لويس باستور كيف اكتشف العدو الذي قتل البشر لآلاف السنين وهزمه

لويس باستور كيف اكتشف العدو الذي قتل البشر لآلاف السنين وهزمه

النص الكامل للفيديو

بابل العاشر من يونيو عام 323 قبل الميلاد الإسكندر الأكبر يرقد في فراشه حمى تشتعل في جسده لا جرح خطير بعد أيام قليلة يموت ولا أحد يعرف السبب لندن الرابع والعشرون من أكتوبر 1537 الملكة جين سيمور تلد وريث العرش الجميع يحتفل بعد أيام حمى ارتعاش انهيار سريع تموت ولا أحد يعرف السبب فيينا الخامس من ديسمبر 1791 موزارت على فراشه تورم التهاب حمى غامضة تلتهم جسده يرحل العبقري ولا أحد يعرف السبب فيرجينيا الرابع عشر من ديسمبر 1799 جورج واشنطن يرقد في فراشه حمى التهاب في الحلق أطباؤه يحيطون به محاولين إنقاذه فيقتلونه ولا أحد يعرف السبب قرون كاملة الملوك القادة الأمهات الأطفال ملايين البشر يموتون للسبب نفسه عدو واحد بلا اسم بلا وجه قالوا غضب الآلهة قالوا هواء فاسد قالوا لعنة والعدو لا يزال يقتل ولا أحد يعرف السبب بعد إلى أن جاء هذا الرجل لويس باستور رجل فقد ثلاثة من أطفاله قبل أوانهم فأعلنها حربا على هذا القاتل وخاض هذه الحرب حتى رأى ما لم يره أحد من قبله وعرف القاتل قاتل كان يختبئ على أيدي البشر في طعامهم في جروحهم في أنفاسهم فكيف اكتشفه وكيف أثبت للعالم أنه موجود وكيف لكيميائي فرنسي لم يدرس الطب يوما في حياته أن ينقذ من البشر أكثر مما أنقذ أي طبيب في التاريخ هذه قصة اللحظة التي اكتشف فيها الإنسان عدوه الخفي لأول مرة وقصة الرجل الذي قرر أن يهزمه دول شرق فرنسا السابع والعشرون من ديسمبر عام 1822 في بيت من حجر خشن فوق مدبغة تفوح منها رائحة الجلود ولد لويس ابن جان جوزيف باستور الجندي السابق الذي خاض حروب نابليون والدباغ الذي تركت سكاكين الجلد في يديه ندوبا لا تمحى كان طفلا عاديا أو هكذا ظن الجميع يرسم بدلا من أن يدرس يحدق في قطرة الماء على ورقة شجر ساعة كاملة حين كان أقرانه يلعبون أحد معلميه كتب في تقريره متوسط الذكاء لن يحقق شيئا يذكر في الخامسة عشرة أرسله والده إلى باريس لم يصمد أسبوعين وقف في غرفته الصغيرة ينظر من النافذة إلى المدينة الباردة وكتب رسالة إلى صديقه لو شممت الآن رائحة المدبغة لبكيت من الفرح عاد إلى بلدته منكسرا ظن والده أن ابنه فشل لم يسبه لم يصرخ في وجهه فقط نظر إليه ذات مساء على ضوء الشمعة وقال له بهدوء يا لويس من يهرب من معركة صغيرة يكسب معركة كبيرة في الصباح التالي حزم لويس حقيبته وعاد الى باريس لكن الانكسار لم يدم طويلا في سنوات المراهقة بدأ لويس يتغير تحول من طالب عادي الى طالب مجتهد ثم الى طالب متفوق حصل على شهادة البكالوريا في الاداب عام الف وثمانمائة واربعين ثم في العلوم بعدها بسنتين ثم دخل المدرسة العليا في باريس أعرق مؤسسة علمية في فرنسا ليدرس الفيزياء والكيمياء وهناك في مختبرات باريس بدأت القصة الحقيقية وفي صباح من ربيع عام 1848 حدثت اللحظة التي ستغير مستقبله وقع بين يديه لغز حير كبار الكيميائيين كان يفحص بلورات من حمض الطرطريك تحت المجهر أصغر من حبة الرمل كان يفصلها واحدة واحدة بملقط دقيق يدرس أوجهها ساعات أيام أسابيع ثم رأى ذلك بعض البلورات ينحني يميناً وبعضها ينحني يساراً مثل اليد اليمنى واليد اليسرى متشابهتان لكنهما ليستا نسخة واحدة نهض من على كرسيه فجأة فاهتز المجهر ركض إلى المختبر المجاور أمسك بكتفي مساعده وهتف بصوت مرتعش وجدتها وجدت كل شيء كان قد أثبت لأول مرة في تاريخ العلم أن ترتيب الذرات في الفراغ يغير سلوك المادة بالكامل ومن هنا ولد ما سيعرف لاحقا بعلم الكيمياء الفراغية وبستور لم يكن قد بلغ السادسة والعشرين بعد لكنه لم يكتفي بهذا النصر سأل نفسه سؤالا غريبا لم يسأله أحد من قبله هذا البلورات التي يصنعها الإنسان في المختبر تأتي بالشكلين معاً بينما البلورات التي تتشكل داخل الكائنات الحية لا تأتي إلا بشكل واحد هل الحياة مجرد كيمياء؟ أم أن فيها شيئاً آخر لم يكتشفه أحد بعد؟ هذا السؤال الذي بدى بريئاً هو الذي سيقوده إلى أكبر معاركه لكن القدر الذي وهبه هذا المجد كان يجهز له بالمقابل ضربة لا ينهض منها رجل عادي فبعد سنوات قليلة سيطرق الموت بابه ولن يطرقه مرة بل ثلاثا عام 1854 اختير باستور عميدا لكلية العلوم في مدينة ليل شمال فرنسا وهناك جاءه رجل يطلب المساعدة اب لأحد طلابه يمتلك مصنعا لتخمير الشمندر وصناعة الكحول وكانت مشكلته بسيطة الوصف مستحيلة الحل براميله تفسد بدلا من الكحول يحصل على حمض اللبنيك وكان يخسر كل موسم في ذلك الزمن كان العلماء على يقين تام التخمر عملية كيميائية بحتة تفاعل بين جزيئات لا حياة فيه لا كائنات مجرد كيمياء صامتة تجري في البرميل لكن باستور وضع العينات تحت المجهر ورأى ما لم يتوقعه أحد في البراميل السليمة كائنات حية مجهرية كروية الشكل خمائر وفي البراميل الفاسدة كائنات مختلفة تماما عصيات صغيرة متطفلة مختلفة أدرك بستور الحقيقة في تلك اللحظة التخمر ليس تفاعلا كيميائيا ميتا التخمر حياة كائنات حية تأكل السكر وتحوله إلى كحول وحين تتسلل كائنات أخرى غير مرغوبة يفسد كل شيء نشر نتائجه عام 1857 وكانت تلك اللحظة التي بدأ فيها العالم يعرف اسم لويس باستور لكن هذا الاكتشاف فتح بابا أخطر بكثير إذا كانت كائنات مجهرية تفسد النبيذ فهل يمكن لكائنات مجهرية أن تفسد جسد الإنسان؟ قبل أن يجيب بستور على سؤاله الكبير كان عليه أن يهدم أكبر خرافة في تاريخ العلم لآلاف السنين آمن البشر بفكرة واحدة الكائنات الحية تنشأ من لا شيء الديدان تخرج من اللحم الفاسد الفئران تخرج من القمح المبلل الحشرات تخرج من الوحل حياة تتولد من الموت بلا سبب ولا أصل وسماها العلماء التولد التلقائي وحتى في القرن التاسع عشر كان علماء كبار يدافعون عنها على رأسهم فيليكس بوشيه عالم أحياء فرنسي نشر أبحاثه معلنا أن الكائنات الدقيقة تنشأ تلقائيا من المادة غير الحية قرر باستور أن يحسم الأمر أخذ قوارير زجاجية وضع فيها مرقا مغذيا ثم سحب عنق كل قارورة وثناه على شكل حرف إس كرقبة البجعة المنحنية ثم غل المرق حتى مئة درجة عملية تسمى التعقيم ليقتل أي كائنات موجودة فيه مسبقا ويبدأ تجربته بمرق نظيف خال من أي حياة القارورة مفتوحة الهواء يدخل بحرية لكن الانحناء يمنع ذرات الغبار والكائنات الدقيقة من الوصول إلى المرق وإذا كان التولد التلقائي حقيقيا فيجب أن تظهر كائنات حية في المرق رغم ذلك مرت أيام أسابيع شهور المرق بقي نقيا صافيا بلا حياة لكن في اللحظة التي كسر فيها بستور عنق القارورة وسمح للغبار بالدخول ظهرت الكائنات الدقيقة في ساعات قدم نتائجه أمام أكاديمية العلوم الفرنسية وأعلنها بوضوح لا يوجد شيء اسمه التولد التلقائي كل كائن حي يأتي من كائن حي والكائنات الدقيقة التي تفسد الطعام وتعفن اللحم موجودة في الهواء من حولنا غير مرئية لكنها موجودة كان هذا انتصارا علميا ساحقا لكنه كان ايضا شيئا اكبر كان الاجابة التي طالما بحث عنها الكائنات المجهرية موجودة تسبح في الهواء الذين تنفسه تقع على جروحنا تدخل طعامنا وان كانت تفسد النبيذ والمرق فما الذي يمنعها من افساد جسد الانسان ذاته لم تكن هذه مجرد فكرة كانت لحظة ميلاد نظرية الجراثيم النظرية التي ستغير الطب إلى الأبد لكن بينما كان باستور يخوض هذه المعركة الفكرية كان الموت يعد ضربته الأولى على بابه إذا كانت كائنات مجهرية هي التي تفسد الطعام والشراب فما الحل؟ باستور وجد الجواب عام 1863 الحرارة لكن ليس الغليان الغليان يقتل كل شيء لكنه يغير الطعم ويدمر التركيبة الحل كان أذكى من ذلك تسخين السائل إلى ما بين الستين والخمس وستين درجة مئوية لفترة قصيرة هذه الدرجة بالتحديد تكفي لقتل الكائنات الدقيقة الضارة دون أن تمس طعم السائل أو قيمته الغذائية لا تعقيم لا تدمير مجرد حرارة ذكية سجل اختراعه عام 1865 وسماها الناس البسترة انقذت صناعة النبيذ الفرنسي ثم انقذت صناعة الحليب حول العالم ثم انقذت ملايين الارواح كل زجاجة حليب تشربها اليوم وكل عبوة عصير وكل علبة طعام محفوظة تحمل بصمة هذا الرجل لكن باستور لم يكن يفكر في النبيذ والحليب فقط كان يفكر في شيء اكبر بكثير اذا كانت كائنات مجهرية تفسد المرق والنبيذ فهل هي نفسها التي تفسد جروح الجنود؟ هل هي نفسها التي تقتل الأمهات بعد الولادة؟ هل هي نفسها التي تسرق الأطفال من آبائهم؟ لكن قبل أن نكمل علينا أن نعود قليلا إلى الوراء حين كان باستور في السادسة والعشرين من عمره لأن ما حدث في تلك السنة سيفسر لنا كثيرا مما سيأتي التاسع والعشرون من مايو عام 1849 في كاتدرائية سترسبورغ لويس باستور يقف أمام المذبح وبجانبه عروسه ماري لوران ابنة رئيس أكاديمية سترسبورغ لم يعرفها سوى ثلاثة أشهر كتب لوالدها رسالة يطلب فيها يدها بعد لقائهم الأول عدت الرسالة في حينها صريحة إلى حد الوقاحة لكن ماري قالت نعم ولن تندم على ذلك يوما واحدا من تلك الليلة أصبحت ماري أكثر من زوجه كانت سكرتيرته محررة أبحاثه التي تكتب حين تخونه يداه التي تبقى مستيقظة معه حتى الفجر تقرأ له الصحف العلمية بصوت هادئ بينما هو ينظر في المجهر أنجب خمسة أطفال ابنتهم البكر جان كانت ضوء بيتهم طفلة ذكية مرحة تجلس على ركبة أبيها وهو يكتب تسأله عن كل شيء كان يقول لزوجته إنها أذكى منه وإنها ستصير عالمة يوما في خريف عام 1859 عادت جان من المدرسة وهي ترتجف حمى صداع نقاط حمراء على بطنها التيفوئيد دامت المعركة عشرة أيام عشرة أيام من جحيم الطفلة تصرخ من الألم تهذي تنادي على أبيها وهي لا تراه وأبوها الذي يفهم في أعماق المادة ما لا يفهمه أحد يجلس بجانب سريرها يمسح جبينها بمنديل مبلل عاجزا في الفجر توقفت عن التنفس كانت في التاسعة من عمرها كتب باستور إلى والده رسالة مقتضبة لم تكن فيها بلاغة العالم ولا فلسفة الفيلسوف كانت فيها سطر واحد صغيرتنا الحلوة قد ذهبت ظن أن هذه أعظم خسارة يمكن أن يعيشها ظن أن الحياة اكتفت منه لكنها لم تكن قد بدأت بعد ربيع عام 1865 جاءه طلب من أستاذه القديم جان باتست دوما الذي كان يتصرف بالنيابة عن الحكومة الفرنسية اذهب إلى آلس في الجنوب أنقذ صناعة الحرير كان باستور مترددا لم يكن قد رأى دودة قز من قبل لم يكن يفهم في علم الحيوان كان كيميائيا لكنه قبل المهمة عندما وصل كانت هناك كارثة في الحقول أكوام من ديدان القز السوداء الذابلة الفلاحون يجلسون أمام بيوتهم وجوههم خالية من الأمل صناعة الحرير الفرنسية التي تدر ملايين الفرنكات كانت تموت أمام أعينهم مرض غامض يدعى الببرين يجتاح كل مكان فلاح شاب أمسك بكتفي بستور حين رآه نازلا من العربة ودموعه تنساب على لحيته أستاذ إن لم تنقذنا فلن يكون لأطفالنا ما يأكلونه دخل غرفته الصغيرة في آليس وأغلق الباب وضع المجهر على الطاولة ولم يخرج منها إلا بعد خمس سنوات خمس سنوات آلاف الديدان آلاف الفحوصات وفي كل يوم رسالة من زوجته في باريس عن أحوال الأبناء وفي كل شهر أخبار سيئة والده توفي ثم جاءه خبر أشد وطأه ابنته كاميل التي لم تكمل عامها الثاني رحلت بورم في الكبد وبعدها بعام واحد ابنته سيسيل في الثانية عشرة من عمرها رحلت هي الأخرى بحمى تيفويد العدو الخفي الذي يحاربه في مختبره كان يضرب أطفاله في باريس كان يتلقى خبر موت أطفاله وهو بعيد وحيد في غرفته الصغيرة كان يختم كل رسالة ويعود إلى المجهر في النهاية عثر على الإجابة كان المرض ينتقل من الأم إلى البيض عبر الكائنات الدقيقة طور طريقة لفحص الفراشات تحت المجهر قبل أن تضع بيضها وعزل المصابة عن السليمة وهكذا أنقذ صناعة الحرير الفرنسية من الانهيار لكنه عاد من آلس بشيء أهم من إنقاذ الحرير عاد بقناعة راسخة كالحجر الكائنات الدقيقة لا تسبب فساد الطعام فقط إنها تسبب الأمراض كل الأمراض لكن القدر لم ينتظر ففي صباح التاسع عشر من أكتوبر عام 1868 حدث ما لم يكن في الحسبان كان جالسا في مكتبه يكتب رسالة أحس بثقل غريب في يده اليسرى سقط القلم حاول أن يلتقطه فلم يستطع حاول أن ينهضه فسقط شلل نصفي كان نصفه الأيسر قد مات دخل الأطباء تبادل النظرات قال له أكبرهم بأسف للأسف يا أستاذ لقد انتهى عملك في المختبر فتح بستور عينه السليمة نظر إلى الطبيب وقال بصوت خافت لن ينتهي حتى أنتهي أنا عاد بستور إلى عمله بساق يجرها خلفه ذراع يسرى ميته نصف وجه لا يتحرك لكن نصفه الآخر كان يكفي تعلم أن يكتب بيد واحدة أن يفحص بمجهر بيد واحدة أن يعيش بنصف رجل لكن بهذا النصف سيخوض أعظم معاركه وفي عام 1878 بدأت أولى تلك المعارك وقف أمام أكاديمية الطب الفرنسية نظر إلى الأطباء في القاعة وقال لهم ما لم يجرؤ أحد على قوله من قبل أنتم تقتلون مرضاكم بأيديكم الكائنات الدقيقة على أدواتكم في جراحكم على أصابعكم أنتم تحملون القاتل من مريض إلى مريض لم يكن باستور الأول قبله بثلاثين عاما وقف طبيب نمساوي اسمه إغناز سيميلفايس وقال الشيء نفسه لكنه لم يستطع تفسير السبب فسخر منه الأطباء وأودعوه مصحا نفسيا ومات مظلوما باستور أعطى الإجابة التي عجز عنها سيميلفايس السبب كائنات حية لا ترى تنتقل بالأيدي وتقتل الجراح البريطاني جوزيف لستر كان أول من استمع عقم أدواته غسل يديه وانخفضت نسبة الوفيات في غرف العمليات بشكل لم يره أحد من قبل لم يكن الطب يحتاج معجزة كان يحتاج صابونا وماء بعد عام في مختبره في باريس مساعده الشاب إيميل روكس يستعد للسفر في إجازة صيفية كان يعمل على مرض كوليرا الدجاج ذلك المرض الفتاك الذي يبيد قطعان الدواجن في أيام قبل أن يخرج نسي قارورة فيها مزرعة جراثيم على المنضدة نسيها شهرا كاملا حين عاد كانت الجراثيم قد ضعفت بفعل الهواء والوقت كان روكس على وشك أن يرميها لكن باستور أوقفه لا جربها أولا حقن روكس الدجاج بها لم يمت الدجاج مرض قليلا ثم تعافى أي عالم آخر كان سيقول تجربة فاشلة ويكتب في دفتره العينة فاسدة لكن باستور لم يكن أي عالم نظر إلى الدجاج المتعافي ثم نظر إلى روكس وقال له احقنها مرة أخرى هذه المرة بجراثيم طازجة قاتلة نفذ روكس الأمر وهو يتوقع أن يموت الدجاج كله خلال يومين مر اليومان ثم أسبوع الدجاج لم يمت كان قد أصبح محصنا الجسم تعلم من العدو الضعيف بنى دفاعاته وقف بستور أمام الأقفاص صامتا كان قد فهم ما حدث للتو الجراثيم الضعيفة دربت الجسم على مواجهة الجراثيم القوية وحين جاء العدو الحقيقي القاتل كان الجسم يعرفه وكان مستعد كان هذا حرفيا اكتشاف اللقاحات اشتركوا في القناة ان يثبت نظريته على مرض اخطر مرض يفتك بالماشية وينتقل للبشر مرض الجمرة الخبيثة طور لقاحا اعلن عنه امام الاكاديمية الفرنسية فهب في وجهه طبيب بيطري يدعى هيبوليتروسينيول وقف امام الجميع وقال بسخرية كلام في الهواء ادعاءات بلا برهان اتحداك يا استاذ اتحداك ان تجرب لقاحك امام العالم امام الصحافة امام كل من في فرنسا ساد الصمت في القاعة الجميع نظر الى باستور رجل في الثامنة والخمسين مشلول النصف وقد تحداه شاب في عز قوته امام كل زملائه نهض باستور ببطء مشى الى المنصة ونظر الى روسينيول مباشرة ثم قال جملة واحدة موعدنا في بوي لوفور الخامس من مايو التحدي قبل ولم يكن أحد في تلك القاعة يعلم أن باستور كان يعرف في قرارة نفسه أن لقاحه لم يختبر بما يكفي وأنه إن فشل في ذلك الحقل أمام كل هؤلاء الناس فلن يكون مجرد عالم محرج سيكون رجلا منتهيا الخامس من مايو عام 1881 حقل مترب على أطراف باريس في الفجر بدأ الناس يصلون صحفيون يحملون دفاترهم علماء بنظاراتهم وقفازاتهم أرستقراطيون في عرباتهم المذهبة فاللاحون قدموا من القرى المجاورة على ظهور الحمير أكثر من مئتي شخص كلهم جاءوا ليروا شيئا واحدا هل باستور محق أم مدعي؟ وفي وسط الحقل حظيرة كبيرة وفيها خمسون حيوانا باستور قسمها إلى مجموعتين نصفها سيحقن باللقاح نصفها لن يحقن وبعد أسابيع سيحقن الجميع بجرعة قاتلة من جرثومة الجمرة الخبيثة إذا نجت الملقحة وماتت الأخرى فاز إذا ماتت الجميع أو نجت الجميع انتهى في الطرف الآخر من الحضيرة وقف روسينيول الطبيب البيطري وعلى وجهه ابتسامة ساخرة قال لأحد الصحفيين بصوت مسموع غدا سيسخر منه كل التاريخ في الحادي والثلاثين من مايو حقنت الحيوانات الخمسون بجرعة الموت ثم أغلقت الحظيرة وحدد الموعد الثاني من يونيو الساعة الثانية بعد الظهر حينها سيكشف الستار الليلة التي سبقت ذلك اليوم كانت أسوأ ليلة في حياة لويس باستور لم ينم لم يأكل كان يدور في غرفته كأسير يمسك بيد زوجته ويبكي قال لها بصوت مكسور إن ماتت كلها يا ماري فلن أستطيع أن أنظر في وجه أحد مرة أخرى سأخسر كل شيء كل شيء في صباح الثاني من يونيو خرج باستور إلى الحقل وهو لا يكاد يقف ساقه ترتجف زوجته تمسك بذراعه اقترب من الحضيرة توقف على بعد عشرة أمتار لم يستطع أن ينظر دخل أحد المساعدين أولا ثم خرج سأل باستور بصوت مرتعش ماذا؟ ماذا حدث؟ نظر المساعد إليه وفي عينيه دموع وقال تعال يا أستاذ تعال بنفسك دخل باستور الحضيرة يجر نصفه الميت خلفه في الجهة اليسرى الحيوانات التي لم تتلقى اللقاح كلها كلها بدون استثناء كانت ميتة ممددة في التراب أعناقها ملتوية ألسنتها متدلية الذباب يطن فوقها في الجهة اليمنى الحيوانات الملقحة كانت تأكل العشب بهدوء كأن شيئا لم يحدث ضج الحقل بالصراخ الصحفيون يركضون نحو عرباتهم روسينيول يختفي بين الحشد خجلا وفي وسط الحقل رجل مفلوج النصف يبكي ويضحك في آن واحد يرفع يده الواحدة العاملة نحو السماء في تلك اللحظة دخل لويس باستور التاريخ من بابه الواسع وخلال السنوات العشر التي تلت لقح ملايين الحيوانات بلقاحه وانخفضت نسبة الوفيات إلى أقل من واحد بالمئة لكن معركته الكبرى لم تأتي بعد كان هناك مرض واحد يخافه الجميع مرض لا يشفى منه أحد مرض يحول ضحاياه إلى وحوش قبل أن يقتلهم السعار السادس من يوليو عام ١٨٨٥ التاسعة صباحا مختبر باستور في باريس طرق الباب بعنف فتح خادم المختبر كانت امرأة ريفية شعرها اشعث وجهها مغبر من السفر عيناها متورمتان من البكاء تلهث ترتعش وفي يدها طفل صغير تكاد ساقاه لا تحملانه ضمادات مبللة بالدم تلف يديه وفخذيه رائحة العفن تنبعث منه سقطت على ركبتيها امام باستور انقذوه ارجوكم سمعت أن هنا رجلا يستطيع أن ينقذه اسم الطفل جوزيف مايستر تسع سنوات من قرية في إقليم الألزاس قبل يومين في الرابع من يوليو كان عائدا من المدرسة حين انقض عليه كلب جارهم كلب كانت رغوته تسيل من فمه عيناه حمروان عضه أربع عشرة عضة في يديه فخذيه ساقيه بعضها وصل إلى العظم في القرية قتلوا الكلب شرحوه كانت معدته فارغة من كل شيء إلا قشا وأخشابا علامة لا تخطئ كان مسعورا نظر بستور إلى الطفل كان يعرف ما ينتظره سيمر أسبوعان ثم تبدأ الحمى ثم الهلوسة ثم رهاب الماء حين يرى الطفل كأس الماء فيصرخ ويختنق ويهرب منه ثم التشنجات ثم الجنون سيربط إلى السرير لأنه سيحاول أن يعض من حوله وسيموت في عذاب لا يحتمل طوال تاريخ البشرية لم ينج أحد من السعار ولا واحد فيروس السعار كان أصغر من أن يراه أي مجهر في ذلك الزمن لم يستطع باستور عزله أو زراعته فابتكر طريقة مختلفة أخذ الحبلة الشوكية من أرانب مصابة بالسعار وجففه في الهواء أياما كلما طال التجفيف ضعف الفيروس جرب اللقاح على الكلاب نجح لكنه لم يجربه على إنسان قط لم يكن طبيبا بل كيميائيا لو حقن الطفل ومات فسوف يحاكم بتهمة القتل سيخسر سمعته سيخسر كل شيء بناه في خمسين سنة استدعى طبيبين من أكبر أطباء باريس الدكتور فولبيان والدكتور جرانشيه فحصا الطفل تبادلان نظرات قال جرانشيه بصوت هادئ يا أستاذ إذا لم نجرب فهو ميت بالتأكيد إذا جربنا فربما يعيش تلك الليلة لم ينام بستور جلس في غرفته أمامه دفتر شمعة تحترق ببطء وفي زاوية الغرفة صورة معلقة صورة جان ابنته الميتة الطفلة التي ودعها قبل 26 سنة كانت تنظر إليه من الإطار في الفجر نهض قرر ذلك المساء السادس من يوليو الساعة الثامنة حقن جوزيف مايستر بأول جرعة من اللقاح جرعة ضعيفة جدا من حبل شوكي لأرنب جفف 14 يوما في اليوم التالي جرعة من حبل جفف 13 يوما وهكذا كل يوم حتى وصل إلى الفيروس الكامل القوة 13 حقنة خلال 11 يوما كل جرعة أقرب إلى الفيروس الكامل من سابقتها كل جرعة أكثر خطورة من سابقتها كان باستور يجلس بجانب سرير الطفل ساعات كل يوم يقيس حرارته بنفسه ينظر في عينيه يبحث عن أول علامة من علامات الجنون كل ليلة كان يعود إلى بيته منهكا تنتظره ماري على الباب كان يهز رأسه لا أعراض ليس بعد في السادس عشر من يوليو حقنت الجرعة الأخيرة الجرعة القاتلة الفيروس بأقصى قوته ثم بدأ الانتظار يوم لا أعراض أسبوع لا أعراض أسبوعان ثلاثة شهر جوزيف مايستر كان يركض في حديقة المختبر يضحك يلعب في الصباح فتح بستور دفترة كتب بيد مرتجفة أربع كلمات الطفل بخير ما زال بخير أربع كلمات لكنها أعلنت أن البشرية لأول مرة في تاريخها قد هزمت السعار في غضون أسابيع انتشر الخبر في كل أنحاء العالم في سمولينسك الروسية 19 فلاحا عضهم ذئب مسعور حملوا في قطار وأرسلوا إلى مختبر باستور مباشرة في برادفورد الإنجليزية أطفال عضهم كلب مسعور في نيوجيرسي الأمريكية أربعة أطفال في الجزائر في إيطاليا كانوا يأتون مئات كل شهر يضربون باب المختبر ويسألون عن الرجل المفلوج الذي ينقذ من لا أمل لهم وباستور أنقذ المئات منهم وحين كان لا يقدر أن يكتب كانت ماري تكتب عنه وحين كان لا يقدر أن يقف كانوا يحملونه إلى المختبر أصبح اسمه يذكر في الصلوات في الرابع عشر من نوفمبر عام 1888 افتتح في باريس معهد باستور صرح علمي بني بتبرعات تدفقت من كل زاوية من زوايا الأرض كان أول مؤسسة في التاريخ تكرس بالكامل لدراسة الأمراض المعدية ومحاربتها لا لعلاج مريض واحد بل لحل لغز كل مرض قادم الإمبراطور البرازيلي بعث بمال السلطان العثماني بعث بمال القياصرة الملوك الأطباء الفلاحون كلهم الرئيس الفرنسي حضر الافتتاح الوزراء حضروا السفراء حضروا ووقف بستور على المنصة ليلقي كلمته فتح فمه لم يخرج صوت سلم الورقة لابنه ابنه قرأ الكلمة جلس باستور على كرسيه ينظر إلى الجدران الجديدة وعيناه تفيضان بدموع صامتة. في سنواته الأخيرة انتقل إلى قلعة فيلنوف لتانج في مارن لا كوكيت خارج باريس. لم يعد يستطيع أن يقف. لم يعد يستطيع أن يأكل وحده. كانت ماري بجانبه دائما تطعمه. تقرأ له. تمسح وجهه بمنديل مبلل. في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1895 بعد الرابعة بقليل من بعد الظهر كان مستلقيا في سريره كانت ماري تقرأ له شيئا توقفت لتحضر له كأس حليب من المطبخ حين عادت كانت يده ممددة نحو حافة السرير وأصابعه مفتوحة كان قد رحل بهدوء وهو في الثانية والسبعين من عمره أقيمت له جنازة على نفقة الدولة حشود اصطفت في شوارع باريس لوداعه الرئيس فيليكس فور مشى خلف نعشه صامتا ودفن في النهاية في سرداب من فوسيف ساء بيزنطية ملونة تحت معهد باستور حين دخلت ماري إلى ذلك السرداب لأول مرة انهارت على الرخام تبكي في ذلك السرداب يرقد رجل كان يوما ابن دباغ في بلدة صغيرة رجل قال له معلمه إنه لن يحقق شيئا رجل خسر ثلاث بنات رجل شل نصف جسده وهو في عز قوته رجل سخر منه أعداؤه تحداه الأطباء شكك فيه العالم لكنه فعل شيئا واحدا لم يفعله أحد من قبله نظر في عيني الموت وقال له لا باستور أنقذ ملايين البشر بعمله ولا يزال ينقذ كل كأس حليب باسترته كل جرعة لقاح في ذراع طفل كل من نجا من السعار من الجمرة الخبيثة من الأمراض التي صارت اليوم تاريخا يدين له بحياته لكن ما فعله بستور كان أكبر من اللقاحات أكبر من البسترة ما فعله هو أنه غير علاقة الإنسان بالموت لأول مرة في التاريخ لم يعد الموت قدرا أعمى أصبح عدوا يمكن رؤيته وهزيمته والسر لم يكن في المختبر كان في لحظة واحدة قرر فيها إنسان مكسور أن يسأل حين صمت الجميع وأن يؤمن أن وراء كل ألم سببا وأن كل سبب له حل قال يوما جملة أصبحت من أشهر جمل التاريخ في حقول الملاحظة الحظ لا يختار إلا العقول المهيئة كان عقله مهيئا نعم لأن قلبه كان قد تحطم ولعل هذا هو سر كل عظيم في التاريخ ليس الذكاء وحده ليست الموهبة وحدها ولا الحظ بل قلب احترق بالألم يوما فأضاء بناره العالم فهل العظماء يولدون أم يكسرون أولا؟
الطريق إلى العدوى الدحيح 33:57

الطريق إلى العدوى الدحيح

New Media Academy Life

2M مشاهدة · 1 yr ago

من هو لويس باستور زحل 4:32

من هو لويس باستور زحل

zouhal - زحل

37.4K مشاهدة · 6 yr ago

2 تجربة لويس باستور ونهاية أسطورة الخلق الجاهز 23:50

2 تجربة لويس باستور ونهاية أسطورة الخلق الجاهز

يوسف البناي

105K مشاهدة · 7 mo ago

Louis Pasteur The genius who saved millions of lives The story of the father of microbiology 1:02:43

Louis Pasteur The genius who saved millions of lives The story of the father of microbiology

Lucien Darcourt

33.3K مشاهدة · 2 mo ago

The Story of Louis Pasteur 1936 1:26:16

The Story of Louis Pasteur 1936

Mukesh

2.7K مشاهدة · 1 yr ago

لويس باستور محارب الميكروبات 1:49

لويس باستور محارب الميكروبات

hassan sayf

937 مشاهدة · 1 yr ago

لويس باستور أول من أثبت أن البكتيريا تصيب الإنسان بالأمراض 0:54

لويس باستور أول من أثبت أن البكتيريا تصيب الإنسان بالأمراض

Whyvora

135 مشاهدة · 7 mo ago

لويس باستور مكتشف الجراثيم 1:46

لويس باستور مكتشف الجراثيم

Abdullah Mohammed - عبدالله محمد

3K مشاهدة · 4 yr ago

تاريخ الأشياء تاريخ داء الكلب من السومريين إلى لويس باستور و العصر الحديث 12:44

تاريخ الأشياء تاريخ داء الكلب من السومريين إلى لويس باستور و العصر الحديث

قناة شيء

2.1K مشاهدة · 2 yr ago

Film intégral Louis Pasteur portrait dun visionnaire 1:23:47

Film intégral Louis Pasteur portrait dun visionnaire

Devenir Aidadomicile

18.8K مشاهدة · 5 yr ago

Louis Pasteur Intellectual Geniuses Episode Thirty Eight 10:01

Louis Pasteur Intellectual Geniuses Episode Thirty Eight

نبراس

28.5K مشاهدة · 2 mo ago

Louis Pasteur vs Robert Koch The History of Germ Theory 33:57

Louis Pasteur vs Robert Koch The History of Germ Theory

Patrick Kelly

199K مشاهدة · 3 yr ago

فيلم وثائقي عن لويس باستور أبو نظرية الجراثيم 40:07

فيلم وثائقي عن لويس باستور أبو نظرية الجراثيم

Rael Ruiz

74K مشاهدة · 10 yr ago

موكب العصور ـ لويس باستور 20:51

موكب العصور ـ لويس باستور

The Story

15K مشاهدة · 11 yr ago