أبو حنيفة النعمان الإمام الأعظم إمام أهل الرأي والعقل في الإسلام المذهب الحنفي

👁 1 مشاهدة

أبو حنيفة النعمان الإمام الأعظم إمام أهل الرأي والعقل في الإسلام المذهب الحنفي

النص الكامل للفيديو

ولد الامام ابو حنيفه النعمان في الكوفه في زمن كانت فيه الامه تموج بالعلم والعلماء في الكوفه تلك المدينه العراقيه التي كانت تعج بالحياه والتجاره والعلم ولد فتى سيصبح لاحقا واحدا من اعظم علماء الامه الامام ابو حنيفه النعمان بن ثابت كان ذلك في اوائل القرن الثاني الهجري في زمن كانت فيه الدوله الاسلاميه تمتد من الشرق الى الغرب والعلماء فيها ينيرون طرق الفقه والتفكير نشا ابو حنيفه في بيت من بيوت اليسر والكرامه فكان ابوه ثابت رجلا تاجرا معروفا بالامانه والصدق وقد اورث لابنه حب الحق والنزاهه في القول والعمل منذ نعومه اظفاره كان النعمان ذا ذكاء لامع وذاكره قويه وكان يميل الى التامل اكثر من اللهو يراقب الناس في الاسواق ويتامل احوالهم يندهش من اختلافهم في المعاملات والبيعه ويسال نفسه دائما لماذا هذا حلال وهذا حلال وما الذي يجعل الحق حقا والباطل باطلا تلك الاسئله المبكره كانت الشراره التي ستقوده لاحقا الى طريق العلم والفقه لم يكن طريقه الى العلم فوريا فقد بدا حياته تاجرا مثل ابيه يعمل في تجاره الخز يبيع ويشتري في اسواق الكوفه وقد اشتهر بين الناس بصدقه وامانته حتى صار مضرب المثل بين التجار لكنه في خضم تلك الحياه التجاريه كان يشعر بنداء داخلي لا يفارقه نداء يدعوه الى ما هو اعظم من التجاره الى تجاره مع الله فيها الربح الحقيقي والعطاء الابدي وذات يوم وبينه ويسير في طرقات الكوفه مر برجل من كبار العلماء والمحدثين في زمانه هو الشيخ الشعبي وكان الشعبي يلحظ على وجه الشاب ذكاء وفطنه فساله الى اين تذهب يا نعمان؟ فقال الى السوق. فقال الشعبي: ما احسبك من الذين يلزمون الاسواق بل اراك من الذين يلزمون العلم والمجالس. كانت تلك الكلمات كانها وميض من نور اخترق قلبه فاستقرت في نفسه واستيقظت فيها الرغبه القديمه التي لم يكن يعرف كيف يلبيها. ومنذ تلك اللحظه تغير مسار حياته. بدا ابو حنيفه يتردد على حلقات العلم في المساجد يسمع من العلماء ويجادلهم بعقل ناضج رغم حداثه سنه لم يكن كغيره من طلاب العلم الذين يكتفون بتكرار ما يسمعون بل كان يناقش ويحلل ويبحث عن الحكمه وراء الاحكام وهكذا بدا طريقه الطويل نحو الفقه والاجتهاد وكان اول ما شده هو علم الكلام والمناظره فكان يدخل في مجالس المتكلمين من اهل الراي والفرق المختلفه فيناظرهم ويجادلهم بالحجه والبرهان حتى صار يهاب في المناظره رغم صغر سنه لكن قلبه لم يطمئن لهذا الطريق تماما فقد كان يشعر ان الجدل وحده لا يروي عطش الحقيقه وانه لابد من علم ينير الطريق الى الله بصفاء ويقين وفي احد الايام جلس في مسجد الكوفه يستمع لدرس للشيخ حماد بن ابي سليمان وهو من كبار فقهاء الكوفه وتلاميذ ابراهيم النخعي احد تلاميذ ابن مسعود رضي الله عنه كان الدرس في الفقه والقياس فسمع ابو حنيفه كلاما عجيبا عن احكام المعاملات والقضاء والعبادات كلام يمس حياه الناس مباشره فشعر ان هذا هو العلم الذي كان يبحث عنه علم ينظم حياه الامه بالعدل ويقربها الى الله بالفقه والفهم وبعد ان انتهى الدرس اقترب من شيخه وقال له بادب وتواضع يا امام ايمكنني ان اكون من طلابك فابتسم حماد وقال ان كنت صادق النيه فالعلم باب مفتوخ لكل من طرقه باخلاص وهكذا بدات رحله النعمان الحقيقيه في طلب العلم رحله دامت تقريبا 18 سنه كامله لم يفارق فيها مجلس شيخه الا عند وفاته وكان ابو حنيفه يجلس امام شيخه في كل درس كانه يملا قلبه قبل اذنه يكتب ما يسمع ثم يعود فيراجع ويقارن المسائل ويستنبط وقد عرف بين طلاب العلم بحده فهمه وعمق استدلاله حتى صار حماد يقول لطلابه لو نظرتم في المساله من الف وجه لوجد النعمان لها وجها لم يخطر لكم على بال تلك السنوات الاولى كانت مرحله التاسيس حيث تكونت شخصيته العلميه على منهج يجمع بين النص والعقل بين الاثر والقياس منهج سيصبح لاحقا مدرسه عظيمه تعرف باسم المذهب الحنفي احد الاعمده الاربعه الكبرى في الفقه الاسلامي لكان قبل ان يصبح اماما كان لابد له ان يختبر وان يمر بمواقف تهز كيانه وتظهر جوهره فالحياه لا تمنح عظمتها الا لمن صبر وتعلم من بلائها وكانت الايام تخبئ له من التحديات ما سيجعل اسمه خالدا في تاريخ الامه الى الابد مضت الاعوام الاولى من طلب ابي حنيفه للعلم وقد صار من اقرب تلامذه الشيخ حماد بن ابي سليمان لا يغيب عن مجلسه ولا يترك مساله الا سال عنها واستقص دلائلها كان يبيت الليالي يراجع مسائل الفقه ويقارن الاقوال ويكتب الملاحظات في اوراقه القليله ثم يعود في اليوم التالي الى مجلس شيخه ليناقشه فيما اشكل عليه لم يكن يسعى للجدال او الظهور بل كان يريد ان يفهم ان يصل الى اليقين وذات يوم اضطر الشيخ حماد الى السفر فاختار ابا حنيفه ليقوم مقامه في تدريس الناس والفتيا حتى يعود وكانت تلك اول مره يجلس فيها الامام على كرسي التعليم وهو بعد في بداجات الثلاثين من عمره جلس خاشعا مترددا لكنه سرعان ما وجد في نفسه ثباتا غريبا وكان الله الهمه الحكمه في القول والعدل في الحكم فصار الناس يقصدونه بالسؤال ويعجبون من دقه فهمه وسعه علمه فلما عاد حماد وجد ان مجلسه عامر بالناس كما لم يكن من قبل وان ابا حنيفه قد برز نبوغه بين الجميع ففرح به الشيخ وقال له ما جلست في مكاني الا وانت له اهل منذ ذلك الوقت بدا نجم ابي حنيفه يسطع في الكوفه صار الناس ياتونه من كل صوب يسالونه عن المسائل الفقهيه المعقده وكان جوابه لا يخرج عن ميزان منضبط بين النص والقياس لا يفتي برايه المجرد بل يبحث عن العله والحكمه وراء الحكم فاذا لم يجد نصا صريحا من القران او السنه لجا الى القياس والاستنباط وهو ما جعل طريقته تعرف باسم اهل الراي تمييزا لها عن منهج اهل الحديث في الحجاز لكن ابا حنيفه رغم مكانته العلميه كان شديد الورع في الفتوه كان يقول من اجيب في كل ما يسال فهو مجنون وكان يردد دائما هذا راينا وهو احسن ما قدرنا عليه فمن جاء باحسن منه قبلناه تواضع العالم كان يفيض من كلماته فلم يرى نفسه معصوما بل مجتهدا يصيب ويخطق وفي احد الايام حدث ان رفعت اليه مساله في القضاء بين رجلين احدهما غني والاخر فقير فاستمع الى حجج الطرفين ثم قال للغني اجلس كما يجلس خصمك ولا ترفع صوتك فوق صوته فانكما امام الحق سواء فتعجب الناس من عدله وهيبته اذ لم يكن يرضى ان يهان فقير او يكرم غني في مجلسه وكان يقول العدل اساس العلم ومن ظلم في فتواه فقد خان امانه الله وبينما كانت مكانته تتسع في الكوفه بدا بعض ولاه الدوله يلاحظون تاثيره الكبير على الناس فقد كان يرفض المداهنه ولا يدخل في خدمه السلطان رغم ما عرض عليه من المناصب جاءه مره والكوفه من قبل الامويين فعرض عليه ان يكون قاضيا رسميا للمدينه فقال له ابو حنيفه بهدوء اني لست باهل لذلك فقال الوالي كذبت انت اهل فرد الامام قد حكمت علي اني كاذب فان كنت صادقا فلا يصلح القاضي ان يكون كاذبا وان كنت كاذبا فلا استحق القضاء فانصرف الوالي وهو يضرب كفا بكف من ذكائه وسرعه جوابه كان ذلك الموقف بدايه توتر بين الامام والسلطه فقد رات فيه الدوله رجلا مؤثرا لا يشترى وصوتا حرا يسكت ومع ذلك ظل ابو حنيفه بعيدا عن الصدام منشغلا بالتدريس ونشر العلم اجتمع حوله طلاب كثر من بينهم من سيصبح لاحقا ائمه كبارا كابو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني اللذان سيساهمان في تدوين فقهه ونشر مذهبه في انحاء العالم الاسلامي كان مجلسه متميزا لا يقوم على التلقين بل على الحوار والنقاش يجلس طلابه في حلقه دائريه يطرح يطرح المسائل عليهم ويستمع الى ارائهم ثم يناقشهم حتى يصلوا الى الراجح فاذا اختلفوا سالهم عن الدليل ثم يقيسون المساله على اصل فقهي حتى يطمئن قلبه للنتيجه وهكذا نشات مدرسه فكريه فقهيه فريده تقوم على العقل الجماعي والمشاوره لم يكن ابو حنيفه يرضى ان يكون العلم حكرا على طبقه معينه بل كان يرى ان الفقه يجب ان يخ خدم الناس كلهم الغني والفقير الحاكم والمحكوم ولذلك كان يقضي وقتا طويلا في الاسواق والمساجد يستمع الى قضايا الناس الواقعيه ثم يعود ليستنبط منها الاحكام التي تنفعهم كان يقول لتلاميذه الفقه ليس حفظ المسائل بل فهم مقاصد الشرع وكيفيه تنزيلها على حياه الناس ومع مرور السنوات صار اسمه يذكر في كل مجلس علم وصارت كلماته تتداول الالسن واصبح بيته مقصد العلماء والطلاب والضعفاء لكن طريق العلم لا يخلو من الامتحان وقد بدا امتحانه الحقيقي عندما حاولت السلطه ان تجبره على ان يكون جزءا من جهازها وان يلبس ثوب القضاء الذي طالما رفضه وهناك بدات مرحله جديده من حياته مليئه بالثبات والمحن والصبر العظيم اشتد نفوس ذ ابي حنيفه في الكوفه وكثر تلاميذه ومحبيه وصار اسمه يتردد في كل مجلس علم حتى بلغ صيطه بلاط الدوله الامويه التي كانت في اواخر ايامها تعادي اضطرابا سياسيا وصراعا على الحكم وكان الولاه يبحثون عن العلماء الذين يباركون حكمهم ويطفون عليه الشرعيه فوجدوا في ابي حنيفه عقلا مؤثرا ولسانا مسموعا بين الناس لكن الامام لم يكن من اولئك الذين يبيعون علمهم للسلطان بل كان يرى ان العالم يجب ان يكون ناصحا لا تابعا وان الحق لا يغير بمرسوم ولا يباع بمنصب لذلك حين جاءه والي الكوفه من قبل الامويين ابن هبيره وقال له يا ابا حنيفه ان امير المؤمنين يزيد بن عمر بن هبيره يامرك ان تتولى القضاء في الكوفه اجابه الامام في هدوء اني لست باهل لذلك فغضب الوالي وقال تكذب فقال ابو حنيفه قد حكمت علي بالكذب فان كنت صادقا في حكمك فلا يصلح ان يتولى القضاء كاذب وان كنت مخطئا فلا يصح ان توليني وانت تظن بي الكذب ثار غضب الوالي وامر بحبسه لكن الناس اجتمعوا عند ابواب السجن فخاف الفتنه واطلق صراحه منذ ذلك الحين صار الامام مراقبا وكان يدرك ان قول الحق في وجه السلطان له ثمن لكنه لم يتراجع عن مبدائه كان يقول ان من طلب العلم ليستعمله في الدنيا قل علمه ومن طلبه للاخره بارك الله له فيه ومع سقوط الدوله الامويه وقيام الدوله العباسيه ظن الناس ان الرفق سيحل محل القسوه وان العلماء سيجدون في الخلفاء الجدد سندا للحق لكن ما حدث كان مختلفا اذ ما لبث ان وصل الى الحكم ابو جعفر المنصور وكان رجلا قويا حازما لا يقبل معارضه في سلطانه اراد ان يثبت حكمه ببيعه الناس له وخاصه العلماء ليظهر انهم يؤيدونه فاستدعى ابا حنيفه الى بغداد وقال له يا ابا حنيفه نريد ان نوليك القضاء لتكون بين الناس بالحق فرد الامام بهدوء يا امير المؤمنين لست اصلح لذلك فغضب المنصور وقال تكذب فقال الامام كلمته التي خلدها التاريخ ان كنت كاذبا فلا اصلح للقضاء وان كنت صادقا فلا يجوز لك ان توليني من يقر على نفسه بعدم الصلاح فغضب المنصور لكنه كظم غيظه وامره بالبقاء في بغداد غير ان المنصور لم ينسى رفضه وازدادت ريبه السلطه منه خاصه بعدما شاع انه يرفض مبايعه بعض اولاه المنصور ممن سفكوا الدماء ظلما فاتهموه بالميل الى ال علي وبتحريض الناس على الثوره وهي تهمه كان يراد بها اخضاع العلماء او التخلص منهم ومع ذلك لم يكن ابو حنيفه يوما داعيه الى الفتنه بل كان يدعو الى العدل وحق الامه في امام عادل قال مره لو ان الناس كلفوا طاعه من يغلبهم بالسيف دون عدل منه لضاعه الحقوق وصار الدين تبعا للهوى كانت كلماته تخرج من قلب لا يخاف الا الله ولهذا كان لها اثر كبير في الناس والم عميق في صدور الحاكمين استمر ابو حنيفه في تعليم الناس ونشر الفقه وكان مجلسه في بغداد يعج بالطلاب من الصباح الى المساء لم يكن يعطي دروسه من حفظ بل من عقل واع يستنبط ويقيس حتى قال احد تلاميذه كنا نظن ان الامام لا يخطئ فاذا سالناه عن مساله لم نجدها عنده تامل فيها ساعه ثم قال قولا كانه نزل من السماء وكان من ابرز ما ميز ابو حنيفه انه جمع بين فقه النصوص وفقه الواقع فكان يسال عن احوال الناس قبل ان يفتي ويقول الفتوى من غير معرفه حال المستفتي كالعلاج بلا تشخيص لذا كان فقهه حيا نابضا بالحياه يصلح لكل زمان لانه ينطلق من مقاصد الشرع لا من ظاهر القول فقط وذات مساء بينما كان الدمام في مجلسه دخل عليه احد تلاميذه مسرعا وقال يا امام لقد امر الخليفه بجمع العلماء لياخذ منهم البيعه فابتسم ابو حنيفه وقال بهدوء لا يخلو من الم ان الله يعلم اني ما عصيته الا له ولا رفضت الدنيا الا خوفا ان ابيع ديني كانت كلماته تلك اشبه بوصيه غير معلنه كانه كان يعلم ان الطريق امامه سيزداد وعوره وان الصبر وحده سيكون زاده ولم تمضي ايام حتى ارسل اليه امر جديد من الخليفه المنصور يامره ان يحضر الى مجلسه لا ليستشيره هذه المره بل ليجبره على قبول المنصب بالقوه وهنا تبدا صفحه جديده من المحنه التي ستكشف للعالم معدن ابي حنيفه الحقيقي وثباته الذي لا يلين امام السلاطين حين وصل امر الخليفه ابي جعفر المنصور باستدعاء الامام ابي حنيفه علم الناس ان الامر ليس للتشاور ولا للمجامله بل للامتحان والاخضار كان المنصور قد سمع ان الامام يرفض تولي القضاء ويرفض مبايعه بعض الولاه الذين ظلموا الناس فاشتد غضبه وقال لابد ان اجعل هذا الرجل يعمل تحت سلطاني فان لم يفعل علم انه لا مكان له في دولتي وفي يوم مشهود دخل ابو حنيفه قصر الخليفه في بغداد وكان المجلس مهيبا والوزراء والولاه وقاده الجند من حول المنصور والهيبه تملا المكان. وقف الامام بثبات ووقار عليه سمت العلماء وهدوء الحكماء لا يطاطئ راسه خوفا ولا يرفعه تكبرا نظر اليه المنصور ماليا ثم قال يا ابا حنيفه قد بلغني عنك علم كثير وقد راينا ان نوليك القضاء فانك اهل له. ابتسم برفق وقال يا امير المؤمنين اعفني من ذلك فقال المنصور ولما اترى فينا جورا قال بل اراك من خيار الخلفاء ولكني رجل ضعيف اخاف ان اضل في الحكم والظلم في القضاء جريمه عظيمه فابتسم المنثور بخبث وقال بل انت القوي وانك تكذب فرد ابو حنيفه بنفس الهدوء افتولي على المسلمين من يكذب ساد د المجلس صمت عميق ثم بدا الغضب على وجه الخليفه لكنه تمالك نفسه وقال بلهجه فيها تهديد يا نعمان انك ترفض امري وهذا لا يليق بعالم من علماء الامه فقال الامام يا امير المؤمنين انما اخاف ان تكتب الي في امر فاخالفك فيه لله فتغضب فاكون قد عصيت الله او ارضيتك بمعصيته فاختر اي الرجلين تريدني ان اكون لم يجد د جوابا ولكنه لم ينسى الاهانه التي شعل بها فصرفه غاضبا وامر بمراقبته سرا وبدات المحنه تتخذ منحا اكثر قسوه فبعد مده قصيره اعاض المنصور طلبه مره اخرى فلما رفض الامام للمره الثانيه امر بحبسه في بغداد دخل ابو حنيفه السجن ومعه يقينه بالله وطمانينته التي لا تنكسر لم يكن السجن عنده الا خلوه يتقرب فيها من الله بالذكر والتفكر وكان السجان انفسهم يعجبون من سكونه وابتسامته رغم الظلم وكان يقول لهم اللهم انك تعلم انني لم ارفض القضاء تكبرا بل خوفا ان ابيع ديني لدنيا غيري وبينما كان في السجن ظل الناس يتحدثون عنه وتلاميذه يزورونه سرا فياخذون منه المسائل والاجوبه ويكتبونها عنه لالا يضيع علمه صار السجن مدرسه اخرى من مدارس ابي حنيفه فيها علمهم بالصبر كما علمهم بالفقه وبالثبات كما علمهم بالمنطق وفي احدى الليالي دخل عليه احد حراس السجن وقال له متاثرا يا امام لو انك اطعت الخليفه لتخلصت من هذا البلاء فقال ابو حنيفه بصوت هادئما البلاء ان اطيع في معصيه الله وان الحر من اختار سجنه على خيانته ثم اطعق راسه وراح يسبح كان السجن كله تحول الى محراب مرت الايام وضاق المنصور ذرعا بصبره وثباته فامر باخراجه من السجن مؤقتا وعرض عليه المنصب مره ثالثه لكن الامام لم يبدل قوله بل رد عليه كما فعل دائما فغضب الخليفه غضبا شديدا وامر بجلده ضربات موجعه حتى اغمي عليه حمله تلاميذه الى بيته وهو شبه ميت يئن من الالم لكن لسانه لا يزال يذكر الله ويقول اللهم اغفر لهم فانهم لا يعلمون ورغم الجراح التي انهكت جسده عاد بعد شفائه الى التدريس والتعليم لا يشتكيه ولا يذكر ما اصابه الا بالصبر وكان يقول ما ندمت على شيء ندامه على انني لم اقدر ان اقول كلمه الحق اكثر مما قلت تلك الايام كانت كافيه لتصنع حوله هاله من التقدير والاحترام بين الناس حتى صار ينظر اليه لا كعالم فقيه فحسب بل كرمز للثبات والحريه والك الكرامه العلميه اما السلطه فكانت تزداد حنقا منه لان حب الناس له كان يتعاظم كل ما اشتد ظلمه عليهم ولم يكن الامام يعلم ان هذه المحنه ما هي الا مقدمه لابتلاء اكبر ابتلاء سيكتب نهايته في الدنيا وبقاء اسمه خالدا في صفحات التاريخ اذ سيعود الخليفه المنصور ليامر امرا لا رجعه فيه امرا سيغير مجرى حياته الى الابد خرج الامام من محنته الاولى ضعيفه فالجسد لكنه قوي الروح لا يلين قلبه ولا تهتز عزيمته عاد الى بيته ببغداد وبدا الناس يتوافدون عليه كما كانوا من قبل يسالونه عن امور دينهم وياخذون عنه الفقه والحديث والراي كان يعلمهم كما لو لم يذق الم السجن والجلد وكان يقول لتلابيذه اصبروا على العلم فان لله في كل تعب اجره ولعلنا نتعب في الدنيا قليلا لنستريح في الاخره طويله وقد ازداد عدد طلابه بعد محنته وكان الله اراد ان يرفع ذكره بما صدر فصار بيته لا يخلو من طلاب يقيدون عنه العلم في كل ساعه وكان ابرزهم ابو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني والفقه الاكبر زفر بن الهذيل وكل واحد منهم سيحمل مشعل فقهه بعد وفاته وينشر مذهبه في الافاق في تلك المرحله لم يكن فقه ابي حنيفه مجرد دروس في الحلال والحرام بل صار مدرسه في التفكير المنهجي وفي فهم النصوص بعم يوازن بين ظاهرها ومقصدها كان يقول لتلاميذه لا تقلدوني كما يقلد الصبي معلمه فاذا جاءكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوا به ودعوا قولي وكان يحب النقاش ويستفز عقولهم بالسؤال فاذا اذا اجاب احدهم ساله ولما قلت ذلك وما دليلك فلا يرضى بجواب دون تعليل وذات يوم كان في مجلسه حين جاءه رجل من العامه يساله مساله في الميراث فاجاب الامام بما يراه عدلا وفق الشرع فقال الرجل ولكن فلانا من العلماء قال بغير ذلك فابتسم ابو حنيفه وقال انما نحن بشر نقول اليوم قولا ونرجع عنه غدا ان تبين لنا الحق اما الحق فلا يتبدل. كانت تلك الروح العلميه الراقيه هي ما جعل مذهبه يقوم على الاجتهاد والتفكير لا على الجمود والتقليد. وبينما كان العلم ينتشر من مجلسه كانت العيون تترصده من بعيد. فقد كان الخليفه ابو جعفر المنصور لا يزال يحمل في نفسه شيئا من غيظه قديم. ورغم مرور الاعوام لم ينسى كيف رفض الامام اوامره وافحمه امام الناس بحجته وها هو الان يرى ان ابا حنيفه قد صار صاحب تاثير واسع وان الناس يلتفون حوله اكثر مما يلتفون حول رجال الدوله بدا الخليفه يضيق ذرعا به مجددا حتى قال بعض وزرائه له يا امير المؤمنين ان ابا حنيفه قد صار له اتباع كثر يخافون الله ولا يخافون السلطان ولو امرهم الامام بشيء لاطعوه فاشتعل الغضب في صدر المنصور وقال اما ان لهذا الرجل ان يذعن والله لارغمن انفه فارسل اليه رساله يدعوه فيها مره اخرى لتولي القضاء كان شيئا لم يكن فلما قراها الامام علم ان الامر جديد فجلس يكتب جوابه بيده وقال فيه يا امير المؤمنين ان القضاء امانه عظيمه ولا ارى نفسي لها اهلا فان اصبت ظلمت الناس وان اخطات ظلمت نفسي فاعفني مما لا اقدر عليه وصل الجواب الى المنصور فغضب غضبا شديدا وقال ما منعه الا الكبر والعناد فامر باحضاره الى بغداد مقيدا ووقف الامام بين يديه مره اخرى والهيبه تملا المجلف كما في المره الاولى فقال له المنصور يا ابا حنيفه قد علمت علمك وورعك فلا تعاند فقد عزمت ان اجعلك قاضي القضاه فقال الامام بهدوء يا امير المؤمنين اتق الله ولا تجعلني سبيلا لظلم احد فاني لا اصلح لذلك اشتد غضب المنصور وامر بحبسه ثانيه وهذه المره كان السجن اطول واشد وضع في زنزانه ضيقه وامر ان يمنع عنه من يزوره الا باذن خاص ومع ذلك كان الحراس يسمع ون صوته في الليل يقرا القران ويسبح ويدعو وكان اذا سئل عن حاله يقول ما ازددت الا يقينا ان الدنيا لا تساوي شيئا وذات ليله في هدوء السجن دخل عليه احد الجند وقال له يا ابا حنيفه لما لا تريح نفسك وتقبل القضاء فالناس يرونك مظلوما والخليفه يراك عاصيا فقال الامام بصوت رقيق يا بني ما ندمت على شيء من امري انما اكره ان ابيع ديني بدنيا غيري وما دام في نفس يخرج ويدخل فلن اقول الا الحق بلغت تلك الكلمات مسامع المنصور فازداد غيظه وامر ان يضرب بالصياط كل يوم حتى يرضخ لكن الامام لم يرضخ فكان يغمى عليه من شده الضرب ثم يفيق فيعود لذكر الله قال احد الحراس كنا نضربه فيسكت فاذا فرغنا رفع يده الى السماء قال اللهم اغفر لهم فانهم لا يعلمون ومع مرور الايام بدا جسده يضعف شيئا فشيئا ولم يعد يقوى على الوقوف طويلا لكنه ظل ثابت القلب مطمئن النفس حتى ان بعض الجند تاثروا بحاله وصاروا يخففون عنه العذاب سرا وكان يقول لمن يراه حزينا لا تحزن ان للحق ثمنا وثمنه غال الله لا يضيع اجر من صبر لم يكن احد يدري ان هذه الايام الاخيره في السجن ستكون بدايه النهايه وان امام الذي ملا الدنيا علما وفقها سيغادرها بصمت يليق بالعظماء تاركا وراءه فكرا خالدا ومدرسه لا تموت في تلك المرحله من حياه الامام ابي حنيفه بدات مكانته العلميه تتعاظم في الكوفه وما حولها حتى صار الناس يقصدونه في مسائلهم ويرجعون اليه في احكامهم وياخذون عنه الفقه والدين. كان مجلسه عامرا بالطلاب الذين التفوا حوله لا لكونه مجرد محدث او رويه للاخبار بل لانه جمع بين عقل متقد وفقه دقيق واسلوب متميز في فهم النصوص واسقاطها على واقع الناس. كان يحاور تلامذته ويستمع الى اعتراضاتهم ثم يجيبهم برحابه صدر فيعلمهم كيف يستدلون وكيف يبنوي الحكم على اساس من النصوص والاصول وكان ذلك النهج سببا في تربيه جيل كامل من الفقهاء الذين صاروا اعلاما بعده لكن مع هذا الصيت الكبير لم تخلو حياه الامام من محن ابتلي بها بسبب تمسكه بمواقفه ففي عهد المنصور عرض عليه القضاء اكثر من مره والامام يابى بشده اذ كان يرى ان منصب القضاء في ذلك الزمن قد يصبح وسيله لتبرير ظلم الحكام واعطائهم الشرعيه لما يفعلون ولم يكن ابو حنيفه مستعدا ان يكون جزءا من ظلم مهما كانت المغريات تكررت الدعوه له لتولي القضاء وتكررت اجابته بالرفض حتى غضب عليه الخليفه وعد ذلك عصيانا للامر ولم يتوقف الامر عند حدود الضغط السياسي بل وصل الى الامتحان في الدين نفسه فقد سئل الامام في مسائله اراد بها المنصور ان يثبت ولاءه او يحرجه امام الناس لكن ابا حنيفه كان ثابتا لا يتنازل يجيب بما يرضي الله لا بما يرضي السلطان وكان يعلم ان كلماته قد تثير غضب الخليفه لكنه كان يقدم دينه على دنياه غير ابه بما يمكن ان يلحق به من اذى وكانت تلاميذته يرون في مواقفه دروسا في الصبر والثبات قبل ان تكون مجربه مسائل فقهيه ثم جاءت المحنه الكبرى اذ ضاق المنصور ذرعا بمواقفه فامر بسجنه هناك خلف القضبان واجه الامام تجربه مريره كان السجن ضيقا قاسيا لكنه لم يثنه عن تعليم الناس فقد كان بعض تلامذته يتسللون ليسمعوا منه وكان يفتيهم ويعلمهم حتى في اشد الظروف وكان يستغل ساعات الوحده الطويله في الذكر والتفكر والدعاء صابرا محتسبا وقد روي انه كان يختم القران في سجوده مرارا مستسلما لربه طالبا منه الثبات والفرج. لم يكن السجن مجرد عقوبه جسديه بل كان امتحانا للروح والاراده فقد حاولوا ارهاقه بالضرب والتعذيب الخفيف ليحملوه على قبول منصب القضاء او التراجع عن مواقفه لكنه ظل ثابتا لا تلين عزيمته وكان يردد لمن حوله لن ابيع ديني بدنيا غيري وكانت هذه الكلمات تتنقل بين طلابه والناس لتصبح رمزا لعزته واصراره على الحق وفي خضم تلك المحن ادرك الناس ان ابا حنيفه ليس مجرد فقيه يسال في مسائل الطهاره والبيع والشراء بل هو قدوه في الصبر والثبات على المبدا لقد صار علمه مقترنا بموقفه وصار فقهه مرتبطا بسيرته ولهذا ازدادت مكانته في قلوب الناس حتى وهو خلف القضبان اذ كانوا يرون فيه العالم الذي لا يشترى والامام الذي لا يساوم على دينه مرت الايام في السجن ثقيله بارده لكن نور الايمان لم يخمد في قلب الامام بل ازداد اشراقا لم يكن يتافف او مجزع بل كان يقضي ليله قائما قارئا للقران وعينه دامعه ولسانه لا يفطر عن الدعاء كان يعلم ان البلاء سنه الانبياء والعلماء وان طريق الحق محفوف بالاذى فيقول لمن يزوره سرا هكذا طريق العلماء لابد من ثمن يدفع اذا اردت ان تبقى الكلمه لله لا للسلطان وذات مساء دخل عليه احد الحراس مترددا يحمل له قليلا من الطعام فلما وضعه امامه قال يا امام لو انك قبلت القضاء لعشت مكرما في كسور بغداد فلماذا تتعب نفسك في هذا العناء فابتسم الامام برفق وقال يا بني ان الله اذا اخذ من عبده لذه الدنيا عوضه نورا في قلب لا يراه الناس ولكن يشعر به صاحبه في سكون الليل ثم رفع راسه الى السماء وقال اللهم اجعل حبك اغلى علي من كل سلطان بلغت هذه الكلمات بعض الجند الذين كانوا يتناوبون على حراسته فصاروا ينظرون اليه بعين الاعجاب ويدخلون عليه خفيه يستمعون الى كلامه فيخرجون وقلوبهم قد تغيرت حتى ان بعضهم تاب على يديه فكان السجن مدرسه خفيه يتعلم فيها الناس الصبر والايمان من رجل واحد مكبل بالسلاسل لكن اخبار الامام لم تتوقف عند حدود السجن كان الناس في الكوفه والعراق يتحدثون عنه كل يوم يتناقرون قصص صبره وثباته ويترحمون عليه في مجالسهم وكان طلابه الاوفياء كابي يوسف ومحمد بن الحسن يجلسون في المساجد يدر يدرسون فقهه وينشرون علمه وكان الامام حاضر بينهم بروحه ان غاب بجسده وذات يوم دخل احد وزراء الخليفه على المنصور وقال له يا امير المؤمنين لقد طال حبس ابي حنيفه والناس تتحدث عن ظلمه وهذا يضعف من هيبه الدوله ففكر المنصور طويلا وقال اعلم انه رجل صالح ولكني لا اطيق عناده فهو يابى ان تكون معنا على ما نريد فقال الوزير دعه يا امير المؤمنين فان صبره يرفع قدره بين الناس وكلما طال حبسه ازداد حبهم له فسكت المنصور لحظه ثم قال ببرود دعه ولكن راقبوه وفي احد الايام اشتد المرض على الامام في سجنه فقد اضناه التعب وكثرت عليه اثار الضرب وقله الطعام ورغم ذلك لم يسمع منه شكوى بل كان اذا سئل عن حاله قال خير ان شاء الله ما دمت اتنفس واذكر ربي كان يصلي قاعدا حين يعجز عن القيام وكان يبتسم لمن حوله كانه لم يعرف الالم يوما وفي تلك الليالي حين يهدا السجن وتخفط الاصوات كان يسمع من زنزانته همس دعائه الطويل يقول اللهم انك تعلم اني ما اردت دنيا ولا جاها ولا سلطانا انما اردت ان احفظ دينك وان اقول الكلمه الحق كما امرتني فاقبضني اليك وانت راض عني ولم يكن يدري ان تلك الدعوه كانت اخر ما تبقى بينه وبين رحلته الاخيره فقد اصيب بمرض شديد اضعف جسده النحيل حتى صار لا يقوى على الحركه وحين علم بعض تلاميذه بذلك طلبوا من الحراس السماح لهم بزياره فدخل عليه احدهم فوجده ممددا على الارض وجهه شاحب لكن ملامحه مطمئنه اقترب منه وقال باكيا امام لو انك قبلت القضاء لنجوت من كل هذا ففتح الامام عينيه بصعوبه وقال بصوت خافت يا بني النجاه ليست من السجن النجاه من النار ثم ابتسم واغلق عينيه قليلا كانه يستريح من عناء الدنيا. خرج التلميذ من عنده وقلبه يضج بالحزن وروى لتلاميذه ما راه. فعم الحزن الكوفه وبكى الناس الامام الذي عاش للحق ولم يخضع. لم يكن احد يعلم كم بقي له من الايام لكن الجميع كان يدرك ان هذه هي الايام الاخيره لرجل قضى عمره مرفوع الراس لا يبدل دينه ولا يخاف الا الله. كان ابو حنيفه في تلك الساعات الاخيره من حياته يعيش بين الدنيا والاخره قلبه مطمئن ولسانه رطب بذكر الله وقد ادرك ان نهايته قريبه لكنها ليست نهايه رجل عادي بل نهايه امام خلد اسمه في تاريخ الامه في الليالي الاخيره من حياه الامام كان السجن صامتا الا من انفاسه المتقطعه وصوت تسبيحه الخافط يردد في سكون الليل لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين كان وجهه هادئا رغم الالم كانه رجل يتهيا للسفر الاخير بعد رحله طويله من الصبر والجهاد وفي فجر يوم من تلك الايام دخل عليه السجان فوجده ساجدا لم يتحرك منذ ساعات ناداه فلم يجب اقترب منه فوجد جسده ساكنا ووجهه مضيئا بنور خافت كان الرحمه قد احاطت به. كانت تلك اخر سجده للامام ابي حنيفه النعمان الذي خرجت روحه الى بارئها وهو ساجد كما عاش حياته خاشعا لله. انتشر الخبر كالنار في الهشيم ووصل الى اهل الكوفه فاهتزت المدينه بالبكاء وخرج الناس افواجا الى السجن يطلبون ان يسلم اليهم الجسد الطاهر. حاول المنصور ان يخفي الامر في البدايه خشيه ان تتحول الجنازه الى مظاهره حب واجلال لكنه سرعان ما ادرك ان حب الناس لهذا الرجل اقوى من اوامره فاذن بدفنه لكن الجمعه كانت قد ملات الطرقات رجالا ونساء صغارا وكبارا يبكون الامام الذي لم يخضع لسلطان ولا مال ولا جاه تقدم تلاميذه يتزعمهم ابو يوسف ومحمد بن الحسن يشيعون استاذهم وهم يغالبون دموعهم كان المشهد مهيبا الاف الناس يرددون رحمك الله يا امام المسلمين يا من علمتنا ان الدين عزه وان الكلمه حق لا تشترى دفنوه في بغداد على غير رغبه المنصور في البدايه لكن ضغط الناس كان هائلا حتى قيل ان الافا من المسلمين صلوا عليه على دفعات متتاليه لكثره من جاء لتوديعه وبعد دفنه وقف تلميذه ابو يوسف على قبره وقال بصوت متهدج والله يا امام ما علمتنا الا الثبات وما تركت لنا الا منهجا يضيء ضروبنا فجزاك الله عن الاسلام خير الجزاء ثم بكى طويلا حتى بكى الناس لبكائه لم يمت ابو حنيفه في الحقيقه فقد بقي علمه حيا بعده يجري على السنه طلابه ويروى في كتبهم وينتشر مذهبه في الافاق ومن بين اولئك التلاميذ كان من حملوا رسالته الى كل ارض دخلها الاسلام من العراق الى الشام ومن خراسان الى الاندلس ولم يكن مذهبه مجرد فروع فقهيه واحكام جامده بل كان مدرسه عقليه وروحيه تعلم الناس كيف يفكرون وكيف يربطون بين النص والعقل بين الايمان والعمل بين الدين والحياه وقد تميز منهجه بالاعتماد على القياس والراي المبني على فهم عميق للنصوص صوص لا على الهوى بل على مقاصد الشريعه وروحها وكان مما يروى ان احد تلاميذه ساله يوما قبل وفاته بمده قال له يا امام ما وصيتك لنا ان غبت عنا فقال له عليكم بالحق ولو كان مرا فان الحلاوه لا تكون الا بعد الصبر وكونوا علماء في دينكم رحماء بعباد الله لا تجعلوا العلم مطيه للدنيا فان من باع دينه فقد قد خسر دنياه واخرته. تلك الوصايا بقيت خالده تتردد في حلقات العلم جيلا بعد جيل وتلهب القلوب كل ما ذكرت. لم يكن ابو حنيفه مجرد عالم بل كان رمزا للمبدا ورجلا جعل من حياته رساله ومن صبره مدرسه ومن موته سطورا من نور لا تنطفئ. لقد طواه الثرى لكن اثره لم يدفن معه. فكل فقيه تعلم من كتبه وكل عالم سار على منهجه وكل مسلم عمل بفقهه هو شاهد على ان الامام لم يمت بل بقي حيا بعلمه وخلقه ومنذ ذلك اليوم صار الناس كلما ذكروا اسمه قالوا بخشوع واجلال رحم الله الامام الاعظم ابا حنيفه النعمان عالم العراق وفقيه الامه وامام الثابتين بعد وفاه الامام لم يكد يمضي وقت طويل حتى تحولت الكوفه الى مناره يتردد فيها صد اسمه وصارت دروسه تروى وكانها من مشكاه النبوه كان تلاميذه الاوفياء يحملون علمه في صدورهم يسيرون به بين الناس يحكون سيرته قبل ان يشرحوا فقهه لانهم ادركوا ان فقه ابي حنيفه لم يكن مجرد احكام في الكتب بل روح من نور تهدي الناس الى العدل والرحمه كان ابرز هؤلاء التلاميذ ابو يوسف يعقوب بن ابراهيم الذي صار فيما بعد قاضي القضاه في عهد هارون الرشيد ورغم قربه من السلطه لم ينسى دروس شيخه في الثبات والعدل فكان يقول ما جلست مجلس قضاء الا وتذكرت قول استاذ ابي حنيفه احكم بما يرضي الله لا بما يرضي الناس وكان كثيرا ما يبكي اذا ذكر اسم الامام ويقول قول علمني الادب قبل العلم اما محمد بن الحسن الشيباني فكان الوريث العلمي الاكبر لمنهج ابي حنيفه فقد جمع علمه ودونه في الكتب ونقله الى بلاد خرسان وبلاد ما وراء النهر حيث ازدهر هناك المذهب الحنفي واصبح المذهب الرسمي لكثير من الدول الاسلاميه في القرون التاليه كتب محمد بن الحسن ما تعلمه من الامام ومن زملائه فكانت كتبه نواه المذهب الحنفي الذي صار فيما بعد احد الاعمده الاربعه في الفقه الاسلامي انتشر مذهب ابي حنيفه في العراق اولا ثم في بلاد الشام وخرسان ومنها الى الهند وبلاد الترك والاناضول وكان سبب ذلك ليس فقط قوه الدليل بل سعه الفقه ومرونته وقدرته على التعامل مع الواقع المتغير دون ان يبتعد عن النصوص كان فقهه قائما على العقل المنضبط بالنقل لا على التقليد الاعمى فوجد فيه الناس ما يجيب حاجاتهم في زمن تتبدل فيه الاحوال ومع مرور الزمن تبنت الدوله العباسيه كثيرا من اجتهاداته حتى صار مذهبه مذهب القضاه في معظم الامصار ثم جاء العثمانيون بعد قرون فجعلوه المذهب الرسمي للامبراطوريه العثمانيه فانتشر في الشرق والغرب حتى صار اكثر المذاهب اتباعا في العالم الاسلامي وكان العلماء في كل عصر اذا ارادوا ان يذكروا مثالا للعقل الفقهي قالوا كما قال الامام ابو حنيفه واذا ارادوا ان يضربوا مثالا في الثبات على المبدا قالوا كما ثبت الامام ابو حنيفه لقد صار اسمه يذكر مقرونا بالحكمه والعلم والعزه ومع هذا الانتشار الكبير لم يخلو الامر من اختلاف ونقاش بين اهل المذب الاخرى لكن ذلك الخلاف لم ينقص من قدره عند المنصفين فالامام الامام مالك نفسه حين سئل عنه قال كان ابو حنيفه رجلا عاقلا فقيها وقال الامام الشافعي من اراد ان يتعمق في الفقه فهو عيال على ابي حنيفه بل ان الامام احمد بن حنبل رغم بعض الخلافات الفقهيه كان يقول عنه كان اماما في الفقه والورع هذا الاحترام المتبادل بين الائمه الاربعه يدل على ان ابا حنيفه لم يكن مجرد مؤسس مذهب بل احد اعمده العلم التي قامت عليها حضاره الاسلام لقد كان جامعا بين الفكر والدين بين الفهم والتقوى بين الحجه والعزه وفي المساجد التي انتشر فيها علمه كان الناس يذكرونه في دعائهم ويقولون اللهم ارحم امامنا وجزه عن الاسلام خير الجزاء وفي المدارس كانت كتبه تدرس واراؤه تشرح ومواقفه تروى لتكون دروسا في الاخلاق قبل ان تكون في الفقه وهكذا من قلب الكوفه التي ولد فيها انطلقت افكار الامام كالنور تضيء عقول العلماء وتغذي قلوب العامه ومن بين صفحات كتبه واحاديث طلابه ظل اسمه حيا لا يغيب كان الزمن لم يقدر ان يطوي اثره وكان الله كتب له الخلود بعلمه واخلاصه وفي كل عصر ياتي بعده كان العلماء يعودون الى كلماته فيجدون فيها الدقه والعقل والرحمه فيشعرون انه ما زال حاضرا بينهم يفكر بعقله ويهدي بنوره ويلهم بمنهجه لقد رحل الجسد لكن المدرسه التي بناها الامام بقيت تمتد في الزمان كجسر يصل بين الماضي والمستقبل يعلم الاجيال ان العلم لا يكون نافعا الا اذا اقترن بالتقوى وان الكلمه لا ترفع الا اذا كانت صادقه لم يكن فقه الامام ابي حنيفه مجرد فتاوى تقال في المساجد او احكام تكتب على الورق بل كان فلسفه متكامله تقوم على فهم عميق لروح الشريعه ومقاصدها كان يرى ان النصوص انما جاءت لهدايه الانسان وان العدل هو جوهر الدين وان الفقيه الحق هو من يوازن بين النص والعقل بين الثابت والمتحول بين الحرف والروح في زمن كان فيه كثير من الناس يعتمدون على ظاهر النصوص فقط جاء الامام ابو حنيفه ليعلم الامه ان للنص روحا وان المقصود من الاحكام ليس الالفاظ وحدها بل ما وراءها من حكمه وعدل ورحمه ولهذا كان يقول اننا نتكلم في الحلال والحرام فلا يكن كلامنا على بصيره كان يعتمد في فقهه على القياس اي الحاق المسائل الجديده بما يشبهها من مسائل ورد فيها نص اتحدت العله بينهما وكان ذلك في زمانه جديدا على كثير من الفقهاء لكنه راى فيه وسيله لحفظ الدين من الجمود ولجعل الشريعه صالحه لكل زمان ومكان وكان يقول هذا راينا فمن جاءنا بخير منه قبلناه دلاله على تواضعه واستعداده لتصحيح اجتهاده متى ظهر الحق ومن اعظم ما تميز به منهجه انه لم يكن يفتي بعاطفه او بظن بل كان يتحرى المنطقه الدقيقه ويسال تلامذه عن العلل فيناقشهم حتى يطمئن قلبه الى الحكم وقد اشتهر قوله اخطانا فهذا احسن ما قدرنا عليه فمن علم غير هذا فلياتنا به كان يعلم طلابه كيف يفكرون لا كيف يحفظون وكان يقول لهم انما الفقه ان تعرف متى تفتي ومتى تمسكه وكان يحذرهم من التسرع ويغرس فيهم ان العلم بلا ورع خطر وان الورع بلا علم ضعف ولانه عاش في زمن كثرت فيه المسائل المعقده من معاملات وتجارات وقضايا سياسيه فقد توسع في باب الراي والاستحسان وهو منهج يوازن بين القواعد العامه وروح العداله فيختار الحكم الذي يحقق المصلحه دون ان يخالف النص كان يردد دائما الناس بحاجه الى فقه ييسر عليهم دينهم لا يعسره وقد فهم من بعده العلماء هذه الروحه فكان المذنب الحنفي هو الاكثر استخداما في القضاء والمعاملات لانه اقرب الى واقع الناس واكثر مرونه في تطبيق الاحكام مع التزامه الصارم بالنصوص ومقاصدها ومن اشهر اقواله التي تلخص فكره قوله العلم افضل من العباده لان العباده تكون لنفسك والعلم يكون لغيرك كان يرى ان نشر العلم نوع من العباده وان الفقيه الذي يعلم الناس الخير هو شريك في كل عمل صالح يبنى على علمه اما في الزهد فقد مضرب المثل لم يكن من اولئك الذين يطلبون المال او الشهره بل عاش بسيطا وكان متجره في الكوفه معروفا بنزاهته لم يقبل عطايا الحكام ولا هدايا الاغنيناء وكان يقول من طلب الدنيا بالدين خسرهما جميعا كان يحب الجمال والنظام فاذا دخل عليه احد في مجلس العلم راه في ثياب نظيفه ورائحه طيبه فيشعر بالهيبه وكان يكره الجدال العقيمه ويقول المراء في الدين يميت القلب ولذلك كانت مجالسه هادئه قائمه على الادب والاحترام حتى قال احد طلابه ما رايت مجلسا اكثر هيبه من مجلس ابي حنيفه كان على رؤوسنا الطيره وفي تفسيره للحريه كان يرى ان الانسان مسؤول عن اختياره وان لا احد يملك ان يكرهه على ما لا يريد في دينه ولهذا كان يقول من اجبر على قول او فعل فليس عليه شيء حتى يختار وهي قاعده عظيمه اصبحت من اسس الفقه الاسلامي في التعامل مع الاكراهي ومن جميل ما يروى عنه انه كان اذا انتهى من درسه رفع يديه وقال اللهم من علمته مني خيرا فثبته ومن اخطات في حقه فاغفر لي وله تلك الروح الرحيمه وذلك القلب الواسع هما ما جعلاه محبوبا عند الناس حتى من خالفوه لقد بنى الامام ابو حنيفه مدرسه تجمع بين النص والعقل بين العلم والرحمه بين الفقه والورع حتى صار مذهبه مدرسه في الفكر قبل ان يكون مذهبا في الاحكام ومنه خرجت اجيال من العلماء الذين ساروا على اثره يربطون الدين بالحياه والعدل بالعباده والعلم بالاخلاص لقد كان ابو حنيفه عقلا متوهجا وقلبا نقيا ولسانا صادقا جمع بين الحجه والعقيده وبين المنطق والايمان فصار رمزا خالدا للفقيه الحر الذي عاش للدين ومات عليه امتد اثر الامام ابي حنيفه بعد وفاته كامتداد النور في الفجر لا يمكن حجبه ولا يمكن تجاهله فحين اين غابت شمس حياته عن الكوفه اشرقت من جديد في عقول تلاميذه وفي كتبهم وانتقل علمه من مجلس صغير في مسجد الكوفه الى ارجاء العالم الاسلامي الواسع لقد كان علمه بدايه لحركه فكريه ضخمه غيرت شكل الفقه واسلوب التفكير الاسلامي اذ جعل العقل شريكا في فهم النص لا خصما له وفتح للناس باب الاجتهاد المنضبط فصار الفقه بعده علما متطورا لا جامدا متحركا لا ساكنا حين دخل فقه ابي حنيفه الى بغداد وجد فيها ارضا خصبه للانتشار فهناك كانت المدارس العلميه والجدال الفكري في اوجه فتبناه العلماء لما وجدوا فيه منج منطقي متماسك يوازن بين النصوص والعلل ثم انتقل مذهبه الى بلاد خرسان وما وراء النهر بفضل تلميذه محمد بن الحسن فصار فقه ابي حنيفه هو المرجع في تلك البلاد ومع مرور السنين صار المذهب الحنفي هو الاكثر حضورا في المجالس القضائيه والاداريه لانه كان يناسب طبيعه الحياه اليوميه للناس الناس ويقدم حلولا عمليه للمشكلات الجديده التي لم تكن في زمن الصحابه وفي العصور اللاحقه تبنى العباسيون مذهبه رسميا في كثير من المحاكم لما وجدوا فيه من انضباق ودقه وعدل في الاحكام ثم جاء العثمانيون بعد قرون طويله فاختاروه مذهبا رسميا للدوله وجعلوه اساس القضاء في الامبراطوريه كلها وهكذا امتد اثر الامام من الكوفه الى الاناضول ومن الاناضول الى البلقاني والهندي واسيا الوسطى حتى صار مذهبه هو الاكثر اتباعا في العالم الاسلامي وكانت جامعه الازهر في مصر تدرس فقهه الى جانب المذاهب الثلاثه الاخرى فحفظ علمه ودون في الاف الكتب التي تشرح وتدرس الى يوم الناس هذا وكان العلماء في كل جيل يجدون في مذهبه به سعه ورحمه تتيح لهم الاجتهاد في قضايا عصرهم دون ان يبتعدوا عن اصول الشريعه وقد ساهم منهج ابي حنيفه في تطوير مفهوم الحريه الفكريه في الفقه فهو اول من اعلن ان الاجتهاد ليس حكرا على احد بل هو حق لكل من بلغ مرتبه العلم والبصيره ولذلك قال لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعيه ولا الثور وخذ من حيث اخذوا هذه الكلمه صارت فيما بعد شعارا للعلماء الاحرار الذين فهموا ان الدين ليس في الاشخاص بل في الدليل وان الحق لا يعرف بالرجال بل الرجال يعرفون بالحق وقد اثر هذا المنهج تاثيرا بالغا في الحضاره الاسلاميه فقد ولدت على اساسه مدارس القضاء والاداره ووضعت القوانين الماليه والتجاريه على روحه لان مذهبه كان الاكثر قدره على التعامل مع الواقع المتغير وفي زمن العثمانيين كانت معظم القوانين المدنيه والجنائيه تستمد من فقه الحنفيه وهو ما جعل المذهب الحنفيه اساسا لكثير من القوانين الحديثه في الدول الاسلاميه لم يكن تاثيره فقهيا فقط بل فكريا واخلاقيا ايضا فقد علم الناس ان العالم لا يقاس بكم ما يحفظ بلقدر ما يفهم ويعمل من علمه وان الدين ليس وسيله للسلطه او الوجاهه بل وسيله لاقامه العدل بين الناس ولهذا ظل اسم الامام ابي حنيفه مرتبطا بالعقل الحر وبالفقيه الذي جمع بين الايمان والبحث وبين التقوى والفكر فصار رمزا لكل من اراد ان يفهم الدين بعقله وقلبه معا وفي القرون التاليه كان العلماء من المذاهب الاخرى يقرون بفضله ويعتبرونه رائدا في بناء الفكر المقاصدي والفقه العقلي حتى قال احد العلماء الاتراك في العصور المتاخره لو كان في الامه الا فكر ابي حنيفه لكفاها في بيان سماحه الاسلام وعقلانيته وفي الهند وبلاد ما وراء النهر اقيمت المدارس الحنفيه الكبرى مثل المدرسه الديوبنديه والمدرسه الفرنجيه التي حملت علم الامام وافكاره ونشرت فقهه الى اسيا وافريقيا وكانت كتب القدوري والهدايه والدر المختار من اهم المراجع التي بنيت على مذهبه ولا تزال تدرس الى اليوم في مئات الجامعات الاسلاميه وهكذا بعد اكثر من 1000 عام على وفاته ما زال فكر الامام ابو حنيفه حاضرا في قلوب العلماء وفي احكام المحاكم وفي حياه المسلمين اليوميه لم يكن رجل عصره فقط بل كان رجل كل عصر ياتي بعده لانه ترك فكرا حيا يتجدد مع الزمن لا يموت ولا يشيخ لقد اصبح اسمه علما على مدرسه كبرى من مدارس الفقه الاسلامي وركنا من اركان العلم في الامه يذكر بكل اجلال واحترام كواحد من اعلم العقول التي انجبت الحضاره الاسلاميه حين يذكر اسم ابي حنيفه بعد قرون من رحيله كانما يستدعى رجل من نور لا يزال يعيش في وجدان الامه ليس بعلمه فحسب بل بروحه وموقفه وثباته على المبدا لقد مضى جسده الى التراب لكن فكره ظل يجوب العقول والقلوب يلهم العلماء ويعلم الناس ان الدين لا يحي الا بالصدق وان الكلمه السابقه قد تخلد صاحبها ولو واجه بها سلطانا جائرا لقد ترك الامام ابو حنيفه للامه ارثا انسانيا وروحيا يندر ان يجتمع في رجل واحد كان نموذجا للعالم الذي يجمع بين الايمان العميق والعقل الراجح بين الورع والزهد وبين التواضع والعزيمه لم يكن علمه وسيله للجدال ولا طريقا للمناصب بل رساله يؤديها كما يؤدي المؤمن صلاته باخلاص وخشيه وصدق كان الناس اذا سمعوا اسمه تذكروا الفقيه الذي رفض ان يبيع دينه بمال او بمنصب وتذكروا المعلم الذي صبر على السجن والجلد ولم يتراجع عن قوله لانه كان يرى ان كلمه الحق لا تشت اشترى ولا تؤجله ومن رحم تلك المواقف ولدت صوره خالده للعالم الحر الذي يعلم الامه معنى الكرامه قبل ان يعلمها الاحكام ولقد بقيت سيرته تروى في حلقات العلم كمنهج في الاخلاق قبل ان تكون تاريخا في الفقه كان طلاب العلم يقراون قصته ليعرفوا ان العلم لا يثمر الا اذا صاحبه اخلاص وان المجد لا يصنعه الجاه ولا المال بل تصنعه المواقف الصادقه وكان العلماء في كل عصر يذكرون طلابهم بقوله الشهير العلم بلا عمل جنون والعمل بلا علم لا يكون ذلك المبدا البسيط هو الذي جعل مذهبه متوازنا بين الفكر والعمل وبين العباده والاصلاح فمنه تعلم الناس ان الاسلام ليس شعائر فقط بل منهج حياه يقوم على العدل والاحسان وان الفقه ليس جمودا على الحروف بل فهم للروح التي انزل الله بها كتابه ولقد ظل فكر الامام ابي حنيفه حيا في النفوس لانه لم يخاطب العقول فقط بل خاطب القلوب ايضا فقد جمع بين العقلانيه الرحيمه والروح الايمانيه الصافيه فكان كان فقه فقه القلب والعقل معا ومن هنا احبه الناس حتى من لم يتبعوا مذهبه لانهم راوا فيه صوره الانسان الكامل الذي يخاف الله في علمه وفي حكمه وفي قوله وفي كل زمان تاتي فيه الفتن ويختلط الدين بالسياسه ويضيع فيه العدل بين الناس يعود العلماء الى كلمات ابي حنيفه فيجدونها كانها كتبت يوم فيها نور البصيره وثبات الموقف وفيها تذكير بان الدين لا يقام الا على اساس الحريه والعدل قال ذات يوم لتلميذه يا يعقوب ان من استعبد قلبه بالهوى لم يعرف طام الايمان فكانت تلك الجمله تختصر فلسفه حياته كلها اذ كان يرى ان الايمان الحقيقي هو تحرر القلب من الخوف والطمع فلا يخشى الا الله ولا يرجو الا رضاه ومع مرور القرون ازداب مقامه رفعه لا بانتصار مذهبه على غيره بل لان الامه ادركت ان ابا حنيفه لم يكن رجل فقه فقط بل رجل قيم ومبادئه وان علمه كان وسيله لبناء الانسان قبل ان يكون لبناء الحكم لقد علم الناس ان العالم الحق هو من يعيش للحق ويموت عليه وان الكلمه الصادقه قد تكلف صاحبها حياته لكنها تنبت اجيالا من الاحرار من بعده وفي كتب السير حين يذكر يوم وفاته يذكر انه دفن في بغداده وان الناس خرجوا في جنازته افواجا لا تحصى حتى قيل ان الصلاه عليه اعيدت ست مرات لكثره من حضروا وان الدعاء له ظل يتلى في المساجد اياما طويله وكان الله اراد ان يظهر للناس ان من عاش لله لا ينسى بعد موته وهكذا انطوت صفحه حياه الامام ابي حنيفه النعمانه لكنها لم تغلق لان كل جيل ياتي من بعده يجد فيها درسا جديدا وفكره جديده والهاما لا ينتهي لقد ترك خلفه مدرسه من الفكر وسلسله من العلماء واثرا لا يمحى في الفقه الاسلامي واهم من ذلك ترك للناس طريقا يمشون عليه نحو الله بعقل مضيء وقلب طاهر وضمير يقذن كان الامام ابو حنيفه في حياته صوتا للعقل والحق وبعد موته صار سمره الخلود والعلم وما تزال الامه كلما واجهت سؤالا جديدا او ازمه فكريه تعود الى تراثه لتجد فيه الجوابه كانه لا يزال بينهم ينصحهم ويهديهم بصمته بعمقه بعقله الذي لم ينطفئ وبقلبه الذي ظل نابضا بالايمان رحم الله الامام ابا حنيفه النعمان الفقيه العظيمه الذي علم الناس ان الدين لا يعيش الا بالعقل وان العقل لا يزدل الا بالايمان وان العالم لا يعرف بزمانه بل يعرف بما يتركه من اثر في قلوب الناس وضمائرهم وهكذا ختمت قصه الامام الذي عاش للحق ومات من اجله وبقي خالدا بما تركه من علم ونور وهدايه تمتد عبر القرون تشهد انه كان وسيبقى امام العقل والايمان
وثائقي للنوم الإمام أبو حنيفة النعمان من هو إمام المذهب الحنفي سيرة عبقري الفقه الإسلامي 1:34:34

وثائقي للنوم الإمام أبو حنيفة النعمان من هو إمام المذهب الحنفي سيرة عبقري الفقه الإسلامي

قصص من التاريخ

10K مشاهدة · 11 mo ago

الإمام أبو حنيفة صاحب المذهب الحنفي 0:57

الإمام أبو حنيفة صاحب المذهب الحنفي

مجلة ميم.. مِرآتنا

3.5K مشاهدة · 3 yr ago

أبو حنيفة النعمان الإمام الأعظم عبقري الفقه الذي حكم نصف العالم بمذهبه 39:52

أبو حنيفة النعمان الإمام الأعظم عبقري الفقه الذي حكم نصف العالم بمذهبه

في رحاب الإيمان

1.6K مشاهدة · 2 mo ago

أ ل م أبو حنيفة النعمان إمام أهل الرأي 2016 05 26 48:53

أ ل م أبو حنيفة النعمان إمام أهل الرأي 2016 05 26

وثائقي الميادين - AlMayadeen Documentaries

5K مشاهدة · 9 yr ago

الامام الاعظم ابي حنيفة النعمان إمام أهل الرأي 6:06

الامام الاعظم ابي حنيفة النعمان إمام أهل الرأي

رمضان(بتاع التاريخ)

475 مشاهدة · 3 yr ago

ما الرأي في الإمام أبي حنيفة الشيخ مصطفى العدوي 0:31

ما الرأي في الإمام أبي حنيفة الشيخ مصطفى العدوي

فوائد الشيخ مصطفى العدوي

131.8K مشاهدة · 4 yr ago

الإمام أبو حنيفة صاحب المذهب الحنفي 3:36

الإمام أبو حنيفة صاحب المذهب الحنفي

Meem Culture

11K مشاهدة · 5 yr ago

من هو ابو حنيفة النعمان من تاجر بسيط إلى مؤسس المذهب الحنفي ـ قصص علماء المسلمين 10:40

من هو ابو حنيفة النعمان من تاجر بسيط إلى مؤسس المذهب الحنفي ـ قصص علماء المسلمين

قصص علماء المسلمين

49 مشاهدة · 5 mo ago

أين نشأ ولماذا سمي أبو حنيفة النعمان بهذا الاسم 2:25

أين نشأ ولماذا سمي أبو حنيفة النعمان بهذا الاسم

شبكة المجد

2.2K مشاهدة · 2 yr ago

قصة أبو حنيفة النعمان الإمام الأعظم 25:49

قصة أبو حنيفة النعمان الإمام الأعظم

Amr Khaled | عمرو خالد

11.4K مشاهدة · 5 yr ago

الإمام أبو حنيفة هل يعذر 1:33

الإمام أبو حنيفة هل يعذر

البحر الزاخر من علم المتقدمين والاواخر

108.8K مشاهدة · 6 yr ago

جسور مذهب الإمام الأعظم أبو حنيفة بين النص و الرأي 56:01

جسور مذهب الإمام الأعظم أبو حنيفة بين النص و الرأي

Interpreter Hearts

5K مشاهدة · 12 yr ago

الإمام الأعظم بو حنيفة النعمان إمام اهل السنة مؤسس المذهب الحنفي للشيخ نواف السالم 34:25

الإمام الأعظم بو حنيفة النعمان إمام اهل السنة مؤسس المذهب الحنفي للشيخ نواف السالم

قناة الدعوة الى التوحيد

14 مشاهدة · 3 yr ago

الإمام أبو حنيفة النعمان الشيخ بدر المشاري إمام أهل الرأي 1:27:39

الإمام أبو حنيفة النعمان الشيخ بدر المشاري إمام أهل الرأي

Noor Al-Hadith-نور الحديث

123 مشاهدة · 8 mo ago

الأئمة الأربعة الإمام أبو حنيفة النعمان 1 19:24

الأئمة الأربعة الإمام أبو حنيفة النعمان 1

Interpreter Hearts

633 مشاهدة · 13 yr ago

الأئمة الأربعة الإمام أبو حنيفة النعمان 5 20:27

الأئمة الأربعة الإمام أبو حنيفة النعمان 5

Interpreter Hearts

157 مشاهدة · 13 yr ago

قصة الإمام أبي حنيفة النعمان كاملة العالم الذي رفض المناصب وواجه السلاطين قصص علماء المسلمين 55:11

قصة الإمام أبي حنيفة النعمان كاملة العالم الذي رفض المناصب وواجه السلاطين قصص علماء المسلمين

أعلام الأمة

21.4K مشاهدة · 4 mo ago

إمام أهل الرأي صاحب المذهب الأوسع انتشارا بين المسلمين أبو حنيفة النعمان 5:58

إمام أهل الرأي صاحب المذهب الأوسع انتشارا بين المسلمين أبو حنيفة النعمان

Ammon News - وكالة عمون الاخبارية

1.1K مشاهدة · 3 yr ago

سيرة الإمام ابو حنيفة النعمان د طارق السويدان الحلقة 6 16:08

سيرة الإمام ابو حنيفة النعمان د طارق السويدان الحلقة 6

د. طارق السويدان

8.9K مشاهدة · 7 yr ago