لم نكن رجالا سيئين بالمعنى الذي يريح الضمير. لم نكن قتل ولا لصوصا كبارا ولا ابطالا سقطوا من فوق خيباتهم كما يسقط الملوك من عروش محترقه. كنا فقط رجالا ارهقهم النهار وافسدهم الفقر وعلمهم العمر ان الانسان حين يعجز عن اصلاح حياته يبحث عن ركن يخفف فيه صوتها. ولذلك كنا نهبط كل ليله الى تلك الحفره الرطبه التي يسمونها خماره كاننا نهبط الى قاع انفسنا هناك تحت الارض بعيدا عن ضجيج السوق وعن وجوه الزوجات المتعبه وعن نظرات الاولاد التي تشبه الاتهام الصامت كنا نجد شيئا يشبه الهدنه ليست سعاده فالسعاده كلمه مهذبه اكثر مما ينبغي بل هدنه قصيره بين طعنتين كانت الخماره ضيقه كقبر تعلم ان يتنفس جدرانها مطليه بلون ازرق شاحب لكن الرطوبه اكلت منه هيبته فصار مثل حزن قديم لم يعد احد يعرف سببه نافذتها الوحيده عاليه تتسلل منها بقيه ضوء بارد لا يكفي لرؤيه الحقيقه كامله لكنه يكفي لكي ترى الخراب وعلى جانب الممشى الطويل كانت براميل النبيذ الجهني مصطفى كانها جنود خشبيون يحرسون نسياننا المؤقت وكنا نحن الزبائن نوزع اجسادنا على الموائد الخشنه كما يوزع التعب نفسه على ايام الفقراء بلا نظام بلا معنى لكن باصرار غامض على البقاء وكان في الخماره قط اسود ضخم اليف على نحو يثير الريبه ينتقل بين الاقدام والطاولات كانه صاحب المكان الحقيقي لا صاحبه الرومي العجوز لم يكن مجرد قطبه بروح الخماره وقد لبست فروا اسود وعينين نصف مغمضه يلعق بقايا السمك ويمسح ساقيه بالطاولات ويراقبنا بنظره من يعرف اننا لن نذهب بعيدا لان الذين يجدون مكانا ينسون فيه انفسهم لا يتركونه بسهوله ولعل هذا هو سر الاسم فالناس لا يسمون الاماكن باسمائها الحقيقيه بل بالاثر الذي يتركه الشيء في قلوبهم ونحن لم نعد نعرف اسم الخماره الاول لكننا عرفنا جيدا انها صارت مثلنا تابعه لذلك السواد الاليف خماره القط الاسود في تلك الليله كنا نغني وليس هناك ما هو اكثر حزنا من رجال يغنون من شده ما عجزوا عن تفسير حياتهم الغناء عند الفقراء ليس فرحا دائما احيانا يكون وسيله لكي لا يسمع صوت السقوط في الداخل كنا نرفع اصواتنا باغنيه جماعيه تتداخل فيها السخريه مع السكر ويصير اللحن ستارا رقيقا نغطي به فوضانا كانت الكؤوس الصغيره تدور والضحك يعلو والنكاه تتقافز بين الشفاه اليابسه حتى بدا المكان لحظه كانه ينت تصر على بؤسه. تلك هي الخدعه التي تجيدها الليالي الرخيصه تمنحك وهما صغيرا بان العالم تركك وشانك ثم ترسل اليك فجاه ما يذكرك بان العالم لا ينسى احدا. ظهر الرجل عند الباب لا اقول دخل لان كلمه دخل بسيطه اكثر مما ينبغي بينما الذي وقع كان اشبه باقتحام صمط اسود لقلب المكان انقطعت الاغنيه كما تنقطع الرقبه تحت ضربه واحده لم يكن في الخماره كرسي خال ومع ذلك نظر الغريب حوله كانه جاء لياخذ ما هو له لا ليطلب مكانا بيننا كان طويلا عريض الهيئه في حضوره شيء من المصارع وشيء من الجزار وشيء من الرجل الذي عاش طويلا حتى نسي يبتسم ملابسه داكنه متناسقه على نحو يزيده قسوه وراسه الاصلع كان يلمع في ذلك الضوء المريض كعلامه على قحط داخلي لا ينبت فيه شيء لا ادري لماذا شعرت منذ اللحظه الاولى ان هذا الرجل لا يشبه احدا نعرفه كنا نحن ابناء العرق والسام ابناء الرغيف المتاخر والعمله القليله والليل الطويل اما هو فكان قادما من جهه اخرى من عالم لا تفسده الحاجه بل تفسده القوه هناك فرق بين رجل افسده الجوع ورجل افسده اليقين الاول ينكسر اما الثاني فيمشي في الارض كانه امتحان مرسل لغيره وهذا الرجل كان من النوع الثاني نظر الينا نظره لم ارى فيها فضول الغريب بل احتقار من اعتاد ان يزن الرجال من اول وهله ثم يصدر حكمه عليهم دون ان يكلف نفسه عناء كلام اختفى لحظه في الممر فظن بعضنا انه انصرف لكنه عاد حاملا كرسيا من القش المتهالك كانه لم يجد في المكان ما يليق بجلوسه فاخذ ما يناسب ازدراءه لنا وضعه قرب الباب وجلس جاء متجها وعاد متجها وجلس متجها لم يلتفت يمينا ولا شمالا لم يحاول ان يصادق المكان كما نفعل نحن حين نكون غرباء بل جلس كما يجلس السيف في غمده صامتا لكنه لا يعتذر عن حدته عاد بعضنا الى الضحك لكن الضحك هذه المره كان مثل عكاز مكسور اكنا نحاول ان نقنع انفسنا بان الامر عابر ان الرجل ليس الا عابر سبيل ان في الدنيا رجالا غلاظا بطبعهم كما في الدنيا كلابا تنبح دون سبب الا ان شيئا في صدورنا كان يعرف ان المساله ليست بهذه السهوله حتى القط الاسود نفسه اقترب منه ثم توقف وكان الحيوان شم في هذا الجسد رائحه لا تدخل في نظام المكان نظر اليه قليلا ثم تلقى ضربه بقدم الرجل ابعدته متقهقرا فعاد القط الى صاحبه الرومي كان الحيوان وحده ادرك قبلنا ان حضور هذا الغريب ليس من النوع الذي يداعب او يستانس. ثم بدا الرجل يتحرك داخل صمته. رايته يعض على اسنانه ويتمتم بشيء لا يسمع. كانت شفتاه تتحركان كانهما تواصلان حوارا بدا قبل وصوله الينا. ولن ينتهي عندنا قبضته تنقبض ووجهه يزداد تصلبا حتى حسبت ان الغضب فيه ليس وليد هذه اللحظه بل شيء قديم يسكنه مثل داء مزمن وفجاه خرج صوته كان خشنا غليظا يهبط على المكان لا ككلام بل كحكم قال اللعنه الويل ليلات الجبل وما وراء الجبل لا احد فهم شيئا لكن الجميع فهم الخطر ذلك هو الرعب الحقيقي ليس ان تفهم ما يقال بل ان تشعر ان في الكلام هوه لا تجرؤ على النظر فيها حين سالنا من نحن بدا السؤال في ظاهره بسيطا لكنه في سمعنا كان صفعه لان الانسان لا يخاف حين يسال عن اسمه بل حين يشعر ان الذي يساله قادر على ان يمحو هذا الاسم من فمه اجابه احدنا متلعثما اننا زبائن قدامى جئنا مع المساء فقال بهدوء اقسى من الصراخ ان احدا لن يغادر المكان لم نصدقه اول الامر لا لاننا شجعان بل لان العقل يرفض احيانا ان يبتلع الحقيقه دفعه واحده لكن صوته ونظرته والبروده التي نزلت فجاه على قلوبنا جعلتنا ندرك ان الليله لم تعد لنا وان الخماره التي لجانا اليها لتخفيف الحياه صارت في طرفه عين مكانا اخر قفصا مغلقا ونحن فيه فرائس تعرف ان الباب موجود لكنها لا تملك ان تصل اليه في تلك اللحظه فقط فهمت شيئا تاخر علي طويلا نحن لا نخاف القوه لانها تؤذينا فقط بل لانها تكشفنا تكشف كم نحن هشون وكم كان ما نسميه حياه ليس سوى ترتيب ضعيف للفوضى كاس اغنيه نكته قط اسود نافذه وبراميل نبيذ كل هذا كان يكفي قبل لحظات لكي ننسى ثم جاء رجل واحد فتهاوى النسيان كله هكذا هو الانسان يبني سلامه من قش ثم يمضي واثقا كانه شيد قلعه اما انا فكنت احدق فيه واشعر بان الليله لن تنتهي عند هذا الحد وان ذلك الرجل لم ياتي الى الخماره ليشرب ولا ليجلس ولا حتى ليهددنا فحسب كان يبدو كانه جاء من مكان ابعد من الطرق من عتمه اقدم من الليل نفسه يحمل حكايه لا يريد احد سماعها لكن الجميع سيجبرون على الاصغاء لها حين صعد الصمت فوق الطاولات كدخان اسود ادركت اننا لم نعد رجالا في خماره بل شهودا في انتظار الكارثه جلست في مكاني وانا اشعر ان الخماره التي كانت قبل قليل تضيق بنا من كثره الاصوات صارت اضيق من صدورنا لم يعد احد يغني ولا احد يضحك حتى الكؤوس التي كانت تدور بين الايدي توقفت كان الشراب نفسه فقد مهمته كان الرجل جالسا عند الباب لا يتحرك كثيرا لكن وجوده وحده كان كافيا ليجعل الخروج فك فكره مستحيله طلب خمرا شرب كاسا ثم اخرى ثم ثالثه من غير ان يتغير فيه شيء لم يل صوته ولم تخف قسوته ولم يهبط على وجهه ذلك التراخي الذي نعرفه في السكاره على العكس ازداد تماسكا كان الشراب لا يطفئ النار فيه بل يغذيها عندها بدا الخوف يشتد في داخلي لان الرجل الذي يسكر يمكن توقعه اما الرجل الذي يشرب ويبقى على صلابته ففيه شيء اشد غموضا كانه لا يعيش بالقوانين نفسها التي نعيش بها ثم اعاد النظر الينا واحدا واحدا لم تكن نظره رجل يتفحص وجوها غريبه بل نظره رجل يفتش عن شيء ضاع منه ويظن انه مخبوء عندنا وفجاه قال ان احدا لن يخرج قالها بهدوء لكن ذلك الهدوء كان اقصى من الصراخ هالكهل الذي كان بيننا حاول ان يلين الموقف وقال له اننا قوم جئنا لنشرب ثم ننصرف الى بيوتنا لكن الغريب لم يقتنع بل ازداد تصلبا ورد بكلام غامض يوحي بانه يتهمنا جميعا بامر لا نعلمه في تلك اللحظه تبدل الخوف من خوف من رجل عنيف الى خوف من معنى لا نفهمه لو شتمنا فقط او لو اشهر سكينا لهانا الامر على نحو ما لان العنف الواضح يترك للانسان فرصه ان يعرف مما يخاف اما هذا فكان شيئا اخر رجل يتكلم كانه يعرف عنا سرا لا نعرفه نحن عن انفسنا رجل ينظر الينا كما لو اننا خناه او كما لو اننا شهود على مصيبه وقعت له في مكان بعيد اخذ الكهل يقسم له اننا لا نعرف شيئا واننا اهل خماره لا اهل دسائس لكن الغريب لم يكن يصغي الى الكلمات بل الى شكه وحده وكلما نفينا ازداد يقينا وكلما حاولنا التهدئه اشتد توتره كان واضحا انه لا يبحث عن جواب بل عن اعتراف وهنا احسست ان الليله بدات تفلت من حدودها لم تعد مساله شجار عابر في حانه بل صارت امتحانا قاسيا لعجزنا كله كان الباب خلفه والنافذه عاليه لا تنال ونحن نحن في الوسط مثل رجال حشروا داخل فكره سوداء تبادلنا النظرات في صمت لكن احدا لم يملك الجراه على المبادره الانسان في مثل هذه اللحظات لا يفكر في الكرامه ولا البطوله يفكر فقط في كيف تمر الدقيقه التاليه بلا كارثه وكنت ارى ذلك في الوجوه جميعا العرق التردد انكسار العين ومحاوله كل واحد ان يبدو اهدا مما هو عليه ثم قال الرجل فجاه ان واحدا منا غادر وانه ان لم يعرفه فسيعاقبنا جميعا نزلت الجمله علينا كانها حجر من هو هذا الواحد وما الغدر الذي يتحدث عنه ولماذا نحن لم يكن احد يملك جوابا لكن الافضع من الجهل احيانا ان تجبر على دفع ثمن شيء لا تعرفه عندها فقط بدات اشعر ان الخوف لا ياتي من الرجل وحده بل من اننا صرنا في عينيه جماعه متهمه من غير بينه وجماعه محاصره من غير مخرج حاول الكهل مره اخرى ان يستميله فاقسم باولاده انه لا يعلم شيئا للحظه قصيره ظننت ان القسم قد يهدئه لكنه سخر منه ورد عليه بكلمات مبعثره تحمل احتقارا مريرا للناس جميعا كان يتكلم كما لو انه خرج من خيبه قديمه ولم يعد يؤمن بصدق احد وحين يبلغ الانسان هذا الحد لا يعود يرى من امامه كما هم بل كما اقنع نفسه انهم دائما كذبه وضعفاء وقادر درون على الخيانه متى سنحت لهم الفرصه وشيئا فشيئا بدا حضوره يضغط على الانفاس نفسها لا احد تجرا على مخالفه امره لا احد نهض لا احد مد يده الى كاسه الا بحذر حتى الوقت صار ثقيلا كانه لا يمشي بل يتعثر احسست وانا احدق في الطاوله امامي ان الانسان لا يحتاج تتاج دائما الى سجن حقيقي كي يفقد حريته احيانا يكفيه رجل واحد يجلس عند الباب ويزرع في القلوب يقينا بان الحركه قد تكلف كثيرا ثم مال احد الجالسين وهمس بصوت مرتعش كانما يطلب احسانا لا حقا ااذهب الى البوله ورفعت عيني الى الغريب وانا اشعر ان هذا السؤال الصغير لن يمر بسلام وان الليله لم تقل كلمتها الاخيره بعد نظر اليه الرجل الغريب نظره بطيئه ثقيله لا لان السؤال صعب بل لانه كان يريد ان يجعل من بساطته عبءا في تلك اللحظه بد لي ان الرجل لا يحب ان يجيبه احد كان يستمتع بان يعلقنا بين الحاجه والاذن بين الجسد والخوف بين ما نريده وما يملكه هو من سلطه مؤقته علينا ثم حرك يده حركه قصيره تدل على السماح لكنها لم تكن سماحا خالصا بل كانت اقرب الى القاء الحبل قليلا قبل ان يشده من جديد نهض الرجل المستاذن ببطء لم تكن في حركه جراه بل حيطه مذعوره مشى بين الطاولات كانه يمشي فوق ارض قد تنفتح في ايه لحظه ثم توارى في الداخل بقيت عيوننا معلقه على الممر الذي ابتلعه وبقي الغريب في مكانه ساكنا كصخره موضوعه عند باب قبر لم يتكلم احد حتى الكهل الذي حاول اكثر من مره ان يلين المشهد صمت ربما لانه ادرك اخيرا ان اللغه لا تصلح مع كل الناس وان هناك رجالا ينقصهم الفهم حتى تشرح لهم بل ينقصهم شيء اعمق واخطر الرحمه طال غياب الرجل اكثر مما ينبغي وبدا القلق يتسلل الى الجالسين تسلل الماء البارد الى العظام كنا ننتظر عودته كما ينتظر اهل السفينه صوت ملاحها في الضباب لا لاننا نثق به بل لان غيابه يفتح الخيال على اسوا الاحتمالات والغريب من جهته لم يكن اقل قلقا لكنه لم يظهر القلق على صوره ضعف كان يطرق الارض بحذائه طرقا خفيفا ويشبك اصابعه ويفكها ويرفع ع راسه نحو الممر ثم يعيده كانت في حركته عصبيه مشدوده كان شيئا في داخله يقول له ان احدا يوشك ان يفلت منه او ان مشهدا قديما على وشك ان يعيد نفسه امام عينيه ثم قال فجاه من غير ان ينظر الى احد بعينه انهم يهربون دائما لم يرد عليه احد لكن الجمله علقت في هواء الخمار كالدخان المر لم افهم المقصود تماما الا انني احسست ان الكلام لم يكن عن صاحبنا الذي دخل الى الداخل فقط كان يتحدث عن احد ابعد عن خائن قديم ربما عن رجل افلت منه مره وبقيت مطاردته معلقه في قلبه الى اليوم وهناك عرفت او ظننت انني عرفت ان ما يجري لنا ليس الا ذيل ماساه اخرى لا نعرفها نحن لسنا اصل الحكايه نحن فقط الاجساد التي صادفها غضب رجل لم يمت غضبه في مكانه الاول فحامله معه حتى نزل به علينا عاد الرجل من الممر اخيرا كان وجهه ابهت من قبل ونظراته منكسره لم يفعل اكثر من انه عاد الى مقعده وجلس لكن عودته لم تطفئ القلق بل زادته لان الغريب ظل يرمقه طويلا كما لو كان يريد ان يستخرج منه اعترافا صامتا هل حاولت الهرب هل نظرت من نافذه اخرى هل خبات اشاره ما لاحد كان الشك في عين ذلك الرجل يعمل عمل النار في الحطب اليابس لا يحتاج الى سبب كبير يكفيه اقل احتكاك حتى يشتعل ومضت دقائق اخرى كانها ساعات بدا بعضنا يبلع ريقه بصعوبه وجوهنا شاحبه وايدينا معلقه لا تعرف اين تستقر لم نعد قادرين حتى على التظاهر بالطبيعيه الخماره التي كنا ندخلها كل ليله لنخفف عن انفسنا ثقل النهار صارت مكانا لا نعرف كيف نجلس فيه الكرسي لم يعد كرسيا والطاوله لم تعد طاوله والكاس لم تعد عزاء كل شيء فقد وظيفته الاصليه وصار جزءا من هذا الحصار الثقيل هكذا يحدث حين يدخل الخوف مكانا مالوفا لا يضيف شيئا جديدا فقط بل يفسد معنى الاشياء القديمه كلها التفت الرجل الينا مره اخرى وقال بصوت خفيض هذه المره لكنه اكثر رعبا ان احدكم يعرف واحد منكم فقط لكنه يكفي في تلك اللحظه لم اعد اخافه وحده خفت الجالسين حولي ايضا بدات العيون تتبادل الشك بدل التضامن صار كل واحد يتفحص الاخر في سره من يقصده من الذي يعرف من الذي اخفى عنا شيئا اهنا شعرت بان المصيبه الكبرى لا تكمن في ان يهددنا رجل غريب بل في انه نجح من حيث لا ندري في ان يزرع بيننا بذره التهمه الجماعه حين يقتحمها الشك تتحلل بسرعه مروعه كنا قبل دخوله رجالا بائسين يجمعهم الشراب والليل والسام اما الان فصرنا افرادا متجاورين لكن كل واحد في قلعه خوفه الخاصه ينظر الى الاخر لا بوصفه رفيقا في المحنه بل احتمالا للخيانه الكهل وحده بقي يحاول ان يحافظ على شيء من العقل التفت الى الرجل الغريب قال له بصوت اكثر تعبا نعرف عم من تتحدث ولا شان لنا بجبلك ولا بواديك ولا بما وراءهما لكن الرجل لم يهدا نظر الى الكهل كما لو ان الشيخوخه نفسها تسيء اليه ثم قال له بمراره حاده ان الناس جميعا يقولون هذا حين يفضحون لا نعرف لم نرى لم نفعل ولم تكن قسوته هنا مجرد قسوه شك بل كانت قسوه من اتخذ قراره في الناس من زمن ثم صار يرى كل وجه جديد شاهدا على صحه حكمه القديم شيئا فشيئا احسست ان الرجل لم يكن يريد شخصا بعينه بقدر ما كان يريد ان يجد للعالم شكلا يناسب المه هناك بشر حين يتلقون ضربه كبيره من الحياه لا يكتفون بكراهيه من ضربهم بل يوسعون الدائره حتى تشمل الجميع يصبح الناس عندهم جنسا واحدا من الخيانه ويصير القلب الذي انكسر مره يطلب من الدنيا كلها ان تدفع الثمن والغريب في نظري كان من هذا الصنف لم ياتي الى الخماره ليبحث فقط عن رجل او خبر او جواب جاء وفي داخله محكمه جاهزه ونحن كنا المتهمين المتاحين عند ذلك نهض احد الجالسين نصف نهضه لا ليفر بل كانه يطلب ان يتكلم غير ان الغريب التفت اليه بسرعه جعلته يعود الى كرسيه قبل ان تكتمل الحركه لم يرفع الرجل يده لم يصرخ لم يضرب لكن نظره واحده منه كانت كافيه وقلت في نفسي ان بعض الناس لا يحتاجون الى استعمال القوه كثيرا يكفي انهم اقنعوا من حولهم انها ممكنه في كل لحظه فهذا في الحقيقه اشد انواع السلطه خبثا ان تجعل الاخر يطيعك قبل ان تلمسه وكان الصمت يزداد ثقلا لم نعد نسمع الا انفاسا مقطوعه وخشه خفيفه تصدر عن الخشب كلما تحرك احدنا بتحفظ وصوت الرجل بين الحين والحين يتمتم بكلمات مبهمه شعرت ان الخماره هبط سقفها اكثر وان الرطوبه صارت في صدورنا لا في الجدران وراودتني فكره غريبه لعل الانسان لا يختبر حقا في الشدائد الكبرى المعلنه بل في هذه اللحظات الصغيره المسمومه حين لا يعرف ما الذي سيحدث ولا متى ولا لاي سبب في الكارثه الواضحه شيء من الراحه القاسيه تعرف ما تواجهه اما هنا فقد كنا عالقين بين الاحتمالات وهذا اشد ايلاما لان النفس تتعب من التخمين اكثر مما تتعب من الضربه نفسها ثم وقع ما كان لابد ان يقع تحرك واحد من الجالسين بحركه اسرع مما ينبغي الى اليوم لا اعرف هل اراد ان يقترب من الكهل ام ان يقوم محتجا ام ان يتجه الى الباب في لحظه غفله لكن الغريب لم يمنحه وقت ليتبين قصده كان كانه منتظر لهذه الشراره نهض دفعه واحده لا بعشوائيه السكاره بل بحسم رجل كان جالسا فوق زناد وفي اللحظه نفسها انكسر ذلك التوازن المرعوب الذي ابقانا في اماكننا كل هذا الوقت تحرك الجميع معا تقريبا لا بدافع الشجاعه بل بدافع الغريزه حين يشتد الخوف الى حده الاخير يكف الانسان عن حساب ما يربح وما يخسر يتحرك لانه لا يحتمل الجمود اكثر انقلبت الخماره الى فوضى من الايدي والاكتاف والكراسي ارتفعت اصوات مختنقه وسقطت كؤوس وانزاحت موائد عن مواضعها لم يكن ما جرى معركه بالمعنى النبيل للكلمه لم يكن هناك مجال للشرف او الترتيب او البطوله كان اشتباكا بين الرعب والرعب بين رجل يحمل عنفا كثيفا كانه جمع فيه منذ سنوات وبين رجال لم يقرروا الدفاع عن انفسهم الا في اللحظه التي احسوا فيها ان التاخر صار انتحارا بطيئا ووسط الارتباك احسست بشيء مهين جدا في طبيعه البشريه اننا لا نرتفع كثيرا في ساعه الخطر بل ننكشف كل واحد يعود الى مادته الاولى يدفع يصد يتراجع يصرخ يحتمي بما يقدر عليه لا بما يليق به رايت الكهل يتعثر ورايت احدهم يرفع كرسيا ثم يتركه واخر يتراجع الى الحائط كمن يريد ان يصغر حتى لا يراه احد اما انا فلم اشعر الا بان جسدي يسبق فكري لم تكن عندي فلسفه في تلك اللحظه ولا بلاغه ولا وعي عال كما يحب الناس ان يتخيلوا انفسهم بعد النجاه كان عندي فقط قلب يدق بعنف ويد تبحث عم تتعلق به ونفس مضطرب يريد ان يبقى وكان كل ما بنيناه من افكار عن انفسنا يسقط سريعا حين تتقدم منا الفوضى بخطوات حقيقيه ولم يطل الامر كثيرا لكنه ترك فينا اثر الزمن الطويل فبعض اللحظات لا تقاس بالدقائق بل بما تنتزعه منك وحين هدا كل شيء او لعله لم يهدا بقدر ما تعب من الضجيج كانت الخماره قد تغ غيرت نهائيا الكؤوس مقلوبه بعض الشراب على الارض موضع الباب ملتبس بنظرات الجميع والهواء نفسه كانه قد ضرب في صدره لم يعد المكان صالحا للنسيان انتهت وظيفته القديمه في تلك الليله الى غير رجعه لان المكان الذي يدخله الرعب مره لا يعود بريئا ابدا ولا اذكر ان احدا قال كلاما كثيرا بعد ذلك ما الذي يمكن ان يقال اصلا ان اللغه تصلح قبل الكسر وربما بعده بوقت طويل لكنها في اللحظه التي تعقب الانكشاف مباشره تكون عاجزه كانها تخجل من نفسها نظر بعضنا الى بعض لا موده في العيون ولا خصومه صافيه بل ذلك التعب الذي يخلف المرور القريب من الهاويه واما الغريب فقد بدا لي في اخر المطاف اقل شبها بانسان من قبل لا لان فيه شيئا خارقا بل على العكس لانه كان بشريا الى حد مرعب رجل جرحته فكره او خيانه او ذكرى فلم يبرا منها وخرج بها الى الناس وهذا في النهايه هو اكثر ما يخيف في البشر انهم حين يعجزون عن احتمال جحيمهم الداخلي يحاولون توزيعه على من حولهم خرجت من الخماره بعد ذلك لكنني لم اخرج منها تماما ظل شيء منها عالقا في صدري الشارع في الخارج كان باردا ساكنا وممتدا على عادته كان شيئا لم يقع تحت الارض هذا اكثر ما يوجع ان يهتز عالمك الداخلي بعنف بينما يظل العالم الخارجي على بروده المعتاد لا يلتفت لا يواسي لا يشرح مشيت قليلا وانا اشعر ان قدمي لا تحملانني بل تجران ما بقي مني ورفعت راسي نحو السماء لا طلبا لجواب بل من تلك العاده القديمه التي تجعل الانسان حين تعجزه الارض ينظر الى الاعلى كانه يبحث عن شاهد وفي الطريق فهمت اخيرا ما الذي بقي من تلك الليله وما الذي يجعلها اثقل من مجرد شجار في خماره لم يكن الامر في الرجل وحده ولا في خوفنا وحده بل في الحقيقه التي كشفها حضوره فجاه ان الانسان يبني لنفسه زوايا صغيره يختبئ فيها من العالم يظن ان بؤسه اذا انتظم قليلا صار محتملا وان النسيان اذا تكرر صار خلاصا مؤقتا كاس طاوله رفقه منهكه قط يتجول بين الاقدام ضوء مريض اغنيه رخيصه كل هذا يبدو كافيا احيانا ليقنعنا باننا امسكنا الحياه من طرفها الالين ثم تكفي لحظه واحده وباب يفتح ورجل يدخل حتى ينهار هذا الترتيب كله ونفهم ان السلام الذي نعيش فيه ليس الا هدنه قصيره وان العالم يعرف كيف يصل الينا حتى في اضيق مخابئنا ومنذ تلك الليله لم اعد اثق كثيرا في الاماكن التي تعد البشر بالنسيان صرت ارى في كل ركن امن احتمال انكساره وفي كل هدوء قابليه للعطب وفي كل وجه صامت قصه ربما لو خرجت في الوقت الخطا لاحرقت من حولها وتلك في ظني هي المراره الحقيقيه التي تركتها خماره القط الاسود في نفسي انها لم تعلمني فقط ان الخوف قد يدخل من الباب بل علمتني ان البشر انفسهم يحملون ابواب خرابهم في صدورهم وان ما نخشاه احيانا ليس الغريب الذي ياتي من الخارج بل الجحيم الذي يصل متاخرا من داخل انسان اخر بعد ان فرغنا من التلخيص يا رفاق الفكر لا تعود خماره القط الاسود مجرد حكايه عن رجال انهكهم الفقر فنزلوا الى قاع الليل يلتمسون هدنه قصيره ثم اقتحم عليهم غريب ليلتهم فحولها الى خوف هنا يبدا العمل الحقيقي للنص لان القصه عند نجيب محفوظ لا تستنفد بما وقع بل بما يفتحه ما وقع من ابواب على النفس والمجتمع والسلطه والمصير فالاحداث في ظاهرها محدوده ضيقه تكاد تحاصر داخل خماره تحت الارض لكن معناها اوسع من الجدران واثقل من الحادثه نفسها وما ان ينتهي السرد حتى يبدا النص في التمدد داخلنا كانه كان يخفي في جسده القصير طبقات من الرمز والدلاله لا تظهر الا بعد ان يسكت الضجيج لهذا حين ننتقل الان الى التحليل فنحن نحن لا نغادر القصه بل نهبط اعمق فيها نترك سطح الواقعه الى باطنها ونترك الحركه الظاهره كي نصغي الى ما كان يتحرك خلفها في صمت البعد النفسي والاجتماعي والسياسي والجمالي والرمزي لان محفوظ هنا لا يكتب عن خماره فقط ولا عن رجل مخيف فقط بل يكتب عن الانسان حين يحاول ان يصنع لنفسه ملجا صغيرا من العالم ثم يكتشف ان العالم او الرعب او السلطه او جحيم الاخر يعرف الطريق حتى الى اضيق المخابئ ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ما الذي تمثله الخماره ومن هم هؤلاء الجالسون فيها ولماذا يبدو القط الاسود اكبر من كونه تفصيلا في المشهد ومن يكون ذلك الغريب في مستوى الدلاله الاعمق وكيف يتحول الخوف هنا من شعور عابر الى مناخ كامل يعيد ترتيب العلاقات بين البشر ثم ماذا يكشف كل هذا عن نجيب محفوظ نفسه وعن طريقته في رؤيه الانسان لا بطلا نقيا ولا شريرا خالصا بل كائنا هشا يتواطا مع اوهامه كي يواصل العيش اذا بدانا من المكان وجدنا ان محفوظ لا يختار الخماره مصادفه فالخماره هنا ليست مجرد موضع للشرب بل بنيه رمزيه كامله انها مكان سفلي تحت الارض رطب ضيق اقرب الى حفره منه الى فضاء مفتوح هذا النزول ليس جغرافيا فقط بل نفسي ايضا الرجال لا ينزلون الى الخماره كما يدخل الناس الى مقهى بل كما يهبطون الى طبقه سفليه من انفسهم الى موضع تذوب فيه الاقنعه الاجتماعيه قليلا ويتخفف فيه الانسان من صرامه النهار فوق الارض يوجد السوق والزوجات والاولاد والعمل والواجبات والنظرات التي تطلب منك ان تبقى متماسكا ومفهوما ومحترما اما تحت الارض ففي هذا القاع الرطب لا يبقى من الانسان الا ما يتبقى بعد الانهاك جسد يريد ان يستريح ونفس تريد ان تصمت وكائن مسحوق يبحث عن لحظه لا تطالبه بشيء وهنا تظهر عبقريه محفوظ فهو لا يقدم هؤلاء الرجال باعتبارهم شياطين او فاسدين او نماذج اخلاقيه جاهزه بل يقدم دمهم كما هم بشر افسدهم التعب اكثر مما افسدهم الشر فهذه نقطه شديده الاهميه في قراءه القصه لان محفوظ لا يكتب بمنطق الواعظ الذي يقسم العالم الى طاهر ومدنس بل بمنطق الفنان الذي يرى ان الانسان غالبا لا يسقط سقوطا دراميا بطوليا بل يتاكل ببطء هؤلا هؤلاء ليسوا رجال جريمه كبرى بل رجال يوميون ارهقهم النهار وضاق بهم الواقع فلم يجدوا لانفسهم الا هذا الركن السفلي المؤقت ومن هنا فان الخماره لا تصبح مكان انحراف فحسب بل ماوى اجتماعيا للفائضين عن رحمه الحياه في هذا المستوى يمكننا ان نرى القصه بوصفها قطعه من عالم محفوظ الاجتماعي الاوسع عالم الطبقات الشعبيه الازقه المقاهي الحارات الزوايا الصغيره التي ينسحب اليها المهمشون حين تضيق الحياه الرسميه بهم غير ان محفوظ هنا يذهب ابعد من الواقعيه الاجتماعيه المباشره فهو لا يقول فقط ان الفقراء يشربون لانهم فقراء بل يلمح الى شيء اعمق ان الانسان حين يعجز عن اصلاح شروط وجوده يبحث عن تقنيه احتمال والخمر هنا ليست مجرد مشروب بل اداه تاجيل والغناء ليس فرحا حقيقيا بل ستارا رقيقا على الانكسار والضحك ليس دليل بهجه بل حيله نفسيه لالا يسمع المرء صوت سقوطه الداخلي بهذا المعنى تصبح الخماره مؤسسه رمزيه لاداره الالم مكانا لا يحل الحياه بل يخفف ضجيجها قليلا هذه الفكره شديده المحفوظيه الانسان لا يعيش دائما بما يخلصه بل كثيرا ما يعيش بما يؤجل انهياره هناك فرق بين الخلاص والتسكين بين النجاه والهدنه بين المعنى والمخدر ومحفو يعرف ان اغلب البشر لا يبلغون الخلاص بل يكتفون بصيغ صغيره من التحمل لذلك تبدو الخماره في القصه كانها صوره مصغره عن حضاره كامله قائمه على التخفيف للعلاج على الاحتمال لا التحول وهذا ما يمنح المكان كثافته الفلسفيه هو ليس مكان متعه بل مكان تعليق مؤقت للالم لكن النص لا يتركنا داخل هذه الهدنه طويلا فمحفوظ لا يثق كثيرا في التوازنات التي يصنعها البشر لانفسهم ولا سما حين تكون مبنيه على هشاشه ووهم ولهذا ياتي الغريب ومن الناحيه الفنيه فان دخوله ليس دخول شخصيه الى مشهد بل اقتحام قوه الى نظام هش قبل حضوره كان المكان يعمل بمنطق افقي رجال متجاورون في البؤس كؤوس تدور اغنيه جماعيه نسيان يتوزع بينهم بالتساوي ثم يظهر هذا الرجل فيتحول الفضاء كله الى بنيه عموديه من يملك القرار ومن يحاصر من يجلس عند الباب ومن يمنع من الخروج من يتكلم كانه يحكم ومن يصمت كانه متهم بهذا المعنى الغريب لا يغير الجو فقط بل يغير هندسه السلطه داخل المكان ومن هنا يمكن ان نبدا قراءه الرجل الغريب في اكثر من طبقه في طبقه اولى هو ببساطه تجسيد للرعب الطارئ للعنف الذي يدخل من الخارج ويفسد نظام الجماعه لكن هذا وحده لا يكفي لان محفوظ يتعمد ان يبقيه غامضا متشيا محملا بكلام مبهم واشارات غير مكتمله اننا لا نعرف قصته كامله ولا نعرف من خانه ولا ما الذي قصده بالجبل وما وراء الجبل ولا سر يقينه بان بين الجالسين غادرا الغموض ليس نقصا معلوماتيا بل هو جزء من المعنى الرجل هنا لا يمثل فردا واضح السيره بل يمثل جرحا قديما تحول الى سلطه انه انسان حمل معه خيبته او صدمته او هوسه حتى صار ينظر الى العالم كله من خلال هذا الجرح لذلك فهو لا يدخل ليطلب شيئا بل يدخل ليحاكم لا ياتي ليفهم بل ليؤكد شكه لا يفتش عن الحقيقه بل عن اعتراف يثبت له ان العالم كما يظنه خائن منحط جدير بالعقاب في هذه النقطه بالذات تشتعل الابعاد النفسيه للعمل لان الغريب ليس مجرد قوي بل مريض بمعناه انه لا يرى الناس كما هم بل كما صاغم المه الداخلي هناك بشر حين يجرحهم العالم لا يكتفون بعداوه من جرحهم بل يوسعون الكراهيه حتى تشمل الجميع يتحول الفرد عندهم الى جنس والحدث الى قانون والخيبه الى فلسفه والغريب في خماره القط الاسود من هذا الصنف لذلك يبدو كلامه على شدته اكبر من مناسبه الخماره ذاتها انه لا يتعامل مع هؤلاء الجالسين كاشخاص حقيقيين بل كمواد خام لاعاده تمثيل ماساته الخاصه هم عنده ليسوا رجالا فقراء اتوا ليشربوا بل مشروع خيانه محتمل وهذا يفتح القصه على سؤال نفسي عميق ماذا يفعل الجرح القديم حين لا يشفى محفوظ يجيب ضمنا قد يتحول الى اله اسقاط الى عين لا ترى براءه الى روح تعذبت حتى صارت تعذب لكن الاهم من ذلك ان القصه لا تكتفي باظهار الرعب الخارجي بل تكشف اثاره داخل الجماعه وهنا تبلغ عبقريه محفوظ فالخوف في هذه القصه لا يعمل بوصفه انفعالا فرديا فحسب بل بوصفه اليه تفكيك اجتماعي في البدايه يجلس الرجال معا في بؤس مشترك ثم ما ان يقول الغريب ان بينكم غادرا او ان واحدا منكم يعرف حتى يتصدع هذا التماسك الهزيل يصير الجليس احتمال خيانه والرفيق ماده شكه والجماعه مجموعه افراد معزولين نفسيا هذه لحظه شديده الدقه في النص لانها تظهر ان الخوف لا ينجح حين يجعلنا نرتعب فقط بل حين يجعلنا نفقد الثقه في بعضنا وهذا ليس تحليلا نفسيا فحسب بل سياسي ايضا فالقصه في احد وجوهها تقرا كاستعاره مدهشه لجو السلطه القامعه هناك جماعه شعبيه بائسه لا تملك من امرها الا فتاه هدنتها ثم تاتي قوه غامضه من الخارج تحتل الباب تمنع الخروج لا تعلن سببا واضحا تتهم بلا دليل وتطالب باعتراف اليست هذه على نحو رمزي صوره السلطه حين تنفصل عن العداله وتتحول الى مزاج شبهه دائمه السلطه هنا لا تحتاج الى حجه يكفيها ان تكون ممسكه بالمخرج لا تسال ماذا فعلتم بل تقول ضمنا انتم متهمون لانني اريد ذلك ومن هذه الزاويه يصبح الغريب اشبه بتمثيل فني للسلطه التعسفيه سلطه لا تؤسس شرعيتها على القانون بل على القدره لا تشرح نفسها بل تفرض نفسها ولا ترى الناس افرادا معقدين بل كتله قابله للاشتباه والعقاب الجماعي واذا كان هذا البعد السياسي حاضرا بقوه فان محفوظ لا يقدمه بطريقه مباشره او خطابيه وهذا سر قوته فهو لا يحول القصه الى منشور سياسي بل يمرر السياسه عبر النفس وعبر المكان وعبر الخوف لا يقول لنا هذه سلطه قمعيه بل يجعلنا نختبر مناخ السلطه من الداخل الباب المحتل الوقت الثقيل الانفاس المحبوسه الخروج المستحيل والعقاب الذي يمكن ان يقع على الجميع لان واحدا فقط قد يكون مذنبا ان هذا المنطق هو منطق الاستبداد في انقى صوره الرمزيه التهمه ضبابيه لكن الرعب واض ضح اما الجماعه نفسها فان محفوظ لا يجملها وهذه نقطه لابد من التوقف عندها لانه كان يستطيع لو شاء ان يحول هؤلاء الجالسين الى ضحايا انقياء لكن هذا ليس من طبعه هم ضعفاء نعم مسحوقون نعم لكنهم ايضا مرتبكون مهيؤون للخوف سريعوا الشك عاجزون عن الفعل الواضح ومعنى هذا ان القصه لا تدين السلطه وحدها بل تكشف كذلك ما يفعله القهر الطويل بالنفوس يجعلها قابله للكسر والتفكك القهر لا يسحق الخارج فقط بل يفسد الداخل ايضا يضعف الثقه يربك الاراده ويجعل الانسان يفتش عن النجاه الفرديه حتى في قلب المحنه الجماعيه فهذا بالغ الاهميه لان محفوظ هنا لا يكتب اخلاقا مدرسيه بل يكتب الانسان كما يتشوه تحت الضغط ومن هنا نصل الى العنوان وهو احد اعظم مفاتيح النص خماره القط الاسود لماذا لم يسميها باسم صاحبها لماذا لم يسميها باسم الحاره لماذا التصقت الخماره بهذا الحيوان تحديدا الجواب ان القطه هنا ليس تفصيلا زخرفيا بل مركز رمزي في المخيال الشعبي القط الاسود كائن الليل الشؤم الحذر الغموض الحركه الصامته والعين التي ترى في العتمه ومحفوظ يستثمر هذه الحموله دون ان يسقط في خرافه مباشره فالقط الاسود في القصه يبدو اليفا نعم لكنه اليف على نحو يثير الريبه انه يعيش في المكان كما لو كان روحه المتجسده يمر بين الارجل والطاولات يقتات من الفتات يراقب في صمت يعرف الجميع ولا ينتمي الى احد تماما انه ليس انسانا من الجالسين لكنه اشد اتصالا بجوهم منهم هم انفسهم فلذلك يمكن قراءه القط الاسود بوصفه رمزا للسواد الذي الفه الناس حتى صار مالوفا. الخماره لم تعد تسمى باسمها الاول بل باسم هذا الكائن الاسود كان البؤس نفسه صار عنوانا للمكان. هنا يلمح محفوظ الى فكره قاسيه جدا ان الانسان قد يعتاد تعاسته الى الحد الذي يجعلها جزءا من هويته لا يعود يعيش في الظلمه فقط بل يتسمى بها لا يعود السواد حاله بل يصير اسما ولهذا يبدو العنوان كله توقيعا على قدر نفسي واجتماعي هؤلاء لم يعودوا فقط رواد خماره بل رواد مكان يحمل شؤمه في اسمه والاجمل فنيا ان القط يؤدي وظيفه كشفه فهو يقترب من الغريب ثم يتراجع بعد الضربه كانه استشعر الخطر قبل البشر الحيوان هنا يلتقط ما تعجز عنه نفوس الرجال في البدايه القادم ليس تفصيلا عابرا بل اختلال جذري في نظام المكان وهذه اللمسه شديده الذكاء من محفوظ لانها تجعل الكائن الهامشي شاهدا رمزيا على جوهر الحدث في الفن العظيم ليست التفاصيل زائده ابدا والقط الاسود هنا واحد من تلك التفاصيل التي تحمل النص كله على ظهرها ومن الناحيه الجماليه لا يمكن اغفال ان القصه مكتوبه بعين تشكيليه حاده المكان الضوء الرطوبه البراميل النافذه العاليه القط الراس الاصلع عند الباب كل هذا يبنى كما لو اننا امام لوحه هناك شيء من دراما الضوء والظل يذكرنا بلوحات الواقعيه الداكنه او حتى بالكرافاجيه من حيث الضوء الذي لا يطمئن بل يفضح الضوء هنا لا يفتح افقا بل يكشف الخراب والظل لا يحجب فقط بل يصنع التوتر حتى تكوين المشهد نفسه مع الباب المحتل والجالسين المحاصرين له قوه بصريه هائله كاننا نرى لوحه عن الخوف وهو يعيد ترتيب المكان هذا يؤكد ان محفوظ لا يكتب الحكايه على مستوى الحدث وحده بل على مستوى التكوين ايضا المشهد ليس مجرد وعاء للفكره بل هو الفكره وهي تتجسد بصريا الخماره السفلى النافذه العاليه الباب المحتل القط الجسد الغريب كلها ليست عناصر وصفيه بريئه بل اشكال فنيه محمله بمعنى ولهذا يبقى النص حيا بعد انتهاء قراءته لانه لا يمر في الذهن كمجرد قصه بل يبقى كصوره كثيفه كجوه كفضاء خانق كلوحه معلقه في الداخل في نهايه المطاف لا تتركنا خماره القط الاسود امام حادثه عابره في ليل عابر بل امام حقيقه مره عن الانسان نفسه انه كائن يبني طمانينته من اشياء اشياء هشه من كاس ورفقه وركن معتم ووهم صغير بان العالم نسيه قليلا ثم تكفي لحظه واحده ووجه غريب ويد تستولي على الباب حتى يتهاوى هذا الترتيب كله وينكشف ما تحته الخوف والهشاشه وسرعه تفكك الجماعه والجحيم الذي قد يحمله انسان واحد في صدره ثم يسكبه على من حوله وهنا تتجاوز القصه حدود الخماره لتغدو مراه واسعه لعالم نجيب محفوظ كله عالم يعرف ان البؤس لا يصنع دائما اشرارا كبارا بل يصنع بشرا متعبين يطلبون هدنه قصيره من الحياه قبل ان تقتحمهم الحياه من جديد في هيئه رعب او سلطه او شك او قدر ولذلك تبقى رمزيه القط الاسود والعنوان كله كانها توقيع على هذا السواد الاليف الذي يعتاده الناس حتى يظنوه جزءا من نظام الاشياء بينما هو في الحقيقه الاسم الاخر للهشاشه حين تسكن المكان والروح كن
30:32
خمارة القط الأسود نجيب محفوظ تلخيص وتحليل الفقر والخوف والسلطة في ليلة واحدة