتطور بالتدريج، واحدة واحدة، One By One، هو دا، يا عزيزي، اللي كان يقصده "فرانسيس بيكون"، نمشي ورا التجربة، ولو ظهرت حاجة جديدة، نجرب من جديد. "ياه يا (أبو حميد)! هو دا المنهج العلمي؟!" بالظبط، يا عزيزي، هو دا المنهج العلمي. "يا نهار أسود! يعني الموضوع كان محتاج كل الكتب والدعاية، والثورة الصناعية والثورة الكتابية والثورة العلمية، وجايبين المكوة، ونكوي الـ(تي- شيرتات)، ونحط مصادر، عشان تقولّي إن التجربة خير دليل للمعلومة؟! مين اللي هيشكك في العلم يا أخويا؟! دا حتى المعمل بتاع العلوم اسمه (معمل التجارب)." عندك حق، يا عزيزي. بس انت، خُد بالك، بتقول كلامك دا في القرن الـ21، واقف على برجك العاجي، بتبص على البشرية من تحت، وبتنظّر، شايف العِلم وشايف إنجازات العِلم، بتستخدم ChatGPT، بتطير بالطيارة، بتعمل مكالمات Skype مع واحد يبعد عنك آلاف الأميال، عمّال ترجّعني وتقدّمني، وتغير في سرعتي، وما فتحتش بُقّي! احنا في عصر العلم الحديث. بس أنا بأكلمك عن القرن الـ16، المنهج العلمي وقتها كان لسة مجرد اقتراح! طريقة تفكير جديدة، طرح، لسة مش عارفين هتؤدي لإيه، لسة العِلم ما كانش باين إنجازاته. لكن "فرانسيس بيكون" كان بيدّعي إن طريقته الجديدة في التفكير هتعمل معجزات، ولكن نوع مختلف من المعجزات، نوع جديد. "فرانسيس بيكون"، يا عزيزي، قالّك: "خُد، تعالى هنا يا إنسان، تعالى... نقول تاني؟ نقول تاني. "لا يُمكن أن تأمر الطبيعة، إلا إذا أطعتها." يعني إيه؟ يعني، لا يُمكن السيطرة على الطبيعة، إلا بفهمها. يعني إيه؟ يعني، يا عزيزي، أي كلام عن خوارق الطبيعة، من غير ما نفهم قوانين الطبيعة، هو كلام استثنائي، معجزات غير قابلة للتكرار، ما أقدرش كمجتمعات بشرية أعمل حسابي على دا. اقتراح "بيكون" كان إننا ممكن نعمل معجزات أو خلّينا نقول عليها Breakthroughs، اختراقات قابلة للتكرار، ودا عن طريق السيطرة على الطبيعة، خُد مثلًا عندك إن حد يمشي على الميّه أو يطير في الهوا، دي حاجات الإنسان آمن إنها ممكن تحصل في العصور الوسطى، حتى لو دا حصل قُدّام عينك، فانت مش هتعرف تكررها! هنا، يا عزيزي، "بيكون" بيقولّك إن دي معجزة ما تفيدش غير صاحبها، ممكن يبقى ليها معنى أو مدلول، ولكنها غير قابلة للتكرار، هنا، فهم قوانين الطبيعة مهم، لأنه ممكن يخلّينا في يوم نطير في الهوا، ويخلّينا في يوم نمشي على الميّه، لو بدأنا نفكر ازاي نستخدم القوانين دي في الوصول للهدف دا. تاني، يا عزيزي، دا قبل اختراع الطيارة والغواصة، والمحركات بجميع أنواعها، الكلام دا بالنسبالنا كان جديد وثوري وقتها. إنسان العصور الوسطى كانت الطبيعة عنده مرادف للقسوة والعشوائية وغياب النظام، انت، بسم الله، ما شاء الله، دلوقتي بقيت عارف قوانين الطبيعة، والأرصاد الجوية قادرة تعمل تنبؤات على بُكرة وبعده، ويمكن كمان بعد شهر، ما عرفناش كل حاجة عن الطبيعة، بس بنحاول نفهمها، بخطوات، بمحاولات، بتجارب، بدعبسة. "فرانسيس بيكون"، يا عزيزي، كتابه لمّا نزل، كسّر الدنيا، الـ"(أورجانوم) الجديد"، بسم الله، ما شاء الله، كان بيتخطف خطف، "بيكون" بدأ يلمس تقبل الناس لأفكاره الجديدة، لدرجة إنه بدأ يكتب ويحضّر لمشروع جديد. "ياه يا (أبو حميد)! أكيد هييجي بالـ(أورجانوم) اللي أجدد من الجديد، صح؟!" لأ، يا عزيزي، هيعمل رواية. "مش المفروض يا (أبو حميد) إن هو بقاله فترة بيحاول يقولّنا نتخلص من التفكير الخرافي والخيال وكدا، ونركّز في الواقع ونجربه وندعبس فيه؟! إيه اللي خلّاه يقلب تجاري فجأة؟!" يا عزيزي، دي ليست رواية خيالية خالص، دي رواية "بيكون" بيتصور فيها مجتمع تخيلي، مجتمع بيتبنى المنهجية العلمية. "آه يا (أبو حميد)، انت تقصد زي كدا ما (أفلاطون) عمل كدا في (المدينة الفاضلة)." الله! إيه الحلاوة دي؟! أنا مش مصدّق نفسي! الدكتور "زكي نجيب محمود" بيتفرج على برنامج "الدحّيح"! أيوة، يا عزيزي، بالظبط، زي "المدينة الفاضلة" لـ"أفلاطون". "بيكون" بيسمي روايته "(أطلانتس) الجديدة"، وبيتصور إنها مدينة خيالية شبه قارة "أطلانتس" المفقودة، مدينة ممكن تتوجد في الحقيقة، وتتشكل باستمرار الاكتشافات، نفضل نستكشف حاجات أكتر، فنبنيها، وكمان، بتبني منهجه التجريبي في العِلم. "بيكون" كان بيتخيل المجتمع الاكتشافات العلمية اللي فيه ما بتحصلش بالصُدفة، ولكن عن طريق مؤسسات دورها في الأساس البحث العلمي. في الوقت دا، يا عزيزي، الجامعات كانت مجرد تجميعة للأفكار والنصوص القديمة، لم يكن هناك بحث علمي، العلماء المميزين كانوا بيشتغلوا بشكل فردي، نادرًا ما حد بيدعمهم، فين وفين لمّا يطلع رجُل دولة مستنير، تاجر مستنير، أي راجل مستنير يدعمه! دا غير إن منطق "أرسطو" نفسه كان مسيطر، والسيطرة دي نادرًا ما كانت بتنتج أي معرفة جديدة، زي ما شرحتلك. أما بقى فكرة المؤسسات العلمية اللي بتعتمد على التجريب، وواخدة منه منهج علمي، ما كانتش موجودة، ولكن "بيكون" تخيلها، واتخيل طريقة شغلها وتعاون المؤسسات العلمية والعلماء من كل جنسيات العالم، عشان ينتجوا هذه المعرفة، بهدف إنتاج المعرفة، المعرفة اللي هتكون عالمية، لأنها بنت التجربة، التجربة اللي بتحسّن من نفسها كل مرة، التجربة، اللي المفروض يعني، إنها ما بتشوفش لا هويات ولا "جندرات" ولا "أيديولجيات" ولا أجندات، المفروض يعني! التجربة المفروض إنها تدّينا خبر صادق عن الطبيعة، بصرف النظر عن أفكارها السابقة. للأسف، يا عزيزي، "فرانسيس بيكون" بيموت، قبل ما يكمّل روايته، وطبعًا قبل ما يشوف علمه في مجتمع حديث قبل ما يطبق المنهج العلمي. أفكار "بيكون"، يا عزيزي، ما بيعطّلهاش الموت، برغم إن رواية "(أطلانتس) الجديدة" مش كاملة، إلا إنها بتتنشر، وبتنجح نجاح كبير، والناس بتقبل أكتر على أفكار "بيكون". بعد، يا عزيزي، وفاة "بيكون" بفترة قصيرة، بدأت واحدة من بنات أفكاره تخرج للنور. "لوحدها يا (أبو حميد)؟!" لأ، يا عزيزي، اطمن، ما تقلقش، كانت خارجة مع إرهاصات وعي. "يا (أبو حميد)، خلاص، طالما خارجة مع صاحبتها، تمام! انت عارف، الأنا الأعلى بتقفش!" المهم، يا عزيزي، بنات أفكار "فرانسيس بيكون" بتخرج للنور، أفكار "فرانسيس بيكون" بتنتشر وبتوصل للناس، لمّا مجموعة من العلماء الإنجليز المتأثرين بأفكاره، أسسوا مع بعض أول وأشهر جمعية علمية، "الجمعية المَلَكية" في "لندن"، جمعية مبادئها العلمية هي التجريب والملاحظة، كطريقة لإنتاج معرفة علمية جديدة، "احنا مش هنجمّع نصوص قديمة، ولا هنعيد إنتاج معرفة قديمة، عايزين معارف جديدة يا بيه!" طبعًا، دي أفكار "فرانسيس بيكون". واحد من الأعضاء المؤسسين للجمعية اللي هو واحد من أشهر علماء الكيميا في القرن الـ17، عمك "روبرت بويل"، اللي نشر كتاب "الكيميائي المتشكك" اللي قُلتلك عنه، قال في بداية كتابه إنه مدين لـ"فرانسيس بيكون"، وأفكاره اللي ساعدته إنه يطور فهمه للكيميا، "جون ويلكينز"، وهو فيلسوف ورجُل دين كبير، كان أول سكرتير للجمعية المَلَكية، وكان مؤمن جدًا بالتعاون بين العلماء من جميع الجنسيات، الكلام اللي نادى بيه "فرانسيس بيكون" لازم البشرية تتحد، عشان تعمل عِلم مع بعض، علماء من كل الجنسيات هدفهم سلام "الأرض". "(أبو حميد)، ما تآخذنيش، عندي سؤال ليك، (مستر بيكون) دا كان متخصص في إيه؟! معلش يعني، عمّال يتكلم في العِلم رايح وجاي، هل هو عالم؟ هل هو كيميائي؟ هل هو فيزيائي؟ ولّا هو راجل دين؟" عزيزي، خلّيني أقولّك المفاجأة، "فرانسيس بيكون" لم يكن متخصص في أي حاجة من الحاجات دي، زيي كدا، هو مجرد شخص بسيط، بينتقد الأفكار ويشتبك معاها، وبيقترح أفكار جديدة لتحسين المعرفة الإنسانية. وبرغم إنه مش متخصص، إلا إن علماء كتير في مجالات مختلفة، استفادوا كتير من طريقته. وفي الجلسات الأولى للجمعية الملكية، تمت الإشارة لكتاب "فرانسيس بيكون" الـ"(أورجانوم) الجديد" باعتباره دليل ومرشد لتوجهات الجمعية العلمية، "دا الدستور بتاعنا." بل إن خطاب افتتاح الجمعية الملكية استخدم نفس لغة ومصطلحات "بيكون"، اللي كانت بتدور حوالين فكرة السيطرة على الطبيعة، من خلال فهم قوانينها، الجمعية كمان بَنِت مختبرات علمية وتجريبية مستوحاة من مدينة "بيكون" الخيالية، "أطلانتس" الجديدة. حلم "بيكون" اتجسد بعد سنين من وفاته، هنا، يا عزيزي، هناك سؤال مهم، إيه اللي حصل قبل "فرانسيس بيكون"، وبعد "فرانسيس بيكون"؟ الراجل دا عمل إيه في الناس؟ عمل إيه في المجتمعات؟ عمل إيه في الإنسانية؟ من بعد، يا عزيزي، ظهور "فرانسيس بيكون"، ظهرت المؤسسات، الميزة اللي هتحول منهج "فرانسيس بيكون" لثقافة كاملة، ثقافة بتحكم المجتمع العلمي. "طب ودا يا (أبو حميد) كان مهم في وقته؟!" طبعًا، يا عزيزي، كان مهم. ما أنا خلّيني أفاجأك للمرة التانية، وأقولّك ببساطة، إن المنهج التجريبي ليس فكرة جديدة، ولا "فرانسيس بيكون" هو اللي مخترعها، الفكرة نفسها ظهرت قبل "بيكون" بقرون، ولكن بشكل فردي، وليس مؤسسي. بنشوف مثلًا حد زي "الحسن بن الهيثم" اتكلم عنها، قبل "بيكون" بكام؟ بـ600 سنة. "الحسن بن الهيثم" كان استثناء في عصره، استخدم حاجة مثلًا زي المنهج التجريبي، اللي اتكلمنا عنه، في علم البصريات، وأسّس لأهم مبادئه. تاني، يا عزيزي، قبل "بيكون" بـ600 سنة. للأسف، يا عزيزي، فكرة "الحسن بن الهيثم" ما كملتش من بعده، ودا ليه؟ بسبب غياب المؤسسات. مشكلة المؤسسات العلمية القديمة إنها فضلت مجرد مراكز للبحث عن نصوص وترجمتها وإعادة شرحها، زي مثلًا "بيت الحكمة" في "بغداد"، اللي كان موجود في القرن التامن والتاسع والعاشر، وجامعات العصور الوسطى في "أوروبا"، جامعات زي جامعة "بولونيا" و"باريس" و"أكسفورد"، في القرون اللي بين 12 و15، جامعات ومراكز كانت مهمة في وقتها، وقدّمت برامج لتدريس الفلسفة والعلوم، ولكن الطريقة كانت الاعتماد على النصوص، وليس إجراء التجارب، وبمنطق أرسطي، وليس بالمنهج العلمي. الحقيقة، يا عزيزي، إن "فرانسيس بيكون" كان حظه أوفر بكتير من "الحسن بن الهيثم"، وكمان، كان حظه أحسن بكتير من أي محاولات تجريبية قبله، لأن أفكاره لقت طريقها في الانتشار بشكل مؤسسي، التلاميذ اللي اتأثروا بيه، شالوا منهجه وقرروا إن هما يعمموه في كل العلوم والتخصصات. أداة "بيكون" الجديدة اللي منحها للعلماء انتشرت بالفعل بينهم، وظهر جيل جديد بيفكر بطريقة "فرانسيس بيكون"، وطبعًا، بعد إنشاء الجمعية المَلَكية في "لندن"، ونظرًا للمنافسة التاريخية المعروفة بين "إنجلترا" و"فرنسا" في هذا الوقت، ما بيعدّيش 6 سنين لحد ما بييجي المَلِك "لويس الـ14" في "فرنسا"، ويؤمر بإنشاء المَلَكية الفرنسية للعلوم، "اشمعنى الإنجليز يعني؟! ولّا الفرنساوي قليل؟! هما اعتمدوا على المنهج التجريبي، على فكرة، احنا كمان بنعرف نعتمد على المنهج التجريبي." والحقيقة، يا عزيزي، إن كان هناك تعاون ومراسلات بين العلماء الإنجليز والعلماء الفرنسيين، دا اللي خلّى الملك "لويس الـ14" يدعم الاتجاه العلمي الجديد، واتأسست الأكاديمية الفرنسية على مبادئ البحث العلمي والتعاون بين العلماء. "جون ويلكينز" سكرتير الجمعية الملكية في "لندن" كان بيراسل العلماء المؤسسين في "فرنسا"، ويدّيهم إرشادات عن الجمعية ونشاطها، حتى "روبرت بويل" ابن الجمعية الملكية كان زميل مراسلة لـ"أنطوان لافوازييه"، اللي بقى من أهم أعمدة الأكاديمية الفرنسية، ولو ما تعرفش، يا عزيزي، هو واحد من أهم علماء الكيميا في التاريخ، واللي بالمناسبة، اتقطعت رقبته في الثورة الفرنسية! "لافوازييه" دا، يا عزيزي، صاحب قانون بقاء الطاقة، إن الطاقة لا تفنى ولا تُستحدَث من عدم. بالطريقة دي، شُفنا أفكار "بيكون" وهي بتسافر عبر البلاد، وأحلام "بيكون" في المؤسسة العلمية بيتبناها ملوك وأباطرة. "أباطرة زي مين يا (أبو حميد)؟!" زي "نابليون بونابرت". "نابليون"، يا عزيزي، اتولد بعد 100 سنة من إنشاء الأكاديمية الفرنسية للعلوم، وبعد استقرار المنهج التجريبي، اللي كان لسة مجرد اقتراح في عصر "فرانسيس بيكون". فكرة "نابليون" عن العلم اللي اتعلمها، إنه يجب أن يكون مؤسسي، عشان كدا، لمّا احتل "مصر"، عمل على طول "المَجمَع العلمي المصري"، وكان ناوي إن دا يبقى امتداد، أو زي ما تقول، فرع كدا للأكاديمية الفرنسية للعلوم، "نابليون" ما كانش يعرف غير الطريقة دي لعمل بحث علمي، وطبعًا، جاب معاه علماء فرنسيين في الحملة، عشان يحققوله الهدف دا، علماء من الأكاديمية الفرنسية للعلوم، اللي هي اتأسست على مبادئ "فرانسيس بيكون" زي ما قُلنا. فهمت، يا عزيزي، أنا عايز أقولّك إيه؟ إن أفكار "فرانسيس بيكون"، حمدًا لله على السلامة يعني، وصلت "مصر". "نابليون"، يا عزيزي، هيحرص على دعوة المشايخ وكبارات المجتمع المصري، للمَجمَع العلمي عشان يعاينوا ويشوفوا بنفسهم التجارب العلمية. وفي كتابه "تاريخ الفكر المصري الحديث"، بيقول "لويس عوض" حادثة في هذا السياق، بطلها الكيميائي الفرنسي "كلود لويس بيرتولييه"، اللي قدّم للمشايخ تجارب علمية للكهربا والكيميا الحديثة، ورّاهم ازاي المفرقعات ممكن تشتغل، ولكنه اتفاجئ بالشيخ "خليل البكري" بيقولّه: "طب انت دلوقتي تقدر تكون في (القاهرة) و(مراكش) في نفس الوقت؟" هنا، "كلود" بصّله وسكت، مش فاهم السؤال دا، "إيه دا؟! ازاي يعني؟!" ساعتها، رد الشيخ "خليل" بحسم وقالّه: "عرفت بقى إنك مش ساحر؟" الشيخ "خليل" هنا كان بيقصد أهل الخطوة والأولياء، اللي بكرامة أو بمعجزة يقدروا يكونوا موجودين في مكانين في نفس الوقت. المفارقة، يا عزيزي، إن الكرامات دي موجودة في تراث "بيرتولييه" الثقافي، وهو رجُل مسيحي، وفي واحدة من حكايات السيدة العذراء، هتكون هي في "فلسطين"، وهتظهر للحواري "يعقوب" في "إسبانيا"، عشان تؤمره إنه يبني كنيسة، كنيسة موجودة لحد النهاردة باسم "كاتدرائية سيدة العمود"، "طب يا (أبو حميد) طالما (بيرتولييه) فاهم فكرة الكرامات دي، ليه ما عرفش يرد على الشيخ؟" عايز رأيي يا عزيزي؟ دي لحظة مثالية في التاريخ، لحظة بنوصف فيها ازاي منهج التجربة، أو منهج "فرانسيس بيكون"، بيواجه منطق المعجزة اللي سبقه، "بيرتولييه" ببساطة ابن المدرسة التجريبية، ممكن يكون مسيحي مخلص، ومؤمن بالمعجزات وكل حاجة، ولكنه فاهم إن المَجمَع العلمي هو مكان بنفهم فيه قوانين الطبيعة، عشان الإنسان يقدر يخلّيها تطيعه، ويقدر يسيطر عليها في مصلحته، في الوقت اللي كان الشيخ اللي قُدّامه بيكلمه على قوانين خارقة للطبيعة، صعب تتكرر، الفكرة اللي "بيكون" سابها من زمان، وقرر إنه يوجهنا، عشان نستخدمها في فهم قوانين الطبيعة، بدل انتظار الكرامة أو المعجزة. ولذلك، يا عزيزي، اللي عمله "بيرتولييه" قُدّام الشيخ "البكري"، لم يكن معجزة أو سحر، ولا حتى فيه تحدي للطبيعة، بالعكس، دا كان قمة الخضوع لقوانينها، "بيرتولييه" لم يكن ساحر، لكن الشيخ "البكري" افتكر إن هو بيدّعي السحر، عشان كدا، حاكمه بمنطق المعجزات، وطلب منه معجزة في التو واللحظة. عشان كدا، "بيرتولييه" هنّج من الراجل، وما عرفش ازاي يتواجد في "القاهرة" و"مراكش" في نفس الوقت! هنا، يا عزيزي، نقدر نفهم ثورة "فرانسيس بيكون"، نفهم جوهرها، إنها تغيير في منهجية التفكير، وكمان، تغيير في طريقة التعامل مع الطبيعة وعشوائيتها، بإننا ندوّر على القوانين بدل ما نفسرها بمعجزة، ونحاول بمنتهى التواضع إننا نكون علماء، بنجرب باجتهاد ومثابرة الهدف منها هو التفسير، مش إعجاز المتفرجين ومحاولة إبهارهم، زي ما الشيخ "البكري" ظن إن "بيرتولييه" بيحاول يعمله. في النهاية، يا عزيزي، بالرغم من كل الشك اللي البشر بيقابلوا بيه الأفكار الجديدة، إلا إن المنهج العلمي أثبت إنه خط موازي للمناهج الفكرية اللي موجودة، أو على الأقل، مش ناوي ولا قاصد إنه يتقاطع معاها، هو جاي بيضيف لأفكار، مش يخصم منها، وهدفه الأسمى هو تحسين حياة الناس، ومحاولة تقليل علامات الاستفهام في حياتهم، دلوقتي، "القاهرة" و"مراكش" بقى بينهم ساعات بالطيارة، أو ثواني على الإنترنت، لكن هل دا بينفي وجود أهل الخطوة؟ كل، يا عزيزي، اللي يهم المنهج العلمي إن الطيارة تجربة نقدر نكررها، ونقدر نوصل لنفس النتيجة، ودا بيفرقنا، يا عزيزي، عن أي شيء خارق للطبيعة، بتحفظه الحكايات بس، كرامة حصلت مرة واحدة لناس معيّنة. ربما، يا عزيزي، المنهج العلمي قدِر يستمر، لأن "فرانسيس بيكون" قدّمه بمنتهى التواضع، العلم ما هو إلا استمرار في التجريب، بيخلّيك تغيّر اللي انت وصلتله، لو ظهرت تجربة جديدة بنتايج جديدة بتقولّك حاجة جديدة. لو استعنا بجملة البيولوجي "بالتيمور"، اللي كان واخد جايزة "نوبل"، اللي اتكلمنا عنه، العِلم هو إن انت توصل لنتايج، بس لو ما وصلتش لتفسير معيّن للظاهرة، فدا مش معناه إنها معجزة، معناها إن لسة فهمك محدود لنتايج اللي قُدّامك، الجملة دي هنلاقيها بتجسّد السبب الحقيقي لقوة المنهج العلمي، إن الإنسان اتعلم بتواضع على مدار قرون طويلة، ما يستناش معجزة، إنما يحاول يفهم قوانين الطبيعة، ولو ما وصلش لفهم ظاهرة معيّنة، ما يعتبرهاش حاجة خارقة للطبيعة، وإنما يعتبر إن هو لسة فهمه محدود للنتايج اللي قُدّامه، وجايز جدًا جدًا، زي ما بيحصل، تجربة جديدة في المستقبل تخلّينا نعرف أكتر عن أي حاجة، جايز دا كان زمان صعب إن هو يقنع الإنسان البسيط قُدّام ظواهر مخيفة، زي الرعد أو البرق، لكن تراكم العلم وكفاءته واختراعاته واكتشافاته علّمنا نثق إن جهلنا الحالي هو مجرد تجربة احنا لسة ما عملناهاش، ومعرفة احنا لسة ما تحصّلناش عليها، يعني باختصار، يا عزيزي، المنهج العلمي بيعلمنا إننا نحط جنب رعبنا من المجهول، اللي موجود من قديم الأزل فعلًا، قوة جديدة، وهي فضولنا للمعرفة، الفضول اللي بيطمنا قُدّام جهلنا بظواهر كتير، وبُعدنا لسة عن تحقيق اختراعات أكبر، وإيجاد أدوية لأمراض صعبة، بنطمن، يا عزيزي، إننا طول ما احنا بنجرب، فهييجي يوم ونوصل لنتيجة. لحد بقى ما ييجي يوم، وتوصل لنتيجة على أول السنة، ما تنساش تشوف الحلقات اللي فاتت، تشوف الحلقات الجاية، تنزل تبص على المصادر، ولو احنا على الـ"يوتيوب"، نشترك على القناة. - "إيه يا (أبو حميد)؟!" - القناة. أقولّك، يا عزيزي، على معلومة من مصدر تاريخي موثوق فيه؟ انت عارف، يا عزيزي، إيه آخر حاجة قالها "فرانسيس بيكون" لتلاميذه قبل ما يموت؟ - "إيه يا (أبو حميد)؟" - قالّهم، يا عزيزي، "سلامي." - "إيه يا (أبو حميد)؟" - "سلامي." الزيتون كان خلصان، فحط إضافة سلامي. كانت إضافة عظيمة منه للعِلم! كانت بيتزا مشكّل لحوم علماء!
كيف تصنع المعجزة الدحيح والخطأ في التفريق بين الأسطورة والمعجزة في الأورجانون الجديد طلعت 11:17

كيف تصنع المعجزة الدحيح والخطأ في التفريق بين الأسطورة والمعجزة في الأورجانون الجديد طلعت

د. هيثم طلعت Dr. Haitham Talaat

339.5K مشاهدة · 1 year ago

كيف تصنع قيمة من لا شيء الدحيح 30:30

كيف تصنع قيمة من لا شيء الدحيح

New Media Academy Life

2.2M مشاهدة · 9 months ago

معادلة ستغير نظرتك لكل شيء الدحيح 26:34

معادلة ستغير نظرتك لكل شيء الدحيح

New Media Academy Life

2.9M مشاهدة · 1 year ago

كيف تخدع الناس الدحيح 18:20

كيف تخدع الناس الدحيح

New Media Academy Life

4.5M مشاهدة · 3 years ago

الدحيح بناء الأهرامات 23:00

الدحيح بناء الأهرامات

Museum of The Future متحف المستقبل

12.5M مشاهدة · 3 years ago

الدحيح كيف تصنع نجماً عالمياً مثل تايلور سويفت 38:25

الدحيح كيف تصنع نجماً عالمياً مثل تايلور سويفت

AJ+ كبريت

1.2M مشاهدة · 3 weeks ago

الدحيح السيطرة على المخ 8:15

الدحيح السيطرة على المخ

AJ+ كبريت

3.4M مشاهدة · 8 years ago

الدحيح كيف تصنع قنبلة نووية 19:53

الدحيح كيف تصنع قنبلة نووية

Museum of The Future متحف المستقبل

5M مشاهدة · 3 years ago

صناعة المعجزة عند الدحيح بن شمس الدين 14:14

صناعة المعجزة عند الدحيح بن شمس الدين

الردود العلمية لمحمد بن شمس الدين

50.8K مشاهدة · 1 year ago

الدحيح مدمن نجاحات 15:55

الدحيح مدمن نجاحات

AJ+ كبريت

4M مشاهدة · 6 years ago