سلطة السخرية إلى أي مدى يمكننا أن نسخر من كل شيء في الحضارة

سلطة السخرية إلى أي مدى يمكننا أن نسخر من كل شيء في الحضارة

النص الكامل للفيديو

هو كان لازم يعني تتلمُّوا عندي في الشقة؟! ما كل واحد يتفرج في بيته يا أم "ميدو"! جرى إيه يا أستاذ "محمد"؟! هي اللمة تحلى غير في الـ"لايف" مع "ميدو"؟! معلث يا أم "ميدو"! ثكل كدا "ثعدني" غيران إن "ميدو" متثاف أكتر منه. آه! هو فعلًا بيقولّك إن "ميدو" مسمّع برة "مصر"، واصل لـ"نيجيريا"! - ازيكم يا أحلى جمهور على النت... - ادّاله القاضية في الحتة الفاضية! جمهور "ميدو إكستريم". النهاردة، جايبلكم "فلوج" ما حصلش! النهاردة، هورّيكم العمارة اللي أنا عايش فيها. عمارة غير أي عمارة! النهاردة، هورّيكم الـ"ديب ويب" اللي أنا عايش فيه! شوف الواد لسة في أول دقيقة في الـ"لايف"، وفيه 2000 بيتفرجوا عليه! بسم الله ما شاء الله! الله أكبر كدا! ما تسمّي على الواد! ومعانا أول شقة في العمارة، شقة الأستاذ "سامح". "سامح" الفرفور! واد طري كدا بيحب بت، كانت بتوصلّه كل يوم البيت بالعربية. وكان بيحب واحدة هتسفّره، بس طلعت 6 من "نيجيريا"، واتنصب عليه! هو دا اللي "ثرّك كبير" يا "ثعدني"؟! دي بقى، شقة الأستاذة "ريم تارجت". إيه قلة الأدب دي؟! بت جميلة وناجحة وطيبة، وعمرها ما زعّلت حد من سكان العمارة. فبالله عليكم يا أهل الخير، لو حد يلاقيلها عريس، لأحسن هي رايحة جاية على الدجّالين والسحرة، عشان تتجوز وتحقق الـ"تارجت"! الله يخرب بيتك يا أم "ميدو"! ودلوقتي، هورّيكم أهم شقة في العمارة، صاحب العمارة. كلنا بنقولّه، "يا عمو (شلبي)." بس مراته بتقولّه، "يا بوز الإخص!" وساعات، "يا راجل يا ناقص"! خلّي بالك يا أم "ميدو"، الواد دا هيبيّتكم برة في الشارع! شارع مين؟! دا هو وأمه هيباتوا في الحجز! وليه كدا يا عم "شلبي"؟! انت لسة من شوية قايل إنه عيل! ما تقوليله حاجة يا أم "مدحت"! نيجي بقى لأم "مدحت"، مراته. اللي أمي مسجّلاها على التليفون "الحرباية"! وساعات، هي و"ريم" بيقولوا عليها "الصَّفرا"! والنبي يا أختي دا "سكرين شوب" اللي بيقولوا عليه دا، مش حقيقي! أنا ما أقدرش أقول عليكي كدا أبدًا! قولّها حاجة يا أستاذ "محمد"! أيوة، أيوة يا جماعة! هو الـ"لايف" دا مكتوب عليه أصلًا إنه من وحي خيال "ميدو" يعني! ورحمة أمي، لأخلّي "مدحت" ابني يدّيله حتة علقة! "مدحت" مين؟! هو أنا كيس جوافة؟! أنا اللي هربّيه! يا جماعة، استهدوا بالله! لازم نبقى أعقل من كدا. عيّل وبيهزر! انتم بس مشكلتكم إن انتم مش عارفين تتقبلوا الهزار. طبعًا، ما انت على قلبك مراوح، اكمنه ما جابش سيرتك في حاجة! يا جماعة، والله ولا قايلّه ولا حاجة، هو الواد تلاقيه المحتوى خلص منه، فهيقفل الـ"لايف" على كدا. وبعدين، انتم مشكلتكم إنكم... ..."يوتيوبر" مشهور، عنده ييجي 7 لـ8 مشتركين كدا! ولا عنده فلوس، ولا عنده صحاب، ولا حتى باب شقة! ودلوقتي، هورّيكم الشقة اللي بيصوّر فيها الكلام الملانخوليا بتاعه! أوبّا! وقعِت يا حلو! اجري! اجري يا ولا! اجري منهم! ولا! يا ابن الإيه يا "ميدو"! صحيح والله! يعني، اللي يمشي ورا العيال... ما يخلاش من البهاريز! صديقي الإنسان، بمناسبة التنكيت يعني، بيقولّك، مرة "أفلاطون" حَب يعرّف البني آدم، فقام قاله عليه، "كائن برِجلين، عديم الريش." "ديوجانس"، الفيلسوف الكلبي، سمع التعريف دا من هنا، وقام جايب فرخة، نتف ريشها، وراح داخل على طلبة "أفلاطون"، وقالّهم، "الحقوا يا جماعة، جبتلكم (إنسان أفلاطون) معايا!" يعني، الله يرحمه، واضح إن هو كان "رامز جلال" بتاع العصر بتاعه! لكن الحقيقة إن ما حدش يعرف إذا كان "أفلاطون" كان بيتكلم بجد ولّا بيهزر. بس هي تيجي منه بصراحة! السؤال هنا: يفرق إيه الهزار من الجد؟ يعني، تعرف مثلًا، صديقي الإنسان، احنا دايمًا عندنا نوعين من الأغاني بنسمعهم وبنحبهم، أغنية بتمجد في الحب وتتغزل في جماله، وبتدّي الحبيب صفات ملائكية، وأغاني تانية، نادرة شوية، بتاخد الموضوع سَفّ وتريقة، يعني مثلًا، "إسماعيل ياسين" لمّا بيقولّك، "الحب بهدلة، خلّاني قندلة، بهدِلّي صحتي، ولا حول ولا!" النوع الأول دا مثالي جدًا، والنوع التاني، بنعتبره مجرد نُكتة وخلاص، ونضحك عليه. احنا بنتمنى دايمًا إن الحب يكون زي الأغاني الأولانية، عشان الحب يبقى حاجة نقية وجميلة ومثالية، بس من جوانا، ممكن نبقى حاسين إن الأغنية التانية، بتاعة "إسماعيل ياسين" دي، هي الحقيقة فعلًا إن الحب بهدلة، وإنه مضر بالصحة! الأديب الفرنسي التشيكي "ميلان كونديرا"، في "كتاب الضحك والنسيان"، بيقارن ما بين وجهتين النظر دُول، بيسمّى الأولى "النظرة الملائكية"، ودي بتقول إن العالَم منظّم وكل حاجة فيه منسجمة مع بعضها، وكل حاجة كمان ليها معنى، وما فيش حاجة بتحصل بالصُدفة، وما فيش حاجة غلط أو مش في مكانها. في مقابل بقى "النظرة الملائكية" دي، بيسمّي المنظور التاني "النظرة الشيطانية"، ودي وجهة نظر الشخص اليائس من إنه يلاقي أي معنى لأي حاجة، وبدل ما تجاري النظرة الملائكية دي، بتسخر منها وتضحك عليها، وتقعد تطلّع فيها عيوب ومشاكل، وتقول عليها نُكَت. "كونديرا" بقى بيقول إن النظرة الشيطانية دي، رغم يأسها وعدميتها، فهي بتلعب دور اجتماعي مهم جدًا، لأنها بتكشف الفساد والكدب، اللي بيبقى موجود أحيانًا في وجهة النظر الملائكية. ودا عشان الرؤية المثالية للعالم فيها جزء كبير من الادّعاء، مثلًا، ادّعاء إن الدولة هي اللي بتمثّل الخير المُطلَق للشعب، أو إن المثقفين والعلماء دُول مثلًا همّهم بس على الحقيقة، وما عندهومش هموم شخصية. وصاحب النظرة المثالية للعالم دا بيبقى متخيل إن هو عارف الحقيقة المُطلقة، بغض النظر عن أي تطورات أو تغيرات، كل حاجة بالنسباله في مكانها المظبوط. لكن مش "كونديرا" بس اللي كان شايف إن السخرية ليها علاقة بتصوراتنا المثالية عن الحياة، "فرويد" كمان كان بيقول إن الأفكار المثالية بتمارس سُلطة عريضة، لأننا بنحاول طول الوقت إننا نضغط على نفسنا عشان نبقى شبهها، لكن فجأة، في لحظات معيّنة، بنشوف الفرق بين الواقع الملخبط والفوضوي دا، وبين التصورات المثالية دي. زي إما تشوف واحد صاحبك مثلًا لابس بدلة أبوه، انت عارف إن هو عبيط والبدلة كبيرة عليه، فبتضحك، عشان الفرق كبير أوي ما بين الواقع والمثال، ما بينه وما بين البدلة! السخرية في الحالات اللي زي دي بتقلل التوتر اللي بتخلقه التصرفات العقلانية المُتوقّعة مننا طول الوقت، وأحيانًا، السخرية دي بيكون وراها رغبة في الانفلات والتحرر من القيود اللي بتخلقها التوقعات دي. لأننا في الحياة مش دايمًا بنلعب دور البطل المثالي الخالي من العيوب، في الأغلب، العكس هو اللي صح، حياتنا كلها مساخر وعيوب وهزل، والنُكتة بتبقى فترة راحة مؤقتة من المثالية اللي المجتمع بيضغط علينا عشان نحاول نوصلّها دي. الساخر بيفكرنا إن الواقع أو الحقايق اللي احنا بنسلّم بيها، ممكن يكون ناس تانية هما اللي اخترعوها، وبينبهنا لأن احنا لازم ندوّر وراهم ونسأل عن مصلحتهم في إننا لازم نصدّق الحقيقة دي ونسلّم بيها. ولمّا الشخص الساخر بيورّينا المفارقة بين الواقع والمثال، فاللي هو بيعمله دا إن هو بيثير الشك في الخطابات الرسمية، لكن مش معنى كدا إن الشخص الساخر قاصد يشكك ويعمل كل دا، أو لازم يعني يكون عنده أهداف سياسية أو "أجندة" أو بتاع، هو، غالبًا، أخف من كدا بكتير. هو مجرد شخص بيلعب مع الولا حاجة، وبيهدم المستقر، وبيصفّر اللعبة عشان تتعاد من الأول. مش بيحاول إن هو يكون أب أو قائد، لكن بس شوكة كدا تعكنن على الناس عشان تفوّقهم، أو زي ما كان "سقراط" بيقول، وحتى مش لازم الشخص الساخر دا يكون عنده فكرة أو بديل عن الوضع اللي هو بيسخر منه، بالعكس، دا كتير سخريته أصلًا بتكون من نفسه ومن موقفه هو كمان زي بالظبط ما بتكون من غيره، حتى ممكن اللي بيسخر من نفسه دا، ما يبقاش بيعمل كدا من باب التواضع يعني، لكن لأنه لقى الموضوع دا بيجيب مع الناس، أو بيفتحله باب رزق. هما بيضحكوا عليه، فهو يضحك على نفسه معاهم، عايز ياخد شوية من الـCredit بتاع الـ"إفيه". زي "جول (مجدي عبد الغني)" كدا مثلًا، أو عامل النضافة بتاع "كشري التحرير". بس خلّينا نرجع تاني للسخرية اللي بجد. في القرن الـ20، كان الفرق بين الواقع والمثال اللي قلنا عليه دا، اللي هي المفارقة اللي بتولّد السخرية، بيوصل لأبعاد جديدة خالص، لمّا الحداثة بتفشل في تحقيق وعودها للإنسان، وبيلاقي الإنسان نفسه في مواجهة الحروب العالمية والاستبداد والديكتاتوريات وغيره، عشان كدا السخرية بتتحول لأداة قوية لتحدي استغلال السُلطة، ومحاولتها إنها تتحكم في عقول الناس. واحد زي "تشارلي شابلن" مثلًا، بيتحول لأيقونة من أيقونات السينما، بسبب أفلامه اللي بتسخر من الديكتاتورية. ودا كله لحد هنا كلام جميل أوي، لكن المشكلة، صديقي الإنسان، إن السخرية ممكن تبقى أداة رجعية كمان، تعمّق الظلم والديكتاتورية بدل ما تشكك فيهم، عشان الساخر دا، صديقي الإنسان، لو خرج عن السيطرة، وبقت سخريته مستمرة من أي قيمة أو معنى، دا هيحوّله، لا مؤاخذة يعني، لقوة عدمية... وهيبقى بيمارس السخرية دي مش بس ضد الشر، لكنه كمان هيمارسها ضد الخير، ومش بس ضد الظلم، لكن كمان ضد العدل. الناقدة الأدبية الكندية "ليندا هتشيون"، في كتابها "حافة السخرية"، بتقول إن زي ما السخرية قدرت تتحدى القوى المهيمنة والأفكار المحافظة والظلم الاجتماعي والسياسي، فهي كمان لعبة ممكن يلعبها اتنين، وسلاح عابر للـ"أيديولوجيات". عشان كدا، التيارات السياسية اللي في السُلطة، تقدر تستخدمها هي كمان عشان تعزز وضعها، مش بس القوى الثورية والمعارضة. وما دام الضحك ممكن يبقى جزء من لعبة السُلطة، يبقى أي حد ممكن يستخدمه عشان يدافع عن نفسه وعن قضيته، سواءً بقى كانت القضية دي قضية عادلة أو ظالمة، وأحيانًا كمان، السُلطة بتبقى واعية بخطورة الضحك، وعارفة أدواته، وبتقدر تستخدمها في مواجهة الضحك المتمرد والمقاومة اللي بتستقبلها من الناس. وهنروح بعيد ليه؟ اتنين من اللي وصلوا لأعلى مناصب في العالم، زي "دونالد ترامب"، لمّا بقى رئيس "أمريكا"، أو "بوريس جونسون"، لمّا بقى رئيس وزراء "بريطانيا"، الاتنين قدّموا نفسهم في الأساس على إن هما شخصيات ساخرة، وإنهم يقدروا يفرّغوا الأفكار من معناها، ويشلّوا حركة خصومهم عن طريق النُكَت. الناس اللي زي "ترامب" و"جونسون" دُول الأخبار بتحبهم أوي بقى، لأن في العصر الحالي، الترفيه بقى أهم من المعلومة والتحليل، والناس دي بتقدّم مادة بأخبار مُسلّية ومضحكة وسهل تتفهم، في الحالة دي، اليمينيين بيستخدموا نفس أدوات الساخرين، وبيحولوا العالم لمفارقة بين الواقع والمثال، لكن المفارقة دي بيكون هدفها مش كشف الحقيقة، وإنما طمسها وإخفاءها. لكن الغريب إن الناس دي، رغم كدا، بيكونوا حيويين كدا وفيهم الروح عن رجال السياسة التقليديين، اللي هما بيعملوا أدوراهم زي ما تكون "سكربت". اليمينيين بقى أساتذة في اللعب على مشاعر الناس وقلب الترابيزات، وبيورّونا بأسلوبهم دا ازاي السياسة فيها جمود وكدب، وعشان كدا، بيغروا الناس، والجماهير بتروح وراهم، لأنهم بيشوفوا فيهم السخرية اللي وراها صدق، مع إن هما غالبًا بيقدّمولنا سخرية وراها كدبة أكبر بكتير من الكدب اللي بيسخروا منه. يعني مثلًا، لمّا بنفضل نقول نُكت وتعليقات ساخرة عن الفئات المُستضعَفة في المجتمع، زي الستات ولّا الأقليات ولّا غيرهم، فدا ممكن يبقى بيحوّل الأفكار المتحيزة دي ضدهم لأفكار مقبولة اجتماعيًا، ويخلّينا نشوفها أفكار عادية ومش محتاجة مُساءلة، زي مثلًا، النُكَت اللي بتتريق على فكرة إن الرجالة لازم يكونوا شركاءهم، أو إن الستات، كل تفكيرهم في اللبس والـ"ميك آب"، الكلام دا ممكن في أوقات يبقى بيـNormalize الخيانة وبيـNormalize الـ"ميك آب" بتاع الستات، اللي هو "حاجة Normal، عادي." نفس الكلام كمان ممكن يتقال عن السخرية من قضايا جادة زي التغيير المناخي أو الفقر أو العنصرية، لأن السخرية بتقلل جدّية القضايا دي، وبتخلّينا نحس إن هي أخف أو أتفه. لكن الفيلسوف الإنجليزي "روجر سكرتون"، شايف إن استخدام السخرية ضد الآخرين مفيد، لأنه مش لازم السخرية دي تكون بهدف الشعور بالتفوق عليه، أد ما هي بتربطنا بيه وبتخلّينا نفهمه باعتبارنا بشر زي بعض، إنسانيته شبه إنسانيتنا فيها ما يستدعي النقص والسخرية يخلّينا نحس كمان بالتعاطف معاه. دا ممكن يكون طريقة كويسة برضه لتقبُّل الناس المختلفة عننا، بدل ما أحيانًا، بقينا بنحس بسبب الصوابية السياسية، إن المجموعات اللي كانت منبوذة في الماضي بسبب اختلافهم عن عموم الناس، بقوا دلوقتي في مكانة ما ينفعش حد يقرّبلها ولا يلمسها، ولا ينفع حد ييجي جنبهم بتعليق، عشان ما يتقالش عليه رجعي ومتخلف، انت بتحترمه عادي، بس بتحس إنه شبه زميلك في الفصل المؤدب المتفوق ابن الناس، اللي هو برضه غالبًا أضعف من بقية العيال، هيصعب عليك وتخاف عليه من التنمر، وما تحبّش تجرحه بتعليقاتك، بس فيه بينه وبينك حاجز، لأن كل ما حد بييجي جنبه، بيروح يشتكي للمدرس، وبالتالي، فهو بقى محمي بسُلطة. في حين إن سخريته من نفسه، أو قبوله لسخرية الناس منه دي، وإن السخرية دي شيء بيسري على الكل، ممكن هي فعلًا اللي تخلّيه شبههم، وبدل ما يبقى الموضوع عن كرامته، أو إنه ليه وضعية خاصة، يبقى إنسان زي أي إنسان، عنده نقط ضعفه العادية اللي عندنا كلنا. الجماعة بتوع الـStandup Comedy، زي "ديف شابيل" و"ريكي جيرفيه" وغيرهم، صوتهم اتنبح في الفكرة دي! إن من حقهم يتكلموا في أي شيء ويسخروا من أي شيء، حتى الأقليات والمجموعات المُستضعَفة، زي ما بيسخروا من أي حد تاني، لأنه دا مش احتقار ليهم أو تقليل منهم، بل بالعكس، دا بيأكد إن الأقليات دي مُدمَجة ضمن طيف الإنسانية الواسع، مش في مكانة منبوذة أو أقل زي زمان، وفي نفس الوقت، مش في مكانة أعلى محمية بالسُلطة. لكن طبعًا للأسف في الآخر، السخرية دايمًا معتمدة على النية، لكن العلاقة بين السخرية والسُلطة ليها أبعاد تانية أعقد من كدا، لأن ممكن كل الـ"ميمز" والنُكَت اللي بنوجهها ناحية الحاجات اللي بتضايقنا، وضد السُلطة خصوصًا، تكون مجرد تنفيس مؤقت، اللي هو آخرنا نصرّخ شوية ونرفّس من الضحك، وندلدق الـ"نسكافيه" على الـ"كيبورد"، بس دا أحسن للسُلطة من إننا نغضب بجد. يعني ممكن النُكتة تكون بتساعدنا نتكيّف مع الوضع القائم بالأساس، مش نتمرد عليه، زي ما كنا بنقول من شوية. الناقد الأدبي الروسي "ميخائيل باختين" ربط الفكرة دي بالمهرجانات والاحتفالات اللي كانت بتتعمل في "أوروبا" في العصور الوسطى، زي مثلًا عيد الحمقى، اللي كانت السُلطات السياسية والدينية بتسيب الناس فيه تتصرف تصرفات ممنوعة في الأيام العادية، بما في ذلك السخرية من الملكية وحتى من الكنيسة نفسها، وكمان، بتسمحلهم يتجاوزوا القوانين والأعراف الاجتماعية. وهنا، السُلطة بتسمح للناس إن هي تفرّغ الغضب والاحتجاج وتنفّس عنه، بدل ما تحوّله لقوة تغيّر الوضع القائم. ومش دي بس المشكلة، صديقي الإنسان، في السخرية والنُكَت والـ"ميمز"! الناقد البريطاني "تيري إيجلتون"، في كتابه "فسلفة الفكاهة"، بيقول زي ما احنا بنقول، إن السخرية ممكن تخفف قسوة التراتبية اللي في العالم، وإرهاب المثالية والمبادئ النبيلة اللي بتكون في نفس الوقت مزيفة، لكن السخرية كمان ممكن تدمر القيمة تمامًا، لأنها بتدمر المعنى، الفكاهة لمّا بتوصل لدرجة معيّنة، ممكن تبقى وحشية، وفيها تجاهل قاسي جدًا للقِيَم الإنسانية، وتتحول لطريقة أو لعبة لغوية عشان نهرب من الواقع من غير ما نتحمل أي عواقب، نحول كل حاجة لنُكتة. فنهرب من التعاطف مع آلام الناس، أو من أي مسئولية محطوطة علينا، ونهرب من العلاقات العميقة، ونشكّك باستمرار في صدق دوافع غيرنا، وما نلتزمش بالصداقة أو بالحُب. مهو الحب بهدلة، صديقي الإنسان، زي ما قال "إسماعيل ياسين"! لكن المشكلة، صديقي الإنسان، إن المشاكل اللي في العالم، للأسف يعني حقيقية، مش مجرد نُكتة. والحياة في مجتمع معناها إننا لازم نكون ملتزمين بمجموعة من المعاني والقِيَم المُشترَكة، نبقى مؤمنين بيها كلنا، نبقى مؤمنين بالأمل في مستقبل أحسن، دا ممكن يبقى التزام رومانسي فعلًا ومثالي، وعشان كدا، سهل يبقى عرضة للسخرية، وتبقى السخرية زي ما فضحت الشيء السيئ، بتبان مشاكلها لمّا تقلل من الشيء الجيد، ولمّا تنكر كل قيمة، وتتحول لعدمية تخلّينا مختلفين عن نفسنا وعن مشاعرنا ومجتمعنا. مع إن السخرية من المثالية هتفضل مطلوبة، يعني مثلًا، السخرية من الحب المثالي دا حاجة مفيدة، لأنه مش موجود فعلًا، لكن لمّا السخرية بتزيد عن حدّها ممكن تخلّينا ننكر وجود الحب نفسه، ودا اللي بيقوله "كيركجارد" عن سخرية الأدباء الرومانسيين الألمان في عصره، إن هما بنوا تصورات مثالية عن كل حاجة، ما لهاش وجود إلا في خيالهم، وبعدين، ما لقوهاش موجودة في الواقع، فسخروا من كل الواقع وكفروا بكل القِيَم، ووقعوا في اليأس! وبكدا، تبقى الحياة بالنسبالهم حاجة من اتنين، يا إما حلم جميل، يا إما كابوس، لكن عمرها أبدًا ما تبقى حياة واقعية وليها جوانب مختلفة، حلوة ووحشة. عشان كدا، السخرية ليها وشوش كتير، فيه سخرية بتساعدنا إننا ننتصر على آلامنا، وفيه سخرية تانية من آلام الآخرين، فيه سخرية بتكشف كدب السُلطة، وفيه سخرية تانية بتشوِّش على الحقيقة، وبتستخدمها السُلطة عشان تعمينا، فيه سخرية بتقربنا من اللي حوالينا، وفيه سخرية تانية بنستخدمها ضد خصومنا، عشان نلغي النقاش معاهم ونسكّتهم لمّا يعارضونا. طب هل معنى الكلام دا إننا لازم نبطّل سخرية؟ أكيد لأ، لأن العقلية الساخرة مهمة في عصر بيزيد فيه الكدب والتدليس، وبتزيد معاه ضرورة الشك وكشف الحقيقة، والسخرية في الوقت دا بتبقى سلاح مهم جدًا وفعّال في عمل دا. لكن أهمية السخرية للأشخاص الساخرين وشعبينهم وسط الناس، عمرها ما كانت بسبب إنهم أقوى من اللي بيسخروا منهم، بالعكس، غالبًا، قوتهم الحقيقية كانت بتيجي من حرصهم على اكتشاف المعنى وتمييز الحقيقة عن الكدب، ودا الخط الرفيع اللي بيفصل ما بين الساخر والعدمي، الساخر بيحاول يكتشف الحقيقة، وينتقد الكدب والتزييف، لكن العدمي مش فارق معاه الحقيقة، بالعكس، بالنسباله الحقيقة زيها زي الكدب، وبيسخر من الاتنين. الفيلسوف الألماني "بيتر سلوتردايك"، بيحاول يشرحلنا الفرق دا بالتفصيل في كتابه "نقد العقل الكلبي"، وبيقولّنا إن التفكير الساخر بيحصل لمّا يكون فيه روايتين عن الأشياء، رواية رسمية ورواية غير رسمية، الرواية الرسمية دي ممكن تكون بتعبّر عن الطبقات اللي في السُلطة، واللي في إيديهم معيار الحقيقة والنفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والرواية الغير رسمية دي بتبقى بتعبّر عادةً عن الشعوب، والفرق بين الروايتين دُول هو برضه الفرق ما بين الواقع والمثال، واللي بيخلّينا نشوف العالم بطريقة مختلفة، يعني انت مثلًا، لو شُفت فنان مشهور دايمًا بيتكلم عن الأخلاق والقِيَم العليا، وبعدين، عرفت مثلًا، إن هو بيسرق أو بيغش أو بيستغل الناس اللي شغالة معاه، فالسخرية هنا بتفضح التناقض دا، وتخلّيك ما تبقاش فريسة للرواية الرسمية، اللي هي هدفها إنها تحمي الفنان دا وصورته وسُلطته. لكن سخرية العدمي مختلفة، العدمي بيحُط نفسه برة العالم الاجتماعي، وبرة قِيَمه وبرة كل تصوراته، كأنه بيغسل إيده من أفعال المجتمع، رغم إنه جزء منها. ودا مثلًا، زي ما يكون فنان برضه، لكن كل اللي بيعمله إنه يسخر من رداءة اللي بيتقدّم ويتريق عليه، بدل ما يحاول هو إن هو يقدّم شيء كويس الناس تشوفه أو تسمعه، السخرية هنا بقى بتتحول لقناع، عشان يميز بيه نفسه، وعشان يعمل مسافة تفصله عن العالم اللي هو شايفه مليان فساد. الساخر العدمي هنا عمل أول خطوة، وهو إنه يبيّن المشاكل والعيوب اللي في الواقع، لكنه ما خدش الخطوة اللي بعدها، إن هو يقدّم معنى جديد متماسك ومنطقي، لأ، هنفضل ندور في دايرة من الخواء والعدم، وما فيش أي قيمة للكلام ولا فيه معنى لأي حاجة بنقولها. كل حاجة فارغة وتافهة وما تستاهلش بالنسباله! والسخرية دي ممكن تبقى هي نفسها مزيفة، زيها بالظبط زي اللي بتنتقده، فكر كدا، صديقي الإنسان، كام مرة قعدت تضحك على اللي بيحصل، لدرجة منعتك إنك تفكر في معناه، كأن النُكتة أو الـ"ميم" أو الـ"إفيه"، أهم من الفهم وتكوين رأي، أو التواصل مع الناس! فكر كمان، كام مرة وانت بتتناقش على النت، كنت بتفكر في أروش رد، وأقوى قصف جبهة، بدل ما تفكر في طريقة حقيقية إنك تفهم اللي قُدّامك دا بيحاول يقول إيه. الحقيقة، إن الحياة فيها حاجات كتير وناس كتير يستدعوا السخرية لكن الأكيد كمان، إن كلنا لا أبطال ولا مُلهَمين ولا مثاليين، كلنا حياتنا ممكن تبقى موضوع للضحك والكوميديا، عادي، لكن طبعًا ما نحبش إنها تبقى موضوع للازدراء والتهكم القاسي. لكن السخرية هتفضل طريقة تفكير ومنهج مهم في التعامل مع الواقع، بسبب الصراع بين تصوراتنا المثالية وبين اللي بيحصل فعلًا، وبسبب التناقض بين الوعود البرّاقة وبين النتيجة اللي بنشوفها على الأرض. وبكدا، فالسخرية بتخلّينا نطور أفكارنا القديمة، وبتدّينا وسيلة نفسية مهمة للمقاومة، وبدل ما نسوّي خلافاتنا بضرب الجِزَم، جايز، والله أعلم يعني، يكون فيه طريقة تانية. يلّا، صديقي الإنسان، قوم بقى شوفلك "ميم" شغّله، أو سيبلنا أحلى "إفيه" سمعته مؤخرًا في التعليقات. أهو أي حاجة، بدل ما انت عَمّال تقولّي، "اعمل حلقتين في الأسبوع"! ويا ريتك في الآخر عامل يا نهار أزرق! الواد "ميدو"، عم "شلبي" شكله معلّقه على باب العمارة! هأقوم أشوف فيه إيه! آه!
لا تأكل بالشوكة الدحيح 21:29

لا تأكل بالشوكة الدحيح

New Media Academy Life

3M مشاهدة · 3 years ago

18 شيئاً يجب أن تتخلص منها اليوم أسرار المينيماليزم الياباني التي ستحرر روحك 9:39

18 شيئاً يجب أن تتخلص منها اليوم أسرار المينيماليزم الياباني التي ستحرر روحك

Life Lesson Daily

138 مشاهدة · 3 weeks ago

The One Thing Youve Never Told Anyone Ibn Arabi Tonight You Either Speak or Regret It 1:12:52

The One Thing Youve Never Told Anyone Ibn Arabi Tonight You Either Speak or Regret It

بوابة المعنى

1.4K مشاهدة · 1 day ago

لماذا بعض الناس منازلهم نظيفة دائما السر النفسي الذي لا يخبرك به أحد 5:23

لماذا بعض الناس منازلهم نظيفة دائما السر النفسي الذي لا يخبرك به أحد

مُفكر | Mufkr

53.2K مشاهدة · 1 month ago

المنشاوي فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ تلاوه في قمه الجمال سوره ال عمران 53:33

المنشاوي فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ تلاوه في قمه الجمال سوره ال عمران

‫قناة الشيخ محمد صديق المنشاوي (ريحانه القرآن)‬‎

445.6K مشاهدة · 5 years ago

هل الإنسان الذي يستخدم اليد اليسرى مبدع محمود 7:09

هل الإنسان الذي يستخدم اليد اليسرى مبدع محمود

اقرأ - رمضان الخير

17.3K مشاهدة · 3 years ago

كان فيما مضى حين يثقل الجسد بما لا تطيق الروح ليونيد آندرييف بصوت نزار طه حاج أحمد 1:06:47

كان فيما مضى حين يثقل الجسد بما لا تطيق الروح ليونيد آندرييف بصوت نزار طه حاج أحمد

Lisan Arabi لسان عربي

13.2K مشاهدة · 6 months ago

كان ابي يسخر مني دائما اخوتك صاروا اطباء ومهندسين اما انت فلا شيء عار على عائلتنا بقيت صامتا 54:21

كان ابي يسخر مني دائما اخوتك صاروا اطباء ومهندسين اما انت فلا شيء عار على عائلتنا بقيت صامتا

حكايات لا تُنسى

4.5K مشاهدة · 23 hours ago

احرق نسختك القديمة بلا رحمة ودعهم يختنقون في صمتك فلسفة النضج الأسود 9:53

احرق نسختك القديمة بلا رحمة ودعهم يختنقون في صمتك فلسفة النضج الأسود

Life philosophy | فلسفة الحياة

4.9K مشاهدة · 2 weeks ago

اذا اردت شيء من احدهم قل له هذه الجملة اسلوب نفسي ماكر لن يخبروك به 10:13

اذا اردت شيء من احدهم قل له هذه الجملة اسلوب نفسي ماكر لن يخبروك به

أحداث وحقائق

3M مشاهدة · 5 years ago

هكذا ألهمت ماكينة الشوكولاتة رجلا يجلس في حوض استحمام لاختراع غيّر نظام العمل المصرفي حول العالم 3:34

هكذا ألهمت ماكينة الشوكولاتة رجلا يجلس في حوض استحمام لاختراع غيّر نظام العمل المصرفي حول العالم

AlArabiya العربية

2.7K مشاهدة · 3 years ago

Amazing secrets hidden in things we see every day 26:17

Amazing secrets hidden in things we see every day

لانهاية

1.4K مشاهدة · 1 month ago