في ارض اليمن بين جبالها واسواقها القديمه وبين البيوت التي كانت تضاء ليلا بمصابيح الزيت ولد رجل سيصبح اسمه واحدا من اكثر الاسماء اثاره للجدل والدهشه في التاريخ الاسلامي رجل عاش عمره بين صفحات الكتب القديمه يتتبع اخبار الانبياء ويحفظ يحفظ اسفار بني اسرائيل ويغوف في اسرار التوراه حتى صار من اعلم احبار اليهود في زمانه ذلك الرجل هو كعب الاحبار كان اسمه كعب بن ماتع الحميري من قبيله ذيراعين اليمنيه ونشا في بيت يهودي عريق يهتم بالعلم والحفظ والروايات القديمه وكان والده من كبار علماء اليهود ففتح له ابواب المخطوطات منذ صغره ورباه على دراسه الكتب المقدسه وحفظ النبوءات وتتبع اخبار الامم السابقه وكان كعب يملك عقلا حادا وذاكره عجيبه حتى ان الشيوخ كانوا يندهشون من سرعه حفظه وفهمه كبر الفتى وهو يقضي ساعات طويله بين الرقوق القديمه يقرا اخبار ادم ونوح وابراهيم وموسى وداوود وسليمان ويتامل القصص التي تناقلها الاحبار عبر القرون وكان كلما تعمق في تلك الكتب شعر ان شيئا ما ينقصها وان النهايه الحقيقيه للقصه لم تاتي بعد وكان يسمع كثيرا عن نبي سيظهر في اخر الزمان نبي ليس من بني اسرائيل بل من ارض بعيده في جزيره العرب وكانت تلك النبوءات تثير في قلبه قلقا غريبا في الليالي الطويله كان يجلس وحده يتامل النصوص التي تتحدث عن نبي يخرج من ارض الحجاز يحمل دين ابراهيم ويعيد الناس الى عباده الله وحده ويكون اتباعه اهل صلاه وجهاد وصدق وكان كعب كلما قرا تلك الصفات شعر ان الامر ليس خيالا ولا اسطوره بل حقيقه تقترب يوما بعد يوم ومرت السنوات وبدات الاخبار تنتشر في الجزيره العربيه عن رجل ظهر في مكه يدعو الى التوحيد ويحطم الاصنام ويقول انه رسول الله وكان التجار القادمون من الحجاب ز يروون قصصا غريبه عن هذا النبي الجديد وعن قوم حاربوه وعن رجال تركوا الدنيا من اجله وعن قران يتلى بكلمات تهز القلوب وكان كعب يصغي لكل خبر بعين الباحث لا بعين العدو ثم بدات الفتوحات الاسلاميه تنتشر كالنار في الصحراء وسقطت امبراطوريات عظيمه امام جيوش المسلمين وبدات اليمن تدخل في الاسلام قبيله بعد قبيله واصبح اسم محمد صلى الله عليه وسلم يتردد في كل مكان لكن كعبا لم يكن رجلا ساذجا يندفع خلف الاخبار بسرعه بل كان عالما يبحث عن اليقين فظل يراجع الكتب القديمه ويقارن الصفات ويتامل العلامات حتى صار قلبه مضطربا بينما ورثه عن قومه وبين ما يراه يتحقق امام عينيه وفي احدى الليالي جلس كعب امام مخطوطه قديمه يقال انها من اقدم ما ورثه الاحجار واخذ يقرا فيها وصف النبي المنتظر قرا عن خاتم النبوه وعن الارض التي يهاجر اليها وعن صفات اصحابه وعن الامه التي ستفتح البلاد وتنشر التوحيد توقف طويلا ثم اعاد القراءه مره اخرى ثم نهض واقفا وقد تغير وجهه لقد ادرك الحقيقه كل العلامات تشير الى رجل واحد فقط محمد بن عبد الله لكن الاعتراف بالحقيقه لم يكن امرا سهلا فالرجل كان من كبار احبار اليهود وله مكانه عظيمه بين قومه واسلامه يعني ان يخسر كل شيء مكانته وهيبته وربما قومه انفسهم ومع ذلك كان يشعر ان اخفاء الحقيقه خيانه لله الذي امضى عمره يبحث عنه وبدات المعركه داخل قلبه كان اذا جلس مع الاحبار سمعهم يهاجمون الاسلام ويكذبون النبي فيسكت وهو يشعر بالنار تشتعل في صدره واذا عاد الى كتبه وجد الصفات اوضح من الشمس حتى صار النوم يفارقه ليلا ثم جاء اليوم الذي لم يعد قادرا على الصمت فيه خرج كعب من بين قومه وقد حسم امره اخيرا واعلن اسلامه مؤمنا بالله ورسوله تاركا وراءه تاريخا طويلا من الزعامه الدينيه بين اليهود وكان اسلامه صدمه عظيمه كيف يسلم واحد من اكبر علماء اليهود كيف يترك الرجل الذي يعرف التوراه عن ظهر قلب دين ابائه ويتبع نبي العرب وانتشرت قصته بسرعه بين الناس وبدا المسلمون ينظرون اليه باعجاب فهو رجل يحمل علم الامم السابقه ويعرف قصص الانبياء واخبار الكتب القديمه لكن كعبا لم يسلم في حياه النبي صلى الله عليه وسلم بل بعد وفاته ويقال انه تاخر لان الاخبار لم تصله كامله الا في اواخر حياته فلما عرف الحقيقه لم يتردد ثم قرر الرحيل الى المدينه المدينه التي عاش فيها النبي المدينه التي سار في طرقاتها ابو بكر بكر وعمر وعثمان وعلي المدينه التي اصبحت قلب العالم الاسلامي وكان الطريق طويلا من اليمن الى الحجاز لكنه كان يشعر ان كل خطوه تقربه من الحقيقه التي بحث عنها عمرا وحين اقترب من المدينه كان قلبه يرتجف هذه الارض التي كان يقرا عنها في الكتب القديمه هذه المدينه التي خرج منها النور الذي غير العالم ودخل كعب المدينه فراى المسلمين وراى البساطه التي يعيشون بها وراى المساجد التي تمتلئ بالقران وراى رجالا حملوا الاسلام بقلوب صادقه لا بترف الملوك ولا بجيوش الجبابره ثم التقى بامير المؤمنين عمر بن الخطاب وكان عمر رجلا شديد الذكاء لا يخدعه الكلام بسه له وقد سمع عن كعب وعلمه ومكانته بين اليهود فاراد ان يعرف حقيقه هذا الرجل جلس كعب امام عمر وبدا يحدثه عن الكتب القديمه وعن صفات النبي الموجوده في التوراه وعن النبوءات التي تحققت في الاسلام وكان عمر ينصط باهتمام شديد ثم قال له عمر احق تجدون صفه محمد في كتبكم فقال كعب بثقه العالم الذي عاش عمره بين النصوص نعم والله نجده موصوفا عندنا كما يعرف الرجل ابنه فسكت عمر طويلا اما كعب فكان يشعر ان حياته القديمه كلها انتهت وانه بدا رحله جديده مختلفه تماما رحله سيدخل فيها الى اعماق العالم الاسلامي ويصبح واحدا من اشهر رواه اخبار بني اسرائيل والرجل الذي سيجلس مع الخلفاء والعلماء والناس يروي لهم قصص الامم الماضيه واخبار الانبياء والفتن ونهايه الزمان لكن الايام القادمه كانت تخبئ له طريقا مليئا بالاحداث وطريقا سيجعله من اكثر الشخصيات التي اختلف الناس حولها عبر التاريخ دخل كعب الاحبار المدينه المنوره وهو يشعر ان كل ما عاشه قبل هذه اللحظه كان مجرد مقدمه طويله لهذا الطريق الجديد كانت المدينه مختلفه عن كل المدن التي عرفها في اليمن لا قصور شاهقه ولا حراسا عند الابواب ولا هيبه ملوك ومع ذلك كان فيها شيء يجعل القلوب ترتجف شيء لا يرى بالعين لكنه يحس في الارواح كان يسمع القران يتردد في الازقه ويرى الناس يهرعون الى الصلاه ويرى رجالا تغيرت وجوههم من كثره العباده والجهاد والسهر مع كتاب الله وكلما تامل تلك الحياه ازداد يقينا ان هذا الدين ليس ملكا لبشر بل نور ارسله الله ليغير العالم وفي تلك الايام كان عمر بن الخطاب يحكم الدوله الاسلاميه بقبض قويه وعدل مهيب وكانت الامه الاسلاميه تتوسع بسرعه مذهله العراق وفارس والشام ومصر كلها بدات تدخل تحت رايه الاسلام والمسلمون يعيشون اياما لم يعرف لها التاريخ مثيلا وكان عمر شديد الحذر من اي شيء قد يفسد عقيده الناس او يخلط عليهم الدين ولذلك لم يكن يفتح بابه بسهوله لاي رجل ياتي باخبار الامم السابقه او قصص الكتب القديمه لكنه مع كعب كان مختلفا فقد راى فيه علما واسعا وراى صدقا في اسلامه وان بقي يتحفظ احيانا على بعض ما يرويه بدا كعب يجلس في حلقات العلم والناس يلتفون حوله ليسمعوا اخبار الانبياء والامم الماضيه فالرجل يحمل ذاكره مليئه بالقصص التي لم يسمعوها من قبل كان يحدثهم عن بني اسرائيل وعن ملوك الارض القديمه وعن عجائب الزمان وعن الفتن التي ستقع في اخر الايام وكان بعض الناس يندهشون من سعه علمه حتى انهم يجلسون بالساعات لا يملون من حديثه وذات يوم جلس كعب مع عمر بن الخطاب يحدثه عن بيت المقدس وعن فضله ومكانته في الكتب القديمه فقال له ان ارض الشام ارض مباركه وان بيت المقدس سيكون له شان عظيم في مستقبل الامه وكان عمر قد فتح القدس بنفسه ودخلها متواضعا بثوبه البسيط بينما اهلها ينتظرون ملكا عظيما وجيوشا مذهله فاذا بهم يرون رجلا يقود ناقته بيده وعليه اثار السفر والغبار وحين دخل عمر القدس كان كعب معه كان كعب يسير في طرقات المدينه المقدسه وكانه يعرفها منذ زمن بعيد فقد قرا عنها الاف المرات في الكتب القديمه وها هو اليوم يراها بعينيه ثم اقترب من الصخره المشرفه ووقف يتامل المكان طويلا ذلك المكان الذي ارتبط بالانبياء والذي تعاقبت عليه الامم والرسالات وكانت ساحه المسجد مليئه بالقمامه والاوساخ التي تراكمت عبر السنين لان الروم اهملوا المكان عمدا بعد زوال حكم اليهود عنه فنظر عمر الى المسلمين وقال نظفوا هذا المكان ونزل بنفسه يحمل التراب والق قاذورات بيديه اما كعب فكان مذهولا لقد راى الملوك والاحبار والزعماء طوال حياته لكنه لم يرى حاكما يفعل ما يفعله عمر ثم قال كعب لعمر انه يعرف موضع الصخره بدقه من خلال ما ورد في كتب بني اسرائيل فارشده الى مكانها واخذ المسلمون ينظفون حتى ظهرت الصخره من جديد وبدا اسم كعب يكبر اكثر بين الناس صار الناس ينظر اليه كرجل يحمل علوم الاولين بينما بدا اخرون يتحفظون من كثره الروايات التي ينقلها عن بني اسرائيل خاصه ان بعض القصص كانت غريبه وعجيبه الى درجه تجعل العقول تقف متحيره لكن كعب لم يكن يرى مشكله في روايه تلك الاخبار ما دامت لا تخالف الاسلام وكان يعتقد ان في تلك القصص عبرا وعلامات على صدق النبوه وفي احدى الليالي جلس كعب مع عمر بن الخطاب يتحدثان طويلا فقال كعب كلاما اثار انتباه عمر بشده قال له ان في الكتب القديمه اشارات الى رجل عظيم من هذه الامه سيقتل ظلما وان موته سيكون بابا لفتن كبيره تغير وجه عمر كان عمر شديد الحس تجاه الفتن ويخاف على الامه خوفا عظيما ثم سال كعب من هو فسكت كعب قليلا وقال ارى صفاتك قريبه مما قرات ساد الصمت وبقي عمر ينظر اليه طويلا ولم يكن احد يعلم ان الايام القادمه تخبئ حدثا سيزل العالم الاسلامي كله مرت الشهور وعمر يواصل صل اداره الدوله الاسلاميه لكن كلمات كعب بقيت عالقه في ذهنه وكان عمر يشعر احيانا ان اجله اقترب حتى انه صار يدعو الله ان يرزقه الشهاده ثم جاء ذلك الفجر الذي تغير فيه كل شيء خرج عمر بن الخطاب كعادته لصلاه الفجر والناس مصطفون خلفه في المسجد النبوي وما ان كبر للصلاه حتى اندفع رجل مجوسي يدعى ابو لؤلؤه يحمل خنجرا مسموما وبدا يطعن عمر طعنات قاتله صرخ الناس وسقط امير المؤمنين على الارض والدم ينزف منه بغزاره وعاشت المدينه لحظات مرعبه اما كعب الاحبار فلما سمع الخبر تذكر كلامه مع عمر وشعر برهبه عظيمه تسري في جسده وكان المسلمون يبكون في قروق فالرجل الذي هزم اعظم امبراطوريات الارض والذي نشر العدل في البلاد صار يصارع الموتى على فراشه وقبل وفاه عمر جاءه الناس يسالونه عم من يتولى الخلافه بعده فاختار مجلس الشورى المعروف اما كعب فكان يراقب المشهد بحزن عميق وكانه يرى بدايه مرحله جديده مليئه بالاضطرابات ثم مات عمر ابن الخطاب واهتزت المدينه بالبكاء حتى ان بعض الناس شعروا ان قوه الاسلام نفسها انكسرت بموت عمر وكان كعب يدرك ان ما بعد عمر لن يكون كما قبله بدا عهد جديد مع عثمان بن عفان الخليفه الهادئ الحي الكريم لكن تحت سطح الهدوء كانت نيران الفتن تبدا بالاشتعال شيئا فشيئا وفي تلك الفتره صار كعب اكثر قربا من كبار الصحابه والعلماء واصبح الناس يقصدونه ليسمعوا اخبار اخر الزمان والفتن القادمه خاصه بعدما شاع بين الناس ان بعض ما اخبر به وقع فعلا وهذا الامر يزيد شهرته اكثر فاكثر لكن في المقابل بدا اخرون ينظرون اليه بعين الريبه ويتساءلون هل كل ما يرويه صحيح وهل دخلت بعض افكار بني اسرائيل الى المسلمين عن طريقه وهكذا بدا اسم كعب الاحبار يتحول من مجرد عالم يهودي اسلم الى شخصيه مثيره للجدال داخل العالم الاسلامي رجل يجلس بين العلم والغموض وبين الاعجاب والاتهام بينما كانت الاحداث الكبرى تقترب بسرعه مخيفه من الامه كلها بعد وفاه عمر بن الخطاب شعر كثير من المسلمين ان بابا عظيما قد اغلق وان زمنا جديدا بدا يتشكل في الخفاء زمن تختلف فيه القلوب وتكثر فيه الشبهات وتقترب فيه الفتن التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم تولى عثمان بن عفان الخلافه وكان رجلا يختلف تماما عن عمر لينا كريما شديد الحياء واسع الرحمه يحب العفو ولا يميل الى الشده الا نادرا وكان المسلمون يحبونه حبا كبيرا فهو من السابقين الى الاسلام ومن كتبه الوحي وزوج ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم حتى لقب بذي النورين لكن الدوله الاسلاميه في عهد عثمان اصبحت اوسع من اي وقت مضى واتساع الدوله يعني كثره الناس واختلاف الطباع ودخول اقوام جدد في الاسلام بعضهم دخل بقلب صادق وبعضهم اخفى في صدره احقادا قديمه وفي وسط تلك المرحله المضطربه كان كعب الاحبار يزداد شهره يوما بعد يوم صار يجلس في مجالس الشام والمدينه والقدس يروي اخبار الامم الماضيه ويتحدث عن علامات اخر الزمان وعن الفتن التي ستاتي على المسلمين وكان الناس يلتفون حوله بانبهار خاصه ان بعض كلامه بدا وكانه يتحقق امام اعينهم وكان معاويه بن ابي سفيان والي الشام انذاك يستمع الى كعب باهتمام فقد كان معاويه رجل سياسه شديد الذكاء يعرف قيمه العلم وتاثيره على الناس وكانت الشام في تلك الفتره مستقره وقويه بعيده نسبيا من الاضطرابات التي بدات تظهر في العراق ومصر وانتقل كعب الى الشام فتره طويله وهناك بدات مكانته تكبر اكثر كان يجلس في مسجد دمشق والناس يتحلقون حوله في حلقات ضخمه يستمعون الى قصص الانبياء والملوك ويتعجبون من معرفته الدقيقه باخبار بني اسرائيل والكتب القديمه وكان اسلوبه مؤثرا يعرف كيف يشد القلوب ويجعل السامعين يعيشون الاحداث كانهم يرونها باعينهم وكان يحد حدثهم عن سليمان عليه السلام وملكه العظيم وعن داوود وعن ياجوج وماجوج وعن نهايه الدنيا وعن الملائكه وعن عجائب لم يسمع بها كثير من العرب من قبل لكن مع ازدياد شهرته بدات الاسئله تزداد ايضا بعض الصحابه كانوا يتحفظون من كثره الروايات الاسرائيليه وكانوا يخشون ان يختلط الحق بالباطل في عقول الناس وكان عبد الله بن عباس احيانا يسمع بعض القصص فيقول للناس كيف تسالون اهل الكتاب وعندكم كتاب الله اما كعب فكان يرى انه لا يغير دين الاسلام بل يروي اخبارا قديمه فيها عبر وعلامات وكان يقول ان بعض تلك الاخبار يوافق ما جاء في القران والسنه وفي تلك الايام بدات الفتن تتحرك بصمت داخل الدوله الاسلاميه. ظهرت جماعات تتحدث ضد عثمان وتتهم بعض ولاته بالظلم او المحابات وبدات الشائعات تنتشر بسرعه بين الناس. وكانت الامصار البعيده تمتلئ باشخاص حديثي عهد بالاسلام لا يملكون علم الصحابه ولا حكمتهم. وكان اخطر ما في تلك المرحله ان الكلمه اصبحت تنتقل اسرع من السيوف وشعر كعب ان شيئا خطيرا يقترب وفي احدى المجالس اخذ يتحدث عن الفتن القادمه وقال ان الامه ستدخل اياما صعبه يختلط فيها الحق بالباطل ويضيع الناس بين الدماء والشبهات وكان بعض الحاضرين يرتجفون من كلام ثم اخذ يحدثهم عن علامات قراها في الكتب القديمه علامات تشير الى اضطرابات عظيمه ستقع بعد موت الخلفاء الراشدين وكان الناس اذا سمعوه يتحدث عن الفتن يصمتون تماما فكان الرجل يرى ما لا يرونه لكن مع ذلك لم يكن الجميع يفق فيه ظهرت اصوات تتمه انه ينقل للمسلمين كثيرا من الاسرائيليات وان بعض القصص التي يرويها لا اصل لها في الاسلام وبدا بعض الناس يبالغون في اتهامه حتى انهم قالوا انه يريد ادخال افكار اليهود الى المسلمين اما كعب فكان يرد بهدوء ويقول انه ما اسلم الا طلبا للحق وانه لا يقول الا ما يعرفه من الكتب القديمه وكانت شخصيته تزيد غموضا يوما بعد يوم وفي تلك الاثناء كانت نار الفتنه تقترب من المدينه المنوره نفسها بدات الوفود الساخطه تاتي من مصر والعراق وبدا المحرضون يثيرون الناس ضد عثمان حتى صارت المدينه تمتلئ بالشائعات والاتهامات وكان الصحابه الكبار يحاولون ايقاف ف الفتنه لكن الامور كانت تزداد سوءا وكان عثمان يرفض قتال المسلمين مهما اشتد الامر قالوا له قاتلهم فقال لا اكون اول خليفه يريق دماء امته وكان كعب الاحبار يتابع ما يحدث بقلب مليء بالخوف لقد قرا في الكتب القديمه كيف تسقط الامم حين تبدا الفتن الداخ وكيف يتحول الناس من امه قويه الى جماعات متصارعه وكان يشعر ان المسلمين يقفون على حفه مرحله خطيره جدا وذات ليله جلس بعض الناس مع كعب يسالونه عن المستقبل فقال لهم بصوت منخفض اذا قتل الخليفه الصالح فاعلموا ان ابواب الدم ستفتح ارتجف بعض الجالسين فقد فهموا انه يقصد عثمان ومرت الايام بسرعه حتى حاصرت الجماعات المتردده بيت عثمان وكان الصحابه يحاولون الدفاع عنه لكن عثمان منعهم واقسم عليهم الا يقاتلوا لاجله وكان الشيخ العجوز الصائم القائم يقرا القران في بيته بينما الغوغاء يحيطون المكان من كل جانب وفي الخارج كانت المدينه تعيش رعبا لم تعرفه من قبل اما كعب فكان يدرك ان اللحظه التي خاف منها قد اقتربت ثم جاء اليوم الاسود اقتحم المترددون بيت عثمان ودخلوا عليه وهو يقرا القران ورفع احدهم السيف وسقط الخليفه شهيدا وتلطخ المصحف بدمه وفي تلك اللحظه لم يكن مجرد رجل قد قتل بل كانت الامه كلها تدخل مرحله جديده من الفتن والانقسامات والدماء ولما انتشر خبر مقتل عثمان عم الذهول العالم الاسلامي كله بكى الناس وخاف الناس وشعر كثيرون ان شيئا رهيبا قد انكسر الى الابد اما كعب الاحبار فجلس صامتا طويلا فكان كل ما قراه في الكتب القديمه بدا يتحقق امام اعينه حرفا حرفا وكان يعلم ان القادم اخطر بكثير مما مضى بعد مقتل عثمان بن عفان دخل العالم الاسلامي في صدمه لم يعرف لها مثيلا منذ وفاه النبي صلى الله عليه وسلم المدينه المنوره التي كانت يوما منبع الطمانينه والايمان اصبحت مليئه بالخوف والاضطراب والناس يمشون في طرقاتها بوجوه شاحبه وقلوب مرتجفه كان الجميع يسال السؤال نفسه ماذا سيحدث الان لقد قتل خليفه المسلمين داخل بيته وبين صفحات القران وعلى ايدي اناس من الامه نفسها وكان كعب الاحبار يرى المشهد كانه صوره قديمه قراها منذ سنوات طويله في اخبار الامم السابقه كان يعلم ان الدم اذا فتح بابه بين المسلمين فلن يغلق بسهوله وفي تلك الايام العصيبه اتجهت الانظار الى علي بن ابي طالب الصحابي العظيم وابن عم النبي صلى الله عليه وسلم واحد اشجع رجال الاسلام واعلمهم جاءه الناس يطلبون منه تولي الخلافه لكنه كان يعلم حجم النار المشتعله حوله كان يعرف ان الامه لم تعد كما كانت ايام ابي بكر وعمر وان الفتنه اصبحت اعمق من مجرد خلاف سياسي ومع ذلك قبل علي الخلافه مضطرا حتى لا تبقى الامه بلا قائد لكن المشكله الكبرى كانت ان قتله عثمان اختلطوا بالناس ولم يكن من السهل القبض عليهم وسط حاله الفوضى والانقسام ومن هنا بدات الانشقاقات بعض الصحابه راوا ضروره الاقت اختصاص من قتله عثمان فورا قبل اي شيء اخر بينما راى علي ان استقرار الدوله اولا ضروري حتى يمكن تنفيذ القصاص دون انهيار كامل للامه وهكذا بدات القلوب تتباعد وكان كعب الاحبار يتابع الاحداث بحزن شديد جلس يوما في مجلس بالشام والناس يسالونه عن هذه الفتنه فقال لهم اذا انكسرت هيبه الدم الحرام دخلت الامه في ابواب لا تعرف كيف تخرج منها وكان معاويه بن ابي سفيان في الشام يطالب بالقصاص لعثمان لانه كان من اقربائه واصبحت الشام معقلا قويا يرفض السكوت عن قتل الخليفه اما المدينه والعراق فكان فيهما انصار علي وبدا المسلمون ينقسمون لاول مره بهذا الشكل المخيف وكان كعب الاحبار يتابع الاخبار القادمه من العراق بقلب يرتجف فقد كان يعرف ان الدم اذا سال بين الصحابه فستتغير الامه كلها بعدها وفي الليله التي سبقت القتال جرت محاولات للصلح وكاد المسلمون ينجحون في انهاء الاز ازمه دون حرب لكن قتله عثمان كانوا يعلمون ان الصلح يعني نهايتهم فدبروا مكيده في الظلام هاجموا المعسكرين ليلا فظن كل طرف ان الاخر غدر به وانفجر القتال واشتعلت معركه الجمل وتحولت ارض البصره الى ساحه مليئه بالصراخ والدخان والدماء كان المسلم يرفع سيفه في وجه اخيه المسلم لاول مره بهذا الحجم المرعب ومات طلحه ومات الزبير وسقط الاف القتلى اما عائشه رضي الله عنها فقد انتهت المعركه باكرامها واعادتها الى المدينه محفوظه المكانه لكن الجرح الذي اصاب الامه لم يلتئم وكان كعب الاحبار حين سمع اخبار القتلى يجلس طويلا صامتا ثم يقول هذه اول ابواب الفتن الكبرى ثم جاءت المرحله الاخطر الصدام بين علي ومعاويه بدات الرسائل والخطب والاتهامات وكل طرف يرى انه يطلب الحق بطريقته حتى تحرك الجيشان نحو صفين وفي تلك الفتره كانت الشام تمتلئ بالجنود والناس الناس يعيشون حاله ترقب مرعبه وكان كعب قريبا من مجالس اهل الشام يسمع النقاشات الحاده والخوف الذي يملا القلوب وكان البعض يساله من المحق لكنه كان يتحفظ كثيرا في الكلام ويدعو الناس الى تجنب الفتنه والدماء ثم وقعت معركه صفين واحده من اعظم المعارك واشدها ماساه في تاريخ المسلمين ايام طويله من القتال العنيف سيوف ورماح وخيول وصراخ وتكبير ودماء في كل مكان حتى ان بعض الرجال كانوا يبكون وهم يقاتلون لانهم يعلمون ان من امامهم ليسوا كفارا بل اخوانهم في الاسلام وكان كعب الاحبار يسمع اخبار المعركه وكان قلبه يتمزق ثم جاءت لحظه رفع المصاحف على الرماح وتوقف القتال لكن التوقف لم ينهي الفتنه بل فتح ابوابا جديده اكثر تعقيدا ظهرت جماعه الخوارج وبدات تكفر الجميع وتحولت الامه الى دوامه من الانقسامات التي لم تكن معروفه من قبل وفي تلك الايام صار الناس اكثر تعلقا بكعب الاحبار كانوا يرونه رجلا يعرف اسرار التاريخ ويملك مفاتيح لفهم ما يجري لكنه في داخله كان يشعر بالخوف لقد قرا كثيرا عن سقوط الامم لكنه الان يرى المشهد يتحقق امام عينيه داخل امه الاسلام نفسها وكان يعلم ان القادمه سيكون اشد ظلمه ففي الظلال كانت سيوف جديده تشحذ وقلوب ممتلئه بالحقد تستعد لحدث سيهز العالم الاسلامي مره اخرى حدث ستكون نهايته دماء خليفه جديد من اعظم رجال الاسلام كانت الامه الاسلاميه بعد صفين وكانها تسير داخل ضباب كث لا احد يعرف الى اين تتجه الامور ولا كيف يمكن ايقاف هذا النزيف الذي بدا منذ مقتل عثمان بن عفان القلوب امتلات بالشك والالسنه كثرت فيها الاتهامات والناس اصبحوا فرقا وجماعات بعدما كانوا امه واحده تحت رايه واحده وفي وسط هذا المشهد المضطرب برزت جماعه الخوارج كاخطر قوه جديده كانوا رجالا شديد العباده يكثرون من الصلاه والصيام وقراءه القران لكنهم حملوا فهما متشددا جعلهم يكفرون المسلمين بسبب الخلافات السياسيه وراوا ان عليا ومعاويه ومن معهما قد اخطاوا حين قبل التحكيم بعد صفين وبدات كلماتهم تنتشر كالنار كانوا يخرجون في الطرقات يصرخون لا حكم الا لله لكنهم لم يكتفوا بالكلام بداوا يحملون السيوف وكان كعب الاحبار يسمع اخبارهم بقلق شديد فقد قرا في الروايات القديمه عن جماعات متشدده تظهر في اوقات الفتن ترفع شعارات الحق لكنها تتحول الى ابواب للدماء والهلاك وذات ليله في الشام جلس الناس حول كعب يسالونه عن الخوارج فقال لهم بصوت منخفض اذا خرج قوم يكفرون الامه ويستحلون الدماء باسم دين فاعلموا ان الفتنه قد بلغت ذروتها وكانت الاخبار القادمه من العراق مرعبه الخوارج يقتلون الناس في الطرقات ويفتشرون عن ارائهم ومن خالفهم قتلوه بلا رحمه حتى انهم قتلوا عبد الله بن خباب بن الارت وبقروا بطن زوجته وهي حامل فلما وصلت الاخبار الى علي بن ابي طالب ادرك ان الامر لم يعد يحتمل السكوت خرج اليهم بجيشه والتقى الطرفان في معركه النهروان وكانت معركه قاسيه وقف علي يخاطبهم قبل القتال محاولا اعادتهم عن طريق الدم لكن معظمهم رفضوا ثم بدات المعركه وانتهت بمقتل لاعداد هائله من الخوارج لكن الذين نجوا منهم خرجوا بقلوب مليئه بالحقد والرغبه في الانتقام وكان بينهم رجال سيغيرون مجرى التاريخ كله اما كعب الاحبار فكان يشعر ان الامه تسقط اعمق فاعمق داخل دائره لا تنتهي من الفتن وكلما ظن الناس ان الامور هدات انفجرت كارثه جديده وفي تلك الفتره بدا اسم كعب يثير جدلا اكبر البعض صار يعتمد عليه كثيرا في روايه اخبار الفتن واخر الزمان بينما اخرون اتهموه بانه يكثر من الروايات الغريبه التي تشغل الناس بالعجائب والاساطير اما هو فكان يعيش بقيه عمره بين الاحترام والاتهام بين الاعجاب والخوف بينما يراقب امه الاسلام وهي تدخل مرحله جديده من التاريخ مرحله سيتحول فيها الحكم من خلافه راشده بسيطه الى دوله عظيمه متراميه الاطراف مليئه بالقوه ومليئه ايضا بالاسرار والصراعات التي لم تنتهي بعد ان هدات الحروب الكبرى وتنازل الحسن بن علي لمعاويه بن ابي سفيان دخلت الامه الاسلاميه مرحله مختلفه تماما عما عرفته من قبل توقفت السيوف التي انهكت المسلمين سنوات طويله وبدا الناس يلتقطون انفاسهم بعد زمن الدماء والخوف لكن السلام الذي ظهر على السطح لم يكن يعني ان القلوب قد هدات بالكامل كانت الجراح لا تزال حيه ذكريات الجمل وصفين والنهروان ومقتل عثمان وعليه بقيت تسكن العقول وكثير من المسلمين صاروا يخافون من المستقبل ويتساءلون هل انتهت الفتنه حقا ام انما حدث مجرد بدايه وفي تلك الاجواء ازداد اهتمام الناس بكعب الاحبار اكثر من اي وقت مضى كان الرجل قد اصبح شخصيه معروفه في الشام كلها خاصه في دمشق والقدس وصار الناس ينظرون اليه باعتباره واحدا من اكثر الرجال معرفه باخبار الامم السابقه واحداث اخر الزمان وكان معاويه يقدره ويستمع اليه احيانا ليس لانه يعتمد عليه في الحكم بل لانه كان يرى فيه رجلا واسع الاطلاع يعرف تاريخ الشعوب والملوك والدول اما كعب فقد اصبح اصبح يقضي معظم وقته بين حلقات العلم والوعظ يتنقل بين الشام وفلسطين ويجلس في المساجد يحدث الناس عن الانبياء والفتن واسرار الكتب القديمه وكان اسلوبه مؤثرا بشكل غريب اذا تكلم سكت المجلس كله واذا بدا يروي اخبار الامم الماضيه شعر السامعون وكانهم هم يشاهدون تلك الاحداث امامهم كان يحدثهم عن عاد وثمود وعن بني اسرائيل وعن الملوك الذين ملاوا الارض ظلما ثم اختفوا كانهم لم يكونوا شيئا ثم ينظر الى الناس ويقول هكذا الدنيا لا يبقى فيها الا عمل الانسان وكان كثير من الناس يبكون من كلامه وفي القدس كان كعب يشعر براحه خاصه كان يحب بيت المقدس حبا شديدا فقد قضى عموره يقرا عن هذه الارض في الكتب القديمه ويرى انها ارض الانبياء والبركه وكان يقول ان لهذه المدينه شانا عظيما في مستقبل المسلمين وكان احيانا يجلس قرب الصخره المشرفه ساعات طوي طويله يتامل المكان بصمت وكان الناس ياتونه يسالونه عن علامات الساعه وعن الدجال وعن ياجوج وماجوج وعن نهايه الدنيا فيروي لهم ما يعرفه من الاخبار والروايات لكن مع مرور الوقت بدات بعض الروايات التي ينقلها تثير جدلا واسعا جدا فقد كان يروي احيان قصصا عجيبه جدا عن خلق السماوات وعن صفات بعض الانبياء وعن احداث غيبيه غامضه حتى ان بعض العلماء خافوا ان ينشغل الناس بتلك الروايات عن القران والسنه وكان عبد الله بن عباس من اكثر الناس حذرا من الاسرائيليات وكان يقول ان اهل الكتاب قد بدلوا وغيروا فلا لا ينبغي تصديق كل ما ينقلونه. اما كعب فكان يرى ان في تلك الاخبار عبرا وحكما وان بعضها يوافق ما جاء به الاسلام وهكذا ظل الجدل حوله يزداد البعض يراه عالما صالحا اسلم بصدق والبعض الاخر يخشى من تاثير الروايات الاسرائيليه على المسلمين لكن رغم كل ذلك بقي لكعب مكانه كبيره عند كثير من الناس وفي احدى الليالي بالشام اجتمع حوله عدد كبير من الشباب يسالونه عن الفتن القادمه فقال لهم كلاما اقلقهم بشده قال ان الامه ستزداد اتساعا وقوه وستفتح كنوز عظيمه على المسلمين لكن الدنيا ستدخل الى القلوب وسيبدا الناس بالتنافس على الملك والص سلطان ثم سكت قليلا واضاف اخطر ما يهزم الامم ليس الفقر بل حب الدنيا ساد الصمت في المجلس فقد شعر الحاضرون ان كلماته ليست مجرد موعظه بل تحذير من مستقبل يقترب بالفعل وكانت الدوله الاسلاميه انذاك تكبر بسرعه مذهله الجيوش الاسلاميه وصلت الى اطراف اسيا وافريقيا والاسواق امتلات بالغنائم والتجاره والمدن الجديده بدات تبنى في كل مكان لكن كعب الذي قرا تاريخ الامم السابقه كان يرى جانبا اخر لا يراه كثير من الناس كان يعرف ان القوه العظيمه قد تتحول الى سبب للضعف اذا فسدت القلوب وذات يوم ساله رجل ما اكثر شيء تخافه على هذه الامه؟ فقال ان تتحول القلوب من طلب الاخره الى طلب الملك وكانت تلك الكلمات تترك اثرا عجيبا في السامعين ومع تقدمه في العمر بدا كعب يميل اكثر الى العزله والتامل صار يقضي وقتا اطول في العباده والتفكر وكانه يشعر ر ان ايامه تقترب من نهايتها وكان اذا جلس مع الناس تحدث كثيرا عن الموت وعن زوال الدنيا وعن سرعه تبدل الاحوال يقول لهم رايت في الكتب اخبار ملوك ظنوا ان الارض لن تخرج من ايديهم ثم صاروا تحت التراب لا يذكرهم احد وكانت تلك الكلمات تهز القلوب لكن رغ رغم زهده ووعظه لم يتوقف الجدل حوله فقد بدات بعض الروايات تنتشر باسمه بشكل مبالغ فيه واصبح كل خبر غريب او قصه عجيبه ينسبها بعض الناس الى كعب الاحبار حتى اختلط الصحيح بالمكذوب وهذا الامر سيجعل صورته بعد موته اكثر غموضا وتعقيدا وفي تلك السنوات بدا جسده يضعف شيئا فشيئا الرجل الذي امضى عمره بين الكتب والاسفار والرحلات والمجالس صار شيخا كبيرا انهكه السنون وكان احيانا يجلس صامتا طويلا وكانه يرى شريط حياته كله امام عينيه من طفل يهودي صغير في اليمن يحفظ التوراه بين الاحبار الى رجل يجلس اليوم بين المسلمين يروي اخبار الامم والانبياء رحله طويله وغريبه لم يكن يتخيلها يوما ثم بدات الاخبار تنتشر بين الناس ان كعب الاحبار قد اشتد عليه المرض وصار الناس يزورونه ليسمعوا اخر الكلمات والمواعظ وكان كثيرون يشعرون ان برحيله ستنتهي مرحله كامله من مراحل الامور الغامضه في تاريخ المسلمين مرحله الرجل الذي حمل معه اسرار الكتب القديمه وعاش بين الاعجاب والاتهام وبين العلم والجدل حتى صار اسمه واحدا من اكثر الاسماء اثاره في تاريخ الاسلام اشتد المرض على كعب الاحبار وبدا الناس يلاحظون ان الرجل الذي كان يملا المجالس حديثا وحركه صار يميل الى الصمت الطويل والتامل العميق كان يجلس ساعات ينظر الى السماء او الى ارض المسجد دون ان يتكلم وكانه يعيش مع ذكرياته اكثر مما يعيش مع من حوله وكان يزورونه يرون على وجهه اثار السنين الطويله سنوات القراءه والسفر والفتن والحوارات والمجالس التي لم تنقطع منذ اسلامه لقد عاش كعب تحولات لم يعشها كثير من البشر راى دوله الاسلام وهي تمتد من صحراء العرب الى ابواب اعظم الامبراطوريات وراى الخلفاء الراشدين واحدا بعد اخر وشهد مقتل عمر وعثمان وعلي وشهد انقسام الامه وحروبها الداخليه وكان يشعر ان ما بقي من عمره قليل وفي تلك الايام صار الناس ياتون اليه من اماكن بعيده ليسمعوا منه اخر المواعظ والروايات بعضهم ياتي حبا له وبعضهم بدافع الفضول وبعضهم لانه يريد سماع اخبار اخر الزمان من الرجل الذي اشتهر بمعرفته الواسعه للكتب القدي قديمه وكان كعب احيانا يبتسم بحزن حين يرى كثره الناس حوله فهو يعرف ان الشهره سريعه الزوال وان الناس يتغيرون مع الزمن وذات ليله جلس حوله عدد من طلاب العلم فساله احدهم يا كعب ما اعجب ما رايت في الدنيا فاطرق طويلا ثم قال اعجب ما رايت ان القلوب تتغير اسرع من تغير الفصول ثم سكت قليلا واضاف رايت رجالا كانوا يبيعون الدنيا كلها من اجل ايه من كتاب الله ثم جاء بعدهم من يبيع دينه كله من اجل الدنيا ساد الصمت وكان كلامه يخرج هذه الايام ممتلئا بالحزن وكانه يرى اشياء لا يراها الاخرون وفي الشام بدات الدوله الامويه تقوى اكثر فاكثر تحت حكم معاويه بن ابي سفيان الطرق اصبحت امنه والجيوش تواصل الفتوحات والاسواق امتلات بالتجاره والخيرات لكن كعبا كان يرى ان القوه الظاهره لا تعني دائما سلامه القلوب كان يقول لمن حوله اذا كثرت الاموال وقل الخشوع فاعلموا ان الفتنه نائمه تحت الرماد وكان بعض الناس يخافون من كلامه خاصه ان الامه قد عاشت فعلا سنوات من الدماء والانقسامات اما خصومه فقد ازدادوا ايضا بعض العلماء صاروا يتحفظون بشده من الروايات المنسوبه اليه وبداوا يحذرون الناس من تصديق كل ما يروى عن بني اسرائيل وكان هناك من يرى ان كثيرا من القصص العجيبه التي انتشرت بين المسلمين جاءت بسبب كعب او نسبت اليه لكن الحقيقه ان الرجل نفسه لم يكن يروي كل ما ينسب اليه فمع مرور الوقت صار بعض القصاصين والكذابين يختلقون روايات غريبه ثم يقولون انها من اخبار كعب الاحبار وهكذا بدات صورته تختلط بين الحقيقه والاسطوره وكان هذا الامر يحزنه وذات يوم دخل عليه رجل وقال يا كعب ان الناس يختلفون فيك كثيرا فابتسم ابتسامه خفيفه وقال وهل سلم احد من السنه الناس ثم رفع راسه وقال اذا مات الرجل تكلم الناس عنه بما يحبون وما يكرهون ويبقى عمله عند الله وحده وكانت تلك الكلمات تخرج من قلب رجل تعب من الدنيا وفي ايامه الاخيره صار كعب يكثر الحديث عن الموت يقول الموت ليس نهايه الطريق بل بدايه الحقيقه وكان اذا ذكر له الملوك والسلطان يبتسم وكان الامر لا يعنيه فقد راى بعينيه كيف يسقط العظماء وكيف تتحول القصور الى تراب وفي احدى الليالي اشتد عليه المرض جدا واجتمع حوله بعض اصحابه واهل الشام الذين احبوه وكانت دمشق هادئه تلك الليله بينما الشيخ العجوز الذي ملا الدنيا حديثا يرقض بصمت وقد اثقله التعب فتح عينيه بصعوبه ونظر الى من حوله ثم قال بصوت ضعيف الدنيا قصيره اقصر مما يظن الناس ثم اخذ نفسا طويلا وقال من عرف الله هانت عليه الدنيا كلها وبكى بعض الجالسين لقد شعروا ان النهايه اقتربت ثم بدا كعب يردد ايات من القران بصوت متقطع وكان واضحا ان قلبه متعلق بكتاب الله في لحظاته الاخيره رغم كل الجدل الذي احاط به طوال حياته وبينما الليل يقترب من نهايته اسلم كعب الاحبار روحه ومات الرجل الذي جاء من اعماق تراث بني اسرائيل الى قلب العالم الاسلامي ومات الرجل الذي عاش بين الخلفاء والفتن والقصص والاسرار ومات الرجل الذي اختلف الناس فيه اكثر مما اتفقوا عليه وانتشر خبر وفاته في الشام بسرعه فحزن عليه قوم وقالوا مات عالم واسع المعرفه بينما قال اخرون انتهى باب كبير من ابواب الاسرائيليات اما عامه الناس فقد ظلوا يذكرون مجالسه وقصصه واخباره العجيبه سنوات طويله بعد موته لكن موت كعب لم ينهي تاثيره بل ربما كانت البدايه الحقيقيه لقصته بعد وفاته فالروايات التي نقلها والقصص التي ارتبطت باسمه بدات تنتشر في الكتب والمجالس واصبح اسمه حاضرا في تفسير القران وكتب التاريخ وروايات الفتن واخبار اخر الزمان وبدا العلماء بعد ذلك بقرون يناقشون اخباره فيقبلون بعضها ويرفضون البعض الاخر حتى تحول كعب الاحبار الى واحده من اكثر الشخصيات غموضا في التراث الاسلامي رجل يراه البعض تائبا صادقا وعالما واسع المعرفه ويراه الاخرون بابا دخلت منه كثير من الاسرائيليات الى الثقافه الاسلاميه لكن الجميع اتفقوا على شيء واحد ان هذا الرجل لم يكن شخصيه عاديه ابدا لقد كان شاهدا على اخطر التحولات في بدايات التاريخ الاسلامي ورجلا خرج من عالم الكتب القديمه ليعيش وسط اعظم الاحداث التي عرفتها الامه بعد وفاه كعب بن الاحبار ظن كثير من الناس ان قصته انتهت وان الرجل الذي ملا المجالس باخباره ورواياته قد اصبح مجرد اسم في صفحات التاريخ لكن الحقيقه كانت مختلفه تماما فبعض الرجال تنتهي حياتهم بموتهم اما كعب فقد بدات رحلته الاخطر بعد موته انتشرت رواياته في الشام والعراق والمدينه ومصر وبدا الناس يتناقلون قصصه جيلا بعد جيل القصاصون كانوا يذكرونه في المساجد وطلاب العلم يكتبون اخباره والعامه ينقلون حكاياته باعجاب وخوف في الوقت نفسه ومع مرور السنوات صار اسم كعب الاحبار مرتبطا بكل ما هو غامض وعجيب اذا ذكرت الفتن حضر اسمه واذا ذكرت اخبار اخر الزمان ظهر اسمه واذا رويت قصص بني اسرائيل كان اسمه حاضرا بقوه لكن المشكله ان كثيرا من الروايات بدات تختلط ببعضها فكلما ظهرت قصه غريبه او خبر عجيب قال بعض الناس هذا من روايات كعب بن الاحبار حتى صار من الصعب احيانا معرفه ما قاله فعلا وما اضافه الناس اليه عبر الزمن وفي العصر الاموي كانت الدوله الاسلاميه تكبر بسرعه هائله المدن تتوسع والجيوش تفتح بلادا جديده والعلم ينتشر في كل مكان لكن في الوقت نفسه ظهرت حاجه الى تفسير القصص القديمه واخبار الامم السابقه فوجد كثير من القصاصين في روايات كعب ماده ضخمه تجذب الناس وكان بعضهم يزيد ويبالغ ليجعل المجالس اكثر اثاره فانتشرت اخبار عجيبه عن الملائكه والجن والفتن وعلامات الساعه واختلط الصحيح بالضعيف حتى اصبح اسمك كعب محورا لجدل كبير بين العلماء وكان هناك من يدافع عنه بقوه قالوا ان الرجل اسلم بصدق وانه كان عالما واسع المعرفه وان الصحابه انفسهم جلسوا اليه واستمعوا منه وقالوا ان روايته لاخبار بني اسرائيل جائزه ما دامت لا تخالف القران والسنه وفي المقابل ظهر من يحذر من التوسع في الاخذ عنه كانوا يقولون ان بعض الناس انشغلوا بالروايات الغريبه وتركوا تدبر القران وان كثيرا من الاسرائيليات دخلت الى كتب التفسير والقصص بسبب التوسع في النقل عن كعب وامثاله وهكذا تحول الرجل بعد موته الى قضيه فكريه كامله داخل التراث الاسلامي لكن رغم رغم كل الجدل العلمي بقيت شخصيته تثير فضول الناس بشكل عجيب كانوا يتساءلون كيف استطاع حبر يهودي من اليمن ان يصبح واحدا من اشهر رواه الاخبار في العالم الاسلامي كيف انتقل من دراسه التوراه بين الاحبار الى الجلوس مع عمر ومعاويه وكبار الصحابه وكيف عاش وسط اخطر الفتن التي مرت بالامه في بداياتها وكانت تلك الاسئله تجعل قصته تبدو اشبه برحله خارجه من قلب التاريخ نفسه وفي تلك السنوات بدا علماء التفسير يجمعون الروايات المتعلقه بالانبياء والامم السابقه فظهرت اخبار كثيره منسوبه الى كعب في تفسير قصص ادم ونوح وموسى وسليمان وغيرهم وكان بعض العلماء يقبل تلك الروايات للاستئناس فقط لا باعتبارها حقائق قطعيه اما اخرون فكانوا يرفضون كثيرا منها ومع الزمن اصبحت الاسرائيليات موضوعا شائكا داخل العلوم الاسلاميه فالعلماء قسموا تلك الروايات الى انواع روايات يوافقها القران والسنه فتقبل وروايات تخالف الاسلام فترفض وروايات لا يوجد دليل على صدقها او كذبها فيتوقف فيها وكان اسم كعب الاحبار حاضرا دائما في هذا النقاش لكن بعيدا عن الجدل العلمي بقيت هناك صوره اخرى للرجل في ذاكره الناس صوره الشيخ الغامض الذي كان يتحدث عن الفتن قبل وقوعها صوره الرجل الذي جلس مع عمر بن الخطاب واخبره بامور هزت القلوب صوره العالم الذي كان يقضي ساعات قرب بيت المقدس يتامل بصمت وكانه يحمل اسرا قديمه لا يعرفها احد وكان القصاصون يحبون هذه الصوره كثيرا لانها تجعل المستمعين يعيشون حاله من الدهشه والخوف حتى ان بعض الحكايات الشعبيه بدات تضيف اليه صفات اقرب الى الاساطير قالوا انه كان يعرف اسرار الكتب المخفيه وقالوا انه كان يتنبا باحداث المستقبل وقالوا انه كان يعرف علامات نهايه العالم بدقه لكن الحقيقه اختلطت مع الخيال شيئا فشيئا وفي العصر العباسي عندما ازدهرت حركه تدوين الكتب دخلت روايه اتعب الى عشرات المؤلفات خاصه كتب التفسير والتاريخ والقصص فصار اسمه يذكر في كل مكان وفي كل قرن تقريبا يعود الجدل حوله من جديد بعض العلماء يقولون كان رجلا صالحا صادق الاسلام واخرون يقولون يجب الحذر من الروايات المنسوبه اليه لكن مهما اختلف الناس لم يستط طيعوا تجاهله لقد اصبح جزءا من ذاكره الحضاره الاسلاميه نفسها ومع مرور القرون صار كعب الاحبار اشبه بظل طويل يمتد عبر التاريخ كلما ذكرت الفتن حضر اسمه وكلما ذكرت الاسرائيليات عاد الجدل حوله وكلما بحث الناس في بدايات الدوله الاسلاميه وجدوا هذا الرجل واقفا وسط الاحداث الكبرى يراقب سقوط الخلفاء وانقسام الامه وتحول الخلافه الى ملك ثم يرحل تاركا وراءه اسئله لم تنتهي حتى بعد مئات السنين وكان اعجب ما في قصته ان الرجل الذي عاش عمره يقرا اخبار الامم السابقه اصبح هو نفسه قصه يقراها الناس عبر الاجيال مرت السنوات والقرون وتعاقبت الدول والخلفاء وسقطت عروش وقامت اخرى لكن اسم كعب الاحبار بقي حيا بصوره غريبه لم يكن مجرد راو من رواه الاخبار بل اصبح رمزا لمرحله كامله اختلط فيها العلم بالغموض والدين بالتاريخ والحقيقه بالروايات التي نسجها الناس مع الزمن وفي مجالس العلماء كان اسمه يذكر كثيرا اذا تحدثوا عن تفسير القران ظهر اسمه واذا ناقشوا اخبار بني اسرائيل حضر اسمه واذا فتحوا ابواب الفتن والملاحم عاد اسمه من جديد حتى ان بعض الناس صاروا يظنون ان كعبا كان حاضرا في كل حدث عظيم وقع في بدايات الاسلام لكن الحقيقه ان جزءا كبيرا من هذه الصوره صنعها الاجيال اللاحقه فكل جيل اضاف شيئا الى قصته وكل راوي نقل عنه ما سمعه بطريقته الخاصه ومع كثره القصاصين الذين كانوا يبحثون عن الروايات المثيره لجذب العامه بدات شخصيه كعب تتحول شيئا فشيئا الى شخصيه يحيط بها الضباب وفي بغداد ايام ازدهار الدوله العباسيه كانت حلقات القصص تعج بالحكايات المنسوبه اليه كان القصاص يقف في المسجد او السوق والناس حوله بالعشرات وربما بالمئات ثم يبدا بصوت مرتفع قال كعب الاحبار فتسكت الجموع لان الناس كانوا يعرفون ان ما سياتي غالبا سيكون خبرا عجيبا او قصه تهز الخيال وكان بعض القصاصين يتعمدون المبالغه يحكون عن مخلوقات غريبه وعن كنوز مخفيه وعن اسرار اخر الزمان ثم ينسبون كل ذلك الى كعب حتى صار بعض العلماء يغضبون من هذا الامر بشده فقالوا ان الكذب على كعب انتشر كما انتشر الكذب على غيره وكان العلماء المحدثون يحاولون التمييز بين الصحيح والضعيف من الروايات المنسوبه اليه لانهم ادركوا ان كثيرا مما يقال لا يمكن ان يكون ثابتا لكن رغم ذلك بقيت بعض رواياته ذات تاثير كبير خاصه تلك المتعلقه بالفتن واحداث نهايه الزمان فالناس في اوقات الاضطراب والخوف دائما يبحثون عن تفسير لما يحدث حولهم ولذلك كانت اخبار الملاحم والفتن تنتشر بسرعه هائله وفي كل مره تطع فيها حرب او اضطراب سياسي يعود الناس الى الروايات القديمه ويبحثون بين اخبار كعب عن اشارات او علامات وهكذا بقي حضوره مستمرا حتى بعد مئات السنين من موته وفي الاندلس وفي دمشق وفي القاهره وحتى في بلاد فارس كان اسمه معروفا بين العلماء والعامه على حد سواء لكن المدهش ان صورته لم تكن واحده عند الجميع ففي نظر بعض العلماء كان كعب رجلا صالحا واسع العلم اسلم باخلاص ونقل للمسلمين كثيرا من اخبار الامم السابقه التي لا تخالف الدين اما عند اخرين فكان رمزا لدخول الاسرائيليات الى التراث الاسلامي وهذا الانقسام جعله من اكثر الشخصيات المثيره للنقاش في التاريخ الاسلامي كله وكان بعض المؤرخين يقولون ان كعب الاحبار يمثل لحظه التقاء حضارتين عظيمتين حضاره بني اسرائيل القديمه بما فيها من تراب واسفار وقصص وحضاره الاسلام الصاعده التي كانت تبني عالما جديدا بسرعه مذهله ولذلك كان تاثيره كبيرا لان الرجل حمل معه ذاكره امه كامله الى داخل المجتمع الاسلامي لكن هناك جانبا اخر في قصته جعل الناس اكثر تعلقا بها وهو الغموض فالرجل لم يترك كتبا كتبها بنفسه ولم يكن له تلاميذ يجمعون كلامه بطريقه دقيقه كما حدث مع كبار علماء الحديث بل انتشرت اخباره شفهيا بين الناس ثم دخلت الى الكتب بعد سنوات طويله وهذا جعل شخصيته مفتوحه للتاويل والخيال حتى ان بعض الناس بالغوا جدا في وصفه قالوا انه كان يعرف اسرار الكتب السماويه كلها وقالوا انه يملك علما خفيا عن مستقبل الامم وقالوا انه يتنبا بالاحداث الكبرى قبل وقوعها لكن العلماء العقلاء كانوا يحذرون من هذه المبالغات ويؤكدون ان الرجل مهما بلغ علمه يبقى بشرا يخطئ ويصيب ومع ذلك بقيت الهاله الغامضه حوله تقبر مع الزمن وكانت اكثر الروايات اثاره تلك التي تتحدث حدث عن حديثه مع عمر بن الخطاب وتحذيراته من الفتن وكلماته عن بيت المقدس ونهايه الزمان فالناس يحبون القصص التي تمزج الدين بالغيب والتاريخ بالمصير ولهذا السبب بقي اسم كعب حيا في الذاكره الشعبيه اكثر من اسماء كثيره عاشت في عصره وفي بعض الليالي كان القصاصون يجلسون حول النار في القرى او على اطراف المدن ويروون قصصه للناس يتحدثون عن الحبر اليهودي الذي عرف صفات النبي في الكتب القديمه وعن الرجل الذي شهد انهيار زمن الخلفاء الراشدين وعن العالم الذي كان يتحدث عن الفتن كانه يراها بعينيه وكان المستمعون ينصطون بقلوب مشدوده وكانهم يسمعون قصه رجل خرج من عالم اخر ومع مرور القرون لم تعد قصه كعب الاحبار مجرد سيره رجل عاش ثم مات بل اصبحت مراه تعكس خوف الناس من الفتن وشغفهم بالاسرار ورغبتهم في فهم التاريخ والغيب والمستقبل ولهذا السبب بقي اسم كعب حيا لا يموت فكل جيل يجد في قصته شيئا يثيره العلماء يجدون فيها نقاشا حول الروايات والاسرائيليات والعامه يجدون فيها الغموض والعجائب واهل السياسه يجدون فيها صوره الفتن التي مزقت الامه اما المؤرخون فيرون فيها شاهدا عاش اخطر مرحله انتقاليه في تاريخ الاسلام كلهما ابتعد الزمن عن عصر كعب الاحبار ازداد حضوره غرابه فالرجل الذي عاش في القرن الاول الهجري لم يبقى مجرد شخصيه تاريخيه بل تحول مع القرون الى رمز يحمل معاني كثيره حتى ان كل فئه من الناس بدات ترى فيه صوره مختلفه تماما عن الاخرى العلماء راوه بابا للنقاش العلمي والقصصون راوه كنزا للحكايات المثيره والعامه راوا فيه رجل الاسرار والفتن اما المؤرخون فراوا فيه شاهدا حيا على اخطر لحظات التحول في بدايات الاسلام وفي العصر العباسي حين بدات الكتب تجمع وتنسخ وتنتشر في العالم الاسلامي صار اسم كعب يظهر في مؤلفات ضخمه تتحدث عن التاريخ والتفسير واخبار الانبياء كان بعض المفسرين ينقلون روايه واياته عند شرح قصص بني اسرائيل خاصه ما يتعلق بموسى وداوود وسليمان والانبياء السابقين لكنهم في الوقت نفسه كانوا يحذرون من الاعتماد الكامل على تلك الروايات لان كعب نقل كثيرا من الاخبار الماخوذه من التراث اليهودي القديم وبعضها لا يمكن التاكد من صحته ومع مرور الزمن اصبحت كلمه الاسرا اسرائيليات مرتبطه باسمه اكثر من اي شخص اخر حتى ان طلاب العلم اذا درسوا علوم التفسير وجدوا اسم كعب حاضرا في كل نقاش يتعلق بالروايات القديمه لكن الغريب ان الجدل حوله لم يضعف شهرته بل زادها فالناس بطبيعتهم ينجذبون الى الشخصيات الغامضه وكان كعب شخصيه يصعب فهمها بسهوله رجل يهودي الاصل عاش عمره بين التوراه والاسفار القديمه ثم يدخل الاسلام ويجلس مع عمر ومعاويه وكبار الصحابه ويصبح واحدا من اشهر رواه اخبار الفتن والانبياء ثم يموت تاركا وراءه مئات الروايات والقصص والاسئله كيف لا تتحول حياته الى ماده للدهشه وفي تلك القرون بدات الحكايات الشعبيه تضيف الى شخصيته اشياء كثيره فصار بعض الناس يقولون ان كعب كان يعرف اسرا لا يعلمها غيره وقال اخرون انه كان يخفي علوما من الكتب القديمه لا يطلع عليها الا المقربون بل ان بعض القصاصين بالغوا حتى جعلوه اشبه برجل يرى المستقبل وكان العلماء ينكرون هذه المبالغات ويحاولون اعاده الناس الى المنهج الصحيح لكن القصص المثيره كانت دائما اسرع انتشارا بين العامه وفي بعض المدن الاسلاميه كان القصاصون يجلسون بعد صلاه العشاء وتلتف حولهم الحشود ثم يبدا احدهم بصوت مهيب قال كعب الاحبار فتسكن القلوب قبل الاذان لان الناس يعرفون ان وراء هذه العباره حكايه غريبه او خبرا يهز المشاعر وكانت اكثر الروايات تاثيرا تلك التي تتحدث عن الفتن ونهايه الزمان فالناس في اوقات الخوف والحروب يبحثون دائما عن علامات وتفسيرات ولذلك كانت اخبار كعب تعود للظهور كلما اهتز العالم الاسلامي بفتنه او سقوط مدينه او صراع سياسي حتى ان بعض الصار يربط بين كل حدث كبير وبعض الروايات المنسوبه اليه ومع مرور الزمن اصبح من الصعب جدا التمييز بين كعب الحقيقي وكعب الذي صنعه الخيال الشعبي فالرجل التاريخي شيء اما الصوره الاسطوريه التي بناها الناس حوله فشيء اخر تماما وكان بعض العلماء الكبار يحاولون اعاده التوازن فيقولون ان كعب كان عالما من اهل الكتاب اسلم وانه نقل بعض الاخبار التي قد تقبل للاستئناس لكن لا يجوز جعلها مصدرا للعقيده او الاحكام وكانوا يكررون قاعده مهمه لا نصدق كل ما جاء عن اهل الكتاب ولا نكذب كل شيء ايضا الا ما وافق الاسلام او خالفه بوضوح لكن رغم هذا التوضيح العلمي بقي اسم كعب يحمل رهبه خاصه عند الناس لانه ارتبط بعالم الغيب والفتن والاسرار وفي بعض الروايات كان الناس يتحدثون عن طريقته في الكلام وعن هيبته في المجالس وعن صمته الطويل قبل ان يجيب على الاسئله حتى بدا لكثيرين كوانه رجل خرج من زمن الانبياء القدامى الى عصر الخلفاء وكان هذا التصور يجعل قصته اكثر سحرا في اعين الناس لكن خلف كل تلك الاساطير كانت هناك حقيقه ابسط واعمق كعب الاحبار كان رجلا عاش في زمن استثنائي جدا زمن انهارت فيه امبراطوريات وزمن تحولت فيه قبائل العرب الى قاده نصف العالم وزمن قتل فيه كبار الصحابه واشتعلت الفتن داخل الامه نفسها ولذلك فان شخصيته التصقت بكل تلك الاحداث الكبرى لقد كان حاضرا حين فتحت القدس وحاضرا في زمن مقتل عمر وعثمان وعلي وحاضرا عندما بدات الخلافه تتحول الى دوله واسعه متراميه الاطراف وكان يحمل في عقله تراثا قديما من اخبار الامم السابقه لذلك راى كثير من الناس فيه جسرا يربط الماضي الصحيق بالحاضر المتغير بسرعه ولهذا بقي اسمه حيا عبر العصور ليس لانه كان قائد جيش او لانه كان خليفه بل لانه كان شاهدا غامضا على زمن غامض ورجلا حمل معه اسرار الكتب القديمه الى قلب واحده من اعظم الحضارات في التاريخ مع تعاقب العصور لم تعد قصه كعب الاحبار تروى بوصفها سيره رجل عاش ثم انتهى بل اصبحت ماده تتجدد كلما تجددت الاسئله حول البدايات الاولى للتاريخ الاسلامي فكلما عاد العلماء الى كتب التفسير والتاريخ وجدوا اسمه حاضرا في الهوامش والمتون بين القبول والتحفظ وبين النقل والنقد وكان الرجل رفض ان يغادر النصوص صوصه حتى بعد قرون من وفاته وفي مدارس العلم كان طلاب التفسير يلتقون لاول مره مع اسمه حين يدرسون قصص الانبياء فيقراؤون عن نوح وابراهيم وموسى وسليمان ثم يجدون روايات مختلفه التفاصيل منسوبه اليه وهنا يبدا السؤال القديم يتكرر في كل جيل ما الذي يقبل منها وما الذي يترك ومع هذا التكرار لم يعد كعب مجرد راو تاريخي بل اصبح جزءا من منهج التفكير نفسه في علوم الاسلام نموذجا للمصدر الخارجي الذي يستانس به ولا يعتمد عليه استقلالا ويوزن بميزان القران والسنه والعقل العلمي للروايه لكن في المقابل ظل في الذاكره الشعبيه وجه اخر له اكثر غموضا واشد تاثيرا ففي الحكايات المتداوله بين الناس لم يكن كعب مجرد عالم ينقل اخبار الامم السابقه بل صار رجلا يرى ما وراء الزمن ويتكلم عن احداث لم تقع بعد ويحذر من فتن ستقع في المستقبل البعيد وهذا التحول من راو الى شبه نبي في المخيال الشعبي لم يكن نتيجه نصوصه بل نتيجه طريقه استقبال الناس لتلك النصوص عبر الزمن فالانسان حين يعيش القلق يبحث عن اي صوت يشرح له المجهول حتى لو جاء من روايات قديمه ولهذا ارتبط اسم كعب في كثير من البيئات بحديث الفتن والملاحم حتى اصبح بعض الناس يذكره كلما اشتدت الاضطرابات السياسيه او ظهرت احداث غير مالوفه وفي المقابل كان العلماء الكبار في كل عصر يحاولون اعاده الامور الى ميزانها الصحيح فيؤكدون ان العلم الشرعي لا يبنى على الروايات الاسرائيليه وان القران والسنه هما الاصل وان ما ينقل عن كعب وغيره يعرض على هذين الاصلين فما وافقهما قبل وما خالفهما رفض وما سكت عنه الشرع يروى للاستئناس فقط دون تصديق جازم ومع ذلك بقيت شخصيته حاضره بقوه في كتب التاريخ ليس لان الروايات عنه كلها ثابته بل لان اثره التاريخي نفسه كان مرتبطا بلحظه انتقال كبرى في تاريخ الامه لحظه انتقال الاسلام من مجتمع المدينه البسيط الى دوله تمتد على قارات وتواجه ثقافات واساطير واديانا متعدده وتحتاج لفهم تراث الامم السابقه لفهم العالم الجديد وفي هذه اللحظه بالذات ظهر دور كعب الاحبار بشكل طبيعي تقريبا فهو الرجل الذي جاء من عالم الكتب القديمه ووجد نفسه داخل حضاره جديده تبحث عن تفسير لكل ما حولها لكن مع مرور الزمن لم يعد ممكنا فصل كعب التاريخي عن كعب المتخيل فالرجل الذي عاش في القرن الاول الهجري اصبح في القرون التاليه شخصيه متعدده الطبقات طبقه تاريخيه محدوده المصادر وطبقه علميه نقديه وطبقه شعبيه اسطوريه تتسع مع كل روايه جديده وهذا ما جعل المؤرخين يقولون ان فهم كعب الاحبار لا يكون فقط بقراءه اخباره بل بقراءه كيف فهمه المسلمون عبر القرون؟ وفي هذه القراءه الممتده يظهر كعب كمراه اكثر من كونه شخصيه مستقله. مراه تعكس علاقه الامه بتراث الامم السابقه ومراه تعكس طريقه تعاملها مع الغيب والقصص والفتن ومراه تعكس صراعها الدائمه بين النقل والعقل وبين الروايه والتحقيق ومع كل هذا الامتداد يبقى السؤال الذي يطرحه الباحثون دائما بلا اجابه نهائيه هل كان كعب الاحبار مجرد ناقل لتراث قديم دخل في الثقافه الاسلاميه ام ان الصوره التي وصلت الينا عنه هي في حد ذاتها نتاج قرون من التراكم والخيال والاختلاف لكن المؤكد الوحيد ان الرجل سواء اتفق الناس عليه او اختلفوا حوله ترك اثرا لا يمكن انكاره فاسمه لم يختفي من كتب التفسير ولا من كتب التاريخ ولا من ذاكره الناس بل ظل حاضرا كواحد من اكثر الاسماء اثاره للنقاش في بدايات الاسلام وهكذا لم تنتهي قصه كعب الاحبار بموته ولم تنتهي حتى بمرور القرون بل استمرت في شكل اخر شكل الاسئله التي لا تتوقف والجدل الذي لا ينتهي والبحث المستمر عن الحقيقه بين الروايه والتاريخ والمخيال. في النهايه لم تعد قصه كعب الاحبار قصه رجل واحد بقدر ما اصبحت قصه طريقه كامله في نقل المعرفه داخل الحضاره الاسلاميه الاولى وكيف تتشكل الروايات حين تلتقي النصوص المقدسه بذاكره الشعوب القديمه وكيف فتتحول الاخبار مع الزمن من روايات محدوده الى عوالم واسعه من الفهم والتاويل والاختلاف لقد عاش كعب في لحظه تاريخيه شديده الحساسيه لحظه كانت فيها الامه الاسلاميه تخرج من حدود الجزيره العربيه الى فضاء العالم الواسع حيث تلت تقي مع حضارات لها تاريخ طويل واساطير قديمه وكتب متوارثه ورؤا مختلفه للكون والانسان والتاريخ وفي هذا التلاقي كان وجود شخص مثله طبيعيا من ناحيه تاريخيه لانه يمثل الجسر البشريه الذي نقل جزءا من ذلك التراث الى داخل المجتمع الاسلامي سواء في صوره روايات او اخبار او اشارات تستخدم في التفسير والوعظ والقصص لكن ما جعل اسمه يستمر عبر الزمن لم يكن مجرد دوره في حياته بل ما صنعه الناس حوله بعد وفاته فكل جيل اعاد تشكيل صورته وفق حاجاته الفكريه والثقافيه العلماء اعادوه الى ميزان النقد والقبول والرد والمفسرون استخدموا ما روي عنه بحذر ضمن سياق التفسير والقصاصون اعطوه ابعادا اوسع من الواقع والعامه حملوه في ذاكره الحكايه والموعظه والخوف من الفتن وهكذا تشكلت طبقات متعدده من الصوره حتى صار من الصعب على اي باحث ان يعزل كعب التاريخ عن كعب الروايه عن كعب المخيال الشعبي لكن رغم هذا التداخل تبقى الحقيقه الثابته ان الرجل كان شاهدا على زمن لم يتكرر زمن تاسست فيه الدوله الاسلاميه الاولى ومرت فيه الامه باعنف التحول ولات السياسيه والفكريه وانتقلت فيه من مرحله التاسيس البسيط الى مرحله الامبراطوريه الواسعه التي تحتاج الى ادوات جديده لفهم العالم وفي قلب هذا التحول كان كعب واحدا من الاصوات التي حاولت ان تشرح الماضي للحاضر وان تربط ذاكره الامم القديمه بالواقع الجديد الذي كان يتشكل بسرعه مذهله ومهما اختلفت الاراء حوله فان اسمه ظل حاضرا في كتب التاريخ والتفسير كعلامه على مرحله معقده من تشكل المعرفه الاسلاميه المبكره مرحله لم تكن فيها الحدود بين النقل والتاويل واضحه تماما كما اصبحت لاحقا ومع مرور الزمن لم يعد السؤال الاهم هو هل صدقت كل الروايات المنسوبه اليه ام لا بل اصبح السؤال الاعمق كيف تتشكل المعرفه في لحظات التحول الكبرى وكيف تنتقل الاخبار بين الامم وكيف يختلط التاريخ بالوعظ بالقصص في وعي الشعوب وهنا تتحول قصه صه كعب الاحبار من سيره رجل الى نافذه لفهم طريقه بناء الذاكره التاريخيه نفسها داخل الحضاره الاسلاميه فهو ليس فقط شخصيه تدرس بل حاله تفهم حاله التقاء حضارات وحاله انتقال نصوص وحاله تشكل روايه عبر الزمن وحين يغلق كتاب سيرته يبقى اثره مفتوحا في كتب اخرى كثيره وفي نقاشات لا تنتهي وفي اختلافات فكريه لا تزال حاضره حتى اليوم وهكذا تنتهي قصه كعب الاحبار في ظاهرها كحياه رجل انتهى زمنه لكنها تستمر في عمقها كاثر طويل داخل التاريخ وكصوت قديم ما زال يتردد كلما عاد الناس الى سؤال البدايات والى محاوله فهم كيف تكتب الامم حكايتها اولى
2:09
العقلية التي سبقت أينشتاين بـ 1000 عام – أعظم عالم في التاريخ
معلومة خاطفة
1.4K مشاهدة · 1 year ago
3:22:16
تاريخ العالم تسلسل زمني لأهم الأحداث منذ القرن الأول الميلادي حتى القرن العشرن
MG HISTORY
4.5M مشاهدة · 2 years ago
2:26:24
التاريخ الكامل للحضارات الإنسانية من العصور القديمة إلى الحديثة 4 K وثائقي
BTN - أفلام وثائقية تاريخية
2.3M مشاهدة · 1 year ago
21:18
العلماء يكتشفون رجل مجمد من 5000 الاف سنة ماوجدوه اذهلهم جداً
أحمد وردة
50.9K مشاهدة · 3 days ago
15:58
وثائقي علماء العرب الستة الذين غيروا تاريخ العلم ولم يعرفهم احد
وثائقية أحداث وحقائق روايات
906.3K مشاهدة · 6 years ago
0:13
من افضل عالم في التاريخ الامام جعفر الصادق عليه السلام
عاشق النبا العظيم عليه السلام
19.2K مشاهدة · 3 years ago
41:11
القاضي أبو يعلى رحلة عالم في الفقه الحنبلي ومواقف مؤثرة في التاريخ الإسلامي قصص علماء الأمة
قصص علماء الأمة
651 مشاهدة · 1 month ago
1:00
اول كاس عالم في التاريخ
Ahmed khawaga
544 مشاهدة · 3 years ago
2:05
أعظم عالم في التاريخ السيد محمد باقر الصدر
Alaa Saadoun
22 مشاهدة · 1 year ago
6:08
أسرار ابن سينا هل كان أذكى عالم في التاريخ
aasad channel
728 مشاهدة · 1 year ago
2:10
البيروني اعظم عالم في التاريخ light Life
Light Life
150 مشاهدة · 5 years ago
57:15
عالم في عصر الدولة المملوكية صاحب أعظم كتاب في التاريخ