يا "نبيل"! الحَق يا "نبيل"! خير يا "سنيّة"، فيه إيه؟ الحَق! شوف فيه إيه في أوضة النوم! هيكون فيه إيه يعني؟ مسابقة أكبر طبق كُشري؟! ما أوضتي وعارفها يا "سنيّة". يا "نبيل" تعالى الحَق، بقولّك! ما تقوليلي فيه إيه! نمر يا "نبيل"! نمر آسيوي في أوضة النوم! يا ولية، اختشي بقى! مش كبرنا على الحاجات دي؟! يا "نبيل"، فيه نمر بجد في الأوضة! - نمر؟! - أيوة يا "نبيل". - آه! دا الاحتباس الحراري. - إيه؟! هو الاحتباس. الاحتباس الحراري؟! دا طريقة طبخ؟! آه، ظاهرة غريبة بتحصل، بسبب إفسادنا للبيئة، فبيظهر فيها شيء غريب في أوضة النوم، الظاهرة دي اسمها "متلازمة ظهور شيء غريب في أوضة النوم". يعني الناس دلوقتي كلها بيطلعلها نمور في أوضة النوم؟! نمور وأسود، "علاء مُرسي"... أي شيء جايز. دا فيه واحدة مرة طلعلها "آسر ياسين"، لحد دلوقتي، لسة ما خرجش! طب وهنتصرف معاه ازاي دا؟! عادي، يا نقتله، يا يقتلنا. وغالبًا، هيقتلنا. انجز يا "نبيل"! ادّيني خطوات! لو لازم أوي يعني، هنحتاج سكّينة. فيه سكّينة المطبخ. - حبل. - فيه حبل الغسيل. و15 سنة خبرة في ترويض واصطياد الحيوانات المفترسة. فيه 15 سنة جواز! "سنيّة"، هو انتي شوية؟! اتكلي على الله. - انت مش جاي معايا؟ - خلّصي انتي وهبقى أحصّلك. طيب. بسم الله! مشاهد مصرية في حضرة منتدى "شرم الشيخ". عايزة حاجة يا روحي؟ الحقني يا راجل! مراتك بتتّاكل! طب أعمل إيه؟ أدّيله دوا حموضة؟! أعزائي المشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا بكم في حلقة جديدة، من برنامج "الدحّيح"! عزيزي، خلّيني أحطّك في مشهد تخيلي عندي. تخيل إنك رجُل هندي عايش من مئات أو آلاف السنين. "ماشي يا (أبو حميد)، لو دا ذوقك!" الدنيا لطّشت معاك، وقررت إن انت هتسرق من الغابة. "ماشي يا (أبو حميد)، لو دا رأيك!" الغابة مليانة بحيوانات وأشجار، وحاجات كتير ممكن تستفيد منها. خلّيك معايا! هتطلع، يا عزيزي، كسارق بالليل، وتقرر تخش الغابة وانت واخد حذرك، عينيك مفتّحة وودانك مطرطقة، ورجليك حذرة في كل خطوة، خايف تدوس على ورق شجر ميت أو فرع شجرة قديم، لو دُست عليها أو عملت صوت، ما تعرفش مين اللي ممكن يسمعه! "الله عليك يا (أبو حميد)! دخّلتني في أجواء السرقة." وهنا، يا عزيزي، قبل ما تسمع أي صوت، وفي اللحظة المثالية لتنفيذ سرقتك، بتموت. "(أبو حميد)، انت غيّرتلي هويتي ورجّعتني بالزمان، وخلّيتني أبقى سارق، عشان تقتلني؟! ما تقتلني يا عم في البلكونة!" مش أنا، يا عزيزي، اللي قتلتك، اللي قتلك قاتل صامت، خفي، مذهل في الحجم، أتقل من 300 كيلو، طوله بيوصل لـ3 متر، فكّه بيقفل بقوة بتوصل لـ450 كيلو في الـ"إنش"، كأنك حاطط عربية "فيرنا" على 5 سم! "مين يا (أبو حميد) الوحش المذهل دا؟ قلقتني!" النمر، يا عزيزي، اسم الحلقة. قد يخطر، يا عزيزي، في ذهنك سؤال مهم جدًا، ازاي، في المثال السابق، أنا ما حسيتش بالنمر وهو بيموتني؟! وليه النمر في هذه الحالة هو اللي بيموتني؟ الحقيقة، يا عزيزي، انت ما حسيتش بيه، لأن رجليه متبطنة، كأنه ماشي على مخدة، كأنه لابس لكلوك في الغابة، مستحيل يزيّق! وقتلك في الضلمة، لأن عيونه كهرمانية، بتقدر تخلّيه يشوف بالليل، وكمان، الأسطورة بتقول إن هو الحارس الأمين للغابة. إيه هي نتيجة تحول النمر لأسطورة، أسطورة في خفّته ورشاقته وقوته وتكاثره وألوانه، وكمان حب الإنسان إنه يمتلكه؟ النمر واحدة من الأساطير اللي انغمس فيها الإنسان، ولكن إيه يا ترى هي نتيجة تحول هذا النمر إلى أسطورة؟ هذا ما ستكشف عنه الحلقة. النمر هو القط الأكبر بين عائلات القطط الكبيرة، ما فيش دليل إن النمر اللي موجود في عصرنا دلوقتي يقرب للنمور ذات الأنياب. أيوة، يا عزيزي، النمور بتاع Ice Age دي، عارفها؟ والأقرب للصح، إن النمور دي عاشت مكان النمور ذات الأنياب، لأن هناك اختلاف أساسي بينهم، الأنياب. الأنياب الطويلة دي، اللي موجودة عند النمور اللي انقرضت، هشّة، الهدف منها إنها تقطّع اللحمة وبس، إنما الأنياب اللي موجودة عند النمور دلوقتي الهدف منها الافتراس والإمساك بالفريسة، قرن غزال، مش مجرد سكّينة مطبخ، يا عزيزي! أما على المستوى المعنوي، فالنمور حيوانات مُقدّسة في أغلب الحضارات الآسيوية، النمر بيلعب دور رئيسي في الديانة الطاوية، اللي فيها نُصّين، الـ"يينج" والـ"يانج". النمر جزء من التقويم الفلكي الصيني، بيمثّل فيها النمر البرج التالت، واللي بييجي كل 12 سنة. هو، يا عزيزي، التقويم بتاعهم بيبقى مفروش على السنين، وأبراجهم، زي ما انت شايف، شرسة! احنا أشقى حد عندنا الحَمَل! الأسد طبعًا، بس يعني علشان الـ"إفّيه"! وآخر سنة جه فيها برج النمر، كانت 2022. - أقولّك، يا عزيزي، التقيلة؟ - "(أبو حميد)!" في "الصين"، النمر مُصنّف ملك الغابة. "إيه يا (أبو حميد)، هو خد اللقب؟ لاعب الأسد في الـWrestleMania اللي فاتت؟!" حتى، يا عزيزي، في الأفلام الصينية والحاجات دي، تلاقيه يقولّك، "سوف أريك قبضة النَّمر! ضربة النَّمر! تفّة النَّمر!" أي مُضاف يتضاف للنمر يبقى جامد! أما بقى في "الهند"، بيتحول النمر إلى رمز وطني، زي ما حكينا حكاية "حارس الغابة الأمين". في "الهند"، انت مش بس بتشوفه حارس، انت بتشوفه كائن أسطوري، بيلعب دور كبير ومهم في الديانة الهندوسية، وعندهم تصور عن القوة المطلقة، إنها القوة اللي تقدر تروّض حاجة زي النمر. أسطورية النمر، مش بس موجودة في "الصين" و"الهند"، لأ، دا في دوَل زي "كمبوديا" ودوَل جنوب شرق "آسيا"، اللي بيتعاملوا بقداسة مع النمر، وبيعاملوه كأنه الملك المتوج للغابة. النمور، يا عزيزي، بتنقسم لتقريبًا 8 أنواع، انقرض منهم 4، وفاضل، الحمد لله، 4، أضخمهم هو نمر "سيبيريا" أو "آمور"، طوله 3 متر ورُبع، ووزنه حوالي 300 كيلو. عزيزي، دا مش كائن حي، دا مؤسسة! ودا أكبر بمتر تقريبًا من متوسط طول الأسد الذَّكَر، وأتقل منه ببتاع 100 كيلو، والحقيقة، يا عزيزي، واسمع هذه المفاجأة، لو هناك معركة بين الأسد والنمر، أنا هراهن بيقين على النمر. "بجد يا (أبو حميد)؟! الأسد، الملك، مش هتراهن عليه؟! وهتراهن على حتة النمر الجربوع دا؟!" لو، يا عزيزي، حصل معركة بين النمر والأسد، هتلاقي النمر بيكسبها لأسباب منطقية. الأسود قوتها في الصيد معتمدة على العمل الجماعي، الأسد بيصطاد في جماعة من 15 أسد، فيه حملة. بينما النمر صيّاد وحيد، عازف Solo، من غير أي مساعدات خارجية. حجمه 300 كيلو تقريبًا، بينما الأسد 250، عضلاته 70% من جسمه، ورغم تُقل النمر، إلا إن سرعته بتوصل لـ60 ميل في الساعة. دا، يا عزيزي، حرفيًا يتلقط رادار في بعض الشوارع! بينما الأسد سرعته 50 ميل بس. النمر الواحد ممكن يستهدف حيوانات لا يمكن يستهدفها الأسد وجماعته، بسبب حجمهم الكبير، زي الفيل مثلًا، عشان حجمه كبير. ودا يفهّمك ليه القبايل الآسيوية قدست النمر وادّته لقب "الحارس الأمين". وعلى الناحية التانية، قبايل زي "بارياس" وسط "الهند"، وفّرت للنمور أكل، كانت بتحطهوله بالليل، عشان يفضل موجود، وعشان لو جاع، ما ياكلش أفراد القبيلة. ادّوا للنمر دور بطولة منفرد، لا يمكن الأسد وجماعته يقوموا بيه، لأنهم ببساطة هيدمروا أي مجتمع يعيشوا جنبه. النمور كمان كان ليها تقدير في زمن أقرب شوية من دا، ملوك المغول كانوا مهووسين بالنمور هوس مختلف شوية، أحد ملوك المغول عمل محمية ضخمة للنمور والفهود، استوردهم من "الهند"، وفضلت هذه المحمية مكمّلة لمئات السنين، اتطورت خلالها النمور وحجمها زاد جدًا، للدرجة اللي بيحكي عنها أحد صيّادي النمور، اسمه "ياكوفسكي"، بيقول إن النمور حجمها بقى ضخم جدًا، وسابت المحمية، وبدأت تروح مناطق جديدة في "كوريا" و"الصين". النمور دي، رغم غرابتها، لم تسلم من القتل الممنهج، "ياكوفسكي" نفسه قتل آخر نمر منهم سنة 1956. لمّا الإنسان جرب يقتل النمور، اللي هي بالنسباله مقدسة، دا خلّاه يفكر في سؤال مهم، لو الإنسان استهلك النمر دا بعد موته، كَلُه، هل دا ممكن ينقل للإنسان قوة النمر ووحشيته وقدسيته، ويبدأ الإنسان يتشارك مع النمر في هذه الصفات العظيمة؟ هنا، يا عزيزي، بتحصل حاجة في غاية الحزن، حيوان مفترس، وعنده قدسية عند الإنسان، مدّيك كل الأسباب اللي انت تحترمه وتكبرله، آخر كائن كان ممكن يبقى فريسة، بقى بيشوف الحياة بعيون ضحيته، بقى هو نفسه فريسة! فريسة لأساطير عن الفحولة والقوة الجبارة، اللي ممكن تكتسبها لو كلت عضم النمر! والله الدنيا دوّارة، يا عزيزي! كمان، من الأساطير، إن لبن النمر بيعالج أمراض العيون، ودا منتشر جدًا في "الهند". بيحلبوا النمور كدا، يا عزيزي! الحمد لله! بقيت أشوف أحسن! دا كان عشا العيال على فكرة! فيه كمان كتاب صيني، عن الأدوية الطبية في القرن الـ16، بتتوصف فيه الأعضاء التناسلية للنمر، وشحم الـ"كيليك"، عارفه؟ على إنها مواد مثيرة للشهوة الجنسية. لحم النمر كمان كان بيتطبخ، وعضم النمر كان بيُستخدم كمراهم لعلاج مشاكل الضهر والقدرات الجنسية، والكلام دا ما كانش زمان بس، دا مكمّل لحد دلوقتي. وبالرغم من عدم وجود أي دليل علمي إن فيه أي ميزة طبية أو علاجية أو جنسية لعضم النمر أو لحم النمر، إلا إن فيه سوق ضخم وموازي لسوق الأدوية المتعارف عليه، اسمه "الطب التقليدي" أو "الطب البديل"، وطبعًا مشهور جدًا في "الصين"، قايم على النمور. لدرجة إنه قضى بشكل كامل على النمور في "الصين"! لو رُحت "الصين"، تسأل على أي نمر، هتلاقيه بقى مرهم! اتدهن! حبيبي، اتدهن صغير! بعض الإحصائيات بتقول إن فاضل في "الصين" كلها 20 نمر، تخيل بلد شايلة مليار ونُص بني آدم، عندها 20 نمر بس! ولكن هناك كارثة أكبر بتحصل في "تايلاند"، بيتعمل هناك مزارع للنمور، بتتربى فيها النمور، عشان يتم بعد كدا المتاجرة بأعضائها، بالرغم من وجود قوانين محلية صارمة بتمنع الكلام دا. في 2002، حديقة "سري راتشا" للنمور في "تايلاند"، بتصدّر حوالي 100 نمر لـ"الصين". الـ100 نمر اللي اتصدروا لـ"الصين" راحوا لحديقة حيوان اسمها Sanya Love World، وبعد سنة، بيكتشفوا إن متجر الحديقة دا بيبيع أدوية مُستخلَصة من عظام النمور! ومراسلة من وكالة "رويترز" للأخبار اتكلمت مع موظفة للحديقة، فالموظفة، بمنتهى البشاشة والصدق مع النفس، قالتلها، "احنا عندنا خبر سعيد! إن شاء الله، الزُوّار اللي هيجولنا، هنوفرلهم لحم نمور." اتضاف خلاص على الـ(منيو)، هو وفطيرة السجق!" طبعًا الدنيا اتقلبت لمّا دا اتعرف! ولكن ما فيش أي إجراء حصل. بالعكس، بتحاول الجماعات إنها تقنن تربية النمور، بتقول إن دا هيخفف الضغط شوية على النمور البرّية، وبالتالي، ما حدش هيضطر يقتلها، طالما هيلاقي النمور في المزارع. لكن طبعًا دا كلام بعيد جدًا عن الواقع، لأن تكلفة تربية النمر بتتعدى الـ2000 دولار. "إيه يا (أبو حميد)، دُول ما اتصرفوش عليا في حياتي!" وفي الوقت، اللي تربية النمر ممكن توصل لـ2000 دولار، قتل النمر في الغابة، ممكن يكلّف رصاصة واحدة. إعجاب البشر بالنمور ما كانش مرتبط بكفاءتها كحيوانات أد ما هو مرتبط بعناصر جمالية زي شكلها. الشاعر الإنجليزي "ويليام بليك"، لمّا اتغزّل في النمر قال، أنا عندي طبعًا، يا عزيزي، مشكلة في ترجمة الشِّعر، ولكن واضح إن هو كان بيحب النمر. المدح دا برغم إن قوة النمر في جلده المخطط، مش مجرد شكل جمالي، دا بيخلّيه يتخفّى وسط الغابة وما يظهرش بسهولة. وأهم مَثَل عن الفرق بين تصوراتنا وبين شكل النمر، هو "موهان". سنة 1951، في "الهند"، بيتولد "موهان"، "موهان" اتولد نمر أبيض بطفرة جينية، بتحصل مرة كل 10 آلاف مرة، وجوده في الطبيعة شيء نادر جدًا، فرو أبيض بالكامل، عيون زرقا، خطوط سودا، "الله يا (أبو حميد)! دا حلو أوي! ما فيش منه مقاسي بقى؟!" أهوج! النمر الأبيض الجميل أبو عيون ملونة دا، لمّا ينزل الغابة، هيحصل فيه إيه؟ وهو، بسم الله ما شاء الله، بدر منوّر، ماشي، ضوءٌ لَمَع وَسَط المدينة، لونه الأبيض هينعكس عليه أشعة الشمس، لو عرف يصطاد أرنب عجوز، يبقى كتّر خير الدنيا! العالم كلها شايفاه. دا بيصطاد Live، يا عزيزي. بس برضه، احنا ما نعرفش هو يقدر يعيش في الغابة ولّا لأ، لأن بعد كام يوم من ولادة "موهان"، طلعت حملة عشان تصطاده، وقتلت كل عيلته، ومن بعدها، و"موهان" هو جِدّ كل النمور البيضا اللي بنشوفها دلوقتي، لأن بيتم استيلاد النمور البيضا منه. ولحد ما مات، سنة 1969، ما قابلناش نمور بيضا تاني في الغابة لحد دلوقتي، بس هناك مئات النمور البيضا في العالم كلها من نفس الخط الجيني. عارف دا، يا عزيزي، معناه إيه؟ معناه جواز قرايب. أحفاد "موهان" ما عندهومش تنوع جيني، عشان كدا، 80% من النمور البيضا بتموت أثناء الولادة، لأسباب جينية، واللي بيعيش منها بيعاني من مشاكل صحية كبيرة. وبالرغم من كل دا، إلا إن العالم ما زال بيحاول بيحافظ على سلالة "موهان"، ومش فارق معاه الأمراض اللي ناتجة عن دا. قصيدة "بليك" الإنجليزية عن النمر، هي جزء من أغاني اسمها "البراءة والخبرة"، "بليك" اعتبر إن البراءة بيمثّلها حيوان جميل زي الحَمَل، بينما الخبرة والشر المُبجّل بيمثّلهم حيوان مخيف زي النمر. بالتصور الغربي دا، الغرب هيشوفوا النمر بصورة مختلفة عن الشرق، هيشوفوه بيمثّل الشر المتوحش، واللي في نفس الوقت، جذاب إنك تصطاده. والكلام دا هيثبَت أكتر، لمّا الإنجليز يخشوا دوَل "آسيا"، ويلاقوا قبايل هناك بتقدّس النمور. سنة 2017، افتتحت حكومة "كازاخستان" محمية طبيعية جديدة اسمها "إيل بلخاش"، الغريب في المحمية دي إن ما فيهاش أي حيوانات! وراحت الحكومة حطت فيها 5 غزلان، بعد كدا، بعتت 12. "ما تيجي دوغري يا (أبو حميد)! إيه دا؟!" كل فترة، كانت الحكومة بتزوّد عدد الغزلان، الغزلان دخلت المحمية الضخمة جدًا، تبص يمين، تبص شمال، الغزلان مش لاقية ولا مفترس ولا حاجة تضايقها، تجري يمين، تجري شمال، كله تمام. "طب ما يمكن يا (أبو حميد) دي أصلًا محمية للغزلان، بتحميها." لأ، يا عزيزي، الهدف الغريب من هذه المحمية اللي مساحتها أكبر من 4000 كيلومتر مربع، هو إعادة النمور من الانقراض، الغزلان الغلبانة اللي فرحانة بالمساحة الكبيرة والخضرة اللي حواليها، هي مجرد طُعم معمول عشان النمور ترجع تعيش في المنطقة، اللي هجرتها من عشرات السنين. "طب وليه يا (أبو حميد) نبذل كل المجهود الكبير دا عشان نجيب النمور؟" لأن، يا عزيزي، عدد النمور الموجودين في البرّية ما يتعدّاش الـ5000 نمر، تخيل النمور في حديقة الحيوان عددها يوصل لـ8000! يعني عدد النمور في الغابات والطبيعة أقل من عدد النمور في حدائق الحيوان. "إيه اللي حصل يا (أبو حميد) خلّى النمر، ملك الغابة سابقًا، مُهدّد بالانقراض؟!" خلّيني أقولّك، يا عزيزي، إن النمور عاشت بسلام كبير في مناطق زي "الهند"، ولكن بتحصل حاجة مروعة هنا، بييجي الاحتلال الإنجليزي على "الهند"، وييجي معاه الخراب على دماغ النمور! خلّيني أقولّك إن النمر هو رمز وطني في "الهند"، وموجود كتير مع الآلهة الهندية القديمة، وزي ما قُلنا، كان بيُعتبر حارس الغابة، الهنود كانوا بيشوفوه، بالرغم من شراسته، إنه مش مؤذي. بيحكي عالم الطبيعة "باتريك هانلي"، اللي عاش أول القرن الـ20 جنب محمية مُهمَلة للنمور، بيقول إنه فجأة صادف عشرات النمور، ولمّا كانت النمور دي بتمشي وراه، كانت بتحافظ على مسافة أمان بينها وبينه، وكأن الدافع الرئيسي عندها هو الفضول، عايزين يعرفوا المخلوق الغريب اللي اسمه الإنسان دا بيعمل إيه! دي لمحة عن علاقة النمور بالبشر، لمّا كانوا البشر مش أعداء ليها. ولكن كل دا هيتغير في لحظة وصول الإنجليز، بتبدأ حملة عنيفة جدًا لقتل النمور، تخيل، يا عزيزي، رجُل إنجليزي أرستقراطي راكب فيل ضخم، ومن ارتفاع عالي، وجوا صندوق خشب إضافي عشان يحميه، ماسك بندقية حديثة، ومنتظر يصطاد نمر! "مستر (سميث)" ما كانش شايف أي حاجة، مساعدينه العشرين بيتحركوا حواليه ومش شايفين نمور، لأن جلدها مموّه، مش سهل تشوفه العين، وهنا، ييجي مساعد هندي يشوف نمر مستخبي في حفرة، فينغزه بخشبة عشان يطلع من مكانه، وبيقولّه، Mr. Smith, Kill Him، "اقتله"! طلقتين، تلاتة، والنمر بيموت! خلّيني أقولّك، يا عزيزي، إن هذا الحدث كان حدث متكرر بيتكرر عشرات المرات، كل يوم، كتير من النمور دي كانت بتتساب في الغابة، لأن الرحلة الواحدة من دُول كان ممكن يتقتل فيها عشرات النمور، ما نقدرش نشيل كل دُول معانا ونرجع. بيحكي "فاني إيدن"، أخو الحاكم العام لـ"الهند"، في مذكراته عن رحلة من دُول طلعها سنة 1835، إنها كانت حملة صغيرة فيها 260 تابع من المدنيين الهنود، و20 فيل، وفي النهاية، نجحوا يصطادوا 8 نمور في اليوم الواحد! وكان عادي جدًا إن الصياد الواحد يقتل له 1000 نمر في حياته. تخيل الرقم! ما كانش بس الإنجليز اللي بيعملوا كدا، المهراجات كمان كانوا بيساعدوا الإنجليز، عشان يرضوا عنهم، ومع الوقت، بقى قتل النمور رياضة شائعة عند الطبقة الأرستقراطية. وهنا، تنخفض أعداد النمور بشكل ما حصلش قبل كدا! والموضوع ما وقفش عند القتل المادي، دا كمان، دخل في القتل المعنوي. فاكر، يا عزيزي، قصة "ماوكلي"، الطفل اللي بيتبناه فهد، ويبعته لأنثى ديب، وبعدين، بيكمّل حلقات المسلسل لابس خرقة على وسطه؟ قصة "ماوكلي" الشهيرة دي، يا عزيزي، جاية من كتاب The Jungle Book، اللي اتنشر سنة 1908، لكاتب إنجليزي اتولد في "الهند"، اسمه "روديارد كيبلينج". لو تفتكر، في القصة دي كان فيه نمر عايز يقتل "ماوكلي"، النمر "شيريخان". القصة دي حولت النمر في الثقافة الشعبية إلى قاتل. والموضوع ما وقفش هنا، فيه قاتل نمور محترف اسمه "جيم كوربت"، نشر كتاب اسمه "أكلة البشر"، في "كومود"، سنة 1944. بيحكي في هذا الكتاب عن قاتل مرعب للبشر، نمر عجوز قتل 234 شخص، كان بيستنى هذا النمر الناس دي لمّا تخرج لوحدها، وكان ما بيفرّقش، بيقتل الأطفال والبنات والعجائز، وموظفين شئون الطَلَبة! ما بيرحمش! وطبعًا مين اللي هيخلّصنا من هذا النمر الشرير؟ الصياد "كوربت" نفسه! واللي بيظهر في قصته على إن هو المُخلِّص، وإنه لمّا قتل النمر المتوحش، حصلت معجزات في القرية الهندية، زي بنت يرجعلها صوتها بعد ما راح، بسبب صريخها لمّا شافت النمر بياكل أختها، ولمّا "كوربت" قالّها إنه قتل النمر، صوتها رجع! الكتاب مش بس اتشهر، دا بقى يتدرّس في بعض المدارس المحلية في "الهند"، فالتلميذ الهندي من دُول، يدخل الفصل يفتح كتابه، يقرا عن نمر تاني خالص، غير اللي بيسمع عنه، النمر يتحول من رمز وطني وحامي لغابات الهند، إلى قاتل متسلسل متوحش، يجب إن احنا نهرب منه أو نقتله! "الهند"، الحمد لله، بتحصل على استقلالها سنة 1947، فإخواتك في "الهند"، بعد ما راح الاحتلال اللي كان بيقتل نمورهم، قرروا إن هما لازم يعملوا كل الممارسات اللي كانت حكر على الطبقة الغنية، "احنا عايزين نبقى احنا كمان زي الأرستقراطيين، ونعمل زيهم ونلعب ألعابهم، وبالتالي، نقتل النمور زيهم!" المرادي، الموضوع هيحصل بشكل أفظع وأكبر، قتل النمور زمان كان قطّاعي، دلوقتي، بقى بالجُملة، صيادين هواة وناس عادية وعُمّال وفلّاحين وفئات! كله نازل في حب النمور وفي حب الطبقة الأرستقراطية! سبحان الله، يا عزيزي! الاستعمار لا ينتهي مع ذهاب المستعمر، الاستعمار الحقيقي بيحصل هنا، وليس للأرض بس. المستعمر تلاقيه مشي، روّح بلدهم خلاص، بس لسة تلاقي آثاره وأفكاره مستعمرة العقل! عشان كدا، يا عزيزي، على 1970، بيوصل عدد النمور إلى 2500 نمر. 2500! من 50 ألف في بداية القرن، يعني في حوالي 70 سنة، خسرنا أكتر من 47 ألف نمر، %95 من النمور! في الثقافة الشرقية، البشر افتكروا إن أكل لحوم النمور وعضمها قادر يخلّيهم ياخدوا جزء من مجد الحيوانات دي وقوتهم، بينما في الثقافة الغربية الرأسمالية، النمور هتتحول إلى مُنتَجات، مُنتَجات صنعها صياد ماهر، بعد ما قتل وحش مخيف، وسرق قدراته وجلوده، واستمتع بيهم! يعني مثلًا، شركة "فايزر" الأمريكية لمّا قررت تختار اسم لمُنتَج يعالج المشاكل الجنسية، اختارت اسم "فياجرا". "فياجرا" دا، يا عزيزي، اسم النمر في اللغة السنسكريتية، يعني، يا عزيزي، لو قابلت شخص بيتكلم سنسكريتي، ورُحت حديقة الحيوان، يقوم قايلّك، "ها! فياجرا!" ما تتخضش، يا عزيزي، هو بيورّيك الحيوان اللي في الجنينة، مش اللي جواه! طبعًا شركة "فايزر" قالت إن دي صُدفة، وإن ما فيش حد عندهم في الشركة بيتكلم سنسكريتي. الفياجرا، وقصدي بيها النمور يعني، مش بس اتشافت كرمز جنسي ذكوري، ولكن كمان رمز أنثوي. في خمسينيات القرن الماضي، بيوت الأزياء في "أوروبا" و"أمريكا"، استغلّت شهرة النمر عشان تعمل منه ملابس، "جواكت" من فرو النمر والفهد، وكان "تريند"، لدرجة إن انت كنت صعب تلاقي فنانة مش متصورة بالـTiger، والنتيجة كانت إن سعر جلد النمر سنة 50 ما كانش يعدّي الـ50 دولار، سنة 60، وصل لـ500 دولار، وبنهاية الستينات، وصل لحوالي 10 آلاف دولار. "يا لهوي يا (أبو حميد)!" تخيل، يا عزيزي، تدفع 10 آلاف دولار عشان سجادة مصنوعة من جلد نمر بالكامل، قتل النمور بقى حاجة مربحة جدًا! وعشان ما يدمروش الجلود وهما بيقتلوا النمور، بقوا يقتلوا النمور بالسموم، مش هيصطاده طبعًا بطلقة، هيبوظلّه الجلد! وكمان، بقى فيه مواد كيميائية مخصوص، عشان ما تبوظش جلد الضحية، زي الـDDT، اللي مش بس بيقتل النمر، دا كمان بيلوث البيئة المحيطة بيه. الكلام دا ما وقفش لحد ما جه حد اسمه "كاليسا سانكالا"، وهو رجُل هندي مدافع عن حقوق الحياة البرّية، نشر تحقيق عن تجارة الجلود وقتل النمور سنة 1967، واتنشر، وقتها، التقرير في الصفحة الأولى من "جورنال" Indian Express، واتقلبت "الهند"، وما حدش كان متخيل حجم المأساة! ولا كل اللي بيتعرضله نمور "الهند"! وسنة 1969، بعدها بسنتين يعني، بتعلن "أنديرا غاندي" في مؤتمر "الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة والموارد الطبيعية"، إن خلاص، زمن قتل النمور عشان جلودها انتهى، وبتقول، سنة 1872، هيكتب "تشارلز داروين" ملاحظة عن ميل طبيعي عند البشر لإضفاء صفات إنسانية على الحيوان، هذا الميل هيتسمى بالـAnthropomorphism، في هذا الميل، البشر بيُظهِروا احتياجهم للشعور بكيان مُقدّس أو مخيف، خير أو شر، جميل أو وِحِش، بيحتاجوا يُسقِطوا المفاهيم دي على الحيوانات. البشر، ببساطة، بيرتاحوا بتشبيه هذه المفاهيم بالحيوانات، لأنها، في النهاية، مش زي البشر، لا هترد ولا هتجادل بخصوص طبيعتها. الميل دا هيخلق في ذهننا صورتين عن الحيوان، صورة احنا شايفينه بيها، وصورة تانية هي حقيقته. حقيقة النمر إنه حيوان مفترس، بس شكله جميل، هذا الجمال وهذه الشراسة ليس لها علاقة بعلاج أي حاجة. إنما البشر رؤيتهم ليه منتظرة حاجات أكتر من كدا، هو لا ادّعى القدسية، ولا عايز يدّعي القدسية، ولا يعرف يعني إيه قدسية! ولا بيعالج أي حاجة! ارحموا النمر! دا، يا عزيزي، بيجري على أكل عيشه بسرعة 60 ميل في الساعة! اتعلم منه دا، اجري على أكل عيشك بسرعة! الصورة دي، النمر مش مسئول عنها بأي شكل من الأشكال، دي صورة خلقها الإنسان في عقله، وقرر إن هي دي النمر، دا نمر مش موجود في الحقيقة، نمر في مخيلة البشر وحدهم، كائن وحشي وأسطوري، عايز أحيانًا يقتل ويخوّف، الحل الوحيد إن انت تقتله، عشان تثبتله إن انت أقوى منه! في حين إن هو في الحقيقة ما بيحاولش يثبت أي حاجة لأي حد، هو بس جعان شوية! في مخيلتنا فيه نمور أسطورية كتير. هنا، يا عزيزي، أنا مش قصدي على النمور، أنا قصدي على أشخاص بنشوفهم بصورة غير صورتهم الحقيقية. بنحط فيهم توقعات هما ما حاولوش يقولوها، بنشوف ناس عبيد وناس سادة، بنشوف ناس تستحق الحرق وناس تستحق التخليد، عقلنا بيبنيلنا تصورات عن الناس دي، في حين أن هذه التصورات ما لهاش أي وجود على أرض الواقع! ولو قدرنا للحظة واحدة، نبُص على الحاجات بشكلها الحقيقي، مش الهيئة اللي متصورينها في خيالنا، كتير من مشاكل العالم ممكن تتحل. هنشوف النمر نمر، والإنسان إنسان، وهنشوف الحلقات اللي فاتت، والحلقات اللي جاية، ننزل نبص على المصادر، ولو احنا على الـ"يوتيوب"، هنشترك على القناة. عارف، يا عزيزي، ليه النمر ما بيشتريش Sim Card؟ "ليه يا (أبو حميد)؟" عشان ما بيدّيش أبدًا "نمرته" لحد!