انا لم اولد من رحم بل من صفعه منذ اللحظه الاولى كان العالم يمد نحوي يده لا ليحملني بل ليجرب في وجهي قوه اصابعه انا شكري الطفل الذي لم تنجبه ام بل قذفته حياه مخموره خارج احشائها ثم نسيته على عتبه الباب اذا اردت حكايه مطمئنه عن طفوله فيها طبق حساء وابتسامه اب حنون فاغلق هذا الاعتراف الان كل ما بعد هذه السطور تجريح لما بقي فيك من اوهام عن معنى ان تكون انسانا كان بيتنا في القريه حفره اكثر منه بيتا جدران مبلله سقف منخفض ضوء خافت كان الشمس هي الاخرى تشمئز من الدخول في تلك الحفره عاش رجل اسمه وامراه نحيفه اسمها امي وقطيع من الصغار كنا نحن نتحرك بين قدميه كما تتحرك الجرذان في حفره القمح ابي لم يكن ابا بل شرطيا فضا عين لمراقبه جوعنا يضربنا حين ناكل كثيرا ويضربنا حين لا يجد ما ياكل لم يكن يملك في قاموسه سوى فعل واحد ان ينزل يده على اي شيء يتحرك امامه اتذكر اول صوره واضحه له في راسي وجه متورم من الشراب عينان ضيقتان كانهما لا تريان الا الاخطاء وفم حين يفتحه لا يخرج منه الا ثلاثه اشياء الشتيمه وريح الخمر وبصقته التي تصيب الارض او تصيبنا بلا فرق في الليالي التي يعود فيها من الحق دون ان يجد عملا كان ينتقم من هذا الفراغ في وجوهنا الصغيره انا الطفل الذي لا يعرف سبب غضب هذا الكائن الضخم كنت اتعود ان انام على صوت امي وهي تستقبل الصفعات بدلا عني ثم على همسها المنكسر وهي تردد اصبر يا شكري غدا يكبر رزقنا الغد لم يكن يكبر ابدا الذي يكبر هو يدي ورقبتي وعظامي تحت الضرب. الجوع لم يكن حاله تعود وتذهب. كان هواء البيت نستيقظ على المعده الفارغه نمشي بها الى الحقل نعود بها ننام معها. الخبز كان عمله نادره يقسم كما تقسم الغنائم بعد الحرب. احيانا كنت اراقب قطعه الخبز امامي كما يراقب المؤمن معجزه ارفعها بشيء من التردد كانها قد تختفي ان انا تجرات عليها سريعا وحين يشتد الجوع ولا نجد شيئا كنا ناكل اي شيء حبوبا نيئه قشورا يابسه حلما عن رغيف سياتي في تلك السن اكتشفت ان اخطر ما يفعله الجوع ليس ان يخفف وزنك بل ان يخفف انسانيتك. كانت القريه ضيقه بافراحها الصغيره اوسع قليلا من قبر واضيق بكثير من ان تتسع لخيال طفل يتطلع الى ابعد من الحقل والمجازر العائليه في المساء. كنت ارى الاطفال وهم يلعبون يركضون حفاه في التراب ينسون العالم في مطارده كره من خرقه فاحسدهم على نعمه لم اعرفها نعمه ان تنسى انك جائع ولو لدقائق انا لم اكن استطيع انسى الجوع كان يجلس معي في كل لعبه يذكرني بان اي حركه اضافيه هي طاقه ضائعه بلا مقابل ثم جاءت الهجره تلك الكلمه التي يتوهم البعض انها بدايه حياه جديده بينما كانت لنا بدايه جحيم اكبر قرر ابي ان نغادر القريه الى طنجه لم يكن في قراره اي حلم كان فقط يهرب من فقر صغير الى فقر اكبر بشوارع اكثر ركبنا الحافل كمن يركب سفينه العبيد اجساد متلاصقه عيون واسعه لا تصدق المدن التي تمر من النافذه وام تحاول ان تخفي خوفها في حقيبه الملابس طنجه مدينه تلمع في البعيد مثل قطعه ذهب فاذا اقتربت منها اكتشفت انها مطليه فقط البحر هناك يضحك للاغنياء ويبتلع الفقراء بصمت السياح يمشون في الشوارع كانهم هم قادمون من كوكب اخر واللغه تتكسر على السنه الناس فرنسيه اسبانيه عربيه مكسره واصوات لا اسماء لها لا تفهم منها الا شيئا واحدا هنا يباع كل شيء سكنا في حي فقير يشبه ثقبا في جسد المدينه الغرفه التي قدر لنا ان نسميها بيتا كانت اقل رحمه من حفرتنا في القريه هنا لا ترحمك الجدران ولا يرحمك الشارع خلفها بمجرد ان تفتح الباب يتلقاك العالم بعينين جائعتين اكثر من عينيك اصحاب دكاكين سماسره اجساد اطفال يبيعون السجائر بالحبه وعيون تقيمك من راسك الى حذائك لتصدق انك لست اكثر من فريسه جديده في هذه المدينه بدات اسمع كلمه جديده تتردد كثيرا الخبز الناس لا يقولون كيف حالك بل هل عندك خبز هل يوجد خبز الخبز لم يعد طعاما بل مقياسا للحياه من يملك الخبز يملك الحق في ان يحلم ومن لا يملكه يملك فقط الحق في ان يهان خرجت الى الشارع باكرا لم يسالني احد ان كنت اريد العمل كان السؤال الوحيد ماذا تستطيع ان تفعل لتجلب مالا كنت اجر عربات في السوق احمل صناديق السمك ذات الرائحه التي تبقى في جسدي حتى بعد الغسل اساعد في الميناء اكنس اراقب اركض نظرات الكبار لا ترى طفلا ترى زوجا اضافيا من الايدي لم اكن في اعينهم كائنا يحتاج الى الحنان بل محفظه فارغه يفترض ان تمتلئ بالنقود لصالح من ينتظرون في البيت كنت اعود اخر النهار متعبا الى حد ان النوم نفسه كان يتعبني امي تستقبلني بعينين رطبتين تسحب من يدي قطع النقود القليله تعدها بسرعه القانط الذي يعرف انها لن تكفي ثم تخفيها قبل ان يمد ابي يده ابي حين يرى التعب على وجهي لا يسال كيف كان يومك بل يسال كم جلبت واذا راى ان المبلغ لا يرضي جشعه تبدا محكمه المساء شتيمه عن رجوله ناقصه تهديد بالطرد من البيت وربما صفعه فقط لاتذكر انني لا ازال تحت سلطته في تلك السنوات بدا شيء اخر يتسرب الى حياتي المدرسه ذهبت اليها كما يذهب الفقير الى حفل ليس مدعوا اليه كنت ادخل الفصل وانا اشعر ان ملابسي المتسخه تفضحني امام الكل المعلم يتحدث عن الوطن عن الاخلاق عن النظافه انا استمع والنعاس يهاجمني جسدي منهك من العمل وعقلي مثقل بالرغيف الذي يجب ان اجلبه في المساء كنت مع ذلك احب الحروف فيها وعد غامض بان هناك بابا اخر غير باب البيت والحانه والميناء لكن هذا الباب كان يتطلب وقتا ومالا وهما ما لا يملكه طفل مثل شكري شيئا فشيئا صارت المدرسه استراحه عابره ثم تحولت الى رفاهيه لا يستطيعها من يطارد الخبز كل يوم اشد لحظات طفولتي سوادا كانت تلك التي يختلط فيها الجوع بالدم في ليله من الليالي عاد ابي اكثر سكرا من المعتاد لم يجد في البيت ما يكفي لشرابه وطعامه فبدا يصرخ كالوحش اخي الصغير ذاك الكائن الضعيف الذي كان يظن ان الاب هو حائط العالم حاول ان يدافع عن امي بصرخه طفوليه التفت اليه ابي وفي عينيه شيء ليس من عيني البشر ومد يده نحوه بضربه واحده ضربه لو نزلت على حائط لهدمته بعدها بدقائق كانت الارض تحمل جسدا صغيرا لا يتحرك مات كما تموت قطه دهستها سياره بلا مراسم بلا عزاء بلا سؤال لماذا دفناه في عجل وبقي صراخه الاخير عالقا في اذنيه منذ تلك الليله فهمت ان الاب الذي يجرؤ على قتل طفله مره لن يتردد في قتل ما تبقى فيك من ثقه بالعالم الف مره امي صارت ظلا بعد ذلك تمشي في البيت كانها تعتذر عن كل شيء عن وجودها عن اطفالها الباقين عن الهواء الذي تتنفسه كانت تتجنب نظراتي كانها خجلت من انها لم تستطع ان تحمينا لا من الجوع ولا من الصوت ولا من الموت اشد ما يؤلم الفقير ليس ان يموت احد احبائه بل ان يموت وهو يعرف ان موته لن يغير غير شيئا وان الغدا سيمشي فوق جثته دون ان يلتفت شارع اخذ على عاتقه ان يكمل ما بداه البيت هناك تعلمت معنى ان يكون الجسد سلعه رايت كيف تتحول البنات الصغيرات الى طعم في فم المدينه وكيف يستدرج الصبيه الى الازقه الخلفيه مقابل قطعه نقديه او قطعه خبز كنت اراقب وجوههم بعد الصفقه مزيج من الخجل واللذه والاشمئزاز والضحك المتكسر لم اكن افهم كل ما يحدث لكني كنت ارى شيئا واحدا بوضوح في هذا العالم كل شيء يمكن بيعه حتى الطفوله وفي الميناء حيث البحر يبتلع السفن ويعيدها فارغه من الامل تعلمت لغه اخرى لغه الشم بلغات العالم البحاره من كل مكان يلقون الينا بقايا كلامهم كما يلقون بقايا طعامهم كان علينا ان نفهمهم ليس احتراما لهم بل احتراما للمعده التي تطلب النصيب من خبزهم هكذا صرت افهم بعض الاسبانيه وبعض الفرنسيه لكنني لم اكن املك لغه واحده اشتكي بها حقيقته ما اعيشه الكلمات كثيره والعداله صامته وذات يوم وانا في السوق اجر عربه اثقل من جسدي شعرت فجاه بانني لست انسانا بل حيوان جره كنت اتنفس بصعوبه وعرق الخوف يمتزج بعرق التعب حين توقف رجل امامي حدق في وجهي طويلا ثم قال ببرود هذا الولد سينتهي لصا او قوادا او ميتا في الزنزانه قالها وانصرف كانه يعلن نتيجه امتحان لا علاقه لي باعداده تعلقت الكلمه براسي لص سجين ميت لم يقل احد يوما كاتب لم يخطر لهم ان هذا الحافي الذي يجر العربات يحمل في داخله حكايه لو كتبت لادانت مدينه كامله كنت اعود الى البيت بعد تلك التنبؤات وانا اشعر ان مستقبلي مكتوب بسخام على جدار رطب لا يمكن مسحه هل استسلم واصير ما يقولون ام اقاوم وباي سلاح ليس عندي سوى عناد الجائع هذا العناد الذي يجعلني اتمسك بالحياه لا حبا بل رغبه في ان ارى الى اي حد يمكنها ان تنحط اكثر في الليالي التي يغيب فيها ابي عن البيت كانت امي تقربني منها اكثر تحكي لي بصوت خافت عن عوائل اخرى عن اطفال ياكلون في اطباق نظيفه عن اباء يعملون نهارا ويعودون ليلا يحملون الفاكهه بدل العص كنت استمع اليها كمن يستمع الى حكايات الخيال حين تنتهي اسالها واين نحن من كل هذا فتسكت الصمت كان جوابها الوحيد الممكن اي جواب اخر سيكون كذبه ونحن عند ذلك الحد من الفقر لم نعد نملك ترف الكذب حتى على انفسنا شيئا فشيئا بدات اكتشف سلاحا صغيرا لا يراه احد مراقبتي لكل شيء وتخزينه في راسي كنت ارى المشهد واعلقه في داخلي كصوره ضرب ابي دموع امي جثه اخي سوق السمك اجساد الاطفال في الازقه صراخ البحاره ضحكه السياح عيون الشرطي على الزاويه لم اكن اعرف ان هذا التراكم هو بدايه الكتابه كنت اظن انه مجرد مرض يجعلني اتذكر الالم اكثر مما ينبغي لكن من قال ان الكتابه شيء اخر غير مرض جميل نحول به ما يقتلنا الى جمل تقتل صمت الاخرين عند عتبه المراهقه لم اعد ذلك الطفل الذي يكتفي بان يضرب ويصمت بدات اتحرك في الهامش الذي يتركه لنا النظام القاسي للحياه اتهرب من العمل احيانا اسرق نظره الى صدر امراه في السوق اجرب دون ان افهم معنى التجربه اقاوم ابي بنظره اطول قليلا مما يسمح به الخوف كان العالم يتحول حولي بسرعه وانا احاول ان اكتشف دوري في هذه المسرحيه القذره هل اكون ضحيه حتى النهايه ام اتحول الى جلاد بدوري ام ابحث عن شيء ثالث شيء اصعب ان ابقى واعيا وانا اتارجح بين الاثنين هذا ما ستكشفه السنوات التاليه من حياتي سنوات سيختلط فيها الخبز بالدم والجسد بالحبر والزنازين بالكلمات لكن قبل ان اصل الى هناك كان علي انزل الى قاع اكثر فالذي يريد ان يكتب الخبز الحافي لا يكفي ان يجوع عليه ان يلعق الارض بلسانه ليتاكد ان لا شيء تحتها غير الفراغ كنت اظن انني وصلت القاع لكن القاع في مدينه مثل طنجه ليس مكانا بل مصعدا لا يتوقف عن الهبوط كبر جسدي قبل ان تكبر روحي صوتي خشن عظامي صارت اكثر صلابه لكن في الداخل ظل ذلك الطفل يختبئ في الزاويه نفسها خائف يعض على جوعه يراقب شارع لم يعد مكانا اهرب اليه من البيت صار هو البيت الحقيقي في الازقه تعرفت على وجوه اخرى تشبهني اولاد طردوا من المدارس رجال صغار يبيعون السج يسرقون الفاكهه ينامون حيث ما وجدوا ظل باب شارع لا يعطيك صداقات بل تحالفات بائسه ضد الجوع كنا نلتقي في الليل كعصابه جائعه تبحث عن اي شيء بقايا خبز فرصه سرقه لحظه لذه سريعه تنسينا اننا لسنا سوى قمامه بشريه شيئا فشيئا صار جسدي نفسه جزءا من هذه السوق نظرات الرجال في الازقه الخلفيه لم تكن تحتاج الى ترجمه كنت افهم ان الجوع لا يلتهم المعده فقط بل يلتهم الحدود ايضا حدود الكرامه وحدود الجسد وحدود ما نظن اننا لن نقبله ابدا ثم نقبله لا احتاج ان اشرح لك التفاصيل يكفي ان اقول انني تعلمت مبكرا ان الاجساد يمكن ان تؤجر مثل العربات وهناك انواع من الجوع لا تسكت الا بهذه الصفقات القذره بعد كل مره كنت اخرج الى الشارع واشعر انني تركت جزءا من طفولتي في غرفه ضيقه ذات رائحه خانقه اتمشى كان شيئا لم يحدث واسمع ضحكات رفاقي لكني اعرف ان شيئا في داخلي يتعفن ببطء في النهار اعمل في الليل اعمل وبينهما لا يبقى مكان للنوم الا على عتبات الحانات الحانه كانت جامعه من نوع اخر هناك ترى رجالا من كل الطبقات يخلعون اقنعتهم في الكاس الاولى كنت اراقبهم هذا موظف انيق ينسى ربطه عنقه على الطاوله وهذا شرطي يعرفون وجهه في القسم وهذا مثقف يتكلم عن الحريه وهو يبحث عن صبي رخيص يشتري صمته بثمن كاس في تلك الليالي فهمت ان الاخلاق لا تموت في الكتب بل في الحانات الخمر دخل حياتي دون استئذان في البدايه رشفه من كاس صديق ضحكه دفء مفاجئ في الجسد ثم ارتباك ثم نوم ثقيل على رصيف شيئا فشيئا صرت ابحث عن هذه الرشفه كما ابحث عن الخبز الخمر لا تشبع المعده لكنها تخدرها تجعلها تنسى انها فارغه ومع كل كاس كنت ازداد جراه على التدهور سرقات صغيره شجارات هروب من الشرطه في الازقه الضيقه كذب على امي ودموعها التي لم تعد تملك حتى الحق في ان تعاتب ابي كان يغيب اكثر مما يحضر حين يعود يعود ككارثه جويه يدخل البيت كعاصفه يشتم يبحث عن المال يفتش ثيابنا يهدد في احدى الليالي حاول ان يمد يده على جسدي كما يفعل دائما فقابلته نظره مختلفه نظره لم تعد نظره طفل عندها ادرك ان الصبي الذي يضربه منذ سنوات لم يعد هناك كنت اعرف ان الليله التي ارفع فيها يدي في وجهه لن تبقي بيننا شيئا لكن الطريق الى هذه الليله لم يكن بعيدا قبل ان اصل اليها سبقتني الشرطه سرقه فاشله سوء حظ عيون رات اقدام لم تستطع ان تهرب بالسرعه الكافيه وفجاه وجدت نفسي في قسم الشرطه محاطا بوجوه لم ارى فيها يوما اي رحمه كانوا يعاملوننا كما لو اننا انجاس كائنات خلقت لتضرب لتهان لترمى في الزنازين كي يرتاح المجتمع من رائحتها في الزنزانه الاولى في حياتي تعلمت درسا لن انساه ان الحريه لا تعرف قيمتها حين نفعل ما نريد بل حين يغلق الباب في وجهك لاول مره وينتزع حقك في الهواء الزنازين ليست كلها متشابهه بعضها يختنق بالجث الحيه وبعضها يختنق بالافكار هناك التقيت باشكال من البشر لم ارها في الشارع لصوص محترفون قتله مجانين سياسيون صغار وضحايا وقعوا في المكان الخطا في الوقت الخطا كل واحد يحمل قصته كجرح مفتوح يحاول ان يستعملها درعا او سلاحا كنت اصمت اراقب واخزن من جديد في ليله طويله وانا على ارض الزنزانه البارده احسست ان حياتي تسير في خط واضح طفل طفل جائع مراهق يستخدم جسده شاب يتقلب بين الحانات والزنازين خط اذا استمر قليلا سيصل بي الى قبر بلسم او الى حبل حول عنق الى زنزانه اوسع قليلا تسمى مستشفى الامراض العقليه فكرت هل هذا كل شيء هل خلقت فقط لاكون دليلا جديدا على قسوه هذا العالم في الزنزانه ذاتها كان هناك رجل مختلف عن الباقين لم يكن اهداهم ولا اصلبهم لكن عينيه كانتا تحملان شيئا لا اعرفه نوعا من الغياب الحاضر كانه يعيش في مكان اخر ونحن لا نراه كان يمسك ورقه مهترئه ويقضي الليل في النظر اليها يحرك شفتيه دون صوت ثم يرفع راسه كمن يعود من سفر بعيد سالته ذات مره ماذا تفعل؟ قال اقرا الكلمه سقطت في اذني غريبه كانها اسم مرض لم اكن اعرف من القراءه الا كتاب القران الذي مر بي مرور الضيف قلت له وما نفع القراءه هنا ابتسم ابتسامه لا تشبه ابتسامات السخر خريه في الشارع وقال القراءه هي المكان الوحيد الذي لا يستطيع السجان اغلاقه تلك الليله لم انم ظلت جمله الرجل تحوم فوق راسي اي مكان هذا الذي لا يستطيعون سحبه منك انا اعتدت ان يسحب مني كل شيء الطفوله الجسد الحريه حتى اخي الصغير سحبوه من حضن امي بضربه واحده اذا كان هناك شيء لا يستطيعون اخذه فهذا يعني ان هناك نوعا اخر من الخبز خبز لا يؤكل بالفم في الايام التاليه بدات اتقرب من الرجل اكثر طلبت منه ان يعلمني الحروف ضحك في البدايه ظن انها مزحه ثم راى الاصرار في عيني جلسنا قرب الجدار دار اخذ عودا متسوسا وراح يرسم على الارض حروفا بسيطه كان يكتب وانا اكرر خلفه كطفل متاخر الف باء تاء كنت اشعر بالخجل من نفسي لكن الفضول كان اقوى من الخجل حرف بعد حرف بدات تتشكل امامي اشكال غريبه كانها مفاتيح صغيره قال لي اذا تعلمت هذه المفاتيح لن تبقى الابواب نفسها هي التي تغلق في وجهك ما زلت اذكر اللحظه التي هجوت فيها اول كلمه كانت كلمه بسيطه من ثلاث حروف لا تحمل في ظاهرها اي حكمه لكنها بالنسبه الي كانت مثل اول كاس ماء بعد عطش طويل حروف ميته تتحول الى صوت في فمي والصوت يتحول الى معنى والمعنى يفتح بابا لا يرى شعرت بارتجاف داخلي كان التاريخ بدا بالنسبه الي تلك الساعه وما قبلها لم يكن سوى مقدمه طويله للبؤس خرجت من السجن بعد فتره لكن السجن لم يخرج مني بسهوله باب الزنزانه بقي مغلقا في راسي والهواء الذي تنفسته في الحريه لم يكن مختلفا كثيرا ما دمت امشي حافيا وراء الخبز فانا في سجن اخر مع ذلك هذه المره كنت املك شيئا جديدا حفنه حروف في راسي لم تعد الشوارع تكتب فقط باسماء الحانات صار بامكاني ان اقراها لم تعد الجرائد مجرد اوراق نلف بها السمك صارت حقولا من الكلمات تحرضني كل لافته كل كلمه على الجدار كل كتاب اراه في يد احدهم كان يستفزني لماذا يعرفون ما لا اعرف لماذا يعيشون في طبقه اخرى من المعنى وانا محشور في طبقه البطن والجلد قررت ان اتعلم وحدي كما تعلم الشارع ان يجلدني دون معلم صرت ابحث عن الكتب كما كنت ابحث عن الخبز استعيرها اسرقها التقطها من القمامه كنت اقرا ببطء فاضح اتعثر اعود الى الحرف الاول لكنني مع كل صفحه اشعر انني استرد جزءا مما سرق مني الكلمات كانت قاسيه احيانا اجمل من حياتي بكثير فتزيدها قبحا لكنها في الوقت نفسه تقدم لي شيئا ثمنا القدره على تسميه جراحي من لا يملك الكلمات يعيش الامه كضباب خانق لا يعرف ملامحه اما حين تبدا في تسميه ما يحدث لك يصبح الالم نفسه اكثر وضوحا وربما اكثر احتمالا في تلك الفتره حدث الصدام الاخير مع ابي عاد ذات ليل سكران كعادته بدا يتهمني بانني اضيع الوقت في الورق وان القراءه لن تطعمني خبزا كانت في يده عصاه القديمه وفي عينيه نفس النظره التي سبقت موت اخي لاول مره لم اتحرك وقفت امامه في يدي كتاب مهترئ وفي صدري شيء لم اعرف اسمه وقتها مزيج من غضب عتيق واراده جديده قال لي ارمي هذا الهراء واذهب غدا الى السوق مثل الرجال اجبته بهدوء عجيب لم اعهده في نفسي سانزل الى السوق حين اريد انا ولن ارمي هذا ثم رفعت الكتاب امام وجهه كمن يرفع سلاحا للحظه ظننت انه سيقتلني رايت يده ترتفع بالعصا ثم تتردد ربما راى في عيني شيئا لم يره من قبل لم اكن ابنه الذي يضربه منذ سنوات بل رجلا لم يعد يقبل ان يدار بالعصا اطلق شتيمه ثقيله رمى العصاء في الزاويه وخرج كانت تلك اخر معركه حقيقيه بيننا لم انقذ حياتي فقط بل انقذت الكتب التي في يدي والكتب التي ستاتي بعدها من هنا بدا مسار جديد نهار في الشارع يعيد انتاج البؤس القديم وليال طويله مع الكتب كنت اقرا لكتاب لا اعرف كيف تنطق اسماؤهم واحفظ جملا افهمها تماما لكني اشعر انها تخصني شيئا فشيئا بدات اشعر برغبه مجنونه ان اكتب انا ايضا انا الذي لم املك دفترا في المدرسه كيف اجرؤ على الحبر لكن السؤال كان اقوى من الخوف اذا كان هؤلاء يكتبون عن بؤسهم وحروبهم وقلقهم فمن يكتب عن اجسادنا الحافيه في طنجه من يكتب عن الطفل الذي مات تحت يد ابيه عن الصبيه الذين يبيعون لحمهم من اجل رغيف عن الزنازين التي تغلق في وجه الفقراء وتفتح للاغنياء مثل غرف فندق امسكت في ليله بورقه وقلم وبدات ارسم جمله اولى كانت جمله متعثره قبيحه مشوهه لكنها جمله لي شعرت انني اخون الصمت الذي ربيته في داخلي لسنوات تبعتها جمله ثانيه وثالثه ومع كل جمله كنت استعيد مشهدا من حياتي اخرجه من ظلام الذاكره الى نور الصفحه هكذا ولد هذا الذي تسمونه اليوم الخبز الحافي ليس كتابا ادبيا بل محضر ادانه شهاده على زمن كان فيه الطفل يتدرب على الجريمه قبل ان يتعلم الابجديه وانت الان وانت تسمع هذا التلخيص تظن انك بعيد تقول في سرك جميل هذا الادب الفض لكنه حكايه زمن اخر لا تخدع نفسك كثيرا كل مره تسير فيها في شارع وتغض بصرك عن طفل ينام عند باب متجر كل مره تضحك فيها على متشرد سكران كل مره تقول فيها هؤلاء اختاروا هذا الطريق تضع لبنه جديده في السجن الذي خرجت منه لاكتب نعم انا شكري كتبت ما كتبت لاخلص نفسي لكني اعرف ان نجاتي ناقصه ما دام هناك اطفال اخرون يجرون عربات لا تحمل سوى مستقبلهم المكسور انا لم اكتب لاستدر شفقتك اكتب لاجرح فيك ذلك الجزء المريح الذي يظن ان الحياه عادله بما يكفي اكتب لاقول لك ولك يا متابعي تراجيديا ان الانسان يمكن ان يدفن حيا في الجوع والمهانه ثم ينهض من تحت التراب حاملا في يده كتابا لا يطلب من العالم الرحمه بل يطلب منه ان يعترف بجريمته هذا هو خبزي الاخير الصفحات التي تركتها خلفي بدل الارغفه التي لم استطع ان اشتريها في طفولتي ان اكلتها ببطء ان تركت كلماتها تجرحك قليلا ربما لن تغير العالم لكنها على الاقل ستمنعك من ان تنام مرتاحا تماما في عالم يواصل كل ليله انجاب اطفال حفاه مثل شكري ومثل شكري هذا الذي يكلمك الان لم يبقى له من كل ذلك الجحيم الا ان يمدد حياته على الطاوله كجثه مفتوحه ويقول لك تفضل يا من تسمون انفسكم اسوياء انظروا الى الداخل لا تسالوني انا وحدي لماذا صرت هكذا اسالوا المدرسه التي لفظتني قبل ان تعلمني والاب الذي ربته العصا قبل ان يربينا والشارع الذي ياكل الاطفال ثم يتقياهم مجرمين والجوع الذي صاغ لغتي قبل ان تلمسها الكتب انا قمت بنصيبي اعترفت وكتبت الخبز كما اكلته مغموسا في الطين والدم والمهانه من هنا اصمت انا محمد شكري ويظهر صوت اخر تعود ان يحفر في العتمه تراجيديا اللعين هو الذي سيتولى الان تشريح هذه الحياه سيحلل ويربط بين جوعي وجوع هذا العالم بين طين حارتي وخرائطكم انتم ليفهم معكم لا من انا فقط بل ماذا يقول الخبز الحافي عنكم انتم قبل ان يقول عني حسنا عزيزي شكري اذا كنت قد فرغت من الاعتراف فدوري الان ان اضع هذه الحياه على طاوله بارده لا لافرج على الدم بل لارى باي منطق يصنع انسان مثلك ثم يحاكم اخلاقيا كما لو انه وحده صاحب الجريمه اول ما يفرضه الخبز الحافي علينا ان نتخلى عن الكسل الاخلاقي اسهل طريقه لقراءه هذا العمل ان نقول طفوله شاذه اب سادي ابن انحرف وهذا كل شيء لكنها هذا النوع من القراءه لا يختلف عن نظره الشرطي الذي يقبض على اللص في الزقاق ويتناسى النظام الذي دفعه الى السرقه النص يرفض ان يكون مجرد سيره شخصيه كل مشهد فيه معلق بين فرد مكسور وبنيه كامله تتحرك فوقه العائله هنا ليست نواه حميميه بل اول شكل للسلطه الاب ليس استثناء هو الوجه العاري لعنف اجتماعي واقتصادي وسياسي اكبر عندما يعود مخورا مفلسا مهزوما فلا يجد امامه الا جسد الزوجه والطفل لينتقم فيه فنحن لا نرى وحشا فقط بل نرى كيف تعاد كتابه الهزيمه العامه على اجساد الضعافاء الضربه التي تقتل اخا شكري ليست مجرد انفعال فردي هي ترجمه منزليه لما تفعله الدوله في حي كامل حين تحاصره بالفقر او لما يفعله الاستعمار حين يحول مدينه باكملها الى مرفق لخدمه الغرباء هنا تتسرب السياسه من تحت عتبه البيت طنجه في زمن الخبز الحافي ليست مجرد مدينه ساحليه هي فضاء شبه استعماري منطقه حره مدينه مفتوحه لعملات العالم ولهجات العالم واجساد العالم ايضا السوق الميناء الحانات الازقه الخلفيه كلها محكومه بميزان قوى لا يظهر في الخطب الوطنيه اوروبي يشرب وسائح يشتري وموظف محلي يقتات على الفتات وطفل حافي القدمين يجري في الظل ليحمل وينظف ويقدم جسده عند اللزوم. الروايه لا تخطب في السياسه لكنها تري جسدا صغيرا يتلقى اثارها. هذا الجسد نفسه يصبح وثيقه شكري لا يقدم جسده كموضوع للحياء بل كارشيف. اثار الضرب الجوع. الاستغلال الجنسي النوم على الارصفه الانتشاء الرخيص في الحانات من زاويه الفن هذا خرق مباشر للياقه الادبيه العربيه التي تعودت تلميع البؤس او تغليفه بالاستعاره من زاويه الفكر هو رفضهوت يطالب الفقراء بستر جراحهم حفاظا على الاخلاق العامه هنا تتقاطع السيره مع نوع من اللاهوت المقلوب بدل ان تكون الخطيئه في اللذه تصبح الخطيئه الحقيقيه في التجاهل في عالم يكرر للفقراء اصبروا هذا قدركم يتقدم الخبز الحافي ليقول القدر ليس ما يحدث لنا فقط بل ايضا صمت من يراه ولا يغيره ان وضع مشاهد الاستغلال والاعتداء والسكر والسرقه عاريه على الصفحه هو في عمقه فعل احتجاج ضد اي تدين لا يجرؤ ان يضع اصبعه على بنيه الظلم فيكتفي بترقيعها بخطاب الصبر في هذا السياق تختلف تجربه شكري عن سير فقيره اخرى مثل طفوله لماكسيم جوركي عند جوركي الفقر قاس لكن داخله بذره ثوريه احساس بان التاريخ يمكن ان ينقلب عند شكري لا افق سياسي هنا لا حزب لا حركه منظمه لا وعد بتغيير جماعي الطفل الذي يجر العربات في طنجه لا ينتهي الى اجتماع سري بل الى زنزانه او سرير في غرفه رخيصه الا ان هذا الياس السياسي الظاهر يخفي بذ ذره اخرى تحويل الذات نفسها الى ساحه مواجهه والكتابه الى الفعل الوحيد الممكن من هنا تاتي اللحظه المفصليه في الزنزانه حين يلتقي شكري بسجين يقرا هذا اللقاء في عمقه حدث لاهوتي في الروايات الروحيه الكلاسيكيه يكون التحول عبر شيخ او قديس او رؤيه هنا المخلص رجل منسي يحمل ورقه. الحروف التي يرسمها على الارض ليست مجرد ادوات هي اسرار جديده ابجديه نجاه. في تلك اللحظه بالتحديد تستبدل الصلاه التقليديه. يا رب انقذني بدعاء من نوع اخر. علمني ان اقرا كي استطيع ان اشرح جحيمي بكلمات انا لا بكلمات من يبررونه هذه النقله من براءه التلقي الى فعاليه الكتابه هي قلب الروايه الطفل الذي كان موضوعا للقهر يتحول شيئا فشيئا الى ذات قادره على الشهاده اذا استعرنا لغه اللاهوت نستطيع القول ان الخبز الحافي هو نوع من الاعتراف لكن عند باب اخر اعتراف لا يبحث عن الغفران بل عن الحقيقه الكاثوليكي يدخل القبو ليقول للكاهن خطاياي كذا وكذا فيقال له مغفوره شكري يدخل صفحه الكتاب ليقول للعالم خطاياكم انتم هذه ويترك الجمله مفتوحه بلا مغفره على مستوى السياسه هذا مزعج لان الدوله اي دوله تحب الحكايات التي تنتهي بالتوبه الفرديه شاب ضل الطريق ثم عاد الى الصراط فتاه اخطات ثم استقامت الخبز الحافي يرفض هذه الحبكه لا يقدم شكري كضحيه نادمه بل كمدع عام ضد نظام اجتماعي كامل كل مره نريد ان نختزل الروايه في عباره طفوله صعبه انتجت سلوكا منحرفا نكون بصدد تبرئه كل الوسائط الاخرى المدرسه المسجد الشرطه السوق كلها تتحول الى ديكور وكانها لم تشارك في الجريمه من هنا يتسرب البعد السياسي العميق للنص دون شعارات عندما يقف شكري في القسم امام الشرطه لا يقلد خطابا ثوريا الواقع اقسى من ان يتسع للشعارات لكن مجرد وصف مشهد الاعتقال طريقه النظر الى الجسد الضرب كاجراء روتيني الزنزانه كطريق عادي يجعل من الروايه وثيقه عن نظام يرى في الفقر خطرا امنيا اكثر مما يراه سؤالا اخلاقيا يمكن هنا ان نستدعي ولو في الخلفيه قراءات فانون حول كيف يعيد الاستعمار انتاج العنف داخل المجتمع المستعمر الرجل الذي يهان من السلطه يفرغ اهانته في جسد المراه او الطفل وهكذا يتحول العنف السياسي الى عنف عائلي تبدو جذوره شخصيه بينما هو في الحقيقه بنيوي لكن قوه الخبز الحافي ليست فيما يقول عن السياسه فقط بل في الطريقه الفنيه التي يقال بها هذا كله اللغه عند شكري ليست فصحى انيقه ملساء هي فصحى مشروخه تتسرب اليها العاميه والسب والكلمات الاجنبيه هذا الاختلاط اللغوي ليس ضعفا هو مراه لواقع متعدد الطبقات طفل امازيغي في الاصل عربي في المدرسه مبحوح بالاسبانيه في الميناء يلتقط الفرانكوفونيه من لافتات المدينه ثم يطلب منه في النهايه ان يكتب بلغه عربيه عاليه النتيجه نص هجين لكن هذه الهجنه هي جوهره كما لو ان اللغه نفسها حافيه تجر كلماتها على الاسفلت دون حذاء نحوي كامل من زاويه الفن يمكن وضع الخبز الحافي جنب نصوص جانيه كلاهما يكتب من الهامش من السرقه من الزنزانه من الجسد المستباح لكن الفارق جوهري جينيه يشتغل على تحويل القبح الى جمال جمالي بارد الى نوع من اسطره الجريمه شكري يبقي القبح قبحا لا يزين الاوساخ لا يحول اللصوصيه الى بطوله ولا يجمل الاستغلال باسم اللذه هناك مسافه اخلاقيه واضحه حتى حين يشارك في القذاره يحكيها كما هي لا كاستعراض جمالي بل كتشريح ضروري فهنا نصل الى نخاع المساله اللاهوتيه الاخلاقيه في النص من المذنب الخطاب الديني التقليدي سيقف عند واحد من مستويين اما ان يدين شكري بوصفه فاسقا اختار طريقه واما ان يمد له شفقه من عل فيراه مسكينا ضحيه ظروف قاسيه الروايه ترفض هذين الموقفين معا هي لا تبرئه ولا تحوله الى قديس للفقر هو يكذب يسرق يشارك في استغلال مقابل الخبز النص لا يضع هاله فوق راسه لكن في الوقت نفسه هو لا يقطع العلاقه بين هذه الافعال وبين السياق الحاضن لها كان الخبز الحافي يدفعنا الى اخلاق اصعب من اخلاق الوعظ ان نقول ان الانسان مسؤول عن افعاله لكن المجتمع مسؤول عن الاشكال التي يتخذها الخراب ان نفهم ان طفلا يضرب منذ سنينه الاولى يرى اخاه يموت امام عينيه يعمل قبل ان يعرف معنى اللعب يدفع الى جسده قبل ان يعرف معنى الرغبه لا يمكن ان نحاكمه بنفس المعيار الذي نحاكم به من تربى في سلام نسبي ثم اختار الانحراف تسليه او مللا في هذا المستوى يصبح النص ايضا حوارا خفيا مع تراث ادبي عربي اكثر نعومه قارن مثلا بين طفوله شكري كما يرويها وطفوله طه حسين في الايام كلاهما فقير كلاهما في قريه كلاهما يعاني لكن الفقر عند طه حسين مفلتر عبر لغه ازهريه مهذبه كنا صبيانا نله ونمرح الشيخ الذي يخطئ في القران ام حنون اب محدود لكن ليس ساديا وقراءه القران بوصفها نافذه في الخبز الحافي لا توجد رومانسيه للقريه ولا تقديس تلقائي للعلم ولا سلطه للازهر هناك فقط جسد طفل مخدوش ومدينه تلتهمه وكلمه خبز تنقلب مرارا من نعمه الى اداه ابتزاز هكذا بطريقه ملتويه يطرح النص سؤالاوتيا على الطبقه الوسطى اي رب هذا الذي يكون رحيما في كتب الفقه بينما لا يرى الطفل الذي ينام عند باب المسجد واي ادب هذا الذي يكتب عن الرساله الخالده لامه كامله ولا يمر ولو بجمله على طفل حافي القدمين في طنجه في الجزء الثاني من التحليل يمكن ان نذهب ابعد الى جماليات الفضيحه نفسها الى علاقه النص بالفن التشكيلي لو تخيلنا الخبز الحافي لوحه فانيتاس مغربيه الى مقارنته مع نصوص اخرى عن السيره والجسد والى سؤال اخير ماذا يعني ان يتحول هذا الجحيم الشخصي الى كتاب يدرس ويمنع ويصير هو نفسه خبزا رمزيا لقراء يحاولون ان يفهموا انفسهم من خلاله اذا كان الخبز الحافي في ظاهره اعترافا فرديا فهو في جوهره فضيحه منظمه ضد ثلاثه اديان صغيره نحتمي بها من رؤيه الحقيقه دين الاخلاق المريحه دين الدوله ودين الادب المهذب الروايه لا تهاجم هذه الاديان بشعارات بل تفككها من الداخل الاخلاق التي تربت عليها الطبقه المتدينه المحترمه تقول الطفل الذي يشرب الذي يسرق الذي يبيع جسده منحرف شكري يمد لنا طفولته كجثه مفتوحه ويقول حسنا تعالوا نبحث معا الانحراف حقا عند اول كاس اول سرقه ام عند اول صفعه ام عند جثه اخيه الصغير المسجى على الارض تحت يد الاب ام عند اول مره اغلق باب المدرسه في وجهه لان الفقر لا يملك حق التعليم طويلا من هنا يصبح السؤال الاخلاقي معقدا بشكل مؤلم النص لا يبرئ شكري ليس شهيدا ولا قديسا هو يشارك في القذاره يلتذ احيانا يجر الاخرين الى المستنقع كي ينجو هو لكن الروايه ترفض ان تختزل المساله في هذا المستوى ان ترى النتيجه وتغمض عينيك عن المعادله التي انتجتها كان شكري وهو يشق طبقات السرد يقول للقارئ المتدين او المتحضر او السوي لا تملك طرف ان تدينني من فوق لان الحياه التي عشتها هي الوجه الاخر غير المرئي للحياه التي تعيشها انت في هذا المعنى الخبز الحافي يشبه مراه مقلوبه لما نراه في ادب برجوازي ناعم عند نجيب محفوظ مثلا في زقاق المدق او بدايه ونهايه هناك فقر انحراف سقوط لكن السرد يظل محتفظا بخيط اخلاقي واضح هناك خط يتجاوز ومن يتجاوزه يعاقب عند شكري الخط نفسه غير مرسوم العالم كله متصدع ومن البدايه لا توجد ارض صلبه يقف عليها الطفل كي يختار الفضيله لذلك فقراءه الخبز الحافي بنفس منطق هذه الروايات تبخسه حقه هو ليس نسخه مغربيه من حي شعبي في روايه تقليديه بل نقله جذريه في مكان الوقوف المتهم الوحيد هنا ليس الشخص بل البنيه من زاويه الفن الروايه تتقاطع مع ادب الصالونات الذي يحب ترتيب الجمل كما ترتب الارائك في غرفه الضيوف اللغه عند شكري ليست ممهده للقراء هي نفسها حافيه تلهث تتعثر تصرخ هذا ليس ضعفا اسلوبيا كما يتعجل البعض بل انسجام بين الشكل والمضمون كيف تتوقع من طفل ينام في الميناء يسرق في السوق يضرب في البيت ان يعبر عن نفسه بلغه مخمليه مطمئنه نجد هنا ما يشبه ما فعله سيلين في رحله الى اخر الليل او بوكوفيسكي في نصوصه اللغه نفسها تتحول الى سلاح ضد ذائقه وسطى تحب الجمال المريح لكن الفرق الحاسم ان هؤلاء يكتبون من قلب حضاره شبعه في حين يكتب شكري من هامش مستعمر لا يملك حتى ترف الكراهيه النقيه كراهيته مشوشه بالجوع بالخوف من الشرطه بالحاجه الى اللقمه في خلفيه النص يلوح ايضا ظل دستويفسكي لكن بصوره مقلوبه ذكريات من بيت الاموات او رسائل من تحت الارض تقدم لنا رجلا مسحوقا يجرب ان يحول قذارته الى خطاب فلسفي كثيف لكن البنيه الثقافيه التي تعمل فيها هذه النصوص مختلفه هناك تقليد عميق من الاعتراف من الجدل اللاهوتي من القراءه عند شكري الفلسفه لا تاتي من الكتب تاتي من البطن كل نظريه في حياته مشدوده الى سؤال واحد كيف اعيش اليوم حتى لا اموت الليله ومع ذلك وبين السطور يتشكل موقف وجودي حاد العالم غير عادل لا يوجد ضمان اخلاقي في اي مكان لا في الاسره ولا في المدرسه ولا في الدوله ولا حتى في المسجد الاله كما يقدم للفقراء صامت ازاء هذا الجحيم امام هذا الصمت البشر يتوزعون بين ثلاثه انواع من يبرر يقول للفقراء اصبروا لكم الجنه من يستثمر يحول الجوع الى سوق للاجساد للسرقه للعمل الرخيص ومن يصرخ ولا يملك سلاحا سوى الورقه النوع الثالث هو الذي ينتج ادبا مثل الخبز الحافي هنا يمكن ربط النص بما يسمى في الفكر الديني الحديث لاهوت التحرير في امريكا اللاتينيه لاهوت يرفض ان يكون الدين افيونا يسكن الالم ويطلب ان يصير سلاحا لتسميه الظلم ومقاومته. شكري لا يشتغل في اطار كنسي منظم لكن فعله قريب من هذه الروح. يجرد الخطاب الاخلاقي والسياسي من براءته المزعومه ويعيد وضع المسؤوليه حيث يجب ان تكون. لا يعود السؤال لماذا اصبح هذا الطفل مجرما بل كيف سمحنا كجماعه كمجتمع كدوله كمتدينين ان يدفع طفل الى هذا المسار ثم نحاكمه وحده من هنا يصبح واضحا لماذا اثيرت كل تلك المعارك حول الكتاب المنع المصادره الاتهامات بالفحش ما يزعج في الخبز الحافي ليس القذاره في حد ذاتها الشارع مليء بما هو افضع المزعج هو ان تنقل هذه القذاره من الظل الى الصفحه من الهامش الى الادب الرقابه سواء كانت دينيه او سياسيه او اخلاقيه لا تحمي المجتمع من الفساد بل تحمي صورته عن نفسه روايه بهذا المعنى تشبه لوحه فانيتاس حديثه بدل الجمجمه والسعه الرمليه والشمعه المنطفئه لدينا طفل يجر عربه اب ثمل شرطي بارد زنزانه وحرف يكتب في الظلام اللوحه ليست جميله لكنها صادقه والفن هنا يعود الى اصله الاول ان يكون مراه قاسيه لا لوحه تزيين فوق سرير وثير في مستوى اخر الخبز الحافي هو ايضا اعاده كتابه لسيره المثقف في العالم العربي النموذج الكلاسيكي يقول ابن اسره متواضعه متدينه يدرس يشق طريقه بالعلم يواجه بعض الصعاب ثم يصير كاتبا او استاذا جامعيا في هذه السرديه المعرفه هي امتداد طبيعي للفضيله عند شكري المعرفه تنبت من العفن من السجن من الحانه من الشارع من جسد تعرض لكل انواع الانتهاك هذا الانقلاب في مسار المثقف مخيف لانه يسحب الشرعيه من الطبقه التي اعتادت ان تحتكر الكلام باسم الاخلاق والمعرفه فجاه رجل جاء من الهوامش لم يدخل الجامعه لا يملك سيروره احترام كلاسيكيه يفرض نفسه بوصفه شاهدا كونيا يتكلم عن الفقر كما قله تجرات ان تفعل هنا تلتقي الروايه مع نصوص اخرى لكتاب خرجوا من القاع كافكا قلعه البيروقراطيه يكتب من قلب جهاز الدوله لكنه ابن اسره مستقره سارا ماجو يكتب عن العمى لكننا لا نراه ينام على الرصيف شكري في المقابل يكتب من مستوى اخفض لا يستعير جحيمه بل عاشه في هذه النقطه تحديدا يمكن فهم العلاقه الملتبسه بين الخبز الحافي والقارئ كثيرون يقراونه في البدايه بدافع الفضول لنرى قصص الجنس الحانات الانحراف ثم ينتهون الى شعور اخر اكثر ثقلا ان هذا الكتاب اذا اخذناه بجد لا يسمح لنا ان نعود نظيفين الى انفسنا اما ان ننكره ونستريح بوصفه اباحيا او تشويهيا للمجتمع واما ان نعترف بان هذا المجتمع الذي ندافع عنه هو نفسه الذي انتج طفوله مثل طفوله شكري هنا ياتي دور تراجيديا في القراءه ان يرفض كلا الموقفين السهلين الادانه الاخلاقيه او التعاطف السطحي وان يضع النص حيث يجب ان يوضع في قلب نقاشنا عن الاله والعداله والفن والسياسه فالاله الذي لا مكان للفقراء في خطابه ليس الها بل تبريرا والعداله التي لا تبدا من جسد الطفل ليست قانونا بل ديكورا والفن الذي يخجل من الوحل لا يستحق ان يتكلم باسم الانسان والسياسه التي تحاسب الفقير على جريمته ولا تحاسب نفسها على صنعها ليست اداره للدوله بل اداره لمصنع اعاده انتاج البؤس في النهايه الخبز الحافي ليس كتابا عن الماضي فحسب هو اختبار حاضر لكل من يقراه لا يسالك هل اعجبك الاسلوب بل الى اي حد انت متواطئ بصمتك او بطمانينتك او بخوفك في صناعه امثال محمد شكري اليوم الى اي حد يحتاج مجتمعك ان يظل هذا النوع من القصص محجوبا كي يحافظ على صورته المستقيمه عن نفسه. ربما لهذا بالذات يبقى هذا العمل حيا مهما تقدمت السنون لانه لا يسمح لنا ان نحيله الى كلاسيك مريح ولا الى فضيحه قديمه. انه يطالبنا في كل قراءه ان نقرر من جديد اي خبز نريد خبزا ناكله بافواه مطمئنه ونحن نخطو فوق الاقدام الحافيه ام خبزا مرا من هذا النوع يجرح الحلق وهو ينزل لكنه يجعلنا ولو للحظه نرى الانسان كاملا عاريا قبل ان نعيد تغطيته بكلماتنا الجميله هناك في مكان ما من طنجه القديمه وفي مدن اخرى من العالم ما زالت ظلال الاطفال الذين جروا العربات حتى موتهم تسير في الازقه الخبز الحافي ليس تعزيه لهم بل شهاده لصالحهم في محكمه لم تفتح بعد وكل قارئ يفرغ من الكتاب ويطفئ الضوء وينام مطمئنا كما لو ان الامر مجرد روايه يضيف بصمت توقيعا جديدا اسفل محضر الاتهام M
3:04
ملخص وجيز لرواية الخبز الحافي للكاتب المغربي محمد شكري
مكتبة العم عارف
1K مشاهدة · 3 months ago
6:16
فولفجانج بورشيرت الخبز
شفيق الزهر
20.7K مشاهدة · 8 years ago
4:51
رحلة من الفقر والجوع إلى الأمل تلخيص وتحليل رواية الخبز الحافي
Books world ♡
331 مشاهدة · 1 year ago
2:19
قصة رغيف الخبز من أين يأتي الرغيف
Marie-Therese Ata Dagher
24.7K مشاهدة · 5 years ago
24:34
ملخص رواية الخبز الحافي رحلة محمد شكري مع الفقر والمعاناة
ASAWAL أسوال
5K مشاهدة · 1 year ago
6:27
ساعة المطبخ فولفجانج بورشيرت
شفيق الزهر
2.5K مشاهدة · 5 years ago
3:07
كيف يصنع الخبز قصة سنبولة من الحقل إلى الماذدة
Nour Alb
1.8K مشاهدة · 7 months ago
16:30
تلخيص قصة خبز الفداء المتوقعة امتحان 2018
JaLaL Ahmed
10.6K مشاهدة · 9 years ago
2:19
تلخيص قصة بائعة الخبز للكاتب و الروائي الفرنسي الشهير كزافييه دومونتبان
Kim Meryem🤍
1.6K مشاهدة · 5 years ago
5:54
ملخص رواية بائعة الخبز للكاتب الفرنسي كازفييه دي مونتبان
رسالة X كتاب
8.7K مشاهدة · 4 years ago
3:52
ملخص رواية بائعة الخبز
مكتبتي
9.9K مشاهدة · 4 years ago
0:19
عناصر القصة
الكفاية اللغوية و النحوية ( كفاية عدوي )
40.7K مشاهدة · 1 year ago
1:56
تلخيص قصة
شبكة لبيب التعليمية
85.3K مشاهدة · 3 years ago
2:08
درس قرص الخبز فيديو تم إنتاجه باستخدام الذكاء الاصطناعي من موقع hailuo
ميسون المحيسن
3.8K مشاهدة · 1 year ago
0:55
قصه الخبز
ديما ضاحكين
107 مشاهدة · 5 years ago
0:39
قصص قصيرة تعرف على تلخيص قصة بائعة الخبز روايات قصيره قصة بائعة الخبز
الموسوعة تيوب
10.8K مشاهدة · 9 years ago
1:06:18
مـحـاولـة عـيـش رواية لمحمد زفزاف كاتصور حياة الزلط والقهرة فالمجتمع المغربي