رياضة النفس وتهذيب الخلق 1 إحياء علوم الدين للإمام الغزالي بصوت نزار طه حاج أحمد
👁 1 مشاهدة
النص الكامل للفيديو
لسان عربي تقدم كتاب رياضه النفس وتهديب الخلق ومعالجه امراض القلب من كتاب احياء علوم الدين لابي حامد الغزالي يقراه عليكم نزار طه حاج احمد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي صرف الامور بتدبيره وعدل تركيب الخلق فاحسن في تصويره وزين صوره الانسان بحسن تقويمه وتقديره وحرسه من الزياده والنقصان في شكله ومقاديره وفوض تحسين الاخلاق الى اجتهاد العبد وتشميره واستحثه على تهديبها بتخويفه وتحذيره وسهل على خواص عباده تهذيب الاخلاق بتوفيقه وتيسيره وامتن عليهم بتسهيل صعبه وعسيره والصلاه والسلام على محمد عبد الله ونبيه وحبيبه وصفيه وبشيره ونذيره الذي كان يلوح نور النبوه من بين اساريره وتستشف حقيقه الحق من مخايله وتباشيره وعلى اله واصحابه الذين طهروا وجه الاسلام من ظلمه الكفر ودياجيره وحسموا ماده الباطل فلم يتدنسوا بقليله ولا بكثيره اما بعد فالخلق الحسن صفه سيد المرسلين وافضل اعمال الصديقين وهو على التحقيق شطر الدين وثمره مجاهده المتقين ورياضه المتعبدين والاخلاق السيئه هي السموم القاتله والمهلكات الدامغه والمخازي الفاضحه والردائل الواضحه والخبائث المبعده عن جوار رب العالمين المنخرطه بصاحبها في سلك الشيطان وهي الابواب المفتوحه الى نار الله الموقده التي تطلع على الافئده كما ان الاخلاق الجميله هي الابواب المفتوحه من القلب الى نعيم الجنان وجوار الرحمن والاخلاق الخبيثه امراض القلوب واسقام النفوس الا انه مرض يفوت حياه الابد واين منه المرض الذي لا يفوت الا حياه الجسد ومهما اشتدت عنايه الاطباء بضبط قوانين العلاج لامراض الابدان وليس في مرضها الا فوت الحياه الفانيه فالعنايه بضبط قوانين العلاج لامراض القلوب وفي مرضها فوت حياه باقيه او لا وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذيب اذ لا يخلو قلب من القلوب عن اسقام لو اهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت فيحتاج العبد الى تانق في معرفه عللها واسبابها ثم الى تشمير في معالجتها واصلاحها فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى قد افلح من زكاها واهمالها هو المراد بقوله تعالى وقد خاب من دساها ونحن نشير في هذا الكتاب الى جمل من امر امراض القلوب وكيفيه القول في معالجتها على الجمله من غير تفصيل لعلاج خصوص الامراض فان ذلك ياتي في بقيه الكتاب من هذا الربع وغرضنا الان النظر الكلي في تهذيب الاخلاق وتمهيد مناهجها ونحن نذكر ذلك ونجعل علاج البدن مثالا له ليقرب من الافهام دركه ويتضح ذلك ببيان فضيله حسن الخلق ثم بيان حقيقه حسن الخلق ثم بيان قبول الاخلاق للتغيير بالرياضه ثم بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق ثم بيان تفصيل الطرق الى تهديب الاخلاق ورياضه النفوس ثم بيان العلامات التي بها يعرف مرض القلب ثم بيان الطرق التي بها يعرف الانسان عيوب نفسه ثم بيان شواهد النقل على ان طريق المعالجه للقلوب بترك الشهوات لاغير ثم بيان علامات حسن الخلق ثم بيان الطريق في رياضه الصبيان في اول النشوء ثم بيان شروط الاراده ومقدمات المجاهده فهي 11 فصلا تجمع مقاصد هذا الكتاب ان شاء الله تعالى بيان فض فضيله حسن الخلق ومذمه سوء الخلق قال الله تعالى لنبيه وحبيبه مثنيا عليه ومظهرا نعمته لديه وانك لعلى خلق عظيم وقالت عائشه رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه القران وسال رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق فتلا قول قوله تعالى خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين ثم قال صلى الله عليه وسلم هو ان تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عن منن ظلمك وقال صلى الله عليه وسلم انما بعدت لاتمم مكارم الاخلاق وقال صلى الله عليه وسلم اثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامه تقوى الله وحسن الخلق وجاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين يديه فقال يا رسول الله ما الدين؟ فقال عليه الصلاه والسلام حسن الخلق ثم اتاه من قبل يمينه فقال يا رسول الله ما الدين؟ فقال عليه الصلاه والسلام حسن الخلق ثم اتاه من قبل شماله فقال يا رسول الله ما؟ فقال حسن الخلق ثم اتاه من ورائه فقال يا رسول الله ما الدين؟ فالتفت اليه وقال اما تفقه هو الا تغضب وقيل يا رسول الله ما الشؤم؟ قال سوء الخلق وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم اوصني فقال عليه الصلاه والسلام اتق الله حيث كنت فقال زدني فقال عليه الصلاه والسلام اتبع السيئه الحسنه تمحها فقال زدني فقال عليه الصلاه والسلام خالق الناس بخلق حسن وسئل عليه الصلاه والسلام اي الاعمال افضل فقال قال حسن الخلق وقال عليه الصلاه والسلام ما حسن الله خلق عبد وخلقه فيطعمه النار وقال الفضيل قيل لرسول الله عليه الصلاه والسلام ان فلانه تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئه الخلق تؤذي جيرانها بلسانها قال عليه الصلاه والسلام لا خير فيها هي من اهل النار وقال ابو الدرداء سمعت رسول الله عليه الصلاه والسلام يقول اول ما يوضع في الميزان حسن الخلق والسخاء ولما خلق الله عز وجل الايمان قال اللهم قوني فقواه بحسن الخلق والسخاء ولما خلق الله الكفر قال اللهم قوني فقواه بالبخ وسوء الخلق وقال صلى الله عليه وسلم ان الله استخلص هذا الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم الا السخاء وحسن الخلق الا فزينوا دينكم بهما وقال عليه الصلاه والسلام حسن الخلق خلق الله الاعظم وقيل يا رسول الله اي المؤمنين افضل ايمانا قال احسنهم خلقا وقال صلى الله عليه وسلم انكم لن تسعوا الناس باموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق وقال ايضا صلى الله عليه وسلم سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل وعن جرير بن عبد الله قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم انك امرئ قد حسن الله خلقك فحسن خلقك وعن البراء بن عازب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم احسن الناس وجها واحسنهم خلقا وعن ابي مسعود البدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه اللهم حسنت خلقي فحسن خلقي وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء فيقول اللهم اني اسالك الصحه والعافيه وحسن الخلق وعن ابي هريره رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاه والسلام قال كرم المرء دينه ومروءته عقله وحسبه خلقه وعن اسامه بن شريك قال شهدت الاعاريب يسالون النبي صلى صلى الله عليه وسلم يقولون ما خير ما اعطي العبد فقال خلق حسن وقال عليه الصلاه والسلام ان احبكم الي واقربكم مني مجلسا يوم القيامه احاسنكم اخلاقا وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من لم تكن فيه او واحده منهن فلا تعتدن بشيء من عمله تقوى تحجزه عن معاصي الله او حلم يكف به السفيه او خلق يعيش به في الناس وكان من دعائه عليه الصلاه والسلام في افتتاح الصلاه اللهم اهدني لاحسن الاخلاق لا يهدي لاحسنها الا انت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها الا انت وقال انس رضي الله عنه بينما نحن مع رسول الله عليه الصلاه والسلام يوما اذ قال ان حسن الخلق ليذيب الخطيئه كما تذيب الشمس الجليد وقال عليه الصلاه والسلام من سعاده المرء حسن الخلق وقال عليه الصلاه والسلام اليمن حسن الخلق وقال عليه الصلاه والسلام السلام لابي ذبا ذ عقلك التدبير ولا حسبك حسن الخلق وعن انس قال قالت ام حبيبه لرسول الله عليه الصلاه والسلام يا رسول الله ارايت المراه منا يكون لها زوجان في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلون الجنه لايهما هي قال لاحسنهما خلقا كان عندها في الدنيا يا ام حبيبه ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والاخره وقال عليه الصلاه والسلام ان المسلم المسدد ليدرك درجه الصائم القائم بحسن خلقه وكرم ضريبته وفي روايه درجه الضمان في الهواجر وقال عبد الرحمن بن سمره كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال اني رايت البارحه عجبا رايت رجلا من امتي جافيا على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب فجاء حسن خلقه فادخله على الله تعالى وقال انس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الاخره وشرف المنازل وانه لضعيف في العباده وروي ان عمر رضي الله عنه استاذن على رسول الله عليه الصلاه والسلام وعنده نساء من نساء قريش يكلمنه ويستكثرنه عاليه اصواتهن على صوته فلما استاذن عمر رضي الله عنه تبادرن الحجاب فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فقال عمر رضي الله عنه اضحك الله سنك بابي انت وامي يا رسول الله فقال عجبت لهؤلاء التي كن عندي لما سمعنا صوتك تبادرن الحجاب فقال عمر انت كنت احبنك يا رسول الله ثم اقبل عليهن عمر رضي الله عنه فقال اي عدوات انفسهن اتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن نعم انت اغلظ وافض من رسول الله عليه الصلاه والسلام فقال صلى الله عليه وسلم ايهن يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قطاركا فجا الا سلك فجا غير فجك وقال صلى الله عليه وسلم سوء الخلق ذنب لا يغفر وسوء الظن خطيئه نتوج وقال عليه الصلاه والسلام ان العبد ليبلغ من سوء خلقه اسفل درك جهنم الاثار قال ابن لقمان الحكيم لابيه يا ابتي اي الخصال من الانسان خير فقال الدين فقال فاذا كانت اثنتين فقال لقمان الدين والمال فقال ابنه فاذا كانت ثلاثا فقال لقمان الدين والمال والحياء فقال ابنه فاذا كانت اربعا فقال لقمان الدين والمال والحياء وحسن الخلق قال فاذا كانت خمسا قال الدين والمال والحياء وحسن الخلق والسخاء قال فاذا كانت ستاي اذا اجتمعت فيه الخمس الخصال قال فهو تقي نقي لله ولي ومن الشيطان بري وقال الحسن من ساء خلقه عذب نفسه وقال انس بن مالك رضي الله عنه ان العبد ليبلغ بحسن خلقه اعلى درجه في الجنه وهو غير عابد ويبلغ بسوء خلقه اسفل درك في جهنم وهو عابد وقال يحيى بن معاذ في سعه الاخلاق كنوز الارزاق وقال وهب بن منبه مثل سيء الخلق كمثل الفخاره المكسوره لا ترقع ولا تعاد طينا وقال الفضيل لان يصحبني فاجر حسن الخلق احب الي من ان يصحبني عابد سيء الخلق وصحب ابن المبارك رجل سيء الخلق في سفر فكان يحتمل منه ويداريه فلما فارقه بكى فقيل له في ذلك فقال بكيته رحمه له فارقته وخلقه معه لم يفارق وقال الجنيد اربع ترفع العبد الى اعلى الدرجات وان قل عمله وعلمه الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق وهو كمال الايمان وقال الكتاني التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف وقال عمر رضي الله عنه خالطوا الناس بالاخلاق وزايلوهم بالاعمال وقال يحيى بن معاذ سوء الخلق سيئه لا تنفع معها كثره الحسنات وحسن الخلق حسنه لا تضر ضر معها كثره السيئات وسئل ابن عباس رضي الله عنهما ما الكرم فقال هو ما بين الله في كتابه العزيز ان اكرمكم عند الله اتقاكم قيل فما الحسب قال احسنكم خلقا افضلكم حسبا وقيل لكل بنيان اساس واساس الاسلام حسن الخلق وقال ابن عطاء ما ارتفع من ارتفع الا بالخلق الحسن ولم ينل احد كماله الا المصطفى عليه الصلاه والسلام فاقرب الخلق الى الله عز وجل السالكون اثاره بحسن الخلق بيان حقيقه حسن الخلق وسوء الخلق اعلم ان الناس قد تكلموا في حقيقه حسن الخلق وانه ما هو وما تعرضوا لحقيقته وانما تعرضوا لثمرته ثم لم يستوعبوا جميع ثمراته بل ذكر كل واحد من ثمراته ما خطر له وما كان حاضرا في ذهنه ولم يصرف العنايه الى ذكر حده وحقيقته المحيطه بجميع ثمراته على التفصيل والاستيعاب وذلك ذلك كقول الحسن حسن الخلق بسط الوجه وبدل الندى وكف الاذى وقال الواسطي هو ان يخاصم ولا يخاصم من شده معرفته بالله تعالى وقال شاه الكرماني هو كف الاذى واحتمال المؤن وقال بعضهم هو ان يكون من الناس قريبا وفيما بينهم غريبا وقال الواسطي مره هو ارضاء الخلق في السراء والضراء وقال ابو عثمان هو الرضا عن الله عز وجل وسئل سهل التستري عن حسن الخلق فقال ادناه الاحتمال وترك المكافاه والرحمه للظالم والاستغفار له والشفقه عليه وقال مره الا تتهم الحق في الرزق وتثق به وتسكن الى الوفاء بما ضمن فتطيعه ولا تعصيه في جميع الامور فيما بينك وبينه وفيما بينك وبين الخلق وقال علي رضي الله عنه حسن الخلق في ثلاث خصال اجتناب المحارم وطلب الحلال والتوسعه على العيال وقال الحسين بن منصور هو الا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق وقال ابو سعيد الخراز: هو ان يكون لك همه غير الله تعالى فهذا وامثاله كثير وهو تعرض لثمرات حسن الخلق لا لنفسه ثم ليس هو محيطا بجميع الثمرات ايضا وكشف الغطاء عن الحقيقه اولى من نقل الاقاويل المختلفه فنقول الخلق والخلق عبارتان مستعملتان نعم يقال فلان حسن الخلق والخلق اي حسن الظاهر والباطن فيراد بالخلق الصوره الظاهره ويراد بالخلق الصوره الباطنه وذلك لان الانسان مركب من جسد مدرك بالبصر ومن روح ونفس مدركه بالبصيره ولكل واحد منهما هيئه وصوره اما قبيحه واما جميله والنفس المدركه بالبصيره اعظم قدرا من الجسد المدرك بالبصر ولذلك عظم الله تعالى امره باضافته اليه اذ قال تعالى اني خالق بشرا من طين فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فنبه على ان الجسد منسوب الى الطين والروح الى رب العالمين والمراد بالروح والنفس في هذا المقام واحد فالخلق عباره عن هيئه في النفس راسخه عنها تصدر الافعال بسهوله ويسر من غير حاجه الى فكر ورويه فان كانت الهيئه بحيث تصدر عنها الافعال الجميله المحموده عقلا وشرعا سميت تلك الهيئه خلقا حسنا وان كان الصادر عنها الافعال القبيحه سميت الهيئه التي هي مصدر خلقا سيئا وانما قلنا انها هيئه راسخه لان من يصدر منه بدل المال على الندور لحاجه عارضه لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ وانما اشترطنا ان تصدر منه الافعال بسهوله من غير رويه لان من تكلف بدل المال او السكوت عند الغضب بجهد ورويه لا يقال خلقه السخاء والحلم فها هنا اربعه امور احدها فعل الجميل والقبيح والثاني القدره عليهما والثالث المعرفه بهما والرابع هيئه للنفس بها تميل الى احد الجانبين ويتيسر عليها احد الامرين اما الحسن واما القبيح وليس الخلق عباره عن الفعل ترب شخص خلقه السخاء ولا يبذل اما لفقد المال او لمانع وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل اما لباعث او لرياء وليس هو عباره عن القوه لان نسبه القوه الى الامساك والاعطاء بل الى الضدين واحد وكل انسان خلق بالفطره قادرا على الاعطاء والامساك وذلك لا يوجب خلق البخل ولا خلق السخاء وليس عباره عن المعرفه فان المعرفه تتعلق بالجميل والقبيح جميعا على وجه واحد بل هو عباره عن المعنى الرابع وهو الهيئه التي بها تستعد النفس لان يصدر منها الامساك او البذل فالخلق اذا عباره عن هيئه النفس وصورتها الباطنه وكما ان حسن الصوره الظاهره مطلقا لا يتم بحسن العينين دون الانف والفم والخد بل لابد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر فكذلك في الباطن اربعه اركان لابد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق فاذا استوت الاركان الاربعه واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق وهو قوه العلم وقوه الغضب وقوه الشهوه وقوه العدل بين هذه القوى الثلاث اما قوه العلم فحسنها وصلاحها في ان تصير بحيث يسهل بها درك الفرق بين الصدق والكذب في الاقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الجميل والقبيح في الافعال فان صلحت هذه القوه حصل منها ثمره الحكمه والحكمه راس الاخلاق الحسنه وهي التي قال الله تعالى فيها ومن يؤتى الحكمه فقد اوتي خيرا كثيرا واما قوه الغضب فحسنها في ان يصير انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه الحكمه وكذلك الشهوه حسنها وصلاحها في ان تكون تحت اشاره الحكمه يعني اشاره الدين والعقل واما قوه العدل فهو ضبط الغضب والشهوه تحت اشاره العقل والشرع فالعقل مثاله مثال الناصح المشير وقوه العدل هي القدره ومثالها مثال المنفذ الممضي لاشاره العقل والغضب هو الذي تنفذ فيه الاشاره ومثاله مثال كلب الصيد فانه يحتاج الى ان يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الاشاره لا بحسب هيجان شهوه النفس والشهوه مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد فانه تاره يكون مروضا مؤدبا وتاره يكون جموحا فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا ومن اعتدل فيه بعضها دون بعض فهو حسن الخلق بالاضافه الى ذلك المعنى خاصه كالذي يحسن بعض اجزاء وجهه دون بعض وحسن القوه الغضبيه واعتدالها يعبر عنها بشجاعه وحسن قوه الشهوه واعتدالها يعبر عنه بالعفه فان مالت قوه الغضب عن الاعتدال الى طرف الزياده تسمى تهورا وان مالت الى الضعف والنقصان تسمى جبنا وخورا وان مالت قوه الشهوه الى طرف الزياده تسمى شرها وان مالت الى النقصان تسمى جمودا والمحمود هو الوسط وهو الفضيله والطرفان رد ديلتان مذمومتان والعدل اذا فات فليس له طرفان زياده ونقصان بل له ضد واحد ومقابل وهو الجور اما الحكمه فيسمى افراطها عند الاستعمال في الاغراض الفاسده خبا ودهاء وجربزه ويسمى تفريطها بلها والوسط هو الذي يختص باسم الحكمه فاذا امهات الاخلاق فاصولها اربعه الحكمه والشجاعه والعفه والعدل ونعني بالحكمه حاله للنفس بها يدرك الصواب من الخطا في جميع الافعال الاختياريه ونعني بالعدل حاله للنفس وقوه بها تسوس الغضب والشهوه وتحملهما على مقتضى الحكمه وتضبطهما في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها ونعني بالشجاعه كون قوه الغضب منقاده للعقل في اقدامها واحجامها ونعني بالعفه تادب قوه الشهوه بتاديب العقل والشرع فمن اعتدال هذه الاصول الاربعه تصدر الاخلاق الجميله كلها اذ من اعتدال قوه العقل يصدر حسن التدبير وجوده الذهن وثقابه الراي واصابه الظن والتفطن لدقائق الاعمال وخف فايا افات النفوس ومن افراطها تصدر الجربزه والمكر والخداع والدهاء ومن تفريطها يصدر البله والغماره والحمق والجنون واعني بالغماره قله التجربه في الامور مع سلامه التخيل فقد يكون الانسان غمرا في شيء دون شيء والفرق بين الحمق والجنون ان الاحمق مقصوده صحيح ولكن سلوكه للطريق فاسد فلا تكون له رويه صحيحه في سلوك الطريق الموصل الى الغرض واما المجنون فانه يختار ما لا ينبغي ان يختار فيكون اصل اختياره وايثاره فاسدا واما خلق الشجاعه فيصدر منه الكرم والنجده والشهامه وكبر النفس والاحتمال والحلم والثبات وكذم الغيض والوقار والتؤده وامثالها وهي اخلاق محموده واما افراطها وهو التهور فيصدر منه الصلف والبذخ والاستشاطه والتكبر والعجب واما تفريطها فيصدر منه المهانه والذله والجزع والخساسه وصغر النفس والانقباض عن تناول الحق الواجب واما خلق العفه فيصدر منه السخاء والحياء والصبر والمسامحه والقناعه والورع والطلاقه والمساعده والظرف وقله الطمع واما ميلها الى الافراط او التفريط فيصدر منه الحرص والشره والوقاحه والخبث والتبذير والتقتير والرياء والهتكه والمجانه والعبث والملق والحسد والشماته والتذلل للاغنياء واستحقار الفقراء وغير ذلك فامهات محاسن الاخلاق هذه الفضائل الاربعه وهي الحكمه والشجاعه والعفه والعدل والباقي فروعها ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الاربعه الا رسول الله عليه الصلاه والسلام والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه فكل من قرب منه في هذه الاخلاق فهو قريب من الله تعالى بقدر قربه من رسول الله عليه الصلاه والسلام وكل من جمع كمال هذه الاخلاق استحق ان يكون بين الخلق ملكا مطاعا يرجع الخلق كلهم اليه ويقتدون به في جميع الافعال ومن انفك عن جمله هذه الاخلاق كلها واتصف باضادها استح يخرج من بين العباد والبلاد فانه قد قرب من الشيطان اللعين المبعد فينبغي ان يبعد كما ان الاول قريب من الملك المقرب فينبغي ان يقتدى به ويتقرب اليه فان رسول الله عليه الصلاه والسلام لم يبعث الا ليتمم مكارم الاخلاق كما قال عليه الصلاه والسلام وقد اشار القران الى هذه الاخلاق في اوصاف المؤمنين فقال تعالى انما المؤمنون الذين امنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا باموالهم وانفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون فالايمان بالله ورسوله من غير ارتياب هو قوه اليقين وهو ثمره العقل ومنتهى الحكمه والمجاهده بالمال هو السخاء الذي يرجع الى ضبط قوه الشهوه والمجاهده بالنفس هي الشجاعه التي ترجع الى استعمال قوه الغضب على شرط العقل وحد الاعتدال فقد وصف الله تعالى الصحابه رضي الله عنهم فقال اشداء على الكفار رحماء بينهم اشاره الى ان للشده موضعا وللرحمه موضعا فليس الكمال في الشده بكل حال ولا في الرحمه بكل حال فهذا بيان معنى الخلق وحسنه وقبحه وبيان اركانه وثمراته وفروعه بيان قبول الاخلاق للتغيير بطريق الرياضه اعلم ان بعض من غلبت البطاله عليه استثقل المجاهده والرياضه والاشتغال بتزكيه النفس وتهديب الاخلاق فلم تسمح نفسه بان يكون ذلك لقصوره ونقصه وخبث دخله فزعم ان الاخلاق لا يتصور تغييرها وان الطباعه لا تتغير واستدل فيها بامرين احدهما ان الخلق هو صوره الباطن كما ان الخلق هو صوره الظاهر فالخلقه الظاهره لا يقدر على تغييرها فالطويل لا يقدر ان يجعل نفسه قصيرا ولا القصير يقدر ان يجعل نفسه طويلا ولا القبيح يقدر على تحسين صورته فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى والثاني انهم قالوا حسن الخلق انما يحصل بقمع الشهوه والغضب وقد جربنا ذلك بطول المجاهده وعرفنا ان ذلك من مقتضى المزاج والطبع وانه قط لا ينقطع عن الادمي فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائده فان المطلوب هو قطع التفات القلب الى الحظوظ العاجله وذلك محال وجوده فنقول لو كانت الاخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتاديبات ولما قال رسول الله عليه الصلاه والسلام حسنوا اخلاقكم وكيف ينكر هذا في حق الادمي وتغيير خلق البهيمه ممكن اذ ينقل البازي من الاستحاش شيل الانس والكلب من شره الاكل من الصيد الى التادب والامساك والتخليه والفرس من الجماح الى السلاسه والانقياد وكل ذلك تغيير للاخلاق والقول الكاشف للغطاء عن ذلك ان نقول الموجودات منقسمه الى ما لا مدخل لاختيار الادمي في اصله وتفصيله كالسماء والكواكب بل اعضاء البدن داخلا وخارجا وسائر اجزاء الحيوانات وبالجمله كل ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله والى ما وجد وجودا ناقصا وجعل فيه قوه لقبول الكمال بعد ان وجد شرطه وشرطه يرتبط باختيار العبد فان النواه ليست بتفاح ولا نخل الا انها خلقت خلقه يمكن ان تصير نخله ان انضافت التربيه اليها ولا تصير تفاحا اصلا ولا بالتربيه فاذا صارت النواه متاثره بالاختيار حتى تقبل بعض الاحوال دون بعض فكذلك الغضب والشهوه لو اردنا قمعهما وقهرهما بالكليه حتى لا يبقى لهما اثر لم نقدر عليه اصلا ولو اردنا سلالتهما وقودهما بالرياضه والمجاهده قدرنا عليه وقد امرنا بذلك وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا الى الله تعالى نعم الجبيلات مختلفه فبعضها سريعه القبول وبعضها بطيئه القبول ولاختلافهما سببان احدهما قوه الغريزه في اصل الجبله وامتداد مده الوجود فان قوه الشهوه والغضب والتكبر موجوده في الانسان ولكن اصعبهما امرا واعصاهما على التغيير قوه الشهوه فانها اقدم وجودا اذ الصبي في مبدا الفطره تخلق له الشهوه ثم بعد سبع سنين ربما يخلق له الغضب وبعد ذلك يخلق له قوه التمييز والسبب الثاني ان الخلق قد يتاكد بكثره العمل بمقتضاه والطاعه له وباعتقاد كونه حسنا ومرضيا والناس فيه على اربع مراتب الاولى وهو الانسان الغفل الذي لا يميز بين الحق والباطل والجميل والقبيح بل بقي كما فطر عليه خاليا عن جميع الاعتقادات ولم تستم شهوته ايضا باتباع اللذات فهذا سريع القبول للعلاج فلا يحتاج الا الى معلم ومرشد والى باعث من نفسه يحمله على المجاهده فيحسن خلقه في اقرب زمان والثانيه ان يكون قد عرف قبح القبيح ولكنه لم يتعود العمل الصالح بل زين له سوء عمله فتعاطاه انقيادا لشهواته واعراضا عن صواب رايه لاستيلاء الشهوه عليه ولكن علم تقصيره في عمله فامره اصعب من الاول اذ قد تضع ضاعفت الوظيفه عليه اذ عليه قلع ما رسخ في نفسه اولا من كثره الاعتياد للفساد والاخر ان يغرس في نفسه صفه الاعتياد للصلاح ولكنه بالجمله محل قابل للرياضه ان انتهض لها بجد وتشمير وحزم والثالثه ان يعتقد في الاخلاق القبيحه انها الواجبه المستحسنه وانها حق وجميل وترب ربى عليها فهذا تكاد تمتنع معالجته ولا يرجى صلاحه الا على الندور وذلك لتضع في اسباب الضلال والرابعه ان يكون مع وقع نشوئه على الراي الفاسد وتربيته على العمل به يرى الفضيله في كثره الشر واستهلاك النفوس ويباهي به ويظن ان ذلك يرفع من قدره وهذا اصعب المراتب وفي مثله قيل ومن العناء رياضه الهرم ومن التعذيب تهذيب الذيب والاول من هؤلاء جاهل فقط والثاني جاهل وضال والثالث جاهل وضال وفاسق والرابع جاهل وضال وفاسق وشرير واما الخيال الاخر الذي استدلوا به وهو قولهم ان الادمي ما دام حيا فلا ينقطع عنه الغضب والشهوه وحب الدنيا وسائر هذه الاخلاق فهذا غلط وقع لطائفه ظنوا ان المقصود من المجاهده قمع هذه الصفات بالكليه ومحوها وهيهات فان الشهوه خلقت لفائده وهي ضروريه في الجبله فلو انقطعت شهوه الطعام لهلك الانسان ولو انقطعت شهوه الوقاع لانقطع النسل ولو انعدم الغضب بالكليه لم يدفع الانسان عن نفسه ما يهلكه ولا هلك ومهما بقي اصل الشهوه فيبقى لا محاله حب المال الذي يوصله الى الشهوه حتى يحمله ذلك على امساك المال وليس المطلوب اماطه ذلك بالكليه بل المطلوب ردها الى الاعتدال الذي هو وسط بين الافراط والتفريط فالمطلوب في صفه الغضب حسن الحميه وذلك بان يخ خلو عن التهور وعن الجبن جميعا وبالجمله ان يكون في نفسه قويا ومع قوته منقادا للعقل ولذلك قال الله تعالى اشداء على الكفار رحماء بينهم وصفهم بالشده وانما تصدر الشده عن الغضب ولو بطل الغضب لبطل الجهاد وكيف يقصد قلع الشهوه والغضب بالكليه والانبياء عليهم الصلاه والسلام لم ينفكوا عن ذلك اذ قال صلى الله عليه وسلم انما انا بشر اغضب كما يغضب البشر وكان اذا تكلم بين يديه بما يكرهه يغضب حتى تحمر وجنته ولكن لا يقول الا حقا فكان عليه الصلاه والسلام لا يخرجه غضبه عن الحق وقال الله تعالى والكاظمين الغيظ ولم يقل والفاقدين الغيظ فرد الغضب والشهوه الى حد الاعتدال بحيث لا يقهر واحد منهما العقل ولا يغلبه بل يكون العقل هو الضابط لهما والغالب عليهما ممكن وهو المراد بتغيير الخلق فانهما ربما تستولي الشهوه على الانسان بحيث لا يقوى عقله على دفعها عن الانبساط الى الفواحش وبالرياضه تعود الى حد الاعتدال فدل ان ذلك ممكن والتجربه والمشاهده تدل على ذلك دلاله لا شك فيها والذي يدل على ان المطلوب هو الوسط في الاخلاق دون الطرفين ان السخاء خلق محمود شرعا وهو وسط بين طرفي التبذير والتقدير وقد اثنى الله تعالى عليه فقال والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وقال تعالى ولا تجعل يدك مغلوله الى عنقك ولا تبسطها كل البسط وكذلك المطلوب في شهوه الطعام الاعتدال دون الشره والخمود قال الله تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين وقال في الغضب اشداء على الكفار رحماء بينهم وقال صلى الله عليه وسلم خير الامور اوسطها وهذا له سر وتحقيق وهو ان السعاده منوطه بسلامه القلب عن عوارض هذا العالم قال الله تعالى الا من اتى الله بقلب سليم والبخل من عوارض الدنيا والتبذير ايضا من عوارض الدنيا وشرط القلب ان يكون سليما منهما اي لا يكون ملتفتا الى المال ولا يكون حريصا على امساكه ولا على انفاقه فان الحريص على الانفاق مصروف القلب الى الانفاق كما ان الحريص على الامساك مصروف القلب الى الامساك فكان كمال القلب ان يصفو عن الوصفين جميعا واذا لم يكن ذلك في الدنيا طلبنا ما هو الاشبه بعدم الوصفين وابعد عن الطرفين وهو الوسط فان الفاتر لا حار ولا بارد بل هو وسط بينهما فكانه خال عن الوصفين فكذلك السخاء بين التبذير والتقدير والشجاعه بين الجبن والتهور والعفه بين الشره والخمود وكذلك سائر الاخلاق فكلا طرفي ق فكلا طرفي قصد الامور دميم هذا هو المطلوب وهو ممكن نعم يجب على الشيخ المرشد للمريد ان يقبح عنده الغضب راسا ويدم امساك المال راسا ولا يرخص له في شيء منه لانه لو رخص له في ادنى شيء اتخذ ذلك عذرا في استبقاء بخله وغضبه وظن انه القدر المرخص فيه فاذا قصد قطع الاصل وبالغ فيه لم يتيسر له الا كسر صورته بحيث يعود الى الاعتدال فالصواب له ان يقصد قلع على الاصل حتى يتيسر له القدر المقصود فلا يكشف هذا السر للمريد فانه موضع غرور الحمقى اذ يظن بنفسه ان غضبه بحق وان امساكه بحق بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق على الجمله قد عرفت ان حسن الخلق يرجع الى اعتدال قوه العقل وكمال الحكمه والى اعتدال قوه الغضب والشهوه وكونها مطيعه للعقل والشرع ايضا وهذا الاعتدال يحصل على وجهين احدهما بوجود الهي وكمال فطري بحيث يخلق الانسان ويولد كامل العقل حسن الخلق وقد كفي سلطان الشهوه والغضب بل خلقتا معتدلتين منقادتين للعقل والشرع فيصير عالما بغير تعلم ومؤدبا بغير تادب كعيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام وكذا سائر الانبياء صلوات الله عليهم اجمعين ولا يبعد ان يكون في الطبع والفطره ما قد ينال بالاكتساب فرب صبي خلق صادق اللهجه سخيا جريئا وربما يخلق بخلافه فيحصل ذلك فيه بالاعتياد ومخالطه متخلقين بهذه الاخلاق وربما يحصل بالتعلم والوجه الثاني لاكتساب هذه الاخلاق المجاهده والرياضه واعني بها حمل النفس على الاعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب فمن اراد مثلا ان يحصل لنفسه خلق الجود فطريقه ان يتكلف تعاطي فعل الجواد وهو بدل المال فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفا مجاهدا نفسه فيه حتى يصير ذلك طبعا له ويتيسر عليه فيصير به جوادا وكذا من اراد ان يحصل لنفسه خلق التواضع وقد غلب عليه الكبر فطريقه ان يواضب على افعال المتواضعين مده مديده وهو فيها مجاهد نفسه ومتكلف الى ان يصير ذلك له خلقا وطبعا فيتيسر عليه وجميع الاخلاق المحموده شرعا تحصل بهذا الطريق وغايته ان يصير الفعل الصادر منه لذيدا فالسخي هو الذي يستل بدل المال دون الذي يبذله عن كراهه والمتواضع هو الذي يستل التواضع ولن ترسخ الاخلاق الدينيه في النفس ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنه وما لم تترك جميع العادات السيئه وما لم تواظب عليها مواظبه من يشتاق الى الافعال الجميله ويتنعم بها ويكره الافعال القبيحه ويتالم بها كما قال صلى الله عليه وسلم وجعلت قره عيني في الصلاه ومهما كانت العبادات وترك المحظورات مع كراهه واستثقال فهو لنقصان ولا ينال كمال السعاده به نعم المواضبه عليها بالمجاهده خير ولكن بالاضافه الى تركها لا بالاضافه الى فعلها عن طوع ولذلك قال تعالى وانها لكبيره الا على الخاشعين وقال صلى الله عليه وسلم اعبد الله بالرضا فان لم تستطع ففي الصبر على ما تكرهه خير كثير ثم لا يكفي في نيل السعاده الموعوده على حسن الخلق استلداد الطاعه واستكراه المعصيه في زمان دون زمان بل ينبغي ان يكون ذلك على الدوام وفي جمله العمر وكلما كان العمر اطول كانت الفضيله ارسخ واكمل ولذلك لما سئل صلى الله عليه وسلم عن السعاده قال طول العمر في طاعه الله تعالى ولذلك كره الانبياء والاولياء الموت فان الدنيا مزرعه الاخره وكلما كانت العباده اكثر بطول العمر كان الثواب اجزل والنفس ازكى واطهر والاخلاق اقوى وارسخ وانما مقصود العبادات تاثيرها في القلب وانما تتاكد اثارها بكثره المواظبه على العبادات وغايه هذه الاخلاق ان ينقلع عن النفس حب الدنيا ويرسخ فيها حب الله تعالى فلا يكون شيء احب اليه من لقاء الله تعالى فلا يستعمل جميع ماله الا على الوجه الذي يوصله اليه وغضبه وشهوته من المسخرات له فلا يستعملها الا على الوجه الذي يوصله الى الله تعالى وذلك بان يكون موزونا بميزان الشرع والعقل ثم يكون بعد ذلك فرحا به ومستلدا له ولا ينبغي ان يستبعد مصير الصلاه الى حد تصير هي قره العين ومصير العبادات لذيذه فان العاده تقتضي في النفس عجائب اغرب من ذلك فانا قد نرى الملوك والمتنعمين في احزان دائمه ونرى المقامر المفلس قد يغلب عليه من اللذه والفرح بقماره وما هو فيه ما يستنكر معه فرح الناس بغير القمار مع ان القمار ربما سلبه ماله وخرب بيته وتركه مفلسا ومع هذا فهو يحبه ويلتذ به وذلك لطول الفه له وصرف نفسه اليه مده مديده وكذلك اللاعب بالحمام قد يقف طول النهار في حر الشمس قائما على رجليه وهو لا يحس بالمها لفرحه بالطيور وحركاتها وطيرانها وتحليقها في جو السماء بل نرى الفاجر العيار يفتخر بما يلقاه من الضرب القطع والصبر على الصياط وعلى تقديمه الى الصلب وهو مع ذلك متبجح بنفسه وبقوته في الصبر على ذلك حتى يرى ذلك فخرا لنفسه ويقطع الواحد منهم اربا اربا على ان يقر بما تعاطاه او تعاطاه غيره فيصر على الانكار ولا يبالي بالعقوبات فرحا بما يعتقده كمالا وشجاعه ورجوليه فقد صارت احواله مع ما فيها من النكال قره عينه وسبب افتخاره بل لا حاله اخس واقبح من حال المخنث في تشبهه بالاناث في نتف الشعر ووشم الوجه ومخالطه النساء فترى المخنث في فرح بحاله وافتخار بكماله في تخنثه يتباهى به مع المخنثين حتى يجري بين الحجامين والكناسين التفاخر والمباهاه كما يجري بين الملوك والعلماء وكل ذلك نتيجه العاده والمواظبه على نمط واحد على الدوام مده مديده ومشاهده ذلك من المخالطين والمعارق فاذا كانت النفس بالعاده تستل الباطل وتميل اليه والى القبائح فكيف لا تستل الحق لو ردت اليه مده والزمت المواضبه عليه بل ميل النفس الى هذه الامور شنيعه خارج عن الطبع يضاهي الميل الى اكل الطين فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعاده فاما ميله الى الحكمه وحب الله تعالى ومعرفته وعبادته فهو كالميل الى الطعام والشراب فانه مقتضى طبع القلب فانه امر رباني وميله الى مقتضيات الشهوه غريب من ذاته وعارض على طبعه وانما انما غذاء القلب الحكمه والمعرفه وحب الله عز وجل ولكن انصرف عن مقتضى طبعه لبرض قد حل به كما قد يحل المرض بالمعده فلا تشتهي الطعام والشراب وهما سببان لحياتها فكل قلب مال الى حب شيء سوى حب الله تعالى فلا ينفك عن مرض بقدر ميله الا اذا احب ذلك الشيء لكونه معينا له على حب الله تعالى وعلى دينه فعند ذلك لا يدل ذلك على المرض فاذا قد عرفت بهذا قطعا ان هذه الاخلاق الجميله يمكن اكتسابها بالرياضه وهي تكلف الافعال الصادره عنها ابتداء لتصير طبعا انتهاء وهذا من عجيب العلاقه بين القلب والجوارح اعني النفس والبدن فان كل صفه تظهر في القلب يفيض اثرها على الجوارح حتى لا تتحرك الا وفقها لا محاله وكل فعل يجري على الجوارح فانه قد يرتفع منه اثر الى القلب والامر فيه دور ويعرف ذلك بمثال وهو ان من اراد ان يصير الحذق في الكتابه له صفه نفسيه حتى يصير كاتبا بالطبع فلا طريق له الا ان يتعاطى بجارحه اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مده طويله وهو حكايه الخط الحسن فان فعل الكاتب هو الخط الحسن فيتشبه بالكاتب تكلفا ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفه راسخه في نفسه فيصدر منه في الاخر الخط الحسن طبعا كما كان يصدر منه في الابتداء تكلفا فكان الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسنا ولكن الاول متكلف الا انه ارتفع منه اثر الى القلب ثم انخفض من القلب الى الجارحه فصار يكتب الخط الحسن بالطبع وكذلك من اراد ان يصير فقيه النفس فلا طريق له الا ان يتعاطى افعال الفقهاء وهو التكرار للفقه حتى تنعطف منه على قلبه صفه الفقه فيصير فقيه النفس وكذلك من اراد ان يصير سخيا عثيفا حليما متواضعا فيلزمه ان يتعاطى افعال هؤلاء تكلفا حتى يصير له ذلك بالعاده طبعا فلا علاج له الا ذلك وكما ان طالب فقه النفس لا يياس من نيل هذه الرتبه بتعطيل ليله ولا ينالها بتكرار ليله فكذلك طالب تزكيه النفس وتكميلها وتحليتها بالاخلاق الحسنه لا ينالها بعباده يوم ولا يحرم عنها بعصيان يوم وهو معنى قولنا ان الكبيره الواحده لا توجب الشقاوه المؤبده ولكن العطله في يوم واحد تدعو الى مثلها ثم تتداعى قليلا قليلا حتى تانس النفس بالكسل وتهجر التحصيل راسا فيفوتها فضيله الفقه وكذلك صغائر المعاصي يجر بعضها الى بعض حتى تفوت اصل السعاده بهدم اصل الايمان عند الخاتمه وكما ان تكرار ليله لا يحس تاثيره في تفقيه النفس بل يظهر فقه النفس شيئا فشيئا على التدريج مثل نمو البدن وارتفاع القامه فكذلك الطاعه الواحده لا يحس تاثيرها في تزكيه النفس وتطهيرها في الحال ولكن لا ينبغي ان يستهان بقليل الطاعه فان الجمله الكثيره منها مؤثره وانما اجتمعت الجمله من الاحاد فلكل واحد منها تاثير فما من طاعه الا ولها اثر وان خفي فله ثواب لا محاله لان الثواب بازاء الاثر وكذلك المعصيه وكم من فقيه يستهين بتعطيل يوم وليله وهكذا على التوالي يسوف نفسه يوما فيوما الى ان يخرج طبعه عن قبول الفقه فكذا من يستهين بصغائر المعاصي ويسوف نفسه بالتوبه على التوالي الى ان يختطفه الموت بغته او تتراكم ظلمه الذنوب على قلبه وتتعذر عليه التوبه اذ القليل يدعو الى الكثير فيصير القلب مقيدا بسلاسل الشهوات لا يمكن تخليصه من مخالبها وهو المعني بانسداد باب التوبه وهو المراد بقوله تعالى وجعل جعلنا من بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا الايه ولذلك قال علي رضي الله عنه ان الايمان لا يبدو في القلب نكته بيضاء كلما ازداد الايمان ازداد ذلك البياض فاذا استكمل العبد الايمان ابيض القلب كله وان النفاق ليبدو في القلب نكته سوداء كلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد فاذا استكمل النفا فاق اسود القلب كله فايضا قد عرفت ان الاخلاق الحسنه تاره تكون بالطبع والفطره وتاره تكون باعتياد الافعال الجميله وتاره بمشاهده ارباب الافعال الجميله ومصاحبتهم وهم قرناء الخير واخوان الصلاح اذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعا فمن تظاهرت في حقه الجهات الثلاث حتى صار ذا فضيله طبعا واعت اعتيادا وتعلما فهو في غايه الفضيله ومن كان ردلا بالطبع واتفق له قرناء السوء فتعلم منهم وتيسرت له اسباب الشر حتى اعتادها فهو في غايه البعد من الله عز وجل وبين الرتبتين من اختلفت فيه هذه الجهات ولكل درجه في القرب والبعد بحسب ما تقتضيه صفته وحالته فمن يعمل مثقال ذره خيرا يره ومن يعمل مثقال ذره شرا يره وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون بيان تفصيل الطريق الى تهديب الاخلاق قد عرفت من قبل ان الاعتدال في الاخلاق هو صحه في النفس والم ميل عن الاعتدال سقم ومرض فيها كما ان الاعتدال في مزاج البدن هو صحه له والميل عن الاعتدال مرض فيه فلنتخذ البدن مثالا فنقول مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل والاخلاق الرديئه عنها وجلب الفضائل والاخلاق الجميله اليها مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحه له وجلبها اليه وكما ان الغالب على اصل المزاج الاعتدال وانما تعتري العله المضره بعوارض الاغذيه والاهويه والاحوال فكذلك كل مولود يولد معتدلا صحيحا على الفطره وانما ابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه اي بالاعتياد والتعليم تكتسب الرذائل وكما ان البدن في الابتداء لا يخلق كاملا وانما يكمل ويقوى بالنشوء والتربيه بالغذاء فكذلك النفس تخلق ناقصه قابله للكمال وانما تكمل بالتزكيه وتهدي الاخلاق والتغذيه بالعلم وكما ان البدن ان كان صحيحا فشان الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحه وان كان مريضا فشانه جلب الصحه اليه فكذلك النفس منك ان كانت ذكيه طاهره مهذبه فينبغي ان تسعى لحفظها وحفظ صفتها وجلب مزيد قوه اليها واكتساب زياده صفائها وان كانت عديمه الكمال والصفاء فينبغي ان تسعى لجلب ذلك اليها وكما ان العله المغيره لاعتدال البدن الموجبه للمرض لا تعالج الا بضدها فان كانت من حراره فبروده وان كانت من بروده فبالحراره فكذلك ذلك الرذيله التي هي مرض القلب علاجها بضدها فيعالج مرض الجهل بالتعلم ومرض البخل بالتسخي ومرض الكبر بالتواضع ومرض الشره بالكف عن المشتهى تكلفا وكما انه لابد من احتمال مراره الدواء وشده الصبر على المشتيات لعلاج الابدان المريضه فكذلك لابد من احتمال مراره المجاهده والصبر لمداواه مرض القلب بل هذا اولى فان مرض البدن يخلص منه بالموت ومرض القلب والعياذ بالله مرض يدوم بعد الموت ابدا الابد وكما ان كل مبرد لا يصلح لعله سببها الحراره الا اذا كان على حد مخصوص ويختلف ذلك بالشده والضعف والدوام وعدمه وبالكثره والقله ولا بد له من معيار يعرف به مقدار النافع منه فانه ان لم يحفظ معياره زاد الفساد فكذلك النقائض التي تعالج بها الاخلاق لابد لها من معيار وكما ان معيار الدواء ماخوذ من عيار العله حتى ان الطبيب لا يعالج ما لم يعرف ان العله من حراره او بروده فان كانت من حراره فيعرف درجتها اهي ضعيفه ام قويه فاذا عرف ذلك التفت الى احوال البدن واحوال الزمان وصناعه المريض وسنه وسائر احواله ثم يعالج بحسبها فكذلك الشيخ المتبوع الذي يطب نفوس المريدين ويعالج قلوب المسترشدين ينبغي الا يهجم عليه بالرياضه والتكاليف في فن مخصوص وفي طريق مخصوص ما لم يعرف اخلاقهم وامراضهم وكما ان الطبيب لو عالج جميع المرضى في علاج واحد قتل اكثرهم فكذلك الشيخ لو اشار على المريدين بنمط واحد من الرياضه اهلكهم وامات قلوبهم بل ينبغي ان ينظر في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما تحتمله بنيته من الرياضه ويبني على ذلك رياضته فاذا كان المريد مبتدئا جاهلا بحدود الشرع فليعلمه اولا الطهاره والصلاه وظواهر العبادات وان كان مشغولا بمال حرام او مقارفا لمعصيه فيامره اولا بتركها فاذا تزين ظاهره بالعبادات وطهر عن المعاصي الظاهره جوارحه نظر بقرائن الاحوال الى باطنه ليتفطن لاخلاقه وامراض قلبه فان راى معه مالا فاضلا عن قدر ضرورته اخذه منه وصرف رفه الى الخيرات وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت اليه وان راى الرعونه والكبر وعزه النفس غالبه عليه فيامره ان يخرج الى الاسواق للكديه والسؤال فان عزه النفس والرئاسه لا تنكسر الا بالذل ولا ذل اعظم من ذل السؤال فيكلفه المواظبه على ذلك مده حتى ينكسر كبره وعزه نفسه فان الكبر من الامراض المهلكه وكذلك الرعونه وان راى الغالب عليه النظافه في البدن والثياب ورعا قلبه مائلا الى ذلك فرحا به ملتفتا اليه استخدمه في تعهد بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القدره وملازمه المطبخ ومواضع الدخان حتى تتشوش عليه رعونته في النظافه فان الذين ينظفون ثيابهم ويزي يزينونها ويطلبون المرقعات النظيفه والسجادات الملونه لا فرق بينهم وبين العروس التي تزين نفسها طول النهار فلا فرق بين ان يعبد الانسان نفسه او يعبد صنما فمهما عبد غير الله فقد حجب عن الله ومن راعى في ثوبه شيئا سوى كونه حلالا وطاهرا مراعاه يلتفت اليها قلبه فهو مشغول بنفسه ومن لطائف الرياضه اذا كان المريد لا يسخو بترك الرعونه راسا او بترك صفه اخرى ولم يسمح بضدها دفعه فينبغي ان ينقله من الخلق المدموم الى خلق مدموم اخر اخف منه كالذي يغسل الدم بالبول ثم يغسل البول بالماء اذا كان الماء لا يزيل الدم كما يرغب الصبي في المكتب باللعب بالكره والصولجان وما اشبه ثم ينقل من اللعب الى الزينه وفاخر الثياب ثم ينقل من ذلك بالترغيب في الرئاسه وطلب الجاه ثم ينقل من الجاه بالترغيب في الاخره فكذلك من لم تسمح نفسه بترك الجاه دفعه فلينقل الى جاه اخف منه وكذلك سائر الصفات وكذلك ان راى شره الطعام غالبا عليه الزمه الصوم وتقليل الطعام ثم يكلف فه ان يهيئ الاطعمه اللذيذه ويقدمها الى غيره وهو لا ياكل منها حتى يقوي بذلك نفسه فيتعود الصبر وينكسر شرعهه وكذلك اذا راه شابا متشوقا الى النكاح وهو عاجز عن الطول فيامره بالصوم وربما لا تسكن شهوته بذلك فيامره ان يفطر ليله على الماء دون الخبز وليله على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم والادم راسا حتى تذل نفسه وتنكسر شهوته فلا علاج في مبدا الاراده انفع من الجوع وان راى الغضب غالبا عليه الزمه الحلم والسكوت وسلط عليه من يصحبه ممن فيه سوء خلق ويلزمه خدمه من ساء خلقه حتى يمرن نفسه على الاحتمال معه كما حكي عن بعضهم انه كان يعود نفسه الحلم ويزيل عن نفسه شده الغضب فكان يستاجر من يشتمه على ملا من الناس ويكلف نفسه الصبر ويكضم غيضه حتى صار الحلم عاده له بحيث كان يضرب به المثل وبعضهم كان يستشعر في نفسه الجبن وضعف القلب فاراد ان يحصل لنفسه خلق الشجاعه فكان يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الامواج وعباد الهند يعالجون الكسل عن العباده بالقيام طوال الليل على نصبه واحده وبعض الشيوخ في ابتداء ارادته كان يكسل عن القيام فالزم نفسه القيام على راسه طول الليل لتسمح بالقيام على الرجل عن طوع وعالج بعضهم حب المال بان باع جميع ماله ورمى به في البحر اذ خاف من تفرقته على الناس رعونه الرياء بالبدل فهذه الامثله يعرفك طريق معالجه القلوب وليس غرضنا ذكرى دواء كل مرض فان ذلك سياتي في بقيه الكتاب وانما غرضنا الان التنبيه على ان الطريق الكلي فيه سلوك مسلك المضاده لكل ما تهواه النفس وتميل اليه وقد جمع الله تعالى ذلك كله في كتابه العزيز في كلمه واحده فقال تعالى واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنه هي الماوى والاصل المهم في المجاهده الوفاء بالعزم فاذا عزم على ترك شهوه تيسرت اسبابها ويكون ذلك ابتلاء من الله تعالى واختبارا فينبغي ان يصبر ويستمر فانه ان عود نفسه نكث العزم الفت ذلك ففسدت واذا اتفق منه نقض عزم فينبغي ان يلزم نفسه عقوبه عليه كما ذكرناه في معاقبه النفس في كتاب المحاسبه والمراقبه واذا لم يخوف النفس بعقوبه غلبته وحسنت عنده تناول الشهوه فتفسد بها الرياضه بالكليه بيان علامات مرض القلب وعلامات عوده الى الصحه اعلم ان كل عضو من اعضاء البدن خلق لفعل خاص به وانما مرضه ان يتعذر عليه فعله الذي خلق له حتى لا يصدر منه اصلا او يصدر منه مع نوع من الاضطراب فمرض اليد ان يتعذر عليها البطش ومرض العين ان يتعذر عليها الابصار فكذلك مرض القلب ان يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لاجله وهو العلم والحكمه والمعرفه وحب الله سبحانه وتعالى وعبادته والتلذذ بذكره وايثار ذلك على كل شهوه سواه والاستعانه بجميع الشهوات والاعضاء عليه قال الله تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ففي كل عضو فائده وفائده القلب الحكمه والمعرفه وخاصيه النفس التي للادم ما يتميز بها عن البهائم فانه لم يتميز عنها بالقوه على الاكل والوقاع والابصار او غيرها بل بمعرفه الاشياء على ما هي عليه واصل الاشياء وموجدها ومخترعها هو الله عز وجل الذي جعلها اشياء فلو عرف كل شيء ولم يعرف الله عز وجل فكانه لم يعرف شيئا وعلامه المعرفه المحبه فمن عرف الله تعالى احبه وعلامه المحبه الا يؤثر عليه الدنيا ولا غيرها من المحبوبات كما قال تعالى قل ان كان اباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجاره تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى ياتي الله بامره والله لا يهدي القوم الفاسقين فمن عنده شيء احب اليه من الله فقلبه مريض كما ان كل معده صار الطين احب اليها من الخبز والماء او سقطت شهوتها عن الخبز والماء فهي مريضه فهذه علامه المرض وبهذا يعرف ان القلوب كلها مريضه الا ما شاء الله الا ان من الامراض ما لا يعرفها صاحبها ومرض القلب مما لا يعرفه صاحبه فلذلك يغفل عنه وان عرفه صعب عليه الصبر على مراره دوائه فان دوائه مخالفه الشهوات وهو نزع الروح فان وجد من نفسه قوه الصبر عليه لم يجد طبيبا حاذقا يعالجه فان الاطباء اباءهم العلماء وقد استولى عليهم المرض فالطبيب المريض قلما يلتفت الى علاجه فلهذا صار الداء عضالا والمرض مزمنا واندرس هذا العلم وانكر بالكليه طب القلوب وانكر مرضها واقبل الخلق على حب الدنيا وعلى اعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات ومرايات فهذه علامات اصول الامراض واما علامه عودها الى الصحه بعد المعالجه فهو ان ينظر في العله التي يعالجها فان كان يعالج داء البخل وهو المهلك المبعد عن الله عز وجل فانما علاجه ببذل المال وانفاقه ولكنه قد يبذل المال الى حد يصير به مبذرا فيكون التبذير ايضا داء ويكون كمن يعالج البروده بالحراره حتى تغلب الحراره وهو ايضا داء بل المطلوب الاعتدال بين الحراره والبروده وكذلك المطلوب الاعتدال بين التقتير والتبدير حتى يكون على الوسط وفي غايه البعد عن الطرفين فاذا اردت ان تعرف الوسط فانظر الى الفعل الذي يجبه الخلق المحذور فان كان اسهل عليك والذ من الذي يضاده فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب مثل ان يكون امساك المال وجمعه الذ عندك وايسر عليك من بدله لمستحقه فاعلم ان الغالب عليك خلق البخل فزد في المواضبه على البدل فان صار البدل على غير المستحق الذ عندك واخف عليك من الامساك بالحق فقد غلب عليك التبذير فارجع الى المواضبه على الامساك فلا تزال تراقب نفسك وتستدل على خلقك بتيسير الافعال وتعسيرها حتى تنقطع علاقه قلبك عن الالتفات الى المال فلا تميل الى بدله ولا الى امساكه بل يصير عندك كالماء فلا تطلب فيه الا امساكه لحاجه محتاج او بدله لحاجه محتاج ولا يترجح عندك البدل على الامساك فكل قلب صار كذلك فقد اتى الله سليما عن هذا المقام خاصه ويجب ان يكون سليما عن سائر الاخلاق حتى لا يكون له علاقه بشيء مما يتعلق بالدنيا حتى ترتحل النفس عن الدنيا منقطعه العلائق عنها غير ملتفته اليها ولا متشوفه الى اسبابها فعند ذلك ترجع الى ربها رجوع النفس المطمئنه راضيه مرضيه داخله في زمره عباد الله المقربين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا ولما كان الوسط الحقيقي بين الطرفين في غايه الغموض بل هو ادق من الشعر واحد من السيف فلا جرم من استوى على هذا الصراط المستقيم في الدنيا جاز على مثل هذا الصراط في الاخره وقلما ينفك العبد عن ميل عن الصراط المستقيم عن الوسط حتى لا يميل الى احد الجانبين فيكون قلبه متعلقا بالجانب الذي مال اليه ولذلك لا ينفك عن عذاب ما واجتياز على النار وان كان مثل البرق قال الله تعالى وان منكم الا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا اي الذين كان قربهم الى الصراط المستقيم اكثر من بعدهم عنه ولاجل عسر الاستقامه وجب على كل عبد ان يدعو الله تعالى في كل يوم 17 مره في قوله اهدنا الصراط المستقيم اذ وجبت قراءه الفاتحه في كل ركعه فقد روي ان بعضهم راى رسول الله عليه الصلاه والسلام في المنام فقال قد قلت يا رسول الله شيبتني هود فلم قلت ذلك فقال قال لقوله تعالى فاستقم كما امرت فالاستقامه على سواء السبيل في غايه الغموض ولكن ينبغي ان يجتهد الانسان في القرب من الاستقامه ان لم يقدر على حقيقتها فكل من اراد النجاه فلا نجاه له الا بالعمل الصالح ولا تصدر الاعمال الصالحه الا عن الاخلاق الحسنه فليتفقد كل عبد صفاته واخلا اخلاقه وليعددها وليشتغل بعلاج واحد واحد منها على الترتيب فنسال الله الكريم ان يجعلنا من المتقين انتهى الجزء الاول
1:25:31
رياضة النفس وتهذيب الخلق 2 إحياء علوم الدين للإمام الغزالي بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
123.7K مشاهدة · 10 months ago
2:25:09
كتاب كسر الشهوتين إحياء علوم الدين للإمام الغزالي بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
858.1K مشاهدة · 10 months ago
33:21
عجائب القلب 1 إحياء علوم الدين للإمام الغزالي بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
120.7K مشاهدة · 1 year ago
59:22
عجائب القلب ٣ إحياء علوم الدين للإمام الغزالي بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
49.2K مشاهدة · 11 months ago