كتاب جنة الحيوان طه حسين كتب صوتية روايات مسموعة بصوت إسلام عادل

كتاب جنة الحيوان طه حسين كتب صوتية روايات مسموعة بصوت إسلام عادل

النص الكامل للفيديو

تستمعون الى كتاب جنه الحيوان تاليف طه حسين بصوت اسلام عادل الثعبان كان مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركه فصيح اللسان لا يكاد يجلس الى احد او يجلس اليه احد الا احس جلسه منه قلبا يضطرب تحمسا للاصلاح ونفسا توثب الى المثل العليا وعقلا لا يرى حوله الا شرا ولا يريد ان يطمئن او يستقر الا اذا ازيل هذا الشر ومحيت اثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذي يشمل كل انسان وكل شيء والذي يسبغ على كل ما يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئا ولكنه قوي ملح كانه الشمس لا يمنح الاشياء والاحباء جمالا وبهاء فحسب ولكنه يبعث فيها وفيهم حياه وخصبا وقوه ونشاطا وكان تحمسه للاصلاح وطموحه الى الخير ودعائه الى العدل يخرج به احيانا كثيرا عن طوره ويتجاوز به الهدوء المالوفه الى شيء من العنف لم يكن المصريون يعرفونه في ذلك الوقت واذا هو لا يستقر في مكانه مهما يكن هذا المكان في دار او ناد او قهوه او ديوان وانما يثب من مجلسه ثم لا يثبت في مقامه ليتحدث الى من حوله كما يتحدث الخطيب وانما يذهب ويجيء وياتي من الحركات بيديه ما كان يخيف جلسائه على ما قد يكون حوله من الاشياء واذا ايه الغضب تظهر في وجهه قويه حاده فيظلم بعد اشراق ويعبث بعد ابتسام و طاير من عينيه المطربتين شرر مخيف وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التي تتتابع سراعا في مثل قصف الموج وعصف الريح العاتيه واذا اصحابه ياخذهم شيء من الدهش لا يلبث ان يستحيل الى وجوم متصل وذهول غريب لا يدرون اهما يصوران الاعجاب والرضا ام هما يصوران الانكار والسخط ام هما يصوران الحذر والخ كان من الحق ان يحذروا او يخافوا فلم تكن الامور في ذلك الوقت تجري في مصر كما اخذت تجري منذ كان في مصر استقلال وحريه ودستور وبرلمان وانما كانت الامور تسعى متعثره لا تكاد تنهض الا لتكب ولا تكاد تمضي الا لتقف فقد كان في مصر احتلال اجنبي يتغلغل سلطانه الظاهر والخفي في جميع المرافق العامه والخاصه وكان في مصر سلطان وطني شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل الى المواطنين مره والى المحتلين مره اخرى يحاول احيانا ان يرضي اولئك وهؤلاء فلا يظفر الا بغضب اولئك وهؤلاء كان هذا كله يفسد الجو المصري يجعله خانقا منهكا للقوه لان الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا كدون يرضون احداهما الا وفي نفسهم اشفاق من الاخرى وكان لكل واحده من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها وقد ان بثوا في الانديه والقهاوي والدواوين واندس في المجالس الخاصه فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه الى السلطان الاجنبي او الى السلطان الوطني واذا اثار ذلك واضحه فيما يكون من رضا هذا السلط او ذاك ومن غضب هذا السلطان او ذاك فكان المفكرون وذبو الراي يعيشون في قلق متصل كانما كانوا يسعون على الشوك فليس غريبا ان يثير صاحبنا في نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف اذا اخذته ازمته الاصلاحيه تلك وكانت كثيرا ما تاخذه فيثور اقل يستحيل الى ثوره تريد ان تلتهم كل شيء وك كان صاحبنا حديث عهد باوروبا وقد اقام فيها اعواما متصله واتم فيها درسه وراى فيها حياتها الحره الطامحه التي لا تقيدها اوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياه المصريه في ذلك الوقت ولا تغل اغلال السلطان السياسي كما كانت تغل حياه المصريين في ذلك الوقت ايضا وانما راى حياه سمحه طلقه قد عرفت للانسان كرامته وللفرد حقه في ان ياتي ويدعى من الامر ما يشاء وفي ان يرى ويقول ما يشاء مادم لا يؤذي غيره بقول او عمل وقد شارك في هذه الحياه واستمتع بما كانت تمتاز به من السماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون في اوروبا لا يكاد يرى شيئا يعرفه او ينكره الا وازن بينه وبين ما يشبهه في الحياه المصريه من قريب او بعيد وكانت هذه الموازنه تغيظه وتحفظه بالطبع لانها كانت تضطره دائما الى ان يعترف فيما بينه وبين نفسه بان في اوروبا رقيا ماديا ومعنويا وبان لاهل اوروبا حريه في القول والعمل وبان مصر بعيده كل البعد من هذا الرقي وبان المصريين قد حرموا هذه الحريه كل الحرمان فعاد الى مصر ولغي في قلبه نار تتوهج وللغير على نفسه سلطان لا يكاد يهدا من ثور وه او فورته ومن اجل ذلك كان صوره الناطقه حيه قويه للسخط على كل شيء والضيق بكل شيء والحرص على تغيير كل شيء وقد اقبل الشباب عليه حين عاد من اوروبا معجبين بل مفتونين ولكنهم لم يلبثوا ان فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا منهم من رده عنه الخوف ومنهم من رده عنه القصور ومنهم من رده عنه السام ولا بد من الاعتراف بان احاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض احيانا فيعجز اوساط المثقفين عن فهمها وكانت تتكرر احيانا اخرى فيسا السامعون لها من كثره تكرارها اكبر الظن ان صاحبنا عاد من اوروبا دون ان يتعمق في امرها شيئا وانما غرته المظاهر فاعجب بها وخدعته هذه الحضاره الاوروبيه ففتن بها وراى في هذا الاعجاب وفي هذه الفتنه شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فاغر فيهما اغرا شديدا وقد كان ما لم بد من وقوعه فنذر به السلطان واشفق منه ونصب له شي من كيد خفي حاول ان يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثبات ولا نفو فاضطر الى ان يرجع ادراجه ويعود الى اوروبا هذا التي ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتوه ولم يكد يستقر في اوروبا حتى دهمت الحرب الماضيه فاقام فيها ما شاء الله ان يقيم والظاهر انه انتفع بهذه الاقامه الثانيه انتفاعا عظيما فقد عاد من اوروبا بعد الثوره المصريه الاخيره فراى ما لم يكن ينتظر ان يرى لم يرى تغيرا في الحضاره الماديه ولم يرى تطورا ذبال في الحياه العقليه ولكنه راى حريه لم يكن له بها عهد حريه لا تحفل بمكر الاحتلال الاجنبي ولا باحتياطات الوطني ولا بالعيون والجواسيس ولا بالاحكام العرفيه الانجليزيه التي ظلت مفروضه على مصر اعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذي كان يحدث من حين الى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين راى حريه لا تحفل بشيء من هذا وانما تمضي امامها لا تلوي على شيء ولا يردها شيء ولا تزيدها العقبات والمصاعب الا قوه واندفاع وراى المصريين يقولون في كل شيء لا يتحفظون ولا يتحرجون راهم ينكرون من امرهم اكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الاجنبي وهم لا يرضون عن النظام السياسي الوطني وهم لا يطمئنون الى حياتهم الاجتماعيه وانما يخرجون عليها في رفق مره وفي عنف مره اخرى وهم على كل حال يتوثق الى الاصلاح يطمحون الى المثل العليا لا يتحدثون اذا لقي بعضهم بعضا الا في الحق والخير والعدل والحريه والاستقلال والرقي في الحياه الماديه والعقليه راى هذا كله فوقف منه موقف الحيره لم يدري اارض عنه ام يسخط عليه لو انه جرى مع طبيعته الاولى لرضي كل رضى عما راى ول مضى مع مواطنيه جدا في الاصلاح طامحا الى الرقي مطالبا بالاستقلال ولكن اقامته في اوروبا اثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما القت عليهم من اثقال قد اضطره الى شيء من المرونه وساعه الحيله وبذل الجهود الملتويه ليتقي الشر ان عرض الشر وليلتي الخير ان سنح الخير فعاد من اوروبا للمره ثانيه وقد خلقته الحرب خلقا جديدا كان قبل الحرب يسبق مواطنيه الى الرقي والطموح فاصبح بعد الحرب يستاخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم في توثب الى الرقي والطموح ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيره وسطه فهو لا يستطيع ان ينكر ماضيه وهو لا يستطيع ان يقاوم هذا الاندفاع المصري الجارفه الى التطور العنيف وهو في الوقت وقت نفسه لا يحب ان يشارك مواطنيه فيله كما يلهجون بالحريه ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون في مجاراه اوروبا حينا ومقاومتها حينا اخر وقد زاد حرصا على هذه السيره الوسط انه قد تعب في اوروبا وشقي بما لقي فيها من جهد وضيق وعاد الى مصر وفي نفسه ميل الى الدعه وحاجه شديده الى الراحه ورغبه ملحه في ان يعوض الوقت الذي ال اضعه في اوروبا وان يستدرك من امره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجله والاجله ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائرا فائرا مطالبا بالاصلاح وقد راى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين فريق يعتدل وفريق يتطرف فلم يرد ان يعتدل مع المعتدلين فيعد مستا اخرا ولا ان يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل يحتملون من العناء ولقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثوره المصريه ولم ينكرها واثنى عليها ولم يشارك فيها واتخذ لنفسه الاصدقاء والاخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا ولم يقبل في ذلك مراجعه ولا لوه فان الصداقه ترتفع عن السياسه واعراضها وامراضها والرجل الحر حقا هو الذي لا تلهيه السياسه عن ارضاء حاجه قلبه الى الاخاء الكريم والموده الصافيه والوفاء المتين وكذلك كنت تراه في مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم الا قليلا وكنت تراه في مجالس المتطرفين يسمع منهم ولا يجاريهم الا بمقدار وكنت تراه في كل حفل يقيمه المعتدلون وكل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لان له الاصدقاء والاخلاء بين اولئك وهؤلاء ولكنه كان ما اشد المهاره في الاستخفاء حين الجد وحين تبدي الخطوب عن نواجذه لاولئك او هؤلاء هناك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدوه ولا يقفون له على اثر وهناك يسال القوم عن صاحبنا اهل المعرفه فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى اذا هدات العاصفه واستقرت الامور في نصابها واطمنت القلوب في الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فاذا صاحب يغط بينهم ويروح ك عهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث وقد استطاع من الامر ما لم يستطعه من المصريين الا الاقلون عددا فارضى المحافظين والمسرفين في المحافظه بنوع خاص وارضى المجددين والغلا في التجديد بنوع خاص ثم جعلت الاحوال تحول والامور تتغير وتتتابع المحن على مصر وكان الطبيعي حين تمتحن مصر في امالها وامانها وفي حريتها الداخليه والخارجيه ان يتطرف المعتدل ويجدد المحافظ ان كان صادقا في اعتداله ومحافظته لا يتاثر فيهما بالمنفعه ولا يتقي بهما الخوف ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله وانما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركه عذب اللفظ حلو الحديث ربما احس المحافظون المصرون على المحافظه منه ميلا اليهم وحرصا على ان تتصل اسبابه باسبابه ولكن على شرط الا تنقطع اسباب الموده والاخاء بينه وبين المتطرفين من الحقائق المقرره ان صلاه الود والاخاء يجب ان ترتفع عن اختلاف الراي في السياسه والنظم الاجتماعيه وقد تلقاه المحافظون حفين به مستبشرين بقربه منهم صاله بهم واغض عنه المتطرفون لانه صاحب وفاء يرتفع بالصداقه عن اغراض السياسه وامراضها ثم اصبحت المحافظه في بعض الاوقات لونا من الوان الحفاظ والغيره على مصالح الوطن وكرامته واصبح من البدع المحبوب ان يتحدث الناس بانهم محافظون وان يسرفوا في النعي على المتطرفين فاظهر صاحبنا انه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المالوف والسنه الموروثه ولكنه في الوقت نفسه لم يقصر في ذات اصدقائه المتطرفين وانما جملهم حين كانت تحسن المجامله وساهم حين كانت تحسن المواساه وضمن بذلك رضاهم عنه واغضاب عن غلوه في المحافظه وفي اثناء هذا كله مضت اموره على خير ما يجب شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير اليهم واغض عنه المتطرفون حين كان السلطان ستقر فيهم وعرف عامه الناس وخاصتهم انه رجل لا يحب الاحزاب ولا يشارك في سياستها وان كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيره والراي جميعا قلت لصاحبي ه تستطيع ان تحدثني بما تريد اليه من هذه القصه التي لا تنتهي قال صاحبي لا اريد الا الى شيء يسير جدا وهو ان الذين يريدون العافيه وقضاء المارب وتحقيق المصالح وتجنب الاذى في انفسهم واموالهم واعمالهم يحسن ان يسيروا سيره هذا الرجل البارع قلت لصاحبي ليس كل الناس يقدر على ان يكون ثعبانا وليس من الخير ان تكثر في مصر الثعابين حديث الاوز انا اعتذر الى القارئ من هذا العنوان الظريف الطريف الذي لم اكن احب ان اصطنعه على ما فيه من طرافه وظرف لانه اشبه باحاديث الفكاهه والمزاح لا باحاديث الجد المر الذي يجب ان نحرص عليه حين ناخذ في شؤون التعليم ولكن صديقا اديبا من اصدقائنا الادباء اراد ان يتحدث عن نشر التعليم فضرب الاوز له مثلا يذهب في ذلك مذهب الفكاهه الساخره وان كانت شؤون التعليم في هذه الايام لا تتحمل فكاهه ولا ثمره تحدث الصديق الاديب ان صاحبه جحا زعم ل ض المدينه انه يستطيع ان ياتي بتس عش اوزه فيحبس هن في حجره من الحجرات ثم يدخل عليهن 20 رجلا فلا يخرج واحد من هؤلاء الرجال الا ومعه واحده من هؤلاء الاواز وقد انكر القاضي هذا الحديث لما بين هذين العددين من الاختلاف لكن جحا الح فيه واصر عليه فاضطر القاضي الى ان يستجيب له واقبل جحا باوزه التس عشره وادخل القاضي عليه ان 20 رجلا كان بينهم صراع وقراء سالت له الدماء وشاهت له الوجوه ثم جعل الرجال يخرجون رجلا في اثر رجل ومع كل واحد منهم زته حتى خرج اخرهم وليس له شيء فلما سال القاضي جحى عن معجزته انباه بانه لم يرد الا عبثا ليبين له وللناس ان الديمقراطيه الصحيحه لا تحدث المعجزات ولا تخلق المستحيلات المغزى الذي قصد اليه الصديق الاديب وان الذين يريدون ان ينشروا التعليم بغير حساب وان يحشروا الاعداد الضخمه في الاماكن الضيقه انما يذهبون مذهب جحا حين اراد ان يقسم ال ايوز قسمه سواء على 20 رجلا فلم يبلغ من ذلك ما اراد والمثل كما ترى رائع بارع وقاسم فاسم لا تقوم له حجه ولا يثبت له دليل فليست الديمقرا اذا كلاما يقال ولا هي دعوه تنتشر وتذاع وانما هي اعمال يقدم عليها اصحابها عن بصيره ويحققون عن رويه وليس يكفي ان يقال للناس كلوا لياكل ويامن شر الجوع وليس يكفي ان يقال للناس تعلموا ليتعلموا ويامن شر الجهل وانما ينبغي ان يهيئ الطعام على قدر الطعمين وان يهيئ العلم على قدر المتعلمين فان لم نفعل كانت دعوتنا الى الطعام والع اشبه بعبث جحا حين اراد ان يقسم 19 ايزه على 20 رجلا قسمه سواء ومن قبل الصديق الاديب ضربت لتعليم امثال اخرى تتصل بالطعام فقال قائلون ان الذين ينشرون العلم بغير حساب ويحشرون الاعداد الضخمه في الاماكن الضيقه كالذين يلقون الطعام القليل الى الجماعه الكثيره فما هي الا ان يلقي هذا الطعام حتى يكون الزحام والخصام والاصطدام ثم يفترق الناس وقد اذى بعضهم بعضا ولم يظفر بالطعام منهم الا القليل الغريب ان يقال مثل هذا الكلام في هذه الايام التي تواجه الحكومات فيها مشكله التموين ومض الطعام القليل الذي يلقى الى الجماعات الضخمه من الناس ولا يفكر الذين يقولون هذا الكلام ويكتبون في ان حوادث حياتهم اليوميه تنقض ما يقولون نقضا فان الحكومه ان قامت لتجري الامور بين الناس بالقصد وتقضي بينهم بالحق وتمكن كل واحد منهم من ان ياخذ نصيبه الضئيل من الطعام القليل لا يعد في ذلك بعضهم على بعض ولا يظلم القوي منهم في ذلك الضعيف وليس المهم ان تنجح الحكومه في ذلك او تخفق وان تعدل الحكومه في ذلك او تجور وانما المهم انها انشات لتجري امور الناس بينها بالقسط ولتطوير فيه جحى عن الصواب ولم يكن للقاضي ان يجاريه فيه هو انه اراد ان يقسم التس ايوز على العش قسمه سواء ولو انه اصلح الاوز وهياه للطعام لجاز ان يغذي به مئه او مئات من الناس دون ان يقع بين هؤلاء الناس صراع او قراع ولكن جحا لم يكن مصريا ولا عربيا وربما كان له حظ من دعابه ولكنها دعابه غير عاقله ولو قد كان جحا مصري عربيا لعرف ان في مصر امه تمتاز بخصلتين احداهما القناعه والرضا بالقليل والاخرى الايمان بالمعجزات والكرامات وخوارق العادات ليس كل مصري حريصا على ان ياخذ ايزه صحيحه حيه يفرح بها في بيته وينظر اليها تذهب وتجيء تبسط جناحيها وتقبضها وترسل في الهواء صوتها الذي يطرد الملائكه ويدعو الشياطين كما يقول اهل الريف ليس كل مصري حريصا على ان يظفر بين حين وحين بجزء اوزه عظيم او ضئيل بل ليس كل مصري حريصا على ان يذوق طعم الاوز او يشم ريحه وانما المصريون قوم قانعون اكثرهم يرى الاوزه ويسمع عنه ولكنه لا يبلو طعمه ولا يعرف له مذاقا وهو على كل ذلك لا ينكر الحياه ولا يضيق بها ولا يسخط عليها فان اتيح له قليل من لحم الاوز او من مرقه او من ريحه حمد الله واثنى عليه وشكر له هذه النعمه التي لم يكن ينتظرها ولا يرجوها وقد اراد الله بالمصريين خيرا فلم يجعل العلم اوزا ولم يجعل الاوز علما وانما جعل العلم شيئا كهذا الهواء الذي يمتلئ به الجو ويستطيع الناس جميعا ان يتنفسه وجعل العلم شيئا كهذا الماء الذي يفيض به النيل ويستطيع الناس جميعا ان يشربوه وقد يكون الهواء نقيا وقد يكدره رمال الصحراء فالناس يتنفسونه على كل حال وقد يكون الماء صفوا وقد تشوبه الجراثيم فالناس يشربونه على كل حال وقد يكون الطعام كثيرا وقد يكون قليلا وقد يكون صالحا وقد يكون رديئا فالناس ياكلونه على كل حال لانهم لا يريدون ان يموتوا مختنقين ولا ان يموتوا ظامئ ولا ان يموتوا جائعين وقد تكون المدرسه واسعه وقد تكون ضيقه وقد يكون الاستاذ ممتازا وقد يكون معتدل الحظ من الامتياز وقد يكون الكتاب ميسرا وقد يكون معسرا ولكن الناس يتعلمون على كل حال لانهم لا يريدون ان يعيشوا جاهلين ومكان وزاره المعارف في مصر كمكان وزاره التموين ثم راي جحا التركي ان قيل له ان في مصر طعاما يكفي لتغذيه نصف المصريين وان نصفهم الاخر يموت جوعا ما راي جحى التركي ان قيل لوزاره التموين ان في مصر كساء يكفي لنصف المصريين فيجب ان يكتسي نصفهم وان يظل نصفهم الاخر ضاحيا عاريا ما راي وزير التموين ان قيل له مثل هذا الكلام ما راي البرلمان ان قال له وزير التموين مثل هذا الكلام واي النصفين من المصريين يستطيع ان ياكل وان يكتسي فيعيش واي النصفين من المصريين يجب ان يجوع وان يعر فيموت اما جحا التركي فلن يرى باسا في ان ياكل القادر على ان يشتري الطعام ويكتسي القادر على ان يشتري الثياب ويموت الذين لا يقدرون على ان يشتروا طعاما ولا ثيابا وليس على احد من ذلك باس فالله قد قسم الحظوظ بين الناس فجعل بعضهم غنيا يستطيع ان يشتري الغذاء والكساء وجعل بعضهم معدما لا يستطيع ان يجد غذاء ولا كساء لكن وزاره التموين لا تذهب لحسن الحظ هذا المذهب الاثم وانما تفعل ما تستطيع ليجد الفقراء والاغنياء ما يقيم الاود ويستر الجسم وهي تغذو الاعداد الضخمه بالقليل من الطعام وتكسو الاعداد الضخمه بالقليل من الثياب توفق احيانا ويخطئ التوفيق احيانا اخرى الفرق بين جحى المصري وجحا التركي بسيط جدا فجحد المصري لا يفرق بين العلم والطعام وجح التركي يرى ان من حق الناس ان ياكلوا ويشربوا ويعيشوا وان لا باس عليهم من ان يجهلوا ويخضعوا لافات الجهل فيمتاز بعضهم من بعض ويتفوق بعضهم بعضا ويصبح بعضهم لبعض عبيدا وتبعا وقد نشا المصريون على الوان من العقائد يحدثهم بها جحا المصري مصبحا وممس فهو يحدثهم بان النبي صلى الله عليه وسلم قد اطعم الاعداد الضخمه من اصحابه حتى اشبعهم بالقليل الضئيل من الطعام الذي لم يكن يكفي الا لتغذيه الرجلين او الثلاثه وهو يحدثهم بان الله قد انزل على عيسى مائده من السماء كان تعيدا لاوله واخرهم وهو يحدثهم بان في الف ليله وليله اوزا لا كاوز ودجاج لا كالدجاج تؤكل الواحده منها حتى لا يبقى الا عظمها قد جرد من كل ما كان عليه من اللحم ثم يجمع كل هذا العظم في طبقه من الاطباق ويقال له كلام فينتفض بقدره الله ويعود كهيئته قبل ان يؤكل ايزا ودجاجه يستطيع ان يجد فيه الجائع شبعا ولذه فمصدر هذا كله ان جحا المصري يؤمن بالبركه من جهه ويؤمن بالعدل من جهه اخرى ويرى من اجل ذلك ان القليل يجب ان يكفي الكثير وان الناس كلهم لادم وان ادم من تراب وانهم جميعا من اجل ذلك سواء في الحقوق والواجبات يجب ان ياكلوا ويشربوا ويتنفس ويتعلموا لا يمتاز بعضهم من بعض الا بالتقوى والاعمال الصالحات التي هي خير عند ربك ثوابا وخير مردا فانت ترى فرقا بين التعليم الذي يعلمه جحا المصري للمصريين والتعليم الذي يلقيه اليهم جحى التركي من مدرسته تلك في جانبولاد وقد اراد الله ان يفهم المصريون لغه المصريين وان لا يفهم لغه التركي من منهم الا افراد قليلون وهم من اجل ذلك لا يشبهون التعليم باوز جحى التركي وانما يشبهونه بهذه المائده التي انزلها الله من السماء فكانت عيدا للناس اولهم واخرهم وبهذا الطعام القليل الضئيل الذي اشبع منه النبي صلى الله عليه وسلم مئات من اصحابه ثم تركه كاملا موفورا وبهذا الاوز الذي تحدثني عنه الف ليله وليله بانه ينفد ليتجدد ويفنى ليب ويموت ليحيى وهم يريدون من علمائهم وادباء ووزرائه وشيوخهم ونوابهم وقاده الراي فيهم ان يؤمنوا مثلهم بهذه الايات وان لا يسوا من روح الله فانه لا يياس من روح الله الا القوم الكافرون هم يريدون من علمائهم وادباء وقاده الراي فيهم ان يعرضوا عن هذا الهزل الى الجد وعن الباطل الى الحق وان يعلموا المصريين ما وجدوا الى تعليم سبيلا في المدارس الواسعه وفي المدارس الضيقه وفي الهواء الطلق على الكراسي الوثيره وعلى الكراسي الخشنه وعلى الحصر وعلى الارض العراء لانهم يرون الجهل حريقا يلتهم النفوس والقلوب ويجب ان يطفا مهما كانت الوسائل التي تتخذ لافاه هم يريدون من علمائهم وابائهم وقاده الراي فيهم ان يقول للدوله انفقي وانفق عن سعه فان لم تتح لك الميزانيه ما تريدينه فافري الضرائب في غير تردد وفي غير مهل واعلمي حتى لا يبقى في مصر جاهل ولا غافل ولا معرض للاستغلال مهما يكن المستغل والاستدلال مهما يكن المستدل والتسلط مهما يكن المتسلطون وانه اللين المؤلم المؤذي حقا ان يحتاج المصريون الى ان يقولوا هذا للعلماء والادباء وقاده الراي وقد مرت على المصريين ايام كانوا يساقون الى المدارس بقوه ال ويدفعون اليها دفعا بالاكراه ويفرون بابنائهم من التعليم فقد انعكست الايه وتغيرت الايام واصبح الجاهلون يطلبون العلم فيدهم عنه العلماء فاذا الحوا في ذلك سيقت اليهم احاديث الاوز وقصت عليهم قصص جحا وعبثه في جمبلات كلا ايها الساده يجب ان يخلص العلماء للعلم واول مراتب الاخلاص له ان ينشروه بكل وسيله وان يذيع من كل سبيل ولا يكون كهذا البخيل الذي يقول فيه بشار وللخيل على امواله علل زرق العيون عليها اوجه سود قسوه في مصر ظاهره غريبه لست ادري اتوجد في غيرها من البلاد ام لا توجد واكبر ظن انها ظاهره طبيعيه في البلاد التي لم يتم تطورها بعد ولم تتحضر قلوب فريق من ابنائها تحضرا صحيحا وانما اتخذت من الحضاره غشاء رقيقا يخفي وراءه جاهليه جهلاء وقسوه قاسيه منكره هذه الظاهره هي قسوه الذين لهم باللين عهد حديث وغلظه الذين ادركتهم النعمه بعد ان ذاقوا الم الشقاء وبلوا مراره البؤساء والحرمان ينشا احدهم كما تنشا الكثره الضخمه من الشعب المصري في اسره شقيه بائسه او في اسره متوسطه متواضعه فيتكلف اهل ما يتكلفون من الجهد ويتحمل ابواه ما يتحملان من المشقه والعناء ليرفعه الى حال خير من حالهما ولينز له منزله ارقى من منزلته وفيه هو ما في الكثره الضخمه من الشعب المصري من هذا الذكاء الحاد والعقل الخصب والطموح الى الخير والقدره على الجد فما يزال الابوان يكدح ويشقي وما زال هو يكد ويجد وما يزال التعاون بين كدح الاسره وجد الفتى الناشئ يؤتي مره قليلا قليلا حتى يبلغ الفتى بعض ما ارادت له الاسره او كل ما ارادت له الاسره وبعض ما اراد لنفسه او كل ما اراده لنفسه وان كانت حاجه من عاش لا تنقضي كما يقول الشاعر القديم واذا صاحبنا فتى موفق موفور قد بلغ من لين الحياه وخفض العيش ما لم تبلغه اسرته فعلم وكانت اسرته جاهله ونعم وكانت اسرته بائسه وابتسم وكانت اسرته عابسه واستقبل الحياه في رجاء كثير وامل واسع فجعل لا يرقى الى درجه الا طمع في ان يرقى الى درجه اعلى منها وجعل لا يظفر بخير الا حرص على ان يبلغ خيرا اكثر منه واصبحت الحياه بالقياس اليه ميدان سباق الى التفوق لا ميدان جهاد لكسب القوت هناك يتنكر لماضه القريب وينسى تلك الدموع التي سكبتها الامهات في كثير من مواطن البؤس والشقاء ذلك العرق الذي سكبه في كثير من مواطن الجد والعمل تلك المواقف الحرجه التي وقفتها الاسره في كثير من مواطن الازمه والضيق والتي كانت ترده عن المدرسه لان الاسره لم تكن تملك المصروفات وكادت تضطره الى الجهل والخمول لان الاسره لم تكن تجد ما تنفق على نفسها فضلا عن ان تجد ما تنفق عليه ولكن الامه نزلت عن اخر ما بقي لها من للي او استغنت عن بعض ما في بيتها من المتاع ولكن الاب ضاعف الجهد ووصل الليل بالنهار في العمل واراق ماء وجهه عند فلان او فلان يقترض منه مقدارا ضئيلا او ضخما من المال واستطاعت الاسره بفضل هذا الشقاء المتصل والعذاب الاليم ان تحل الازمه وتخرج من الحرج وتؤدي المصروفات وتقوم له بما يحتاج اليه ليمضي في درسه وادعا مطمئنا ناعم العين رضي الب ولعل الاسره لم تتعرض لهذا الحرج مره واحده ولا مرتين وانما تعرضت له مرات ومرات حتى اتم الفتاه درسه وبلغ ما ارادت له الاسره وما اراده هو لنفسه ينسى هذا كله نسيانا يسيرا سهلا ينساه بالقياس الى نفسه فيحسب انه قد نشا في النعمه والرخاء وان ليس له بضنك والضيق عهد وينساه بالقياس الى اسرته فيحسب انها لم تقدم اليه شيئا لم تشقى ليسعد لم تكد ليستريح بالنعيم ثم هو ينساه بالقياس الى الجيل الناشئ فلا يفكر في ان بين هؤلاء الاطفال والصبيه الذين يبسم فتبتسم الحياه والذين يمرحون فيشي من حولهم الرضا والغبطه مئات ومئات انما يشتق ابتساماتهم هذه العلوه من عبوس الاباء والامهات وانما يشقون ضحكهم هذا المرح من حزن الاباء والامهات ك ما كان هو يشتق ابتسامه ومرحه من عبوس ابويه وحزنه في العهد القديم ينسى هذا كله نسيانا ويجهله جهلا وتمحو الحياه من قلبه محوا قاسيا فاذا هو يرى الناس كلهم ناعمين كما ينعم راضين كما يرضى قادرين على الانفاق كما هو يقدر على الانفاق ليس عليهم الا ان يريدوا ليظفر وليس عليهم الا ان يضعوا ايديهم في جيوبهم ليجدوا ما يحتاج اليه ابنائهم من هذه النفقات التي تزداد كلما تقدمت الايام يرى نفسه موفورا فيحسب الناس كلهم موفور ويجد نفسه سعيدا فيحسب الناس كلهم سعداء هو من هنا قاس اشد القسوه عنيف اشد العنف ينظر الى الرحمه على انها خور في الطبيعه كما كان يراها وزير عربي قديم ينظر الى العدل على انه قوه في يد الدوله ترفع بها من تشاء الى حيث تشاء وتخفض بها من تشاء الى حيث تشاء ثم ينظر الى الحياه على انها جهاد لا ينال خيرها الا بالكد والجد والعناء كما يتصور هو الكده والجده والعناء وهو على ذلك صوره عابسه لدوله عابسه لا شر فيها ولا رضا ولا رفق فيها ولا ابتسام انما هي القسوه المنكره والعنف المسلط على الرؤوس والنفوس وعلى كل شيء من حوله حتى تستحيل الحياه جحيما او شيئا يشبه الجحيم وانت تستطيع ان تنظر في حياتنا العامه على اختلاف فروعها فسترى كبارا يقصون على صغار لانهم نسوا انفسهم او قل نسوا ماضيهم ولم يذكروا انهم كانوا صغارا وانهم شقوا بهذه القسوه من كبار الجيل الماضي وان الحق عليهم لانفسهم وللناس ان يمحوا هذا الشقاء ويجنب الناشئ ما شقى به الجيل الماضي لا ان يثروا لانفسهم من الابرياء كثير من هؤلاء الكبار القساه انما يصطنعون القسوه متاثرين بشعور عميق خفي وشعور الحاجه الى التشفي والانتقام لكثره ما ذاقوا من الشده والجهد حين كانوا صغارا وشر من هؤلاء قوم قست عليهم الحياه وفقت بهم الدوله فاعت اسرهم على تربيتهم وتعليمهم ومكنتهم من ان يتموا الدرس على احسن وجه ويتقلبوا في المناصب حتى تصير اليهم الا واذ هم ينسون في وقت واحد قسوه الحياه عليهم فيقسو على الناس ورفق الدوله بهم فلا يرفق باحد اخذوا لانفسهم ما استطاعوا من لين الحياه وهم ياخذون لانفسهم وسياخذ لانفسهم ما يستطيعون من لين الحياه لكنهم لا يعطون شيئا لا من ذات ايديهم ولا من يد الدوله لانهم اذا نعموا بالحياه وينعمون بها من حيث انهم ممتازون قد اشتقوا من ناصر ممتازه وهم ليسوا كغيرهم من الناس ولا ينبغي ان يشبه بهم الناس من قريب او بعيد وصدق الله العظيم في قوله الكريم ويل للمطففين الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون والذين اذا كالوهم او وزنوهم يخسرون الا يظن اولئك انهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين كل هذه الخواطر الحزينه الشاحبه التي تملا النفس بؤسا وحزنا ومراره انما تخطر لي في هذه الايام حين تنتهي اجازه الصيف ويستقبل الناس العام الدسي الجديد من شان هذه الايام ان تك ايام ابتهاج حلو واكتب هاد لا مراره فيه من شانها تكون ايام ابتهاج لان الافال والصبيه والفتيان يستقبلون عامهم الدسي الجديد الذي سيملا النشاط الخصب فتنمو عقولهم واخلاقهم واجسامهم ويخطون الى الرجوله خطوات مباركه ترقبها الاسره سعيده مبتهجه من شان هذه الايام ان تكون ايام اكتئاب هادئ لا مراره فيه لان الاطفال والصبيه والفتيان سيفارق الاسر الى حيث معاهدهم العلميه فتحزن الاسره شيئا ولكنه حزن باسم ان صح ان يبتسم الحزن ويحزن التلاميذ والطلاب شيئا لكنه حزن قصير رقيق لا يلبث انت حياه الدرس ولكن هذه الايام عندنا ليست ايام ابتهاج باسم واكتئاب هادئ انما هي ايام الحزن الممض والشقاء الملح والعذاب الاليم والصراع بين القدره والعجز وبين الامل والياس وبين القوه والضعف هي الايام التي يجب ان يشقى فيها الاباء والامهات ليجدوا لابنائهم ما ينفقون ويؤدوا عنهم اجور التعليم واجور التعليم في مصر ليست سهله ولا يسير انما هي اجور ثقيله عسيره قد فرضت على اساس ان الامه غنيه او ان التعليم حق للاغنياء دون غيرهم من الناس واين يجد الاباء ما يحتاج اليه ابنائهم من نفقه يعيشون فيها في عاصمه الدوله او في عواصم الاقليم واين يجد الاباء ما يؤدون الى وزاره المعارف او الى الجامعه ليتعلم ابنائهم يجب اذا ان تنزل الامهات عما بقي لهن من حلي و بعض ما في بيوتهن من متاع ويجب ان يريق الاباء بعض ما في وجوههم من ماء ليقترض من هنا وهناك ما يعينهم على تعليم ابنائهم ما اروع نظامنا الاجتماعي في تكدير الحياه ومن حقها ان تصفو وفي تنغيص العيش ومن حقه ان يكون حلوا رقيقا ان الطالب الاوروبي ينفق اكثر ايام الطلب لا يكلف اهله شيئا من نفقات التعليم لان الدوله تعلمه بلا اجر فاذا اتم تعليمه الثانوي واراد الاتصال بالجامعه فهو في بعض البلاد لا يكلف اهله شيئا لان الدوله تعلمه في الجامعه بغير اجر وهو في بعض البلاد الاخرى لا يكلف اهله شيئا يذكر لان الجامعه تاخذ منه اجرا صوريا فليعلم المصريون ان مصروفات التعليم في كليات الاداب والعلوم في فرنسا مثلا لا تزيد على 70 قرشا مصريا في العام اي انها لا تبلغ ما يدفعه الطلاب عندنا رسما للمكتبه والاتحاد فاما مصروفات التعليم عندنا فيعرفها الاباء الذين يسعون ويعرفها الامهات اللائي ينزلن اما لهن من حلي او عن بعض ما في بيوتهن من متاع ويعرفها رجال وزاره المعارف ورجال الجامعتين الذين تعلمت كثرتهم الكثير على حساب الدوله بالمجان في مصر وفي اوروبا لان الدوله كانت محتاجه الى المتعلمين ثم هم الان يقاومون المجانيه ما وجدوا الى مقاومه سبيلا ويحتالون في التخلص منها يسلكون الى ذلك الطرق الملتويه ان لم يستطيعوا ان يسلكوا اليها الطرق المستقيمه يرفعون نفقات الطعام والكتاب ويحسبون انهم يحتفظون بالمجان ويحكم ايها الناس من اين لغير الاغنياء باثمان الطعام والكتاب التي تطلبونها لا تنظروا الى انفسكم الان ولكن انظروا الى انفسكم حين كنتم صبيه واطفال وفتيان واذكروا كيف كانت اسركم تشقى بدفع المصروفات وكيف كانت اسركم تسعد ان اتيحت لهم المجانيه واجتهدوا في ان تجنبوا اسر هذا الجيل ما احتملت اسركم من شقاء واجتهدوا في ان تتيح لاسر هذا الجيل ما اتيح لاسر من السعاده حين ظفرتم بالمجان واحذروا ان تكونوا من الذين قال الله فيهم ويل للمطففين الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون واذا كالوا او وزنوهم يخسرون اللهم اشهد اني ما ذهبت قط الى الجامعه او الى وزاره المعارف الا كانت هذه القصه مل قلبي والا ذكرت اني كنت سعيدا حين تعلمت على حساب الدوله فمن الحق علي ان اتيح بعض هذه السعاده لاكبر عدد ممكن من شباب مصر ولو استطعت لاتحتمل نستطيعه امس قد نستطيعه غدا ولا بد من ان يبلغ الكتاب اجله ولا بد لمصر من ان تظفر بحقها من العدل في يوم من الايام ثعلب لو رايته قبل 20 سنه يا سيدتي لما انكرت منظره هذا الغريب حين رايته يقبل متدحرج كانه البرمه الهائله لم ترتفع في الجو كثيرا ولكنها اتسعت عن يمين وشمال وامتدت من خلف وامام وهي تسعى مع ذلك خفيفه لا تكاد الارض تحس لها ثقله لانها اتخذت من لحم وعظم ولم تتخذ من حجر وصخر لو رايته قبل 20 سنه يا سيدتي لما انكرت منظره هذا الغريب حين اقبل فحيا ثم تقدم يسعى حتى اذا بلغ مكانه جلس وكانه الكثيب المنهال فكان الناظر اليه يسال نفسه لاول وهله ايرى انسانا جالسا ام يرى كومه من الرمل قد استخف فيها شخص ضئيل لا يكاد يظهر منه الا تقاطع وجهه ضئيله غائره خليقه الا ترى لولا هذا الصوت الذي يخرج منه ضئيلا نحيلا ولولا هذا الشرر الذي يتطاير من عينين صغيرتين لا تفتح عنهما الجفون الا في بطء بطيء وثقل ثقيل كانما تشد بخيط قد ركب في قفاه وقام شخص من ورائه يجذبه متكلفا بين حين وحين فلم تكن هذه حاله قبل 20 سنه وانما كان فتى نحيفا ضعيفا ونحي ضئيلا رشيق الحركه كثير الاضطراب لا يعرف السعي الهادئ ولا المشي المطمئن وانما كان يجري على الارض او كان يجري فوق الارض كانه شيء من هذه الحيوانات الصغيره الخفيفه التي ملئت نشاطا وقوه وحياه والتي تريد ان تطير في الجو لولا ان الله لم يرزقها بجناحين لم ت هذه حاله اقل من حيز الى حيز فحسب وان كانت هذه حاله اي اقر في مكان واقبل على من الا فد كان متحركا ئ مض ئ لا تكد العين تلحظه رات شي شحر فجه متل مره ال يمين ومره الى شمال وراسه يرتفع حينا ينخفض حينا اخر يداه تذهبان وتجي ورجلاه تعبان الارض مداعبه متصله لسانه لا يكاد يستقر في فمه وانما هو متحرك دائما ببعض القول ولم يكن شخصه المعنوي اقل حركه واضطرابا من شخصه المادي فقد كان عقله مفكرا دائما وكان قلبه متث دائما وكان انطلاق لسانه في فمه مصورا دائما لهذا العقل الذي لا يني في التفكير ولهذا القلب الذي لا يفتر عن الشعور كان على هذا كله ولهذا كله ومع هذا كله لا ادري متوقد الذهن حاد الذكاء لا تعرض له مساله من المسائل الا سبق اترابه الى تعمقها والنفوذ الى دقائقها واستخراج ما يمكن ان كان يستخرج منها وكان على ذلك او لذلك او مع ذلك لا ادري ماكرا شديد المكر عابثا غاليا في العبث حتى احبه اتراب اشد الحب وخافوه اعظم الخوف احبوه لذكائه وخفته وخافوه لتفوقه وحيلته هذه الواسعه وعبثه هذا المتصل ودعبس مونه فيما بينهم الثعلب وربما باهرم مكره وتعاظمت حيلته الواسعه فسموه الثعلبان يرون في هذه الصيغه خطا او صوابا مبالغه في ما يريدون ان يخلعوا عليه من صفات الثعلب من الخفه والرشاقه ومن المكر والدهاء لم يكن اترابه من التلاميذ وحدهم هم الذين يعجبون به ويعجبون منه وانما كان اساتذته كذلك يكبرون ذكائه ويقدرون نشاطه ويرضون عن جده في الدرس واجتهاده في التحصيل واسرا الى الاجابه كلما القي سؤال وتفوقه في الامتحان مهما يكن عسيرا وهم من اجل ذلك كان يرونه ويتعهدون بالسؤال عنه والتشجيع له والتتبع لتقدمه في الدرس حتى كانه كان ابنا ل واحد منهم وكان اعب به ورعايه اساتذته له يشعران الرض عن نفسه والثقه بها ويمان ام حل في مقبل باسم سعيد وكان مع ذلك من اسره متواضعه اشد التواضع ضيقه الحال اشد الضيق تجد الجهد كل الجهد في كسب القوت فضلا عن ما تحتاج اليه من مرافق الحياه وكان الصبي يرى ذلك ويشقى باثاره لكنه لم يكن يحفل به كثيرا لانه كان راضيا عن نفسه واثقال مطمئنا الى امله الباسم الحلو ومستقبله الرضي السعيد وقد اتم الدرس الابتدائي وهم اهله ان يصرفو عن التعليم ليوجه الى بعض العمل لعله يعينهم على بعض ما يلقونه من البؤس ويشقون به من الضيق ولكن الصبي بكى واغرق في البكاء حتى رقت له امه ورثى له ابواه وتكلفت الاسره ما تكلفت فجد الاب في الكسب وخرجت الام عما بقي لها من حيله وتوسط بعض اساتذته في اعفائه من اجر التعليم فظفر بالمجان ومرق من التعليم الثانوي كما يمرق السهم من الرميه لم تعرض له عقبه لا ذل لها ولا صعوبه الا قهرها لم يعرف الرسوب في الامتحان ولم يعرف التخلف عن الاقران وانما كان السابق المتفوق دائما حتى اذا انقضت تلك الاعوام الثلاثه التي كان التلاميذ ينفقونها في التعليم الثانوي كان الفتى قد جمع شهادتين من شهادات الحكومه كما كان ابوه يقول لامه اذا خلى اليها وكما كانت امه تقول لصاحباتها اذا تحدثت اليهم كان ابوه حريصا اشد الحرص على ان يضاعف الجد والكد وكانت امه شديده الحرص على ان تلتمس عملا كريما في اسره كريمه ليستطيع الفتى ان يمضي في درسه حتى يظفر بالشهاده الثالثه وانما هي اعوام تنفق في هذه المدرسه او تلك من المدارس العليا ليصبح الفتاه رجلا متفوقا ممتازا يستطيع ان يطمح الى مناصب المتفوقين الممتازين بين رجال الدوله الذين يحلون ويعق دون وينقذون ويبرم ولكن لله في خلقه حكمه بالغه لا يعرف كنهها ولا تدرك اسرارها فلم يكد يتقدم الصيف في ذلك العام حتى اعتل ابو الفتى اياما ثم تقطعت به اسباب الحياه واسباب الامل جميعا ففارق هذه الدار لم ينعم بما كان يتمنى به من ظفر ابنه بالشهاده الثالثه واشتغاله بخدمه الحكومه في منصب من هذه المناصب الممتازه التي لا يظفر بها الا المتفوقون الممتازون ولم يرى الفتى ابدا من ان يلتمس العمل ليح ولتحيا امه وفي الشهاده الثانويه مقنع للشباب الذي يريد عملا متوسطا بل في الشهاده الابتدائيه مقنع في ذلك الوقت للصبي الذي يريد عملا متواضعا وما هي الا ان يسعى الفتى ويعينه بعض اساتذته في هذا السعي واذ هو يظفر بمنصب متوسط في بعض الدواوين وقد ضمن لامه ولنفسه الغذاء والكساء كما يقال في هذه الايام ولكن الفتى حول يحسن مقارعه الدهر لا يسد عليه مسلك من مسالك الحياه الا فتح له مسلك اخر من مسالكها كما يقول الشاعر القديم والتعليم في ذلك الوقت ميسر اكثر مما هو في هذه الايام لقله المتعلمين وشده الحاجه اليهم فما يمنع صاحبنا ان يختلف الى الى الديوان وجه النهار والى مدرسه المعلمين اخره وقد فعل وما هي الا اعوام حتى يبشر امه انه قد نال الشهاده الثالثه واذا علمه يتغير واجره يرتفع واذا هو لا يقنع لامه ونفسه بالغذاء والكساء وانما يضيف اليهما شيئا من طيبات الحياه وقد جعل رضا الفتى عن نفسه يشتد وجعل الثقه الفتى بنفسه تزداد وجعل الامل يهدي اليه ابتسامات فيها شيء من سعه وجعل المستقبل يدعوه باشارات فيه شيء من الحاح وقد سال الفتى نفسه ما الذي يمنعه من ان يختلف الى عمله وجه النهار والى مدرسه الحقوق اخره وما الذي يرغبه عن ذلك وليس له ارب في هذه الحياه الفارغه التي يحياها اترابه من الشبان اذا تقدم النهار وقد فعل وما هي الا اعوام حتى يقبل الفتى سعيدا محبو ينبئ امه بانه قد ظفر بالشهاده الرابعه والشيخه راضيه لان ابنها يرقى ويرقى ويكد الشهادات لنفسه تكديس والشيخه محزونه لان زوجها لا يشاركها في هذا الرضا ولا يشاطرها هذا النعيم والفتى مقبل على ايامه ينتهب انتهاب وقد زاد رضاه عن نفسه وثقته بها وقد زاد ابتسام الامل له سعه واشتد دعاء المستقبل عليه الحاحا وهو يسال نفسه لما لا يظفر بشهاده خامسه وبشر امه ذات يوم بانه قد ظفر بهذه الشهاده الخامسه ولكنه انبها في الوقت نفسه بنبا مزق قلبها تمزيقا واجرى دموعها على خديها غزاره فقد عرفت له الدوله نبوغه وقدرت تفوقه ورات ان الشهاده السادسه يجب ان تضاف الى الشهادات الخمس وان هذه شهاده السادسه لا تطلب من مصر وانما هي بعيده بعيده يعبر لها البحر وتطلب من بلاد الانجليز ولم يكن الفتى اقل من الدوله اعترافا بنبوغه ولا اقرارا بحقه في الظفر بالشهاده السادسه والعلم يطلب ولو في الصين والشهادات تطلب ولو في بلاد الانجليز ولا يتقدم الصيف حتى يكون الثعلب قد هيا لنفسه الرحله البعيده والغياب الطويل وقد غاب ما غاب ثم اب ومعه الشهاده السادسه والشهاده السابعه واذا هو رجل مرموق لا يذكر الا اكبره ذاكرو ولا يرى الا اشير اليه بالبنان هذا فلان اترى الى فلان انه ذو الشهادات السبعه وقد اكبرت الدوله وعرفت له حقه وحق شهاداته هذه الكثيره التي يمكن ان تبسط على جدار من جدار مكتبه فكسو كله بهذا الورق الجميل يملا الثناء الجميل وقد رضى الفتاه عن نفسه كل الرضا ووثق بها كل الثقه ولكنه زهد في الشهادات كل الزهد وادركه شيء يشبه التخمه فاتجه نشاطه اتجاها اخر ملائما كل الملائمه لطبيعه الحياه المصريه في ذلك الوقت فقد كانت الثوره المصريه قد غيرت اشياء كثيره من امور الناس ومن امور الحكم ومن امور المستقبل الذي يطمع فيه الشباب نشا نظام الاحزاب ونشا الصراع بين هذه الاحزاب ونشات الفرص الكثيره التي ينتهز الاذكياء ليستفيدوا من صراع الاحزاب ونظر الثعلب ذات يوم فاذا الحياه المصريه كلها تلقي في نفسه انه قد خلق للفوز وان الفوز قد خلق له لان الحياه المصريه لم تكن في وقت من الاوقات ملائمه لخفه الثعالب ورشاقتها وذكائها ونهاها منها في هذه الايام وما ينبغي لمن يريد الفوز في هذه العواصف العاصفه وفي هذه المصالح المشتبك والخصومات المتصله والمنافع المعقده الى ان يكون فطنا وصاحبنا شديد الفطنه لبقا صاحبنا عظيم الحظ من اللباقه خفيفا صاحبنا اخف من النسيم ماكرا صاحبنا امكر من المراه صامتا وصاحبنا اشد صمتا من الصخره الصماء وقد ينبغي ان يضيف المرء الى هذه الخصال ليبلغ ما يجب من الفوز قصله اخرى تشتق من هذه الخصال جميعا فيتلطف حتى يشعر الاحزاب جميعا بانها جميعها محتاجه اليه وقد يشعر المرافق العامه جميعا بانها كلها تستطيع ان تنتفع به وحتى يشعر الساسه جميعا بانه رجل فن لا رجل سياسه وقد استطاع صاحبنا ان يبلغ هذه حصار كلها ما ارد فقد كان ثعلبا في المدرسه الابتدائيه كان ثعلبا في المدرسه الثانويه كان ثعلبا في الدواوين التي اختلف اليها وجه النهار وفي المدارس التي اختلف اليها اخرها كان ثعلبا في بلاد الانجليز وعاد منها اشد اغراق في خصال الثعلب ومكنته شهاداته السبعه من ان يتث علب في فروع مختلفه من فروع العلم والمعرفه واذا الاحزاب كلها راضيه عنه وبه معجبه واليه محتاجه لكنه فقد من خصال الثعلب قصله واحده هي التي حملتك يا سيدتي على ان تضحكي منه حين رايته يقبل كانه البرمه الضخمه وحين رايته يجلس فينهال كما ينهال الكثيب ذلك ان الايام احبته حبا شديدا فاخذت لا يمر به يوم منها الا خلع عليه قميصا من الشحم قد فصل على قده تفصيلا وجعلت هذه الثياب الشحيمه تتراكم وتراكب حتى مدته الى يمين والى شمال وزادته بطه في الجسم من خلف ومن امام وجعلته كما ترين جبلا يتحرك في خفه ويعمل في ذكاء قالت السيده وكانت اديبه قريبه ارجو انلا يكون ثعلب هذا الغليظ من ثعالب المتنبي الذي يقول فيها نامت نواطير مصر عن ثعالبها فقد بشمن وما تفنى العناقيد شياطين البيان صدقني يا سيدي او لا تصدقني لن يغني هذا عن الحق شيئا والحق الواقع هو ان هذه القصه ليست مخترعه ولا مصطنعه وليس للخيال فيها اثر قليل او كثير وانما هي شيء وقع كما ان من الاشياء الواقعه اني قد خرجت من داري حين ارتفع الضحى فسعيت اليك مت قلا استمتع بهذا الجو الرائق وبهذه الشمس الفاتره وبهذا النسيم البارد الرقراق وادير في نفسي ما وقع لي من الامر واستعرض بعض الصور التي اريد ان اصطنعها لاقصه عليك واجيل في نفسي ايضا ما سيكون بينك وبيني من اخذ ورد مستنكرا علي حديثي وساحاول اقناعك بانه صحيح وساجد بينك وبيني خصام لابد من ان يثور بيننا كلما حدثتك ببعض الامر لانك رجل لا تؤمن الا بما ترى وتحس ولا تصدق من انباء الناس الا قليلا ولست اخفي عليك اني اعذرك ولا الومك فقصتي لا تخلو من غرابه وايه ذلك اني انا نفسي انكرتها اشد الانكار وكنت واثقا كل الثقه باني رايتها فيما يرى النائم وكنت اتحدث الى نفسي بانها حلم غريب طريف وكنت التمس العله له وكنت اجدها في غير مشقه وكنت استمت بحلمي وامت بما بذلت في تعليله من جد وامت كذلك بما سحله في تيله من ع ولكني رايتني حين تقدم وكد ينهزم امام الهار واقفا امام داري التمس المفتاح لادي فيح ل الب وانسل الى غرف في هدوء وخفه حتى لا يحس اهلي عودتي اخر الليل فلا اجد المفتاح وقد تعودت الا اخرج مع الليل الا اخذت معي هذا المفتاح اوفر بذلك على اهلي حريتهم وراحتهم ونومهم واجنب بذلك ان يسهروا منتظرين عودتي او ان يهبوا من نومهم حين اعود ليفتح لي الباب ولكن المقادير ارادت امس ان تجري الامور على غير ما تعودت ان تجري عليه فانسيت المفتاح وما انسانيه الا الشيطان وسترى ان هذا لم يكن غريبا فقد كانت المقادير قد قدرت ان تكون ليلتي هذه من قسمه الشياطين والشيء الذي ليس فيه شك هو اني التمست المفتاح حيث تعودت ان احفظه فلم اجده فجعلت افتش في جيوبي كلها وما اكثرها فلم اجدها وقد دقت بذلك اشد الضيق حسبت اول الامر اني قد اضعته ثم لم البث ان ذكرت اني خرجت مسرعا مع بعض الاصدقاء واعجل ني الحديث فلم اتي هذه الحركه اليسيره التي انتزع بها المفتاح من مكانه واضعه في الجيب الذي تعودت ان اضعه فيه فلما تبينت ذلك غشين من الهم ما غشين ووقفت واجما اول الامر مترددا بعد ذلك اطرق الباب فازع من في الدار ام اقوم مكاني حتى يسفر الصبح ويهب النيام ام اعود ادراجي ف اطوف في شوارع الحي اتله بهذا التطواف عن الانتظ وقد طال علي هذا التردد فتحولت عن مكاني ولكني لم اخرج من الحديقه وانما جعلت اطوف حول الدار واردد في نفسي قول الشاعر ادور ولولا ان ارى ام جعفر بابيات ما درت حيث ادور ولم اكن ادور لارى ام جعفر وانما كنت ادور مخافه ان اوقظ ام جعفر او ازعجها فيكون شر في هذه الدار التي لم تعرف الشر الا قليلا لست احدثك بما كان حين انجل الصبح واشرقت الشمس وفتحت الابواب واندفعت الى غرفتي واسرعت الى مرجعي والتمست الراحه فلم اثفر منها بشيء ثم نهضت مكدو مجدودا واقبلت واسعى اليك ولم اذق للنوم طعما في هذه الليله الطويله القصيره التي امتلات من الامر باشد غرابه واعظه سخفا ولولا قصه المفتاح هذه لما شككت في انني رايت حل من هذه الاحلام الكثيره التي تعبث بنفوس الناس حين يجن عليهم الليل ولكنك ترى اني مستيقظ منذ اشرق الصباح امس ولعلك تذكر ما اظنك نسيت اننا قد قضينا شطرا من الليل عند صديقنا فلان نسمر حول احاديث الجن والشياطين وما تزعم العرب من الصله التي تكون بينهم وبين الشعراء والخطباء والكتاب والذين يتعرضون لالوان البيان وقد قال قائل من ان العرب في جاهليتهم واسلامهم لم يتحدثوا بما يكون بين الشياطين والخطباء والكتاب من صلاه وانما زعموا ان الشياطين قد وكلوا بالشعراء خاصه حتى اذا كان ابن الشهيد في الاندلس زعم لنا في قصته المشهوره التوابع والزوابع ان للخطباء والكتاب شياطين كما ان للشعراء شياطين وقد قص علينا في رسالته تلك زيارته لوادي الجن وما كان من حوار بينه وبين خطباء الجن وكتابهم اولئك الذين كانوا يلهمون خطباء الانس وكتابهم وسمى لنا شيطان عبد الحميد الكاتب وشياطين غيره من اعلام البيان وسمى لنا شياطين جماعه من خصومه ومنافسيه في الفن وزعم لنا انه خاصم فخاصم وناظر فتفوق عليهم وقد اخذت بحظي من هذا السمر كما اخذتم بحظوظ منه فلما تفرقنا بقيت في نفس هذه الابيات التي القاها زهير بن نمير ذلك الدليل الجني لابن شهيد في زيارته المتصله لتلك الانديه التي كان يجتمع فيها شياطين البيان ولعلك تذكر ان زهيرا القى ابيته هذه الى صاحبه ابن شهيد وجعلها ايه بينه وبينه فكلما احتاج ابن شهيد الى صاحبه انشد هذه الابيات فيسرع اليه زهير ويجيبه من الامر ما يريد وقد جعلت اردد هذه الابيات في نفسي وانا امضي متباطئ الى الدار ثم لست ادري لماذا لم اكتفي باداره هذه الابيات في نفسي وانما جعلت انشدها في صوت خافت لا يكاد يسمعه غيري والى زهير الحب يا عز انه اذا ذكرته الذاكرات اتاها اذا جرت الافواه يوما بذكرها يخيل لي اني اقبل فاها فاخش ديار الذاكرين وان نات جارع من داري هوى لهواها لكني لم اكد افرغ من انشاد البيت الثالث حتى احسست الرعده تاخذني اخذا عنيفا كدت اهوي له الى الارض لولا اني تماسكت ولولا ان ذراعا قويا صمتن من السقوط فقد سمعت صوتا غريبا نحيلا ياخذني من جميع اقطي وهو يقول لبيك لبيك ها انا ذا زهير بن نمير خليل شاعرك الاندلسي ابن شهيد في الزمان الاول والدهر القديم ولست اخفي عليكي قد انكرت من هذا الامر مثلما تنكر ولم ترتسم على وجهي هذه الابتسامه الساخره التي ترتسم على وجهك الان وانما تقبض وجهي تقبض شديدا وجعل العرق البارد يبل جبهتي وهم لساني ان يدور في فمي صائحا مستغيثا ولكني اسمع الصوت النحيل يسعى الي وكلما دن مني زال عنه نحوله وجعل يمتلئ شيئا فشيئا وجرت فيه نغمات عذبه وهو يقول لا باس عليك لا ترع واتلو معي قول الله عز وجل الذين امنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله الا بذكر الله تطمئن القلوب فقد تلى هذه الايه من قبلك جماعه من امثالك العرب حين روعوا بمثل ما تروع به الان من لقاء اصدقائهم من الجن وقد سمعني اتل هذه الايه الكريمه مع صاحبي ثم رايتني اتوب الى نفسي او رايت نفسي تثوب الي واذا قلبي امن كله واذا انا هادئ هدوءا لا اكاد اعرفه من نفسي حين يفاجئها ما لا تنتظر واذا انا اسعى مع صاحبي كما تعودت ان اسعى معك في غير وحشه ولا تكلف كانما كان بيني وبينه ود قديم قد بعد به العهد وطال عليه الزمان ويجب ان اعترف لك باني احسست في ذلك الوقت ان لي شخصين مختلفين احدهما يساير صاحبي فيسمع منه ويتحدث اليه والاخر عاكف على نفسه في ناحيه من نواحي الضمير يرقب ويسمع ويرى ويحاول التحليل والتعليل يزعم لي ان ما انا فيه انما هو لون من الوان الحلم لا عرض من اعراض اليقظه لكني شغلت عن هذا الشخص الذي انتبذت من نواحي الضمير بهذا الرفيق الذي جعل يتحدث الي بالاع جيب فقد كان يقول لي صدقني ان هذا العلم الذي اخذه قدماك عن اليونان واخذه محدثكم عن الاوروبيين قد افسد عليكم شيئا كثيرا واشع في نفوسكم فنا من الكبرياء والغرور حرمكم متاعا لا حد له فانتم تنكرون ما كان يعرفه قدما من معاشره الجن ومخالفه شياطين الفن فاذا تحدث اليكم ابو العلاء بشيء من ذلك فيس رساله الغفران او اذا تحدث اليكم ابن شهيد بشيء من ذلك في رساله التوابع والزوابع لم تصدقوه ولم تطمئنوا اليه وانما استمتعتم به في شيء من السخريه والتكذيب على انه من اثار الخيال وفن من فنون الصنعه وما ابعد الفرق بين من يستمتع بالخيال المقترع ومن يستمتع بالحق الواقع الذي لا شك فيه انكم تنكرون المصادفه وتردون كل شيء الى ما تسمونه الاصول والقوانين فردوا الاشياء الى ما تريدون ولكن اعترف بان المصادفه وحدها هي التي انطقت بهذه الابيات فاذا انا استجيب لك مسرعا لاجدد معك ذلك العهد القديم الذي كان بيني وبين ابن شهيد شاعر الاندلس وخطيبها وكاتبها وانت من غير شك حريص كما حرص ابن شهيد على ان تفر من حياه الناس لحظات طوال او قصار دون ان تقطع صله بينك وبينهم وانما تراهم في شياطينهم او ترى شياطينهم وهم يزينون ما سيملون به قلوبهم ويحركون به السنتهم ويجرون به اقلامهم من الوان القول وقد زرت ابن شهيد على ظهر جواد اصيل اما انت فقد ظهرت لك فجاه لم تدري ان جمت لك من الارض ام هبطت عليك من السماء وما اظنك تنكر من ذلك شيئا فانتم لا تتخذون الخيل الان اداه للانتقال وانما تنتقلون في سياراتكم وطيارات وقطارات هذه التي تيلون انفسكم انكمد احدثت بها المعجزات وابتكرت بها الاعاجيب واظنك توافقني على اننا معشر الجن اقدر منكم على اختراع الطرائف وابتكار الاعاجيب واين تقع طرائف واعجبكم مما كنا ناتي به من الطرائف والعجيب في عهد سليمان عليه السلام واذا كنتم قد بلغتم ما بلغتم من المهاره والبراعه في 20 قرنا فاحر ان نبلغ نحن من المهاره والبراعه في هذا الامد الطويل بالقياس اليكم القصير بالقياس الينا ما لم يخطر لكم على بال وما اريد ان اشق عليك ولا ان اكلفك من الامر ما لا تحب وانما اريد ان ازور معك ناديا من انديتنا هذه التي يجتمع فيها شياطين البيان وان اظهر عليهم حين يخلو بعضهم الى بعض وقد فارقوا قرنائهم من كتاب الانس حين تقدم الليل واوى كتاب الانس الى مضاجعهم واقبل شياطينهم الى ناديهم يجدون حينا ويعبثون في اكثر الاحيان وهممت ان ارد على صاحبي رجع حديثه ولكنني اراني في قصر فخم لا ادري انقلت انا اليه ام نقل هو الي لكني اجد نفسي فيه دون ان اتكلف لذلك سعيا او حركه واسمع صاحبي زهيرا يقول متضا احكا قد يخيل اليك ان هذا النادي في ضاحيه من ضواحي القاهره كهذه الانديه التي تنبث حول مدينتكم هذه الصغيره ولكن لا تجزع نفسك فان بينك وبين القاهره امادا لا تقطعها السيارات ولا الطيارات ولا القطارات ولولا اني رفيق بك وفي لك لاظهر تك على بعض ما بينك وبين القاهره من امد ولكن اخشى ان اروعك فاعد معي تلاوه الايه الكريمه الذين امنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله الا بذكر الله تطمئن القلوب وانا اتلو معه الايه الكريمه واجد الطمانينه والامن واهم ان اتحدث الى صاحبي ولكنه يبتني بالحديث فيقول تعلم ان هذا النادي الذي انت فيه مقصور على شياطين البيان الذين يلوذون بابائكم انتم المصريين دون غيرهم من الادباء فلن ترى في هذا القصر الا قرينا لكاتب او شاعر او خطيب من هؤلاء الذين يملؤون الجو في بلدكم فصاحه وبلاغه وبيانا فاي شيطان من هؤلاء الشياطين تحب ان تراه ولايهم تحب ان تسمع ومع ايهم تحب ان تاخذ في الحديث قلت لا ادري فاني اعرف كتابنا وشعرائنا وخطباء لكثره ما اقرا واسمع من اثاره ولو خيرتني لا اقترحت عليك ان تزور معي ناديا من انديه الشياطين الذين يوحون الى جيل اخر من اجيال الادباء قال زهير سبحان الله ما زلت بعد غارقا فيما يغرق امثالك فيه من الوهم انك لا تعرف كاتبا ولا شاعرا ولا خطيبا حق المعرفه حتى ترى شيطانه وتسمع منه لانه ما يلقى اليكم من اثار الادباء ليس الا صدا ضئيلا لهذا الصوت الخصب الذي ينفث في القلوب ويطلق الالسنه ويجري الاقلام وسترى بعد لحظات انك لا تعرف من امر ادباء الا ايسره واهون شانا فامضي معي لم نكد نخطو خطوات حتى دفعنا الى بهو رحب بديع الارجاء تضطرب فيه ظلال غريبه ضئيله وهي تتصاحب ويكاد بعضها يمزق بعضا لولا ان الظلال يمكن ان تتمزق او يدركها البلا وقد انفرد من بين هذه الظلال شخص غريب مرتفع في السماء ممتد في الفضاء كثير حركات الوجه كثير اضطراب الاعضاء لا يستقر في مكان ولا يستقر لسانه في فمه ولا تكاد اعضائه تستقر في مواضعها من جسمه وانما هو حركه متصله وصلاح لا ينقطع وقد حرص على الا يدنو من الظلال الاخرى التي تضطرب في البهو فتملا دويا كدوي النحل وانما هو ممتاز منها دائما لا تكاد تدنو منه الا ناى عنها ولا تكاد تسعى اليه الا ارتد في انفه وكبرياء وتجافى في غلظه منكره قلت لصاحبي زهير ما هذه الظلال قال ضاحكا يا جماعه من الشياطين لم تاخذ من الفن بحظ ولكنها خدعت عن انفسها وملاها الغرور فقامت في هذا البهو طربه صاخبه تريد ان تقتحم على شياطين فن ناديهم فلا تبلغ من ذلك شيئا لانها ترد عن نادي الفن ردا عنيفا وليس اضطرابها هذا الذي ترى وليس عجيج هذا الذي تسمع الا مظهرا من مظاهر الغيظ وفنا من فنون الحنق ضربا من ضروب الالحاح في قرع الابواب لعلها ان تفتح لها قلت وما هذا الشخص الذي يمتاز من هذه الظلال فيبى ان ي منها او يخلط نفسه بها ولا يؤذن له مع ذلك في ان يتجاوز هذا البهو فهو يتحرك وكانه ساكن ويسعى وكانه واقف وينطق وكانه صامت ويصخب ولا يقول شيئا قال هذا مسيلمه الشياطين اراد ان يكون شيطانا من شياطين الفن فلم يستطع الا ان يكون ثرثارا مكثارا مهزارا لا حظ لقلبه من غناء ولا حظ لعقله من علم ولا حظ لضميره من حكمه وانما اتيح له حظ من قدره على الاضطراب والصخب لم يتح لغيره من هذه الظلال فهو ينى عنها لا يستطيع ان يقطع ما بينه وبينها من الاسباب ولكن ليس من شك في ان ما يراه لنفسه فنا وما يحاول ان يلقيه الى بعض من يتكثر عندكم بالقول لا يعدو ان يكون كما يروى من قول مسيلم الانس يا ضفضع بنت ضفضع نقي ما تنقين اعك في ماء واسفل في الطين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين وهمت ان اتعجل صاحبي زياره شياطين البيان ولكن اراني في مكان ذلك من الطريق الى داري واسمع صاحبي زهيرا يقول لي في صوته النحيل الذي جعل يناى عني شيئا فشيئا اسبك من ليلتك هذا ما رايت فان راقتك صحبتي وشقتك زياره شياطين البيان فانشد ما كان ينشد شاعر وكاتبها وخطيبها ابن شهيد والى زهير الحب يا عز انه اذا ذكرته الذاكرات اتاها واذا جرت الافواه بذكر يخيل ل اني اقبل فاها فخشى ديار الذاكرين وانت اجع من دار لهوا ثم اق صاحبي لحظه ورفع الي راسه وهويقول في صت هادئ منكسر صدقني يا سيدي او لا تصدقني فان ذلك لا يغني عن الحق شيئا والحق الواقع الذي لا شك فيه هو اني قد رايت وسمعت كل ما احدثك به الان قلت متضحك فلا تنشد هذا الشعر مره اخرى وانا معك فاني لست في حاجه الى ان ارى شيطانك الاندلسي قال وهو يضحك ضحكا فيه كثير من السخريه لا باس عليك فقد انسيت ان انبك بانه زعم لي انه لن يستجيب لانشاد هذا الشعر الا اذا كان هذا الانشاد بعد ان يتقدم الليل الطفل لا تقولي انه رد الى الطفوله بعد ان قطع مراحل الصبا والشباب والكوله ولم يكد يخطو في مرحله الشيخوخه الا خطا انقصار ولكن قولي يا سيدتي انه لم يخرج قط من طور الطفوله ولم يكد يعرف من الاطوار الاخرى التي يعرفها الناس والتي ذكرتها انفا شيئا ما فانك ان قلت ذلك كان قولك ادنى الى الحق وكان رايك ادنى الى الصواب واضحكي ما شئت ان تضحكي فلست اكره لك الجذل والابتهاج ولكن الانكار برفع الراس وهز الكتفين لا يغير من الحق شيئا كما ان الاغراق في الضحك حتى تنهل الدموع من عينيك الجميلتين على خديك الاسيلين لن يحول الخطا الى صواب فانت مخطئه يا سيدتي حين تظن انه رد الى الطفوله قبل ان يبلغ ال 60 او قبل ان يبلغ ارذل العمر وصاحبنا بعيد كل البعد عن ارذل العمر فالذين يغلون في تقدير سنه يقولون انه قارب ال0 والذين يقتصد في ذلك يقولون انه لم يكد يتجاوز نصف القرن اما هو فيخفي سنه ولعله لا يعرف من امرها شيئا فقليل من الاطفال ومن اطفالنا المصريين خاصه من يعرفون اسنانهم انا اعلم ان الجيل الجديد قد اخذ يقلد اجيال الغرب في الاحتفال باعياد الميلاد واخذ الاطفال والصبيه يعرفون اسنانهم من هذه الايام بحكم هذه التقاليد ولكن صاحبنا ليس من صبيه الجيل الجديد وانما هو من صبيه جيل اخر قد مضى ولم يكن الناس يعرفون فيه الا مولد النبي صلى الله عليه وسلم وموالد الاولياء والصالحين وميلاد الخديو السابق فاما عامه الناس فكانوا يجهلون الايام التي ولدوا فيها فضلا عن انهم يذكروها ذكرا منظما وان يحتفلوا بها في كل عام صاحبنا لم يولد في القاهره ولا في الاسكندريه ولا في مدينه من هذه المدن التي يشتد فيها الاتصال بالاوروبي ويسهل فيها تبادل السنن والعادات بل هو لم يولد في مدينه من مدن الاقاليم التي كان يكثر فيها اليونان الذين يشتغلون بالتجاره ويلم بها الموظفون من ال اياما كان الموظفون من الانجليز يطوفون في المدن ليتد شؤون الاداره والري والتعليم وانما ولد صاحبنا في قريه صغيره يسيره من قرى الريف لا يكاد سكانها يتجاوزون بضعه عشره مه ولا تكاد هي تمتاز عن امثالها من قرى الريف المصري في اواخر القرن الماضي حيث كان الحديث عن القاهره والاسكندريه يملا النفوس روعا واعجابا كانه الحديث عن الاساطير وحين كانت المدن في الاقاليم لا تبلغ الا على ظهور الابل او على ظهور الحمير وحين كان الناس في القرى لا يحفل بتسجيل ابنائهم وبناتهم حين يولدون وانما كانوا يتركون ذلك للداي تبلغه او لا تبلغه الى الحكومه تذكره مره وتنساه مره اخرى تهتم له مره وتعرض عنه مره اخرى فليس غريبا ان يجهل صاحبنا سنه وليس غريبا ان يجهل الناس معه هذه السن انت تنكرين ان يجتمع على الرجل الواحد هذان الشيئان المتناقضان فيكون له جسم الشيخ وتكون له كل الخصائص الظاهره التي يمتاز بها الشيوخ ثم يكون ما ذلك طفلا لم يمر باطوار الصبا والشباب والكوله وهذا غريب من غير شك ولكن من الذي قال ان الغرائب لا توجد في هذه الحياه ومن الذي يستطيع ان ينكر ان من الناس من تنمو اجسامهم نموا مضطردا مالوفا و تختلف عليها الاطوار المعروفه التي يمر الناس بها في حياتهم ولكن نفوسهم تبقى مع ذلك محتفظه بطوره الاول قد انتهت الى حد من النمو لم تستطع ان تتجاوزه الى غيره من الاطوار ليس من شك في ان جسم صاحبنا قد نمى وتطور كما ترين فعليه من مظاهر الشيخوخه هذا الشعر الذي يخطه شيب وهذه التجاعيد التي تظهر في جبهته وهذه التجاعيد الاخرى التي تم د د حول انفه من يمين ومن شمال وهاتان العينان التان لا تنفرج عنهما الجفون الا في شيء من الجهد حيث يخيل الى من يراه وقد اغمض جفنيه وتحدث او تحرك انه انسان يحيا من وراء الستار وهاتان الشفتان المنفرج اللتان لا تجتمعان الا في شيء من العناء سواء تكلم صاحبنا او لبث صامط هذا التهدل والترهل في وجهه الضخم وجسمه الذي يريد الشحم ان يكسوه فلا يستطيع هذه الحركات البطيئه المتكسره والمتعثرين الى من يراها انها تصدر عن مجموعه عصبيه قد شملها الفتور واخذ يشيع فيها الفناء هذا الصوت المحطم الذي لا يكاد السامع يسمعه حتى يستحضر اناء من الزجاج واناء من الفخار قد اصابه شق يسير فهو لا يرسل الصوت اذا مس الا حدثنا بهذا الانحطاط وهذا التنفس السريع الذي يتبع بعضه بعضا في غير انا كانه تنفس المكدود المجهود والذي يسمعه القريب من مصدره والبعيد عنه كانه يخرج من انف قد كثرت فيه الاعشاب وهو لا ينفذ من بينها الا نفوذا عسيرا كل هذه مظاهر تدل على ان صاحبنا قد كان طفلا وصبيا وقد كان شابا وكهلا وهو الان شيخ يخضع لما يخضع له الشيوخ من اعراض الضعف والفناء ولكن التحدث اليه والاستماع منه والاخذ معه في فنون الحوار كل ذلك يصور لنا صبيا كسلا لم يتجاوز طور الصبه فهذا هو الذي قد يخيل اليك يا سيدتي انه قد رد الى الطفوله قبل الاوان مصدر هذا انك لم تعرفيه الا منذ وقت قصير فاما انا فقد عرفته منذ اعوام طوال لا اعدها لك لاني لست في حاجه الى ان تعرفي عددها ولكني عرفته حين كنت شابا وحين كان جسمه في طور الشباب ثم عرفته حين تقدمت بنا السن وحين اختلفت علينا ظروف الحياه وتجاربها وحين عرضت لنا المشكلات والخطوب وانا اراه الان فلا انكر منه شيئا لاني عرفته دائما في هذه الحال التي ترينها ولاني ضحكت منه دائما مع اتراب كما تضحكين انت منه الان ولاني قلت فيه دائما لاتراس فيه دائما من اتراب هذه الجمله ما زال فلان طفلا ويظهر انه سيظل طفلا مهما تقدمت به السن ومهما تختلف عليه اطوار الحياه ربما كان من الحق علينا ان نسجل الواقع فصاحب قد نشا كما نشا اترابه واختلف الى الكتاب واوجع فيه عصا سيدنا احيانا واختلف الى المدارس المدنيه وبلى فيها من حياه التلاميذ والطلاب حلوها ومرها فاخف حينا ونجح احيانا حتى اتم الدرس العالي كما اتمه كثير من اترابه ثم عبر البحر الى اوروبا فدرس في بعض اقطارها اعواما ثم عاد الى قريته فائزا مظفره وسعيدا موفورا وكل هذا من غير شك لا يدل على طفوله ولا يدل على ان نمو قواه العقليه قد كان محدودا لكن الغريب انه الى جانب هذا النمو المضطرد قد احتفظ بشيء من خصال الاطفال لم يفارقه في لحظه من لحظات حياته لم استطع اترابه الذين رافقوه في المدارس المصريه وفي الجامعات الاوروبيه وفي الحياه العمليه بعد ذلك ان يجهلوك فقد كان دائما سريع التاثر جدا بما يسر وسريع التاثر جدا بما يسوء وكان دائما ينتقل من الرضا الى السخط ومن السخط الى الرضا في غير تمهل ولا انا ولا شيء يشبه الرويه او التفكير وانما كان ايسر الاشياء يدفعه الى الرضا فاذا هو و فرح مرح واذا ضحكه يملا الجو من حوله واذا حركاته العنيفه تضحك منه اصحابه وتلفت اليه غيرهم من الناس وكان ايسر الاشياء يسخطه فاذا هو مغضب قد خرج عن طوره واذا عيناه تقدح ان شررا واذا بفمه ينفجر عن اشنع اللفظ وابشع واذا جسمه يدفع الى حركات مضطربه تدعو الى الاشفاق عليه حينا والى الاشفاق منه حينا والى الضحك منه في اكثر الاحيان كان حكمه على الاشياء قاصرا او واهيا منحلا لا يعتمد على تفكير صحيح ولا على منطق دقيق ولا على شعور صادق بحقائق الاشياء وانما كان له وما زال له منطق خاص لا يكاد الناس يفهمونه عنه ولا يكاد الناس يقبلونه منه وانما يسمعونه اذا تكلم فيده شون وياخذهم شيء من العجب فاذا ردوا عليه منكرين اخرجه انكارهم عن طوره و رفعه الى الغضب الثائر والسخط العنيف فهم بين اثنتين اما ان يجاوره فيرضى وتغضب عقولهم واما ان يخاصم فيغضب وترضى عقولهم وقد هموا بالثانيه فوجدوا منه شططا وارهق من امرهم عسره وانتهت طفولته الجامحه الى ان تنتصر على عقوله الراجحه اكبر ظن انه قد تعود هذه المجاراه والمدار منذ طفولته الاولى فاستجاب ابواه الى كل ما كان يريد وحقق له كل ما كان يبتغي فنشا واثقا بان العالم قد خلق له يدعو فيجاب ويامر فيطاع وبان كلمه لا لم تخلق لتسمعها اذناه وانما خلقت لينطق بها لسانه اكبر الظن ايضا ان هذا الحظ قد رافقه في دراساته الاولى وايه ذلك ان سيدنا لم يكد يغضب عليه ويؤذيه بعصاه مره حتى حوله ابواه من الكتاب الى المدارس النظاميه التي لا يضرب فيها التلاميذ ليس من شك في ان حب ابيه له ورعايته لهذا المزاج المدلل الرقيق وحرصه على الا يتعرض لما يكره او ان يرد كما يريد كل ذلك قد رافقه من قريب او بعيد فلم تصدمه التجارب القاسيه ولم تعلمه المصاعب ان ظروف الحياه يجب ان تتسلط على الناس اكثر مما يتسلط الناس عليها وان تؤثر في الناس اكثر مما يؤثر الناس فيها فادرك الشباب على هذه الحال مؤمنا بنفسه كما يؤمن الطفل بنفسه مغامرا كما يغامر الطفل لا يفكر ولا يقدر ولا يرجو لشيء وقاره وانما يريد فيقدم على ما يريد الغريب انه كان يبلغ كل ما يريد كان يبلغ كل ما يريد لانه نشا في اسره موفور لها حظ من ثرا ونصيب من الاتصال بالاغنياء واصحاب الجاه فكان ثراء الاسره وحبها له وعطفها عليه كل ذلك يذلل له المصاعب الخاصه وكان اتصال الاسره باصحاب الجاه والغنى يذلل له المصاعب الاجتماعيه التي كان يمكن ان تعترض طريقه في الحياه وليس ادل على ذلك من انه را الناسبون فحول ان ثم اظهر اسرته على ما كتب فنت عليه من علم او جهل ثم اظهر من تتصل بهم اسرته على ما كتب فاثنوا عليه عن علم او جهل ثم راى الناس ينشرون فهم ان ينشر كغيره من الناس ولكن الصحف امتنعت عليه فوجد من ذوي الغنى والجاه من يتوسط له عند هذه الصحيفه او تلك واذا هو يرى اسمه مطبوعا في مجله شهريه او اسبوعيه ثم في صحيفه سياره متواضعه ثم في صحيفه سياره واسعه الانتشار واذا هو كاتب كغيره من الكتاب يقرا نفسه ولا يقراه الناس بعد ذلك فاما الذين يرونه ويعرفون فيرون ويثنون ويشجعون واما الذين لا يرونه ولا يعرفونه فقد يرضون وقد يسخطون وقد يعرفون وقد ينكرون ولكن صاحبنا لا يعلم من ذلك شيئا ولايه ان يعلم من ذلك شيئا والمهم انه لم يكد يتم الدرس حتى كان في راي نفسه وراي ذوي معرفته كاتبا ممتازا ولم يكد يعود من اوروبا حتى هجم على التيف كما هجم من قبل على التحرير واذا له كتب تداع وتباع واذا ايسر الثناء على فصل يحرره او كتاب ينشره يثير في نفسه من الرضا ما يخرجه عن طوره واذا ايسر النقد لفصل يحرره او كتاب ينشره يثير في نفسه من الخط ما قد يخرجه عن طوره واذا ثقته بنفسه على نحو ما يثق الاطفال بانفسهم تفرضه على قراءه الصحف والكتب والمجلات ثم لا تكاد الايام تتقدم حتى تضيف الحياه الى هذه الثقه ثقه اخرى واذا الامر يستحيل في نفسه الى الغرور الذي لا حد له في طول او عرض او عمق انصح ان تكون للغرور ابعاد فقد اتصل صاحبنا بوجوه الناس وصورتهم واختلف الى انديتهم ومجالسهم وفرض نفسه عليهم بحكم الموده والقرابه والصلات المختلفه فاصبح واحدا منهم يشارك فيما يشاركون فيه من شؤون الحياه العامه والخاصه ويسرف على نفسه وعلى الناس في هذه المشاركه والايام تبسم له في اكثر الاحيان ولا تعبس له الا قليله وهي لا تعبس له مع ذلك الا بمقدار وفي احداث التطور السياسي والاضطراب الخلقي والانتقال الاجتماعي وما كان من تغير القيم واختلاف المقاييس ما يتم القصه ان كانت في حاجه الى اتمام ويكمل الصوره ان كانت في حاجه الى اكمال لكن الشيء المحقق وان الحياه المستقره الثابته التي تجري الامور فيها على اذلالها تعلم الناس ان ذكاء القلب ونفاذ البصيره ومضاء العزيمه والصبر على المكاره والاحتمال للخطوب واخذ النفس بما يشق عليها وتجنبها الطرق الممهده والامور الميسره هي الخصال التي تبلغ بالناس ما يسمون اليه من نجح وفوز ولكن الحياه المنتقله المتطوره التي لا تهدا الا لتثور ولا تسكن الا لتضرب تعلم الناس ان الطفوله المتصله قد ترفع اصحابها الى مكان الافذاذ قالت السيده وكانت اديبه اريبه لقد اخطا علماء البيان حين لم يرضوا عن هذا البيت الصادق الجميل من قول الشاعر والعيش خير في ظلال النوك ممن عاش كدا الظلال الهائمه لم يشعر بطرق الباب حين طرق ولا بفتحه حين فتح ولم يحس مكان الخادم حين اقبلت تحمل الشاء فوضعته على المائده عن يمينه والقت اليه نظره سريعه فيها شيء من عجب وكادت ترفع كتفيها ساخره لولا املكتبة ينبه هذا الذي لا ينتبه لشيء لانه مغرق في قراته الا انها لم تكد تغلق الباب من ورائها حتى احست شيئا من راحه الضمير فقد ادت الواجب كاملا حملت الى سيدها الشاي في ابانه وطرقت الباب وخيل اليها انها سمعت الاذن لها بالدخول فدخلت وخرجت واتت من الحركات ما يوق النائم فكيف بتنبيه الغافل او الذاهل او المغرق في القراءه لقد ادت الواجب كاملا فلا عليها ان ينتبه سيدها او لا يتنبه ولا عليها ان يشرب الشاي وهو ساخن كما يحب او ان يشربه وقد ادركه الفتور او البرد او لا يشربه اصلا والواقع ان سيدها لم ينتبه لمقدم ولا لانصراف ولا للشاي الذي كان يدعوه عن يمينه ولكنه لم يكن يسمع دعاء ولا يجد الظما كما تعود ان يجده كل يوم في هذا الموعد الذي كان يقدم اليه فيه الشاي كان مغرقا في القراءه ثم انتهى من الكتاب الذي كان يقرا فيه الى فصل لم يتجاوزه وانما عاد اليه فقرا مره ومره ثم كف عن القراءه ولكنه وصل بصره في هذا الفصل الذي اعاد قراءته وظل مطرقا ممعنا في الاطراق والتفكير ثم رفع راسه وعلى ثغره ابتسامه يسيره ثم نظر امامه لا يريد ان يرى شيئا وانما هو واجم باسم ينظر ولا يرى ويفكر ولا يحقق شيئا ثم تتسع ابتسامته قليلا ثم ينفرج فمه عن ضحك يريد ان يعلو ويملا الغرفه لولا انه يمسكه ويوشك ان يرده الى جوفه ردا لانه قد ثاب الى نفسه فجاه واشفق ان يسمع ضحكه من وراء الباب فتظن به الظنون هناك التفت فراى ابريق الشاي كئيبا مستغنيا لكثره ما دعا الى نفسه والح في الدعاء فلم يستجب له احد لان دعائه لم يبلغ احدا فاقبل صاحبنا على الابريق يمسه بيديه مسا خفيفا ثم يمسحه بيديه مسحا متصلا كانما يترضع ويعزيه وقد احس برد هذا الابريق وعرف ان الشاي الذي يحتويه لم يعد ملائما لذوقه والفه وهم ان يدق الجرس ويدعو الخادمه لتات بشاي جديد ولكنه استحيا واشفق ان تسخر من الخادم اذا رات شايه لم يمس وان تعيد القصه على امراته وبنيه فلا يفرغ منهم ولا من عبثهم اذا كان العشاء لم يرى بدا من ان يشرب الشاي كما هو وقد ملا قدحه وجعل يدير فيه الملعقه يريد ان يذيب هذا السكر الذي يستعصي ولا يريد ان يذوب في هذا السائل البارد ولكن صاحبنا نسي الشاي مره اخرى وجعلت يده تدير هذه الملعقه في هذا القدح اداره اليه غير شاعره بنفسها لانه عاد الى التفكير في هذا الفصل الذي كان يردد قراءته انفا ثم عاد الى التفكير في هذا الفصل ثم لم يطل الوقوف عنده هذه المره وانما ذهب به الخيال مذاهب مختلفه لم تلبث ان ردته الى الابتسام ثم الى الضحك المكظوم كان هذا الفصل من كتاب الفصول والغايات لابي الع ويجب ان اروي لك بعضه لتعذر صاحبنا في اطاله الوقوف عنده والتفكير فيه ثم في اتخاذه معراجا يرقى فيه الى سماء بعيده جدا من سماوات الخيال يقدر ربنا ان يجعل الانسان ينظر بقدمه ويسمع الاصوات بيده وتكون بنانه مجاري دمعه ويجد الطعام باذنه ويشم الروائح بمكب ويمشي الى الغرض على هامته فقد وقفه هذا الك لام الغريب ضحكته الصور الظاهره منه اول الامر ثم جعل يستعرض طائفه من اصدقائه وذوي معرفته فيتخيل بعضهم ماشيا على راسه قد اتخذ الطربوش او العمامه او القلنسوه غطاء لرجليه ويتخيل بعضهم باكيا باحدى اصابعه او اكلا باحدى اذنيه فتدفعه هذه الصور مطبقه على ما يعرف من اصحابه الى الاغراق في الضحك ثم تثوب اليه نفسه شيئا فشيئا ويقدم عقله على الجد قليلا قليلا واذا هو ينظر الى الامر نظره فلسفيه حازمه فيرى ان صاحب هذه الخواطر لم يخطئ فقد خلق هذا العالم على هذا النحو الذي نعرفه وكان من الجائز ان يخلق على نحو اخر بل من الجائز ان يحوله خالقه من هذا النحو الذي خلقه عليه الى نحو اخر يمشي فيه الناس على رؤوسهم وينظرون باقدامهم ويذوقون باذان الى اخر ما زعم ابو العلاء وما دامت قدره الله شامله فلن يعجزها شيء ثم يتلو في نفسه الايه الكريمه واذ قال ابراهيم ربي ارني كيف تحيي الموتى قال اولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ اربعه من الطير فصرهن اليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن ياتينك سعيا واعلم ان الله عزيز حكيم قدره الله اذا شامله لا يعجزها شيء مهما يكن وقد جعل هذا الخاطر يتردد في نفسه ملحا عليها الحاحا شديدا وجعل خياله يتصور الوانا من الاشياء لم يرها الناس ولم يتعودوا ان يروها او يتحدثوا عنها ويقول لنفسه ان الله قادر على ان يخلق هذه الاشياء كما اتخيلها واشياء اخرى لا اتخيلها انا وانما يتخيلها غيري من الناس او لا تخطر للناس على بال ثم تعرض لخياله صور يقف عندها وقوفا طويلا فالله قادر على ان يصور ما يمتاز به الناس من الفضائل في شكل فتيات حسان يسان اصحابها ثناء وتشجيعا والله قادر على ان يصور ما يتصف به الناس من الرذائل في شكل فتيات قباح يشبعن من يتصف بهن ذما ولوما وتقريع ثم ياخذ في استقصاء ما يعرف من اخلاق نفسه فيري وفاءه للاصدقاء وبره بهم وايثاره لهم بالمعروف وقد تصور امامه فتاه حسناء تهدي اليه ابتسامات حلوه من بعد ثم تدنو منه قليلا قليلا ثم تلحظه لحظا فيه كثير من الحب والعطف والحنان ثم تدنو منه قليلا قليلا ثم ترسل اليه صوتا عذبا كانه صوت الملائكه لو انه سمع للملائكه غناء او حديث هذا الصوت يحمل اليه دعابه حلوه وتحيه كريمه وهو يجد اللذه كل اللذه فيما يرى والمتعه كل المتعه فيما يسمع ولكن هذا الوجه الرائع الجميل الذي يدنو منه شيئا فشيئا لا يلبث ان تغشاه سحابه رقيقه من الكابه والحزن ثم تزداد هذه السحابه كثافه وثقلا وبشاعه كلما دنى منه ذلك الوجه الذي كان يراه رائعا جميلا وقد خطر له في اثناء ذلك انه لم يكن وفيا كل الوفاء ولا برا كل البر وانه في ذات يوم قد خان العهد وجحد الموده وانكر الجميل وعق الصديق وانه قد اقدم طائعا او كارها على بعض الغدر الذي يحاول ان ينساه فلا يستطيع ولا يكاد يفرغ من هذا التفكير حتى يحس شخصا منكرا بشعا قد وقف عن يمينه وجعلت اصابعه الغلاظ السمجه تعبث في شعره ذاهبه جائيا وجعل صوته خافتا اشد خفوت ولكنه منكر اشنع النكر يقول له يقدر ربنا ان يجعل الانسان ينظر بقدميه ويمشي على راسه ويقدر ربنا ان يحيي الموتى ويقدر ربنا ان يصور ما في نفوس الناس من الفضائل فتيات حسان ويقدر ربنا ان يرد هؤلاء الفتيات الحسان قبيحات بشعات منكرات اللفظ واللحظ والصوره ويقدر ربنا ان يخرج هؤلاء الفتيات من القبح الى الحسن ومن البشاعه الى الجمال فالنفس الانسانيه واحده تحسن مره وتسيء مرات والله قادر على ان يصور لها عملها فتاه يسبغ عليها الجمال والحسن مره ويصب عليها القبح والبشائر اخرى ويفتح عينيه فيرى فتاته تلك التي قد عادت الى جمالها وروعتها وقد اخذت ابتساماتها تمتلئ سهرا ولحظاتها تمتلئ فتونا وصوتها يمتلئ موسيقى تخلب القلوب وتعبث بالالباب وهي تتلو خلطوا عملا صالحا واخر سيئه عصى الله ان يتوب عليهم وقد تنبه صاحبنا مذعورا اشد الذعر وظن ان قد اخذته غفوه فنام وعبثت به خواطر ابي العلاء فصور له في غفوته هذا الحلم الغريب وقد اخذ يسترد نفسه النافره ويدعو خواطره الشارده يستعيد على ذلك بهذا القدح من الشاي عن فهو يرفعه الى فمه فيفرغ في لحظه ثم يرده الى مكانه في شيء من عنف مقصود يريد ان يحدث صوتا يعيد اليه صوابه كله ويطرد من هذه الغرفه ما رددت فيها الاحلام من تلك الاصوات ولكنه ينظر فاذا اشخاص قائمه في اقصى الغرفه منها الحسن الرائع ومنها القبيح البشع وكلها تنطق بصوت يوشك ان يكون صوتا واحدا يقدر رب نا ان يجعل الانسان ينظر بقدميه ويمشي على راسه ويقدر ربنا ان يحيي الموتى ويميت الاحياء ويقدر ربنا ان يصور الفضائل والرذائل فتيات حسان او قباح ويقدر ربنا ان يملا الارض بهؤلاء الفتيات تصور كل واحده منهن ما يحدث للناس من اعمال فيها الخير والشر وفيها العرف والنكره ويقدر ربنا ان يخفي هذه الظلال عن اعين الناس ناس ما شغلتهم الحياه وان يظهر هذه الظلال لاعين الناس اذا خلوا الى انفسهم وحاسبها حسابا عسيرا او يسيرا وقد امتلا قلب صاحبنا رعبا وهم ان ينهض بنفسه من هذه الغرفه المشؤومه الموبوءه وليجد عند اهله وبنيه انسب من هذه الوحشه لكنه لا يجد قوه على النهوض كانما اتصل بكرسيه اتصالا وكان كرسيه قد سمر في الارض واذا صيحه هائله تملا الغرفه ويفتح لها الباب وتدخل منها امراته مروعه تساله ما خطبك فيجيب في صوت غريب يمتزج فيه الخوف بالهدوء والضحك بالخجل ما ادري لعلي غفوت فاخذني ما يشبه الكابوس ولكن صوتا خافتا جدا يسمعه هو ولا تسمعه امراته هذا الصوت يهمس في اذنه كلا لم تخفى ولم تروع ك الاحلام وال ك وابيس وانما رايت الظلال الهائمه ولن تامن منذ اليوم ان تراها قلت لمحدث وكان طبيبا بالاعصاب اتريد ان تقول ان من الخير ان يحسن الناس اختيار ما يقرون من الكتب فان القراءه التي يمضي فيها اصحابها على غير اختيار سابق لما يلائم اعصابهم وانسجته قد تنهي بهم الى شر عظيم قال محدثي اات وكيف السبيل الى تنظيم الق قراءتي للرجال العاقلين وكيف السبيل الى ان يعرف الناس ما يلائمهم وما لا يلائمهم مما يقراون هيهات لم ارد الى هذا ولا يمكن ان اريد انما احببت ان ابين لك ان قلب الانسان غريب يقصو احيانا فاذا هو كالحجاره او اشد قسوه ويلين احيانا فاذا هو كهذه الارض الرخوه التي امتلات ماءه لا تكاد تمس حتى تنفجر منها العيون والينابيع وقلب صاحبنا هذا قد قسى فكان كالحجاره او اشد قسوه فاتى ما اتى من الشر ولانا فكان كهذه الارض التي امتلات ماءه مسها ابو العلاء بخاطره هذا الغريب فتفجر منها هذا الينبوع الذي نستطيع ان نسميه ينبوع الندم واطرق محدث الطبيب ساعه ثم رفع راسه الي ضاحكا وهو يقول نعم ان قلب الانسان لغريب اتذكروا ما قال فيه جوتا انه كبير جدا لا يملاه شيء وهش جدا يحطمه ايسر شيء غلظه كان محمد ابن عبد الملك الزيات قاسي القلب غليظ الكبد جاء في الطبع بليد المزاج وكان على هذا كله اديبا مرهف الحس نافذ البصيره رقيق الشعور صافي الذهن مترف العقل ممتازا فيما يكتب من نثر وفيما يقرض من شعر وكانت السياسه وحدها هي التي اتاحت لهذين الشخصين المتناقضين ان يعيشا في جسم واحد وان يتسمي باسم واحد وان يصدر عنهما مع ذلك من الاعمال والاقوال ما ليس الى التوفيق بينه سبيل فقد كان محمد بن عبد الملك الزيات اقصى الناس في القول والعمل ما تولى امور الحكم وكان ارق الناس قولا وعم ما فرغ لحياته الخاصه وقد ذهبت حياته خاصه مع ما يذهب من حياه الناس وبقيت من حياته العامه اثار تصور نفسه البشعه وقلبه القاسي وطبعه الجاف وعنفه الذي لم يكد تاريخ المسلمين يعرف له نظيره كان محمد بن عبد الملك الزيات يقول فيما كان يقول ان الرحمه خور في الطبيعه وكان محمد بن عبد الملك الزيات يقترف فيما كان يقترف من الاثام اذق الناس الوانا من العذاب لم يعرف قبله عرب ولا عجم والله عز وجل يعجل الانتقام حينا ويملي للقصه الجفه الظالمين احيانا وقد عجل الانتقام من محمد بن عبد الملك الزيات فذاق العذاب الذي اذاقه الناس ايام حكمه وكان معذبه يقول له ذق انك انت العزيز الكريم ولست ادري لما ذكرت محمد بن عبد الملك الزيات وقصته هذه البش وسيرته هذه المنكره وحكمه هذا البغيض وقد تغيرت حياه الناس فرقت طباعهم بعد جفوه ولانت قلوبهم بعد قسوه ولم يبقى بينهم في مصر على الاقل من يقول ان الرحمه خور في الطبيعه ومن يعذب الناس في تنور فقد فرشت ارضه بالمسامير المدببه وقد امتدت هذه المسامير المدببه في سقفه وجنبات فما يقيم فيه المعذب البائس الا على هذه المسامير تاخذ لحمه من كل ناحيه اذا اقام ساكنا او تحرك في تنوره هذا المنكر البشع ليس في مصر شيء من هذا لاننا قد تحضرنا فرقت طباعنا وصفت اذواقنا ولانت قلوبنا وتهذب نفوسنا واذا فما الذي يذكرني بمحمد بن عبد الملك الزيات في القرن الرابع عشر للهجره وفي مدينه القاهره التي هي عاصمه مصر التي قال عنها اسماعيل العظيم رحمه الله انها جزء من اوروبا ذكرني بمحمد بن عبد الملك الزياد في قسوته الغليظه الجافيه ما الاحظه من ان الترف لم يغير من غرائزنا شيئا وانما علمها القسوه المترفه وعلمها الافتنان في العذاب وعلمها التطرف في الوان الانتقام فنحن لا نعذب الاجسام وانما نعذب النفوس نحن لا نلقي الناس في تنور اشرعتي من جميع اقطاره وانما نلقي الناس في الوان من العذاب ليست اقل بشاعه ولا نكره من ذلك التنور الذي ابتكره ذلك الوزير العباسي في القرن الثالث للهجره وفي مدينه السلام ليس في هذا شيء من الغرابه فان تقدم الحضاره الانسانيه لم يرقي العقل وحده ولا الذوق وحده وانما رق الغرائز ايضا علمها فنونا من القسوه ما كانت لتخطر لمحمد بن عبد الملك الزيات واضرابه على بال وللفرن تعبير وور هذا الترف في القسوه وهذا الافتنان في الانتقام فهم يقولون في من يصب على الناس عذابا هادئا ولكنه متصل منته الى ابشع الغايات انه ينضج من يعذبه على نار هادئه ونحن والحمد لله بارعون كل البراعه في الانضاج على النار الهادئه نجد في هذا لذه اثمه خبيثه توشك ان تكون مسخا لما كان الانسان يظن انه يمتاز به من ذكاء القلب ونفاذ البصيره وصفاء الذوق ودقه الطبع واي شيء ابغض وابشع واشد في النفوس نكرا من ان تصب على خصمك هذا العذاب الهين اللين الرقيق الذي لا يكاد يرى ولا تكاد اثاره تحس ولكنه يتصل ويمضي مع الدقائق والساعات ومع الايام والليالي ومع الاسابيع والاشهر والاعوام حتى يبلغ ببطئ هذا الفضيع اضعف ما كان يبلغه محمد بن عبد المالك الزيات بعذابه المنكر السريع وابشع من هذا كله واشد من هذا كله نكرا ان يصطبغ هذا العذاب الهادئ المتصل البطيء بصبغه من العدل او مما اتفقنا على ان نسميه عدلا فلا يجوز انكاره ولا يباح نقده ولا يصح ان يلام فيه الذين يقترفونه لانهم ينفذون القانون وينفذون في دقه حازمه صارمه وهم يحمدون لذلك ولا يلامون فيه وكيف يلام الناس حين ين ذون القانون كيف يعاب الناس حين ينشرون هذا العدل الذي يصنعونه صناعه ويتكلف ه تكلفه ويناقض به طبائع الاشياء ويناقض به هذه القوانين العليا التي لم يضعها برلمان ولم يشرعها ملك ولا حاكم وانما ركبت في نفوس الناس تركيبا وجعلت جزءا من فطرتهم وما اشد حاجه الناس الى ان يفرغوا لانفسهم بين حين وحين ويتدبر اعمالهم اقوالهم بين وقت ووقت ويضع انفسهم حين يضعون ضحاياهم ويسالون انفسهم اي صبروني يصبون على الناس من هذا العذاب الهادئ البطيء المتصل لو ان غيرهم صبه عليهم في هدوء وبطء واتصال هذا الموظف في وزاره المعارف الذي اراد ان يلحق طفلا من اطفاله بروضه من رياض الوزاره لينشا مع اخويه فلم تكتفي الوزاره بان ردت طفله الجديد و لكنها الحقت به في البيت اخويه الذين اقاما في الروضه عامين او اكثر من عامين ثم حولته بعد ذلك الى روضه خياليه قد انشات في عقول الموظفين في وزاره المعارف ولم ترى الشمس الا بعد وقت غير قصير وقد ذهب هذا الموظف باطفاله الى روضت الجديده البعيده فلم يجد شيئا ثم ذهب بهم فلم يجد شيئا ثم فتش واستقصاء القاصي والداني وسال مكتب البريد فلم يجد شيئا ثم ذهب بعد ذلك فوجد دارا مهدمه ليس فيها مرفق ولا اداه من ادوات التعليم والتربيه واللعب ليس فيها طعام يؤكل ولا ماء يشرب فعاد باطفاله الى داره كئيبا محزونا كاسف البال وكان قد شكى للوزير فلم يسمع الوزير له او لم يعلم الوزير بانه قد شكى اليه وقد جعل كل ما اصبح راى اطفاله يبكون لان سياره الوزاره التي كانت تحمل الى الروضه في الاعوام الماضيه تمر بهم مصبحه ممس فلا تغدو بهم على الروضه ولا تروح بهم منها وانما تمر بهم ساخره منهم مزدري لهم تحمل اترابه فرحين مارين يبتسمون للصبح المشرق الذي يسوقهم الى المدرسه ويبتسمون للنهار المبصر الذي يردهم الى دورهم هؤلاء الاطفال البائسون يرون سيارتهم ويرون اضرابهم دون ان يستطيعوا ركوب السياره او مش مشاركه الاتراب في ابتسامات الغدو او ابتسامات الرواح راى هذا الموظف اطفاله على هذه الحال وذاق هذا الموظف مع اطفاله مراره الحرمان وقسوه هذا العذاب وقد اراد سوء حظه وسوء حظهم ان يكون هؤلاء الاطفال اليتامى قد فقدوا امهم كما كان هو مترم قد فقد زوجه وكان هذا الموظف يجد في تربيه اطفاله وتنشئتهم من العزاء عن فقد زوجه وكان معتقدا انه يرضي نفس امراته كلما نجح في العنايه باطفاله وفي تربيتهم لانه يؤدي لهم ما كانت خليقه ان تؤديه لو اتيح لها البقاء فلما اوذي الاطفال في تعليمهم وفي لعبهم ولما اوذي الاب في تربيه اطفاله وتنشئتهم ولما راى الاب دموع اطفاله مع الصبح ودموع اطفاله مع المساء وضجر اطفاله اثناء النهار لم يستطع على ذلك صبرا ولم يملك نفسه فشكى في الصحف لعل الوزير يقرا شكواه فيمس بشيء من الانصاف ويمس اطفاله بشيء من العطف ويرد اليهم واليه حقهم من العدل الذي كلف ان يشيعه بين الناس شكى ولكن الوزير لم ينصفه ولم يعطف على اطفاله ولم يرد اليهم ولا اليه قليلا من العدل ولا كثير لم يفكر في الاب الارمل ولا في الام الميته ولا في الاطفال الصغار اليتامى وانما فكر في الموظف الذي نقد الوزاره في الصحف وراى ان هذا النقد اثم في ذات الحكومه وان القانون المالي يعاقب عليه يا للعقول الواسعه يا للقلوب الرحيمه يا ل الطباع المهذبه ياال الاذواق المصفاه اما الابوه البائسه واما الطفوله التعسه فلا يحفل بها الوزراء ولا يلتفتون اليها ولا يقفون عندها لانهم ان فعلوا ذلك كانوا رحماء والرحمه خور في الطبيعه كما كان يقول محمد ابن عبد الملك الزيات واما ان يلفت موظف وزاره المعارف الى واجبها ويدلها على خطئها ويدعوها الى اصلاح هذا الخطا فهذا هو الاثم كل الاثم والاجرام كل الاجرام وهو التقصير في ذات القانون وهو الخروج على النظام والسكوت على هذا كله ضعف اي ضعف العقاب على هذا كله عدل اي عدل وحزم اي حزم الا بعدا للعداله والحزم ان كانت غايتها اهدار ابوه الاباء وبنوه الابناء وتضيع ما كان للناس على الدوله من حق والغاء ما كان على الدوله للناس من واجبات اساء الموظف اذا الى الدوله في راي الوزير فيجب ان يعاقب فاما اساءه الوزير الى الامه في اشخاص هؤلاء الاطفال الصغار فيجب ان تذهب هدرا كذلك يريد العدل المصنوع وقد حقق مع هذا الموظف قيت عليه اسئله صريحه اجاب عليها اجابه صريحه وكان من الممكن ان يقرا الوزير وان يقدر ابوه هذا الاب البائس وبنوه هؤلاء الابناء البائسين لكن الوزير لم يقدر ابوه ولا بنوه وانما قدر ان الحكومه قد اسيء اليها فيجب ان تنتقم من المسيء فاصدر امره بنقل هذا الموظف الى الصعيض الاعلى هناك حيث لا توجد رياض اطفال وحيث لا يجد هؤلاء الاطفال الذين نشاوا في القاهره ما يلائم حياتهم الهانئ المتواضعه ولو ان لهؤلاء الاطفال اما ترعاهم لسا ابوهم الى الصعيد الاعلى جادا كادا ملتمسا له ولهم اسباب الرزق ولكن الاطفال يتامى لا يعولهم الا ابوهم ولا يستطيع ان يعولهم في الصعيد الاعلى فطلب الموظف الى الوزير ان يعفيه من هذا النقل ليرعى اطفاله ويقوم منهم مقام الاب والام جميعا لكن الوزير لم يفكر في الابوه البائسه ولا في الطفوله اليائسه ولا في الامومه التي ذهبت بها الاقدار وانما فكر في ان وزاره المعارف قد اسيء اليها فيجب ان تنتقم من المسيء لذلك ابى الوزير ان يقبل عذر هذا الاب البائس وحدد له موعدا يصل فيه الى الصعيد الاعلى ونظر الموظف فاذا هو مخير بين امرين احلاهما مر وايسر ما نكر فاما ان يرضي الوزير فيج يحد حق ابنائه عليه ويجحد حق امراته عليه ايضا حق امراته الميته التي لا يمكن استرضائها ولا الاعتذار اليها واما ان ينهض بحق ابنائه وحق زوجه وحق ابوته فيغضب الوزير وفي غضب الوزير ضياع المنصب وانقطاع المرتب وتعرض الاطفال الصغار للجوع والحرمان وقد اختار الموظف فارضى حق الابوه والبنوه والامومه واختار الوزير ايضا بين الرحمه التي اودعها الله في النفوس والعدل الذي صنعه الناس صناعه فترك الرحمه التي نشرها الله واثر العدل الذي صنعه الناس واحاله الى مجلس التاديب ووقفه عن العمل وقطع مرتبه وقد قلت لك اننا بلغنا من الترف في الانتقام والافتتان في حب العذاب الهادئ المتصل البطيء ما لم يبلغه محمد ابن عبد الملك الزياد ففي اليوم الثلاين من شهر اكتوبر ارسلت الوزاره الى ال بنك كتابا تامره فيه الا يصرف لهذا الموظف مرتبه عن شهر اكتوبر وعلم الموظف ذلك من البنك نفسه لا من الوزاره ذهب الى الوزاره في اليوم الاخير من شهر اكتوبر يسال عن هذا القرار فقيل له انه صدر ولكنه لم يطبع بعد ومعنى ذلك ان البنك قد عرف القرار قبل ان يعرفه الموظف ومعنى ذلك ان هذا الموظف ذهب في اخر الشهر ليتقاضى مرتبه فلم يجد شيئا ولم يكن قد عرف من امر القرار شيئا ومعنى ذلك ان هذا الموظف عاد الى بيته في ذلك اليوم صفر اليدين مما تعود ان يوسع به عليهم وان يرزقهم منه رزقهم حين يصبحون وحين يمسون ومعنا ذلك ان هذا الموظف لم يعاقب في نفسه وحده وانما عوقب في اطفاله الصغار ومعنى ذلك ان هذا الموظف لم يعاقب وحده وانما عوقب معه اطفال ابرياء اك ابرهم في السادسه واصغرهم في الثالثه لان هذا الموظف ناقد الوزاره في الصحف ومعنى ذلك ان الوزاره اكرم على نفسها من ابوه الاباء وبنوه الابناء وحق اليتامى لا في ان يتعلموا بل في ان يعيشوا هذا هو العدل الذي صنعه الناس والذي تقوم عليه قوه الحكومات فاما الرحمه التي خلقها الله فاما العدل الذي اراد الله ان ينشر في الارض فامان لا يثبتان لما ينبغي لوزاره المعارف من كرامه في نفوس الموظفين الغريب ان وزير المعارف اب وان ما اجراه على هذا الموظف يمكن ان يجريه عليه طاغيه من الطغاه في يوم من الايام والغريب ان لوزير المعارف اعوانا كلهم اب وكلهم يعرف حق الابوه وحق البنوه وما ينبغي للاطفال الصغار اليتامى من رعايه وعنايه وحمايه من الافات كل هذا غريب حقا لان التسلط يعمل بصائر والابصار عن حقوق الابوه والبنوه ولان التسلط يملا النفوس غرورا وفتونا وتكبرا وتجبره ويرتفع بها عن الرحمه التي هي خور في الطبيعه كما كان يقول محمد بن عبد الملك الزياد اي العذابين اشد نكره عذاب التنور الذي اشرت فيه المسامير المدببه والذي يالم فيه المعذب اياما ثم يموت ام هذا العذاب الرقيق الرفيق الرشيق الهادئ المتصل البطيء الذي لا يرى ولا تحس اثاره لكنه يفني النفوس شيئا فشيئا ويعلم الاطفال ان الحرمان قد يؤذي وان الظلم قد يملا النفوس باسا وان الجوع قد يكون كريه المذاق اي العذابين اشد نكره هذا العذاب الذي كان يصبه محمد ابن عبد الملك الزيات على الاجسام حتى تهلك ام هذا العذاب الذي يصب في هذه الايام على النفوس فيعرض لفقدان الكرامه وللشعور بالذل والاستخدام اما المسلط الى هذا انتهت بنا الحضاره المترفه ويقال بعد ذلك ان اخص ما يمتاز بهر الحديث انم الناس ل ضر تحب الير وتكره الشر وتندمين تصيب الناس تكره ان صها الناس كان هذا حقا وكن هذه الضمائر التي استكشفها الانسان فير الحديث تمتاز ايضا بالمرونه فه قاه على ان تتشكل ب يقدم اليها من الاشكال وهي قادره على ان تستدير مع الشمس هي قادره على ان تستقبل الريح من حيث تهب وهي قادره على ان تلغي ابوه الاباء وبنوه الابناء وامومه الامهات وان تكن في غيابات القبور وهي قادره على ان تعرض الاطفال الصغار اليتامى للجهل والفقر والمرض والجوع لا لشيء الا لان وزاره المعارف قد نقضت في الصحف وهي اكرم من ان تنقض في الصحف وان كان النق اباء لا يعرفون كيف يعلمون ابنائهم معذره ايها القارئ الكريم اني لا اشعر ان في هذا الحديث مراره قد تؤذي نفسك وتؤلم قلبك ولكنك توافقني فيما اظن على ان في حياتنا اشياء ان رضيها ضمير الوزراء واعوان الوزراء فلا ينبغي ان ترضاها ضمائر الشعوب الشجاع لم تخطئي وصفه يا سيدتي فهو شجاع بادق معانيه هذه الكلمه واكملها واشملها ولكن بشرط ان تفهمي من الشجاع معنى غير هذا المعنى المالوف الذي ابتذل الناس في ادبهم القديم والحديث فليس في صاحبنا من شجاعه الناس شيء ولعله ان يكون ابعدهم عنها وابرام منها وادناه الى الخوف الذي يخلع القلوب والهلع الذي يفسد المروءه والجزع الذي تطير له النفوس شعاعا وايه ذلك انه حريص اشد الحرص على ان يرضي كل انسان مشفق اشد الاشفاق من ان يغضب اي انسان لا يحرص على ان يرضي الجماعات ايضا ولعل حرصه على ارضاء الجماعات ان يكون اشد من حرصه على ارضاء الافراد ولا سيما حين يكون لهذه الجماعات من القوه حظ قليل او كثير وحين يكون بينها وبين السلطان سبب طويل او قصير والامر عنده في ارضاء الافراد والجماعات يدور على ما يرجو من منفعه وما من مضره فهو حيثما رجى المنفعه عظيمه كانت او يسيره حلو الشمائل سمح الاخلاق سهل الميراس لين العريكه مهذب الطبع مثقف الذوق عذب الحديث وهو على نقائض هذه الخصال كلها اذا لم يرجو نفعا ولم يخشى ضره فيه ما شاء من شراسه الطبع وجفوه الخلق وغرضه الذوق وانحراف المزاج وسوء العشره وصعوبه الميراث وخشونه الحديث واظنك توافقيني يا سيدتي على ان شيئا من هذه الخصال لا يلائم اخلاق الرجل الشجاع فالشجاع لا يقيم امره على الرياء ولا يجري حياته على المصان ولا يلين حين تجب الشده ولا يشتد حين يحسن اللين الشجاع بالمعنى الصحيح لهذه الكلمه لا يسرف في ايثار نفسه بالخير ولا يضحي في سبيل هذا الايثار بما يجعل الرجل الكريم رجلا كريما ومع ذلك فصاحب شجاع بشرط ان تفهمي الشجاع كما اراد ان يفهمه الشاعر القديم حين قال ورقت اطراق الشجاع ولو يرى مساغا لنا بيه الشجاع صممه الشجاع هنا اسم لا وصف وهو لا يدل على الرجل الذي يصبر نفسه على المكروه ويشمها الهول في سبيل ما يتم مروته ويكمل رجولته ويرفع منزلته ويجعله ممتازا بين الممتازين الذين يستحقون الامتياز ولا يغضبون ه غضبا وانما يدل على الحيه التي تستخفي في حجرها لا تكاد تظهر منه الا راسها الدقيق وتظل على حالها هذه مستخفه مطرقه حتى اذا مكنتها الفرصه ووجدت مساغا لناب لم تضيعها وانما عضت فصممت كما يقول الشاعر وبلغت من عضتها وتصميمها ما تريد هذه الحيا او هذا الشجاع لا يستخفي في الحجر دائما ولكنه يستخفي في رمال الصحراء ويستخف بين الصخور الغلاظ ويندس في الفراش الوثيره وهو سارب بالليل وسارب بالنهار يحسبه من يراه هادئا كل الهدوء مطمئنا كل الاطمئنان ولا يكاد يقدر ان على احد منه باسا لولا ان الانسان قد عرف اخلاقه منذ اقدم العصور ولكن هدوء الهادئ لا يفر الناس عنه واطمئنان المطمئن لا ينسي الناس ما بلوا من اخلاقه هذا هو الفرق الوحيد بين الشجاع الذي نتحدث عنه والشجاع الذي ذكره الشاعر القديم معروف الاذى منتظر الشر قد تواصى الناس ببضه وخوفه واجتنابه منذ عرفوه اما الشجاع الذي نتحدث عنه فانه رجل مثلنا يشاركنا في كثير من صفات الناس ويضطرب معنا في كثير مما نضطرب فيه من شؤون الحياه وهو من اجل ذلك يخدعنا عن نفسه وامله ان يخدع نفسه عن نفسه ايضا ولست ادري ايهما شجاع الحياه الذي لا يراه الناس الا فزعوا منه واتقوا شره او شجاع الناس الذي نراه فطمئن اليه ونصل اسبنا باسبابه ونقدم اليه المعروف وننتظر ان يقدم الينا المعروف او الا يصيبنا منه مكروه على اقل تقدير وقد زعم بعض الناس للجاحظ ان من الحياه ما له راسان وزعم بعض الاعراب للجاحظ انه راى هذا الصنف من اصناف الشجعان فلما ساله الجاحظ باي الراسين يسعى وبايه ما يطعم قال انه يفطر باحد راسيه ويتغذى باحدهما الاخر ويسعى بهما جميعا قال الجاحظ وهذا من اجذب الكذب ومن الجائز ان يكون الاعرابي قد كذب على الجاحظ في وصفه لشجاعته ولكنه من المحقق ان لشجعان الانسي راسين وانه يفطر باحدهما ويتغذى باحدهما اخر او قولي ان شئت يا سيدتي ان له لونين من الوان الغذاء وقد خصص لكل لون منهما راسا من راسيه هذين فله غذاء مادي ياتلف من هذا المال الذي يجمعه شيئا فشيئا ويحص قليلا قليلا ويضم بعضه الى بعض في اناه ورفق وانتهاز للفرص وله غذاء معنوي يمازجه شيء من الماده هو هذه الدرجات التي سعى لها منذ ان اتصلت اسبابه باسباب العمل في الدواوي فهو يلتمسها في اناه ورفق وانتهاز للفرص كما يلتمس غذاءه المدي ذلك وما اكثر الذين يتاح لهم ان يعملوا في دواوين الحكومه او غيرها من مكاتب الاعمال العامه ويعنون مع ذلك بجمع المال وتدبير الثروه والاستكثار مما يتيح لهم الغنى ويملا ايديهم من حطام الدنيا ولكن المهم الذي يمتاز به صاحبنا ويشبه به الشجاع شبها قويا والشجاع ذا الراسين هو طريقته في جمع المال وتدبير الثروه وطريقته في التماس المناصب وابتغاء الوسائل الى الرقي في درجاتها المختلفه فهو لا يسعى في ذلك كما يسعى الناس وانما يتاتى له كما يتاتى الشجاع للفريسه التي يعمل فيها نابيه وينفث فيها سمه الناقع وقد زعم بعض الصقالبه للجاحظ ايضا ان من الحياه ما يلتف على البقره الحلوب التفا حتى يبلغ ضرعها فيرت في شره وما يزال يشرب ما فيه من لبن حتى يمتلئ وينتفخ ويترا خه واذا هو يترك البقره ويستلقي سكرانا من كثره ما شرب لكنه قد طر فريسته الى الهلاك كذلك يفعل صاحبنا في جمعه للمال حين يجمعه وفي التماسه للمنصب حين يلتمسه يرى الفريسه امامه فينظر اليها ويصل بها نفسه وقلبه وعقله ثم يثيب اليها حين تمكنه الفرصه ثم يلتف عليها وما يزال يمتصها امتصاصا ويرتع ارتضع حتى ياتي على اخر ما عندها اورثته اسرته ثروه متواضعه ليس بذات غناء ولكنه لم يقنع بها ومتى قنع الناس بما يتاح لهم من اغراض الدنيا لم يقنع بها وانما طمع في تنميتها وفي تنميتها على حساب جيرانه وخلانه وذوي مودته والذين كانت بينهم بين اسرته صلاه المحبه والالفه وحسن الجوار فطرق اطراق الشجاع وجعل ينتهز الفرصه حين تسنح ويتربص الدائره حين تدور ويرقب النائبه حين تنوب فلا تزال عينه ناظره الى ما حوله من ارض جيرانه ولا تزال نفسه متصله بها حتى تعرض حاجه جار من جيرانه الى بعض المعونه الى ما يحتاج اليه صاحب الارض من هذا القرض الذي يؤدي به الحق حين يلزم ويدفع يرع به الخطب حين يلم هناك يرفع الشجاع راسه من اطرقه وهناك يكون الاطماع ويكون الامتناء وهناك يكون الدنو ويكون الناي هناك يكون القرب ويكون الهجر والحاجه ملحه على جاره ولعله ان يشارك في جعل هذه الحاجه ملحه مشتد في الالحاح وما زال بجاره يبدي له المال ويخفيه عنه حتى اذا وجد مساغا لنبيه ادى المال واخذ مكان رهنا مقبوضا وكذلك انفق حياه طويله يداعب جيرانه هذه المداعبه المره يلاعبهم هذه الملاعبه البغيضه حتى ضم ارضهم الى ارضه ومالهم الى ماله وحتى ردهم فقراء بعد غنى واشقياء بعد سعاده ومحتاجين الى الرفق والعطف بعد ان كانوا يبذلون الرفق والعطف واذ هو سيدهم وقد كان واحدا منهم واذ هم يدينون له بالطاعه ويلجؤون اليه عند الملمات ويعملون في ارض كانت لهم فاصبحت له واصبحوا هم لها وله في وقت واحد واذا هو يستكبر ويستعلي ويطغى ويبغى ويشق على من كانوا له اكفاء فاصبحوا له اجراء كذلك عمل احد هذين الراسين في الازدراء والالتهاب لكل ما كان حوله من المال والثراء ينتهز الفرصه كلما سنحت ويخلق اذا لم تسنح ويبذل الحيله كل الحيله في خلقها وابتكارها اذا امتنعت عليه وهو على هذا كله هادئ وادع مطمئن يشيع في قلوب الذين يرونه امنا وانسا ودع ورفقه حتى اذا عضهم بنابي عرفوا كيف تكون مثوره الحياه ولو كان لهم حظ من ثقافه او ادب لانش كل واحد منهم قولا نابغه ثبت كاني ساورتني ضئيله من الرقش في انيابها السم ناقع واما راسه الثاني فيعمل في القاهره ويستقر في مكتب من المكاتب وفي ديوان من الدواوين كما يستقر الشجاع في جحره او يترق كما يترق الشجاع في كثيب من رمال الصحراء يسعى هادئا كما يسعى النسيم وينساب رفيقا كما ينساب ماء الينبوع وهو على ذلك حذر ماكر يرقب الفرصه ويسعى بالكيد ويفرق بين الصديق ويغري بالزميل حتى اذا امكنتهم واحسن التصميم ووثب الى فرسته فانطوى عليها كما ينطوي شجاع الجاحظ على البقره الحلوب وما يزال يمتص فريسته حتى ياتي على اخر ما عنده واذا هو ارتقى من منصب الى منصب ووثب من درجه الى درجه وقفز من مرتبه الى مرتبه واذا الذين كانوا له رفاقا وزملاء قد اصبحوا له مرؤوسين يجدون في طاعته ويصدرون عن امره وقد ملا الجو من حوله مكرا وكيدا وخبث ودهاء ونفث السم في البيئه كلها كما ينفث الشجاع سمه في الفريسه حين يفطر بها اخص ما يمتاز به الشجاع انه على ما يظهر من لينه ورخاوة ولا يبلغه الجهد مهما يحاول من امر ومهما يتكلف من مشقه وهو من اجل ذلك لا يرضى مهما حقق من امل ولا يقنع مهما يبلغ من ارب وهو لا يمضغ دائما ولكنه يمضغ حينا ويستدرك امر الشجاع في هذا كله فراسه العامل في القريه لا يطرق الا ليثبت العامل في القاهره لا يطمئن الا يثور معدته مضطربه دائما بهذا الهضم المتصل الذي لا يذر شيئا اتى عليه الا جعله كالرميم ولشجاعتك ولو قد سمعت صاحبنا يا سيدتي حين يعبث به الطمع ويحركه الاغراء وتدعوه الفريسه الى القضم والهضم لسمعت صياحا منكرا وجرا بشعا ليس اقل نكرا ولا بشاعه مما يبعثه الشجاع حين يتهيا ل الوثوب من صفير وفحيح وليس لشجاعته ويؤسس ويؤسس المقام فيه وانما هو ساع دائما ياوي الى حيث يحب ان ياوي ويغير حيث يحب ان يغير وهو من اجل ذلك شائع الاذى متصل الشر منتشر العدوان صاحبنا يشارك الشجاع في هذه الخصله كما يشاركه في غيرها من الخصال فهو لا يؤثر مالا بعينه ولا يؤثر عملا بعينه ولا يؤثر صديقا بعينه ولا يؤثر عدوا بعينه انما المال كله صالح للجمع وتوفير الثراء والعمل كله صالح لنيل المناصب وارتقاء الدرجات والناس كلهم له صديق والناس كلهم له عدو وهو قادر على ان يندس في كل مكان ويحصل في كل مجلس وينساب في كل ناد ويقول في كل شيء ويكتب في كل موضوع وينفث السم حيث يتاح له ان ينفث السم اي حيث يتاح له ان يتنفس فالهواء كله قد سخر له يودعه سمه فينقله حيث يسعى النسيم وحيث تجري الريح عاصفه او رخاء لشجاعته المصريه شهره ذائعه واحاديث شائعه وذكر قديم وصوت بعيد وعهد مصر كما تعرفين بالحياه قديم ذكرت مع فرعون في الكتب المنزله وظهرت مع فرعون في النقوش والاثار ولكن عهد مصر بالشجان الانسيه قريب فيما يظهر وهو على قربه خصب بعيد الاثر فقد كثرت شجعان الناس في مصر منذ ان اضطربت السياسه وتلاحقت الخطوب ومكر بعض الناس ببعض وكاد بعض الناس لبعض وتوشك مصر ان تعرف بشجع الناس كما عرفت بشجع الحيات قالت السيده متضا احكه وكانت قريبه حسبك فقد روعتني واخشى ان تكون قد روعت نفسك فاذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بالله من ان يتخبطه الشيطان عند الموت ومن ان يموت في سبيله مدبرا ومن ان يموت لديغا سمير الليل لا تكلف نفسك مشقه ولا جهدا فلن يتاح لك حل هذا اللغز بالمشقه والجهد ولا بالرويهب والتفكير الطويل وليس مصدر ذلك ان هذا اللغز عسير الحل ولا ان الطريق الى حله ملتويه متشعبه يوشك سالكها ان يجوز فيها عن قصد السبيل بل مصدر ذلك ان هذا اللغز يسير جدا ايسر مما تقدر واقرب الى الحل مما تظن وان الطريقه الى فهمه قصيره مستقيمه لا طول فيها ولا التواء فانت ترى صاحبنا اعجوبه من اعاجيب الدهر وغريبه من غرائب الزمان تجلس اليه فلا تكاد تسمع منه صوابا ولا تكاد تفهم عنه شيئا تتحدث اليه فلا يفهم عنك الا ايسر ما تقول ولا يكاد يرد عليك رجع الحديث حتى ياخذك شيء من العجب لانك لا تدري اتحدث الى عاقل ام تتحدث الى مجنون انت تنظر الى جسمه هذا الذي يمتد عن يمين وشمال ومن وراء وامام ولا يكاد يرتفع في الجو الا قليلا ولا يكاد يجد من الناس وكراسيه ما يسمعه كما يسمع غيره من الناس فيخيل اليك ان هذا اللحم المتراكبه والشحم المتراكم قد القى بين نفسه وبين العالم حجبا صفاق واستار كثافه فهي لا تكاد تحس من العالم شيئا والعالم لا يكاد يبلغها الا بعد عناء شديد وانت تنظر الى وجهه الضخم الجهم فترى على شفتيه الغليظتين ابتسامه تدل على البله والغفله اكثر مما تصور الفطنه والذكاء وترى انفا ضئيلا قد كاد يخرق فيما يكتنفه من لحم خديه وجعل النفس يتردد فيه محتبس مختنقا يسمع له صوتا ثقيلا بغيضه وترى جبهه ضيقه بارزه قد انبسط فوقها راس مفرط عريض قل فيه الشعر واخذ فيه الصلاه وجعلت تبدو من خلاله رقعه ضيقه جرداء حتى انكره وكره ان يكشف راسه الا قليلا ترى عينين موضت كان صاحب هما نائم مغرق في النوم فاذا اراد ان ينظر الى شيء امامه او الى انسان بين يديه رفع جفنيه متكسرين ورفعهما في شيء من الجهد فبدت من دونهما عينان صغيرتان منطفئ تان لا تصوران يقظه ولا نشاطا ولا ذكاء وانما تصوران نوما وخمولا وغباء شديدا فاذا استمعت له وهو يتحدث اضطررت الى ان تجهد اذنيك لينقل عنه الصوت اليك لانه يتكلم في صوت ليس بالنحل ولا بالضليل ولكنه مع ذلك ليس بالقوي ولا بالمرتفع انما هو صوت وسط بين ذلك مضطرد منكسر اشبه شيئا بالماء الفاتر يريد ان يجري جريانا سواء فتعترض عقبات يسيره جدا يتغلب عليها وينشا عن ذلك فيه تهدج وانحطاطه يؤذيك والاستماع له يضنيك والفهم عنه يشق عليك والوصول الى نفس يرهقك من امرك عسره والحكم الذي تكونه في نفسك حين تقبل عليه او تنصرف عنه هو انه غلطه من غلطات الطبيعه وفلته من فلتات الدهر ووهم من اوهام الظروف كانما اريد به ان يكون حيوانا من هذه الحيوانات الضخمه ذات الخلق المرتبك والشكل الذي لا يروق ثم عدل به في اللحظه الاخيره الى شكل الانسان فلم يحسن تقويمه ولم يعتدل قده ولم يتسق شكله ولم ينفخ فيه من الروح الانساني العاقل الا جزء ضئيل هكذا تحكم عليه حين تلقاه وكذلك تحكم عليه حين تفارقه لولا انك مضطر الى ان تنكر هذا الحكم انكاره وترفضه رفضه وتعترف كما اعترف بان له حظا عظيما من الذكاء والفطنه وبانه يدبر امره في حياته الخاصه والعامه تدبير المستبصرين اولي الذكاء النافذ والذهن المتوقد والعقل الذي لا يعبا بالمشكله ولا يرتد عن معضلات الامور وانت حائر كل الحيره في هذا التناقض بين ما يظهر من شكله ومن عقله وبين ما يصدر عنه من الاعمال والاقوال التي لا تصدر عن غفله ولا عن غباء مصدر هذا التناقض الذي تضيق به وتراه لغزا معضلا وتريد ان تلتمس له الحل فلا تجد الى حله سبيلا انك لم تعرفه كما اعرفه ولم تظهر من امره على ما اظهر عليه فصاحب ا عجوبه من غير شك ولكنها اعجوبه لا تكاد تثبت لمن يعرفه حق معرفته سبيل ذلك ان تصحبه يوما كاملا يوما ياتلف من النهار والليل فالنهار وحده لا يفسره والليل وحده لا يجلوه لابد من ان يتعاون هذان الفرسان الذان يتسابقان دائما ولا يستطيعان ان يجتمعا في مستقر واحد لابد من ان يتعاون هذان الفرسان على تفسير غامضه وتجليه امره لانهما قد اقتسما نفسه اقتسام كاملا فلنه منه نصيب لا يعرفه الليل ولليل منه نصيب لا يبلو النهار وايه ذلك ان عين الفجر لم تره قط الا مغرقا في نوم ثقيل او غارقا في سكر عميق وان عين الضحى المشرق لم تره قط الا يقضان الجسم نائم النفس وان صدر الليل لم يره قط الا مرحا فرحا خفيفا رشيقا كانه لا يحملها هذا الجسم الضخم الثقيل وانما يحمل جسما قد صور من الهواء فهو لا يسكن الا ليتحرك ولا يستقر الا ليضطر ولا يسكت الا ليتكلم ولا يتكلم بهذا الصوت الفاتر المتكسر وانما يتكلم بصوت مرتفع عريض يملا الفضاء ويسمع من بعيد وهو لا يجد مشقه ولا جهدا في رفع جفنيه ولا في التنفس من انفه الدقيق الضئيل وابتسامته تلك الغافله البلهاء تستحيل الى ابتسامه اخرى فيها كثير جدا من الفطنه وفيها كثير جدا من الذكاء وهو على كل حال ليس نائما اذا جنه الليل وانما هو ابعد الناس عن النوم اعظمهم حظا من اليقظه بل قل انه يقظه كله يقظه لا تنام ولا تنيم وانما توقظ الناس من حوله ولعلها تزعجهم ازعاجا فهو حياه ثائره فائ وهو حركه هائجه مائ وهو تفكير متصل لا يعرف الانقطاع وكلام مرسر لا يعرف الوقوف فله نفسان نفس قد صحبت النهار تنام فيه وتؤذن الناس بانها مستيقظه ونفس قد صحبت تسد فيه وتخيل الى الناس الذين لا يالفه انها نائمه وكل ما يصدر عنه من الاعمال التي تصور الذكاء ومن هذه الاقوال التي تصور الفطنه انما هو من وحي نفسه المستيقظ في الليل تقدره وتدبره ثم تهينه وتدخله لنفسه النهاريه النائمه فيصدر عنها كما تصدر الاحلام عن النائمين لم يكن هذا حاله منذ مارس حياه الرجال وانما طرا عليه قليلا قليلا كما تطرا بعض العلل على بعض المرضى فقد كان في المدرسه الثانويه واثناء الدراسه الجامعيه في مصر وفي اوروبا فت كغيره من الفتيان يشارك اترابه في الدرس ويشاركهم في العبث والمرح ولكنه يمعن في الدرس اكثر مما كانوا يمعنون ويبلغ من النجاح اكثر مما كانوا يبلغون فاذا اقبلوا على مرحهم استوفى منه حظا اعظم من حظوظهم والح فيه الحاحا كثيرا ما كانوا ينكرونه عليه ويلومه فيه فلم يكن يلقى لومهم الا بالسخريه ولم يكن يستقبل اعراضهم الا بالازدراء وما له لا يفعل ذلك واسراف على نفسه في اللهو لا يقصر به عن اتقان الدرس والتفوق على اترابه فيه وما الذي يمنعه ان يعطي نفسه من لذه العقل اعظم حظ ممكن وان يعطي جسمه من اللذه الحس اكبر قصد مستطاع ولماذا ينصف نفسه بما يتيح لها من لذه العلم والمعرفه ويظلم جسمه بحرمانه لذه العبث والمجون وكذلك انشا لنفسه فلسفه خاصه لا امت حياته في اوروبا ملائمه ما ولكنها لم تلائم حياته في مصر فالاوضاع الاجتماعيه في مصر خصائصها التي تفرض على الناس ولا سما حين يشغلون المناصب ويرضون الرؤساء ويرون رقيا سريعا الوانا من الوقار وضبا من الاحتشام تضطرهم الى شيء من الجد والحرمان ان كانوا اصحاب عبث ومجون من اجل ذلك ضاق صاحبنا بالحياه اول الامر ضيقا شديدا انتهى به الى سام شديد وكاد ينتهي به الى ياس مظلم فقد راى ابواب العلم والمعرفه والدرس والبحث مفتحه له على مصاريعها وراى فرص اللهو والعبث نادره ووسائلها محدوده وابوابها لا تكاد تفتح الا قليلا ولا تكاد تفتح الا لتغلق فاذا هم ان يلج منها الى ما يريد اضطر الى كثير من الحذر والاحتياط لان الاوضاع الاجتماعيه في ذلك الوقت كانت تفرض الحذر والاحتياط وقد هم ان يرضي نفسه ويهمل حسه وان يمعن في لذه العلم ويزهد في لذه الاثم لكنه لم يلبث ان انس من نفسه زهدا في المعرفه وانصراف عن الدرس وفتو عن البحث والدرس ونظر فاذا هو يوشك ان يكون موظفا كغيره من الموظفين الذين يضطربون من حوله خاملين لا يضيقون بالخمول والخمود بل لا يشعرون بالخمود والخمول وانما هم راضون عن انفسهم وعن حظوظهم قد اطمان الى الحياه واطمنت اليهم الحياه كان صح ابعد الناس عن الرضا وابغض للاطمئنان واشدهم طموحا الى الرقي وطمعا في الامتياز فلم يكد يفكر ويقدر حتى استيقن ان فلسفته تلكد خلقت له وانه خلق لها وانها وحدها هي التي تستيع ان تبلغه ما يريد من علو المنزله وارتفاع المكانه ومادام لا يرضى بالقليل ولا يقنع بما يقنع به عامه الموظفين ولا يكفيه ان يخطو الى الامتياز خطوات متئ معتدله وانما يريد ان يخطف الطريق خطفا وينهب نهبا وياتي بما لم يستطعه الاوائل كما يقول ابو العلاء فلا بد من ان يلجا الى فلسفته فيحيا بها ويحيا لها وقد فعل فاعتزل الناس الا قليلا جعل يلقاهم في الديوان حين يغدو على عمله في الديوان وجعل يلقاهم اخر النهار اذا اضطرته الظروف الى ان يلقاهم اخر النهار ولكنه جعل لا يكاد يستقبل الليل حتى يبت ابسم للمته المظلمه ابتساما مشرقا ويمد اليه يد الصديق ويفتح له قلب الخليل ويتحدث اليه كما يتحدث الحبيب الى الحبيب اتخذ الليل سميرا وندي واتخذ الشراب سميرا وندي واتخذ الكتاب سميرا ونما ايضا فجعل كلما اقبل الليل خلى اليه والى كتابه وشرابه ففكر وقرا وكتب وتسى بين ذلك الكاس اثر الكاس حتى اذا تولى الليل الا اقله وكاد توالي نجمه تتغ كما يقول ابن ابي ربيعه اعرض عن الشراب كارها وانصرف عن الكتاب محرجا يضطره الى هذا الانصراف وذلك الاعراض انه لا يستطيع ان يمسك الليل ولا ان يرد النهار وان للقراءه والتفكير والشراب اثرا في العقل والجسم جميعا فلا بد من الراحه بعد التعب ومن النوم بعد السهاد الطويل فهو اذا يسعى سعي المقي في الوحل كما يقول مسلم ابن الوليد حتى يبلغ سريره فيلقي نفسه عليه القاءه ويستسلم للنوم استسلامه وما اكثر ما كان يقبل على السرير والنوم وهو يبغضه اشد البغض ويمقت هما اقبح المقت لكن لابد مما ليس منه بد على ان النوم لا يلبث ان يطبق عليه اطباقا ويضمه ضما عنيفا ثقيلا قصيرا ايضا فهو يستيقظ قبل ان يرتفع الضحى ويخدو على عمله كما تعرفه نائما او كالنائم ممضا في هذا الذهول الغريب وقد طالت تجربته لهذا النوع من الحياه او لهذين النوعين المختلفين من الحياه حتى الفهما الفا متصله واصبح لا يستطيع ان يحيا الا كما نراه نحن في النهار كما يراه الله وقليل من الاخلاء في الليل على ان حياته هذه المختلفه لم تلبث الا قليلا حتى ظهرت اثارها في رايه وعمله وسيرته مع الناس فهو اذكى من ان يامن السكر على ارائه واعماله واقواله فهو من اجل ذلك قد اساء الظن بنفسه فجعل لا يرى رايا الا اطال التفكير فيه والتقليب له قبل ان يعلنه يتهم فيه ليله هذا السكران ويخشى ان يدفعه الى غير الصواب هو لا يقدم على عمل الا بعد التردد المتصل وبعد الاحجام الطويل وهو لا يقول قولا الا بعد ان زنه كما يزن الصيرفي دنانيره بميزانه الحساس الدقيق ثم جعل سوء ظنه بنفسه يقوى ويشتد ويمتد حتى تناول الناس جميعا واذا هو لا يصدقك اذا استمع اليك كما انه لا يطمئن الى ما تهدي اليه من قول او عمل لانه يتهم الناس جميعا فيما يقولون ويعملون كما يتهم نفسه في كل ما يعمل ويقول ويريد سوء حظه او حسن حظه لا ادري ان تبتسم له الايام ويستجيب له الحظ فيرقى ويرقى ويسرع اليه الثراء واذا هو يشعر كما يشعر غيره من الناس بانه في حاجه الى ان يكون لنفسه اسره ويؤسس لنفسه بيتا فيتخذ الزوج ولكنه لا ينعم بالزواج الا اياما فقد صرفته زوجه عن ن دائمه الليل والشراب والكتاب صرفته فانصرف اول الامر ثم لم يلبث ان ادركه السام فج ج يرد نفسه الى ندمائه هؤلاء شيئا فشيئا وهو كلما رد من نفسه جزءا الى ندمائه حرم زوجه هذا الجزء من نفسه فسعد هو وشقيت هي حتى اذا عادت نفسه كلها الى دائمه نعم بسعادته الكامله وشقيت بحرمانها الكامل وعاش الزوجان في دار واحده لكن كلا منهما اصبح لصاحبه عدوا يظهر الحب ويضمر البغض قلت لصاحبي حين بلغ هذا الموضع من حديثه او تظن الامور تستقيم لهذا الكائن الغريب على هذا النحو الغريب من انحاء الحياه قال صاحبي هت وكيف تستقيم الامور لرجل يسامر ظلمه الليل التي تخشي الابصار وظلمه الخمر التي تخشي البصائر الم انبئ بان حبه لهذه الظلمات قد افسد عليه حياته الروحيه دفعه الى الاسراف في سوء الظن بنفسه وبالناس ومتى استقامت الامور لمن يقيم حياته على الاسراف في سوء الظن بنفسه وبالناس طيف القى كل واحد منهما الى صاحبه نظره دهشه واجمه فيها كثير من هذه الغفله الحائره التي تنشا من المفاجاه والتي لم تلم بالامن المطمئن حين يفاجئه من الامر ما لم يكن ينتظر بل ما لم يكن يخطر له ببال وكانت النظره التي القاها كل منهما الى صاحبه خاطف اول الامر ولكنها عادت فطالت واستقرت شيئا ما ولزمت مع ذلك صمتا ان صور شيئا فانما يصور انعقاد اللسان حين تسيطر الحيره على العقل فلا يفكر وعلى القلب فلا يشعر وعلى اللسان فلا يقول وقد لبث كل منهما بازاء صاحبه ذاهلا غافلا لا يعرف ماذا يصنع ولا يدري كيف يقول ولو قد عرض لهما هذا اللقاء المفاجئ لاصاب الحيره و طويلا اوصي و تهيا اخر الامر الى مخرج من هذه الحيره بكلمه تنفرج عنها الشفاه او ضحكه تنر لها الافواه ولكنه في موقفهما هذا لم يكنا يستطيعان ان يخرجا من حيرته الصامطه الى الضحك او الى الكلام فقد كان بينهما هذا القبر القائم يضطره الى شي من الوقار لا يملكان معه ضحكا ان اراد الضحك ولا كما ان اراد الكلام هما من اجل ذلك قد لبثا صامتين واجمين يلتمس مخرجا من هذا الصمت ومنصرف من هذا الوجوم فلا يجدان الى شيء من ذلك سبيلا وقد اخذ كل واحد منهما يحدث نفسه بالانصراف عن هذا القبر يرى في هذا الانصراف فرجا من هذا الحرج ومخرجا من هذا الضيق ولكن كل واحد منهما كان يسال نفسه ادا هو بالانصراف ام ينتظر حتى يضطر صاحبه الى ان ينصرف وانهما لفي هذه الحيره المتصله واذا خطو يسمع وقعه من بعيد فيرفع راسيه ما وينظران من حيث يسمعان فاذا شخص يقبل بطيئا رزينا متكلفا للوقار ولا يكاد يدنو منهما حتى يعرفا كما يعرف كل واحد منهما نفسه فهو صديقهما الثالث الذي تعود ان يلقاه حين يقبل المساء من كل يوم وان يسمر معهما حيث تعودوا ان يسمر في ناد من انديه القاهره اول الليل وان ينصرف معهما الى حيث تعودوا ان ينصرفوا حين يوشك الليل ان ينتصف فيلقون في بعض الانديه الخاصه من يلقون من رفاق اللهه وخلان العبث والمجون حتى اذا كد الليل يبلغ ثلثيه اوى ثلاثتهم الى تلك الدار التي تعودوا ان ياو اليها في اخر الليل وقد خلصت نفوسهم حظا له وصفت ضمائرهم للعبث وحسن استعدادهم للمجون او قل ان شئت لاستيفاء حظهم من المجون هناك يكون شرب الكؤوس الاخيره وهناك تنطلق الالسنه بما تشاء في غير تكلف ولا حرج وهناك ترسل النفوس على سجيتها في غير احتياط ولا تحفظ وهناك يخلع الانسان عن نفسه هذه الخصال المصطنعه التي فرضتها الحضاره على المتحضرين ويصير الى حال من الانسانيه المترفه الفاجره التي تنحط بصاحب بها او ترتقي بصاحبها لا ادري الى حيوانيه مترفه لا ادب فيها ولا وقار حتى اذا انهزم الليل وولى مدبرا وانتصر الصبح واقبل ظافرا ان سلوا من هذه الدار لا تكاد اقدامهم تحملهم ولا تكاد اجسامهم تسع نفوسهم ولا تكاد السنتهم تنطق ولا تكاد عقولهم تفكر ولا تكاد قلوبهم تشعر لانهم قد اسرفوا على انفسهم في الاستمتاع بانسانيه المهذبه التي نعمت حتى افسدها النعيم واثرت حتى اضواها الثراء وارتقت حتى انحضر بها الارتقاء الى الدرك الاسفل من الانحطاط ولا يكادون يبلغون باب الدار متثاقل متهالكين يسندهم الخدم مكبرين لهم ساخرين منهم حتى يتلقى كل واحد منهم سائق سيارته فيقر على شيء من الجهد في السياره يظهر الاكبار له ويضمر الاستهزاء به ثم يمضي بها هذا المتاع الغالي الرخيص حتى ينتهي به الى داره وحتى يرد منه الى اهل الدار شيئا عظيما جدا في اعين الناس حقيرا جدا في عين نفسه وفي عين اهله وهو هذه البقيه التي تركها الصبا واللهو والخلاعه والمجون فاذا تقدم النهار وارتفع الضحى وزالت الشمس او كادت تزول افاقت هذه البقيه الباليه من نومها الثقيل الغليظ وتلقاها عمال الترف اولئك الذي ين يجددون البالي ويحسنون القبيح ويقيمون المتهدم ويردون الشباب الى من فارقهم الشباب وما هي الا ساعات حتى تستانف هذه البقايا الباليه حياه جديده فيها نشاط وقوه وفيها جمال ونضره وفيها شوق مجدد الى اللهو وفيها نزوع مستانف الى المجون ولا يكاد النهار يبلغ اخره حتى يخرج من هذه الدور اشخاص فيهم كثير من المرح كثير من الفتون وكثير جدا من الجهل والغرور واذا هؤلاء الاشخاص يلتقون في ناديهم الذين تعودوا ان يلتقوا فيه فتكون الدعابه الفاتره وتكون الفكاهه البارده ويكون المزاح السخيف ويكون الاقبال الفاتر على العبث الفاتر وكلما تقدم الليل ازداد النشاط واشتد المرح وعظم الخطر من العربده واخذ كل جسم من هذه الاجسام يصير ثوبا قد دخلت فيه نفس جنيه طغى عليه يها الهو وجمعت بها الشهوه واندفع بها حب الاثم الى غير حد واذا هم يستانف ليلا كللهم الماضي ويستقبلون حياه ناعمه يائسه كحيات الماضيه ويعودون الى دارهم مع الصبح بقايا محطمه لا تريد شيئا ولا تقدر على شيء ولا تصلح لشيء حتى يشتمل عليها النوم فيرد اليها شيئا من قوه ثم يتناولها عمال الترف الذين يرفعون البالي ويجددون القديم حتى يرد هذه البقايا الباليه اشخاصا قادره مريده ولكنها لا تقدر الا على الفساد ولا تريدوا الا الاثم والمجون ولكنهم في هذه المره لم يلتقوا في ناديهم ذاك الذي تعودوا ان يلتقوا فيه حين يقبل الليل وانما التقوا في مكان لم يكن ينتظر ان يلتقوا فيه ولا ان يذهب اليهم واحد منهم فليس فيهم له وليس هو مظنه لله وليس فيه سمر ولاه مظنه للسمر ومتى لها الناس بين القبور ومتى سمر الناس حول قبر لم تمضي على اقامته الا اسابيع قليله كيف ذهب هؤلاء النفر الى هذا المكان الموحش في قلب الصحراء وكيف التقى هؤلاء النفر حول هذا القبر الذي لم تستقر فيه صاحبته الا منذ امد قريب هذه هي المساله التي القاها كل واحد منهم على نفسه فوجد الجواب عليها سهلا يسيرا وهم ان يفكر فيها ويستق التفكير ويتعمق لولا انه لم يخلق للتفكير ولا للاستقصاء ولا للتعمق وانما خلق للعبث والمجون الذي يفسد المروءه ويذهب بندره الاجسام والنفوس فلم يكد ثالث القوم يرى صاحبيه حتى اخذه ما اخذهما من الدهش وعراه ما عراه من الذهول وشيه ما غشيه من الوجوم لكنه لم يملك نفسه طويلا وانما هم ان يضحك ثم استحى من الغير فولى مدبرا وتبعه صاحباه حتى اذا بعدوا عن هؤلاء القوم الذين لا تزاور بينهم ولا وصل الا ان يكون نشور كما يقول ابو نواس تساءلوا كيف كان سعيهم الى هذا المكان ووقوفهم عند هذا القبر والتهم على غير ميعاد وقد جعل بعضهم يكذب بعضا في شيء من الحيره المتبلده او من التبلد الخائر لكنهم تواصوا ما راوا وزنوا بينما سمعوا ولم يروا بدا من ان يعترفوا بهذا الامر الغريب العجيب الذي كان خليقا ان يملا قلوبهم روعه ونفوسهم هوله لولا انهم تعودوا ان يجدوا في الكاس ما يغسل قلوبهم من كل روعه وينفي عن نفوسهم كل هول ولست ادري الى ما صارت امورهم جميعا ولكني اعلم ان احدهم على اقل تقدير قد ادركه ذهول يشبه الجنون وغفله تشبه الخبل والمت به عله لست ادري اثبت لها ام يعجز على ان يقاومها ويجد الى البرء منها سبيلا وقد تسالني انت عن سعيهم الى هذا المكان الموحش في الصحراء ووقوفهم عند هذا القبر الذي لم يقم الا منذ امد قريب والتقائه على غير ميعاد بين هذه القبور حين اخذت الشمس تنحدر الى مغربها وتجر جر على هذه القبور اشعه شاحبه ان صورت شيئا فانما تصور حزنا كانه كان صدى يردده الجو لهذا البلا الذي كان يعمل جاهدا فيما احتوته هذه القبور ولست اكره ان اقص عليك مصدر هذا كله ولكني اعتقد انك ستدهش لما اقص عليك من حديث فانت وما شئت من الشك وانت ما احببت من الثقه وانما الشيء الذي اطمئن اليه انا كل الاطمئنان و اني انما احدثك بشيء قد وقع واصور لك في هذا الحديث امرا قد كان وكل ما اتمنى هو الا يعرض لك مثل ما عرض لهؤلاء النفر الثلاثه الذين افسد عليهم امرهم ما اغرقوا فيه من عب ولهو وما تهالكوا عليه من اثم ومجون كان هذا القبر الذي التقوا عنده مستقرا لغان حسناء رائعه الحسن بارعه الجمال فاتنه الظرف ساحره الطرف تعودوا ان يلقوا في تلك الدار التي كانوا ياون اليها من اخر الليل ويستنفذ فيها ما بقي لهم من قدره على المجون والعبث وكانت تلقاهم لقاء سواء تعادل بينهم فيما تهدي اليهم من ظرفها وخفتها ومن رشق واناقتها ول باقتها ومن هذا التودد الذي يغري ويطمع حتى يخيل الى المرء انه مشرف على الغايه ومنتهي الى الامد وبالغ ما يريد ثم هو لاينتهي به مع ذلك الا الى الياس المهلك والقنوط الذي يملا القلوب لوعه وعذابا فكان كل واحد من خلانها يستطيع ان يتمثل قول جميل ومنيتي حتى اذا ما ملكتني بقول يحل العصم سهل الاباطح تنايت عني حين لا لي حيله وغادرت ما غادرت بين الجوانح ولكنهم كانوا اجهل جهلا واحمق حمقا وافرغ افئده واسخ عقوله من ان يتمثل الشعر او شيئا يشبه الشعر انما كانوا اصحاب لذه غليظه جافيه يشقون ليتن وينعمون ليشقوا ويمون ليذ ويلذ ليال الموا دون ان يوازنوا بين شقاء ونعيم او بين لذه والم قد دفعوا الى الحياه وما فيها من نعيم وبؤس فهم مندفعون الىى الحياه لا يفكرون في نعيم ولا بؤس دفعهم الى هذه الحياه المنكره ثراء لم يجدوا في كسبه عناء وتربيه لم تمنحهم احلاما راجحه ولا بصائر نافذه ولا قلوبا قادره على ان ترتفع عن اللذات الماديه الاثمه والشهوات المندفعه الجامحه فكانوا اذا يلقون صاحبتهم تلك في من يلقون من خليلات له ورفيقات العبث وال مجون يجدون في هذا اللقاء حبا وبغضه ورضا وسخطا وانجاح واخفاق ولكنهم قد اتصلت نفوسهم جميعا بهذه الفتاه اتصالا شديدا وتعلقت قلوبهم بها تعلقا عنيفا واجدت امالهم فيها وعظم ياسهم منها حتى اخذ بعضهم يتنفس على بعض ما يصدر عنها من لفظ ولحظ واشاره وحتى كد بعضهم يصبح فيها لبعض عدوا وهم على ذلك كانوا يجتمع ويفترقون لا يزيدهم الاجتماع الا تنافسا وتباع ولا يزيدهم الافتراق الا حرصا على التداني وتكلف باللقاء وقد اخذ كل منهم يظن بصاحبه الظنون يزعم انها تؤثر فلانا من دونه ويشتد حقده على فلان ومكره به وكيده له حتى كاد الامر ينتهي بهم الى اعظم الشر ولكن الايام اراحت من هذا العناء المهلك فردت عنهم هذا الشر المستطير لانها اختطفت من بينهم هذه الغاده الحسناء في حادثه من هذه الحوادث التي تنقل الناس من الدار الاولى الى الدار الاخره في طرفه عين فاجتمعت قلوبهم على الحزن والثكلى لا يتصل ولا يطول فما هي الا ايام حتى يستانف حياتهم كما الفوها عابثه ماجنه وسخيفه فارغه ولكن احدهم يفيق من نومه مروعا مفزعه شديد الذهول فقد راى طيف هذه الغاده الحسنه ء يلم به في اثناء نومه الثقيل فيزود عنه النوم ويرده الى يقظه شديده واذا هو ينظر فيرى صاحبته كما تعود ان يراها فاتنه ساحره تدنو منه وتتلف له وتتودد اليه وتقول له في صوتها العذب الذي يسحر القلوب ما كنت احسب انك ستتركني حيث انا وحيده مستوحش لا تهدي الي سياره ولا تحدث بي عهدا ما اسرع ما نسيتني واني ذلك لم انسك ولا يمكن ان انساك الم بداري قبل ان يقبل الليل ثم تنصرف عنه وينظر فلا يرى شي ويتسمع فلا يسمع شي وينهض فيان حياته كما تع ان يانها كل يوم لا يلقي بال الى ما راى ولاقي بال الى ما سمع فاذا كان الغد جاء الطيف كما جاء امس وتحدث اليه بمثل ما تحدث به امس وقد تكررت هذه الزياره مره ومره حتى لم يشك في ان من الحق عليه ان يلم بهذا القبر وان يهدي اليه تحيته في طاقه من الزهر وقد فعل فلم يكد يبلغ القبر حتى راى صاحبه ولم يكد يقوم على القبر مع صاحبه حتى اقبل صاحبهما الثالث فلما انصرفوا عن القبر قص احدهم على صاحبه ما راى وما سمع فاذا كل واحد منهما قد راى مثل ما راى وسمع مثلما سمع وابطا مثلما ابطا ثم اقبل على القبر كما اقبل عليه يحمل اليه التحيه وطاقه من الزهر اترى ارادت ان تستبقي بينهم المنافسه والخصام بعد موتها وان تضطرهم الى ان يحفظوا لها من الود مثل ما ما كانوا يظهرون لها قبل ان تموت ام تراها اضغاث احلام قد عبثت بنفوس هؤلاء النفر الثلاثه ولكن كيف يتفق ان يلم الطيف بهم في يوم واحد ويتراءى لهم في صوره واحده ويلقي اليهم حديثا واحدا او يضرب موعدا واحدا قلت لصاحبي حين انتهى من حديثه الى هذه الاسئله لا ادري ولا استطيع ان افتح عليك فسال من شئت من الجامعيين الذين يدرسون دقائق علم النفس فلعلك تجد عندهم غناء ام خفيف لا تخدعي عنه يا سيدتي انك ترينه مكينا ركينا ورزي رصينا يسعى هادئا اذا سعى ويمشي مطمئنا اذا مشى ولكن لم تريه حين ياخذه المرح ويستخف النشاط اذا خرج للرياضه في الصحراء مصبحا او ممسيا ولو قد رايته اذاك لعلمت انه يحسن الجري ويجيد العدو ويتقن الوثوب في الهواء والتلو في الفضاء ولا يخيل اليك ان جسمه الضخم العريض القوي المتين لم يركب كما ركبت اجسام الناس وانما وصلت اجزاؤه بل والالب تمتد ان اراد لها امتداد اذا اراد لها انقباضه وانك ترينه معتدل الحركه مقتصدا فيها ان حرك راسه كانما شد عنقه ما بين كتفيه بامراه الكتان الى صم الجندل كما يقول الشاعر القديم بل هو اقدر على اكثر من ذلك فهو مالك لاجزاء وجهه يحرك منها ما يشاء حين يشاء ويسكن منها ما يشاء حين يشاء ويحركها كلها احيانا اذا اراد ان يسحر ويبهر او ان يرهب ولو رايته حين يستخفه الطرب ويستهوي نعيم الحياه لرايت رجلا لا يملك من امر نفسه شيئا وانما هو حركه متصله مضطربه لا حظ لها من وقار ولا نصيب لها من اعتدال كانما فقدت هذه القوه الاراديه التي تحرك الاجسام بمقدار وتسكنها بمقدار وتلائم بين عواطف القلب وحركات الجسم ملائمه الذين لا تتسلط عليهم الغرائز وانما تدبر امرهم العقول انك تسمعينه يتحدث فاذا صوت هادئ متزن ولفظ مطمئن متئد وحكم يظهر فيه القصد وتشيع فيه الاستقامه وياخذه الاعتدال من جميع اقطاره ولو قد سمعته حين يثيره الغضب او حين يزيه الخوف او حين يغلبه الرضا على امره لعرفت كيف يرتفع الصوت حتى يصم الاذان وكيف يضطرب اللفظ حتى حتى لا يستقيم تاليفه على نحو من انحاء الكلام المالوف وكيف يختلط الحكم حتى لا تدركه العقول ولا تسيغلر عليه زينه تاخذ الابصار وشاره تستهوي العقول لو رايته حين يتخفف ولا يتكلف لرايت الاهمال الذي تقتحمه العيون والابتذال الذي تزور عنه النفوس وانما هي حياه الناس يا سيدتي تقوم على التكلف اكثر مما قوم على الاسماع وتجري على الرياء اكثر مما تجري على الاخلاص وتمضي على الكذب اكثر مما تمضي على الصدق وتعطي من الناس صورا ليس بينها وبين حقائقهم سبب وتردد من اصوات الناس اصداء ليس بينها وبين حقائقهم سبب وتردد من اصوات اصداء ليس بينها وبين نفوسهم صله فقد جرى فيها الخداع كما يجري الماء في الغصن الرطب وجرى فيها النفاق كما النار في الحطب الجزل انك ترينه يا سيدتي يذهب ويجيء فترضيه لانه انما يذهب ويجيء في ثوبين خلع احدهما على نفسه وخلع الاخر منهما على جسمه وهو كغيره من الناس يلبس هذين الثوبين حين يريد ان يفارق نفسه للقاء نظرائه ويخلع هذين الثوبين حين يريد ان يفارق نظرائه ليخلو لنفسه وصدقيني يا سيدتي اني لم اخطئ عين شبهته منذ بالاوزان انك ترينها من بعيد فيعجب منظرها تطف على الماء وقد بسطت جناحيها في الماء مقبله مدبره وخافه ظاهره وارتفاعها في الجو طائره مقاربه في الطيران تخفق بجناحيها خفقا لا يخلو من ظرف وتبعث صيحات تؤذي الاذن ولكنها لا تخلو من فرح ومرح وقد يروقك شكلها حين تطفو على الماء وقد بسطت جناحيها ورفع عنقها الوي براسها الخفيف وعرضت للضوء والهواء صدرها الجميل كل هذا يعجبك ويخل وقد يروعك ويروق فتعين الى مجتمع الماء هادئه ممنه توين لو استطعت ان تبلغ الشاطئ وتقفي من الاوزه غير بعيد وديري بينك وبينها بعض الحديث ولكنك لا تلبين ان تذكري ان حماقه الاوز قد ضربت بها الامثال منذ العصور القديمه في غير امه من الامم وفي غير لغه من اللغات واذا انت تلقين على الاوزه الجميله نظره طويله فيها كثير من الحزن وفيها كثير من الاشفاق وفيها كثير من ازدراء لان طبيعتنا تنبو عن هذا التناقض بين الظواهر التي تخيل اشياء كثيره والدخ التي لا تحقق شيئا وليس على صاحبنا باس من ان يشبه الاوزه في شكله وعقله لانه لم يخلق نفسه ولا يلائم بين هذا الجسم الثقيل والعقل الخفيف وانما هي حكمه الله التي نفهم ايسرها احيانا ونعجز عن فهم اعظمها في اكثر الاحيان وقد عرفت صاحبنا معرفه دقيقه متصله منذ ايام الطفوله والصب وفي ايام الشباب والكوله واستطعت ان اقطع بان كل شيء من حوله كان يهيئه لي ان يكون اوزه ناطقه فقد نشا في اسره موسه من اسر الريف وكان عطف ابوعيه عليه شديد فقد كانا يرقان به مصبحا وممس ويتعهد انه بالعطف واللطف اناء النهار وزلفا من الليل وكانت امه ترامه وتعطف عليه عطفا خاصا كما تعرف الام الجاهله الغافله كيف ترام ابنها وتعطف عليه وكان اخص مظاهر حبها له وبرها به عنايتها بطعامه فقد كانت تصبحه بخير ما يصبح به ابناء الميسورين من القرى من هذه الالوان التي تلذ الافواه وتملا البطون وتشيع في سام ضخامه وغلظه ثم كان لا يعود اليها من لعبه او من كتابه او من مدرسته الا وجد عندها طعاما تلقيه في فمه او تدس في جيبه او تضعه في يده فنشا شريها متهالكا على الطعام وانفق صباه وشبابه يعلف في اسرته كما يعلف الاوز في تلك البيئات التي تتخذ تنميه الاوز تجاره ومكسب وبمقدار ما كانت اسرته تعنى بجسمه فتس ترف عليه في المطعم وتتان له في الملبس كانت هذه الاسره ترفق به اشد الرفق فيما يتصل بالدرس من قريب او بعيد فلم تكن تشق عليه في الملاحظه اذا عاد من المدرسه ولعلها كانت تضطره الى الاعراض عن القراءه والمذاكره فقد كانت تخاف عليه من ايسر الجهد وتكره له الانحناء على الكتاب وتشفق على عينيه من ضوء المصباح وكثيرا ما تقدم ابوه الى معلمه في الكتاب والى اساتذته في المدرسه في الا يكلفه من الدرس شططا فهو لا يهيا ليتخذ من العلم صناعه ولا من المدرسه وسيله الى كسب الحياء وانما هو يذهب الى المدرسه كما يذهب اليها اترابه من ابناء الاسر ليتعلم فيها ما يرتفع به عن الجهل وما يميزه من اهل القريه التي يعيش فيها ولكن الصبي كان يحب ان يتعلم لا رغبه في العلم او حرصا عليه ولكن عنادا لابويه هذين الذين كانا يق تران عليه في الدرس ويسرف ان عليه في الطعام والشراب فقد سار الصبي في درسه سيرا قصيرا فلم يكن متفوقا ولم يكن شديد الغباء وانما كان شيئا بين ذاك حتى اذا تمت دراسته الثانويه راى الحكومه تختار المتفوقين من اترابه فترسل الى اوروبا ليتم الدرس ويعود بعد ذلك ليشغل مناصب الدوله ويختلف الى المكاتب في الدواوين وراى بعض الاسر الغنيه تر يرسل المقصرين من ابنائها عن نيل الشهادات المصريه الى اوروبا لينالوا الشهادات الاوروبيه ونظر فاذا اترابه الذين كانوا يتفوقون عليه والذين كانوا لا يبلغون منزلته يسافرون الى اوروبا فلما لا يسافر كما يسافرون ولما لا يعبر البحر كما يعبرون وليسوا اكثر منه مالا ولا ابرع منه جمالا ولا احسن منه شاره ولا اجمل منه زيه ولا ارقى منه ذ في اختيار ادوات الزينه التي يتجمل بها الشباب المترفون ثم هو يلوي لسانه بالرطانه الاجنبيه كما يلوون بها السنتهم ثم هو يحسن التصرف في اشياء لا يحسنون التصرف فيها واذا فلما يتاح لهم السفر ويقضى عليه ان يكون من المتخلفين لم يجد مشقه في ان يظفر من اسرته بالاذن له في السفر الطويل فقد م نعت الام وبكت وشكت و لكن الابا اجاب ابنه الى ما اراد راضيا عنه مغتبطا به فقد كان يحب ابنه اشد الحب ويعجب به اشد الاعجاب ويرى في سفره الى بلاد الانجليز فخرا اي فخر وامتياز اي امتياز وقد ذهب الفتى الى بلاد الانجليز واقام فيها ما شاء ان يقيم وعاد منها لم يتعلم شيئا الا التانق والتحذيرات في لي اللسان حين يتكلم الانجليزيه والعربيه جميعا والافتتان في ارتضاء البيبه كما يرتضع الطفل دي امه عاد من بلاد الانجليز لم يتعلم غير هذا شيئا وهو واثق مع ذلك انه قد تعلم كل شيء وقد اتيح له مع ظروف الحياه المصريه ومن جه ابيه ما وصل اسبابه باسباب الحكومه فعمل في ديوانه مترفا اشد الترف فارغا اشد الفراغ مشغولا بصغائر الامور مصروفا عن عظائم ثم كانت الحركه الوطنيه واضطراب السياسه واختصام الاحزاب وانقسام الناس بين هذه الاحزاب مؤيدين ومعارضين ومنتفعاتون من منصب الى منصب ومن منزله الى منزله حتى هيئ له من المكانه ما تعلمين واغرب شيء فيه ما ترينا من اجرائه على التحدث في كل شيء والعجز عن ان يقول شيئا ومن براعته في النزول ب صائم الامور وجسام الشؤون الى حيث تصبح ضئيله يسيره مبتذله يرتفع عن الحديث فيها من اتاح الله له حظا من معرفه او نصيبا من امتياز وهو على ذلك منتفخ منتف يرى نفسه عظيما ويراه كثير من الناس عظيمه فاذا حققناه لم نجد وراء هذه العظمه شيئا لانها عظمه منحوله مدخوله لا تعتمد على شيء من شخص صاحبها بقدر ما تعتمد على الباطل والغ رور وقد تسالين كيف ارتقت به هذه العظمه الكاذبه من درجه الى درجه ومن مكانه الى مكانه ولكني ارجو ان تكوني اقل سذاجه من هذا يا سيدتي فليس ينبغي ان تسالي عن الضعفاء والعاجزين كيف يرتفعون فذلك ملائم لطبيعه الاشياء وانما ينبغي ان تسالي عن الاكفاء كيف يثبتون في مواضعهم كيف يتاح لبعضهم ان يرقى الى شيء من امتياز المنصب وارتفاع المكانه فذلك هو المخالف لطبيعه الاشياء المباين لمنطق الدنيا كما يقول كاتب اديب من اصدقائنا الشيء المحقق هو اني لم ارى صاحبنا قط مقدما على شيء او محجبا عن شيء او مجادلا لخصم او مناظرا لصديق الا هممت ان اقول له ما قال ابن شهيد لاوز ته تلك الاندلسيه في تلك القصه الظريفه التي جرت بينه وبين حمير الجن وب غاليها يا ام خفيف بالذي جعل غذاءك ماء وحشى راسك هواء الا اي ما افضل الادب ام العقل قالت بل العقل قال ابن شهيد هل تعرفين في الخلائق احمق من اوزه ودعيني من مثلهم في الحباري قالت لا قال ابن شهيد فتطلب عقل التجربه اذ لا سبيل لك الى عقل الطبيعه فاذا احرزت منه نصيبا وبؤ منه بحظ فحينئذ ناظري في الادب قالت السيده متضا احكه ليكن صاحبنا ايوز او دجاجه او ما شئت من ذوات الاجنحه والريش ولكن حدثني عن هذه البدعه التي اخذت فيه منذ حين فقد جعلت لا اسالك عن احد الا ضربت له من الحيوان مثلا قلت واي بدع في ذلك يا سيدتي انما هو فن قديم من فنون الادب اليس العرب قد شبهوا الانسان بالحيوان منذ اول الدهر اليس الله عز وجل قد شبه بعض الناس بالكلب الذي ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث اليس الله عز وجل قد ضرب الحمار الذي تحمل عليه الاسفار مثلا للذين حملوا التوراه ثم لم يحملوها اولست قد حدثتك انفا بقصه ابن شهيد مع اوزتي تلك الاندلسيه حين حاورها في روضه من رياض الجن بمحضر من زهير بن نمير وبمشي والبغال التي كانت تنشده اشعارها فما تنكرين من ذلك والله لم يخلق الاشياء عبثه وانما جعل فيها لنا منافع ودعانا الى ان نعتبر بكل ما خلق من الحي والميت وان نلتمس فيه الموعظه التي تبصر القلوب والحكمه التي تهدي العقول قالت السيده وقد ثابت الى الجد وكانت اديبه قريبه تحفظ الحديث وتقرا القران هذا حق واقرا ان شئت قول الله عز وجل في سوره النحل والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ت تون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحملوا اثقالكم الى بلد لم تكونوا بالغيه الا بشق الانفس ان ربكم لرؤوف رحيم والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينه ويخلق ما لا تعلمون وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم اجمعين الغانيات من اين اقبلت يا ابنتي من حيث لا تبلغ الظنون ماذا تريدين يا ابنتي اريد ما لا تقدرون كيف تقولين يا ابنتي اقول ما لا تصدقون اسرفت في الرمز يا ابنتي بل ما لكم كيف تحكمون وينظر الشيخ حوله فلا يرى من يحاوره وينكر الشيخ نفسه لولا شكوك تساوره فقد راى شخصها الجميل تظل هذه الغصون ولما يزل صوتها الضئيل يثير في نفسه الشجون وكانت الشمس قد تولت كالام الخائ بال الكذوب وظلمه الليل قد اظلت كالياس اذ يغمر القلوب وقد لبث الشيخ مكانه قائما واجما يرفع راسه الى السماء حينا ويخفض راسه الى الارض حينا اخر ويقلب طرفه في الفضاء بين ذلك يلتمس هذه الفتاه الانيقه الرشيقه ذات الوجه النظر والقد المعتدل هذه التي بدت له رائعه بارعه على انها لم تتخذ زينه ولا حريه ولم تتخذ من الثياب ما تعودت الفتيات الحسان اتخاذه وانما بدت له ساحره باهره تحيط بها هاله من الفتنه الفاتنه على ما كان يستر جسمها الغض البض من ثوب هو الى السذاجه القرويه ادنى منه الى تكلف المدن وهو الى البلا ادنى منه الى الجده فلما راها انكرها ثم دار بينه وبينها هذا الحوار الذي ابتدئ به هذا الحديث والذي لم يفهم منه شيئا والذي كان يريد ان يمضي فيه حتى يعلم من الفتاه علمها ويظهر على جريه امرها ولكنه ينظر فلا يراها ويدعو فلا يسمعها ويبحث فلا يجدها فيلبس في مكانه حائرا مرتاع يكاد يكذب عينيه فيما رات واذنه فيما سمعت لولا ان صورتها تلح على نفسه فتملا جمالا وسحرا ولولا ان صوتها يلح على قلبه فيشي فيه طربا حزينا وقد طال وقوف الشيخ وطالت حيرته واخذت الظلمه تغمر الاشياء من حوله وكان خليقا ان ينسى نفسه في موقفه هذا الغريب لولا انه سمع ذلك الصوت الضئيل العذب يقول له اسرع ايها الشيخ الى صلاتك فقد اوشكت ان تفوتك واوشك المؤذن ان يدعو الى العشاء الثانيه لا تبحث عني فلن تراني من ليلتك هذه لم يكد الشيخ يسمع هذا الصوت حتى ثاب الى نفسه وثابت نفسه اليه وذكر انه قطع حديثه مع الباشا فجاه وانصرف عنه عجلا ليشهد صلاه المغرب والعشاء مع جماعه الناس كما تعود ان يشهدها في مسجد القريه الذي يقوم في طرف من اطرافها غير بعيد من القصر وانه لا يسعى في طريقه الى المسجد واذ هذه الفتاه تترا له من بين هذه الشجرات التي تقوم عند اخر الحديقه وتمد اخصها متث متل كانها ت تت لر ج ورعي الى لاته ويحدث بان سد وء الثانيه مع جس لكن الصتم الضئيل يت قائ ل لا تذن لاحد ولا تتحدث عني الى احد فانك ان فعلت لم تجني من ذلك الا شرا ولا يستطيع الشيخ ان ينكر ان ظهور هذه الفتاه له واحتجاب عنه وتحدثها اليه وتشييعها له كل ذلك قد ملا قلبه فرقا لم يسكت عنه الا حين دخل المسجد واستقبل القبله مقيما للصلاه ولو اطاع الشيخ نفسه لتحدث الى اصحابه بعد ان فرغوا من صلاه العشاء الاخره بما راى وما سمع لكنه كان كلما هم بذلك او بشيء منه رد نفسه عنه ردا عنيفا مخافه ان يظن الناس به الظنون من جهه ومخافه هذا النذير الذي القته الفتاه اليه من جهه اخرى وقد راح الشيخ الى اهله حين تقدم الليل وكانت نفسه تنازعه ان يتحدث اليهم ببعض ما راى وما سمع ولكنه ردها الى الحزم وحملها على الصمت ما خافت ان ظن اهله به الظنون وان يتحقق هذا النذير الذي القته اليه الفتاه فاستقبل الليل كارها لهدوئه وطلب النوم جاهدا فلم يظفر به الا بعد انتظار طويل ولم ينعم به بريئا من الاحلام المزعجه والاطياف المروعه ولم يعرف الهدوء الا حين استقبل النهار المشرق واضطرب مع اهل القريه فيما تعود ان يضطرب معهم فيه من شؤون الحياه لم يزر الباشا من يومه ذاك كانه قدر ان هذه الفتاه ستعرض له بين تلك الشجرات مستظل بتلك الغصون المتكاثف في طرف الحديقه مما يلي القريه وقد شهد صلاه العشائين مع اصحابه واستقبل ليله هادئه واستقبل نهارا مشرقا هادئا حتى اذا ارتفع الضحى سعى الى القصر يريد ان يزور الباشا في النهار الواضح المبصر لا في الاصيل الشاحب الذي يسعى الى الاظلام او يسعى اليه الاظلام والذي تعرض فيه الفتيات الحسان في ظل الاغصان لكنه راى الباشا مكتئبا مفرق النفس كان امرا ذاب يهمه ويصرفه عن اداره الحديث مع جلسائه كما تعود ان يدير الاحاديث في لباقته ورشاقته وذكائه الاحد كان الشيخ اثيرا عند الباشا محببا الى نفسه مشيرا عليه فيما يعرض له من الامر فلما راى اكتئابه وبتس نفسه اطال المقام ولم ينصرف مع الناس حين رفه وانما استانى وتريث حتى اذا خل له وجه الباشا ساله مترفقا به عن هذا الامر العارض الذي اهمه واضطره الى ما هو فيه من هذا الحزن الكئيب قال الباشا وعلى ثغره ابتسامه شاحبه وفي صوته تكسر حزين ما ادري احدثك بهذا الحديث ام اطوه عنك فاني انكره اشد الانكار واكاد اخفيه على نفسي اشد الاخفاء وقد هممت ان اسافر الى القاهره لارى الطبيب ثم بد لي فدعوت الطبيب الى زيارتي والى ان ينفق معي يومه اذا كان الغد ولمد بيننا وبين القاهره غير بعيد واليوم يوم الخميس فليس على الطبيب باس ان ينفق معنا يومه غدا قال الشيخ فاني لم افهم عنك ولم اتبين هذه الصله الغريبه بين ما يظهر عليك من حزن وبين دعوتك للطبيب الى ان ينفق معك ساعات من نهار قال الباشا الم اقل لك اني انكر نفسي واخشى ان يكون قد الم بي بعض العله فقد رايت امس ما روعني وسمعت امس ما اخافني واني لاستحي من نفسي حين افكر فيما سمعت وما رايت واني لاستحي منك ان احدثك بما سمعت وما رايت قال الشيخ وهو مهتم يتكلف الابتسام وصوته مضطرب يتكلف الثبات ماذا سمعت وماذا رايت قال الباشا في صوت يكاد يبين عن الجزع سمعت صوتا لم اسمع قط اعذب منه ورايت شخصا لم ارى قط اجمل منه ثم انقطع عني الصوت واحتجب عني الشخص وترك في نفسي ما ترى من حزن واكتئاب وقد ذكر الشيخ ما راى وذكر ما سمع وهم ان يتحدث الى الباشا بمثل ما تحدث الباشا اليه ولكنه خاف النذير فاثر الصمت ومضى الباشا في حديث فيه فقال كان ذلك حين اذنت الشمس بالغروب وحين اخذت ظلمه الليل تغزو الفضاء وقد كنت اسعى في هذه الحديقه فما رعني الا فتاه بارعه الجمال رائعه القوام تنظر الي بطرف نافذ كانه السهم فاساله من هي ومن اين اقبلت والى اين تريد وماذا تبتغي فلا اسمع منها الا اجوبه غامضه لا افهم منها شيئا فهي مقبله من حيث لا اظن وقاصده الى حيث لا اقدر ومريده ما لا استطيع وقائله ما لا افهم واريد ان استوضح واذا شخصها يختفي مني واذا صوتها يناى عني شيئا فشيئا وهو يقول لابد مما ليس منه بد وخير لك ان تقدم على الامر طائعا راضيا من ان تقدم عليه كارها مضطره وقد سمعت هذه الكلمات الاخيره يلقيها الي صوت غريب كانه الصدا ولم يشك الشيخ حين سمع حديث الباشا من ان صاحبته تلك التي عرضت له في طرف من اطراف الحديقه هي التي عرضت لصاحب القصر وهي التي تحدثت اليه لكنه على ذلك لم يفضي الى الباشا بذات نفسه وانما قال له متضا احكا لو علمت انك تسمع لي لطلبت اليك ان تفعل كما افعل وان تقرا اجزاء من القران في كل يوم تذكر الله بتلاوتها فان ذكر الله يملا القلوب امنا واطمن ويرد عن النفوس ما يروع ويؤذيها من الخوف والريب وقد احسنت اذا دعوت الطبيب وما ارى الا ان مقدمه سينفعني فسا استشيره في بعض ما اجد من الضعف وان كنت لا انتظر منه خيرا كثيرا فان هذا الضعف الذي اجده لا دواء له لانه ضعف الشيخوخه والهرم وتنقل الرجلان في احاديث كثيره مختلفه اشد الاختلاف يسلي كل منهما بهذا التنقل نفسه وصاحبه عن هذه الصوره الملحه وهذا الصوت المتصل وهذا النذير الغامض الغريب وقد حرص الشيخ على ان ينصرف عن القصر قبل ان تصلى العصر حتى لا يرى ذلك الشخص ولا يسمع ذلك الصوت ولكنه يقبل الى المسجد حين يدعو المؤذن الى صلاه المغرب ولا يكاد يبلغ الباب حتى راى شخصين غريبين قد قام كل واحد منهما على جانب من جانبيه وينظر الشيخ في شيء من الروع الى احد هذين الشخصين فلا يشك في انه يرى الفتاه التي راها في طرف من اطراف الحديقه ينظر الى الشخص الاخر فاذا هو صوره مطابقه للشخص الاول كانما كل واحد من هذين الشخصين تمثال لصاحبه يطابقه اشد المطابقه ويصوره ادق التصوير ويرى الشيخ على ثغر كل من هذين الشخصين ابتسامه حازمه صارمه ولكن فيها عذوبه تنفذ الى قلبه فتملا امنا وروحا وقد رفع الشيخ صوته حين راى هذين الشخصين بتلاوه ما تيسر من القران ولكنه يسمع الصوتين يتلوان معه ما كان يتلو ويجد تلك العذوبه التي وجدها حين كانت الفتاه تتحدث اليه وتحاوره في ظل تلك الغصون فيسرع الى المسجد مخافه الفتنه وينغمس في جماعه الناس وقد اشفق على نفسه من شر عظيم لست في حاجه الى ان اصور ما ملا قلب الشيخ من روع وروعه ومن خوف وامن ومن ياس ورجاء فقد كان يحب ان يرى هذه الصوره ويشفق من رؤيتها وقد كان يرجو ان يسمع هذا الصوت ويخاف من سماعه وقد جعل يحيى حياه مضطربه بين هذه العواطف المتناقضه واقبل الطبيب فسمع من الباشا وتحدث اليه وامتحنه ولكنه لم يغني عنه شيئا وما كان الطبيب ليغني عنهما ولا عن غيرهما شيئا فما هي الا ايام حتى كثر هذا الشخص او كثرت صور هذا الشخص في القريه وجعل كل واحد من اهل القريه يراه حين يغذو الى عمله مع الفجر وحين يروح الى اهله مع الاصيل وجعل كل واحد من اهل القريه يسمع منه ويتحدث اليه مصبحا وممس يرتاع لمنظره وصوته اول الامر ثم يالف منظره ويطمئن الى صوته ويشتاق الى ان يراه بين الفجر والاصيل ويشق الى ان يسمعه في كل ساعه من ساعات الليل والنهار وقد جعل اهل القريه يتحدثون اذا التقوا عن هؤلاء الفتيات الحسان التي يعرضن لهن في الغلس حين يطلق النهار سهمه المضيء فيشق به ظلمات الليل وفي الاصيل حين يطلق الليل سهمه المظلم فيبدد به ضوء النهار وجعل اهل القريه يتحدثون عن هؤلاء الفتيات الحسان المطمع المغريات التي يبدون لهن ويدن منهن ويدعوه اليهن في شيء من الفتنه ولكنها فتنه نقيه لا اثم فيها ولا حرج ولا لوم فيها ولا تثريب وجعل اهل القريه يسالون الشيخ عن هذا الحديث الغريب الذي الم بقريتهم منذ حين فغير حياه الناس فيها تغيرا شديدا واثر في قلوبهم امالا لا حد لها وياسا لا حد له وغير راي بعضهم في بعض وغير رايهم جميعا في الباشه هذا الذي كانوا يؤمنون له ويذعن لسلطانه ويرون طاعته عليهم حقا ويرون انهم ملك له كما ان ارضه ملك له الا انهم يحيون والارض لا تحيا ويرون انهم ملك له كما ان ماشيته ملك له الا انهم يعقلون وينطقون والماشيه لا تعقل ولا تنطق تغير رايهم هذا في الباشا فاصبحوا يرونه واحدا منهم لا يمتاز من بينهم بشيء فهو رجل من الرجال يذهب ويجيء وياكل الطعام ويمشي في الاسواق ويتكلم بالصواب حينا وبالخطايا اناا واذا فلما يستاثر من دونهم بهذا النعيم ولما يستطيل عليهم بهذا السلطان ولما يسعد حتى تبطله السعاده ويشقون هم حتى يضطرهم الشقاء الى الياس والقنوط ولما تبتسم الحياه له حتى يضيق بهذا الابتسام وتعبس الحياه لهم حتى يهلكهم هذا العبوس ولما يكسل هو حتى يطره الكسل الى المرض ويعملون هم حتى يضطرهم العمل الى الموت شاعت هذه الاحاديث بين اهل القريه فامتلا بها مجالسهم حين يجتمع بعضهم الى بعض وامتلات بها بيوتهم حين يخلو كل منهم الى اهله وذوي قراته وارتقت الى الباشا فصادفته قلقا قد ملا قلبه الخوف والاضطراب واذ هو يؤثر ان يترك القريه الى القاهره ليتحدث عن محنته هذه في قريته الى بعض اى الراي من اصحابه ولا يكاد يبلغ القاهره ويفضي بذات نفسه الى بعض نظرائه حتى يسمع منه حديثا ليس اقل من حديثه خطرا ولا ايسر منه شيئا فاهل القرى كلهم يتحدث هذا الحديث اهل المصانع كلهم يتحدث هذا الحديث والعاملون في الدواوين والمصارف والشركات والعاملون في الشوارع والطرق والمواصلات كلهم يتحدثون هذا الحديث وقد اختلط امر وعظم الشك وشاع في النفوس امل لا حد له وشاع في النفوس ياس لا حد له وشاع في الجو كله سحاب لا يدري عما ينجلي اعن امن ورخاء ام عن بؤس وشقاء كان عدد السكان في مصر 18 من الملايين فاصبح عددهم 36 مليونا لان كل فرد من افراد هؤلاء المصريين قد وكلت به فتاه حسناء حازمه صارمه باسمه تبعث ابتساماتها في القلوب ام لا مخيفا وكره الباشا ان يعود الى قريته لانه كره فتاته تلك الحسناء في حديقته تلك الغناء لكنه خلى الى نفسه ذات يوم في مكتبه المطل على الني واراد ان ياخذ في بعض عمله وهي تقول في صوتها ذلك الضئيل الجميل لابد مما ليس منه بد اقدم طائعا راضيا فذلك خير من ان تقدم كارها مضطرا وقد كتب الباشا الى الشيخ يدعوه الى القاهره ليشا وه في بعض ما يمكن ان يصنع ليرضى الساخط ويامل القانط ويامن الخائف ويعمل الكسل محبا للعمل لا زاهدا فيه قال الباشا للشيخ حين خل اليه الا تنبؤي عن هذا البلاء العظيم الذي نمتحن به في هذه الايام الشداد قال الشيخ مبتسما لا تسالني انا عن هذا البلاء وسال عنه فتاه من هؤلاء الفتيات التي ملان علينا ارض مصر جمالا واملا وخوفا واشفاق قال الباشا ومن عسى ان تكون هؤلاء الفتيات قال الشيخ لا ادري ولكن كلما سالت واحده منهن عن اسمها رفعت كتفيها وابتسمت عن ثغر جميل وقالت ساخره تريد ان تعرف اسمي فاسمي هو العداله الاجتماعيه البرق الخاطف انكر يا سيدهي ان شئت او اعرفي فكلا الامرين منك سائغ وكلا الامرين منك قبول وان تنكريه فقد انكرت نعمه شاعرها وشاعر الحجاز عمر بن ابي ربيعه وان تعرفيه فقد عرفت اسماء شاعرها وشاعر الحجاز عمر بن ابي ربيعه وانت يا سيدتي اديبه قريبه تذكرين من غير شك ما تحدث به فتى قريش عن صاحبتي حيث يقول قفي فانظري يا اسماء هل تعرفينه اهذا المغيري الذي كان يذكر اهذا الذي اطريت نعتا فلم اكن وعيشك انساه الى يوم اقبر فقالت نعم لا شك غير لونه سرى الليل يحيي نصه وتهجر لان كان اياه فقد حال بعدنا عن العهد والانسان قد يتغير رات رجلا اما اذا الشمس عارضت فيضحه واما بالعشي فيخسر اخا سفر جواب ارض ت ذفت به فلوات فهو اشعث اغبر قليل على ظهر المطيه ظله سوى ما نفى عنه الرداء المحبر واعجبها من عيشها ظل غرفه وريان ملتف الحدائق اخضر فاي المذهبين تختارين مذهب نعم هذه التي انكرت الشاعر وجعلت تسال عنه في سخيه يمزجها العطف ام مذهب اسماء التي عرفته وجعلت تح حدث عنه في عطف يمازجه الاعجاب واني لمسرفون المذهبين فاني لم اسمع منك منذ ساعه الا انكارا لصاحبنا هذا المسكين ونعيا عليه ترينه كثير الكلام وقد كان كثير الصمت وترين كثير الحركه وقد كان صاحب رسانه ووقار وترين مقصرا في ذات الصديق وقد كان من اشد الناس وفاء للصديق وتينه مستكبرا مستعليا وقد كان متواضعا غاليا في التواضع وترين يقول غير الحق وقد كان لا يؤثر على الحق شيئا وترين مداو مناورات كان ابغض الناس للمدا وه وزهدهم في المناوره واحرص على ان يسلك الى ما يريد طريقا مستقيما غير منحرفه ومستويه غير ملتويه وواضحه لا يحتاج سالكها الى الهدى والاعلام وترين ايابا ومتحفظ محتاطاً ظلام تغشاه بين حين وحين سحابه رقيقه ضئيله من اشراق طارئ لا يثبت ان تتمحى اياته ويعفي الاطام عن اثاره واصبحت ترين في عينه حزنا ملحا حالكا يصور نفسا مكلومه حزينه كانما يغمرها ندم متصل لا تكاد تخلص منه الا لتعود اليه واصبحتي ترين على ثغره ابتسامه تمر سريعه بين حين وحين تحا ان تثبت فلا تستطيع كانما وكل بها من اعماق الضمير حرس يابونبونايتي فتطيل الاقامه ولكنها ابتسامه شفافه لا تشف عن نفس مبتهجه او قلب مطمئن او ضمير راض وانما تشف عن كابه وسام وقلق هي ابتسامه مجلوبه قد تعلم صاحبنا ان يضعها على ثغره وان ينزعها عنه كما يضع صاحب العمامه او الطربوش عمامته او طربوشه على راسه متى شاء وينزعه متى شاء ترين اشياء كثيره تنكرين لانك لم تهديها من قبل وتلتمس اشياء كثيره فلا تجدينها وقد كنت لا ترين غيرها من قبل وانت من اجل ذلك تنكرين فتسرد ف تغرقين في اللوم وليست الى جانبك اسماء توضح لك الغامض وتجلو لك الخفي وتقص عليك من امر صاحبنا ما تجهلين والانسان قد يتغير كما يقول عمر بن ابي ربيعه وما اكثر الاشياء التي تغير الناس فتحوله عن العهد وتنقلهم من طور الى طور وتمحو منهم خصالا كان الاصدقاء يعرفونها ويالف ويكلفون بها وتمحو مكانها خصالا اخرى ليست للاصدقاء بها عهد وليس من شانها ان تحسن في نفس الصديق وقد نبت عين نعم عن عمر لانها رات رجلا جواب ارض تقاذفت به فلوات فهو اشعث اغبر قد اكثر السفر والح فيه يسري في الليل ويهجر في النهار فادركه ما يدرك امثاله من الجهد والعث وجعلت اسماء تبين ذلك لصاحبتها في عطف واعجاب اما صاحبنا فلم يسري في الليل ولم يهجر في النهار ولم يدركه ما يدرك المسافرين من الجهد والعث وانما ادركه شيء اخر هو الذي تسالين عنه فلا تهتد اليه وكيف تعرفينه او تهتد اليه وانت مشغوله بحياته هذه الناعمه في قصرك هذا الانيق ومن حوله جنته هذه ذات الاشجار الباسقه والاغصان المتكاثف وذات الزهر النظر والعشب الجميل ومع ذلك ف لصاحبنا قصه رائعه شائقه لو عرفتها لرحمته وعطفت عليه وله حديث رائ لو سمعته لمحته شيئا غير قليل من الرثاء والاشفاق وتساليني من غير شك ان اقص عليك قصته وئ بحديثه فانت كغيرك من السيدات تمتاز بهذه الخصال التي تملا القلوب لكن حبا ومن ك خوفا وبكن اعجابا فيك رحمه لا حد لها وفيك قسوه لا حد لها وفيك رغبه في الاستطلاع لا تعرف لنفسها حدا تنتهي اليه ولست ارى باسا من ان اقص عليك القصص وانبئكم بالحديث ولكني اخشى الا تصدقي ما سالقي اليك من قول فقصه صاحبنا غريبه حقا لو انها قصت على الناس في الدهر القديم لا صدقوها ولا اطمئنوا اليها لان عقول الناس في الدهر القديم كانت نقيه لم تكدرها الحضاره وكانت قويه لم يصفعها العلم فاما في هذا العصر الذي نعيش فيه فقد كثرت الاعاجيب التي ترى وتسمع وتحس حتى اصبح الناس لا يصدقون الاعاجيب التي تقص عليهم الا اذا راوها او سمعوها او احسها وقد حاولت ان ارى اعجوبه صاحبي بنفسي فلم افلح وقد كررت المحاوله مره ومره منذ حدثني بقصته فلم ابلغ من ذلك شيئا حاولت ذلك معه وحاولت ذلك منفردا فلم اظفر الا الاخفاق ان كان الاخفاق شيئا يمكن ان يظفر به الناس وانا مع ذلك اصدق القصه ولا انكرها لان صاحبي هو الذي قصها علي ولانه لم يعودني او يحدثني بغير الحق ولانه قص علي قصته اثرى خروجه منها وقبل ان تظهر عليه هذه الخصال التي تنكرين ولان عقلي بعد هذا كله مستعد لتصديق مثل هذه القصص لانني عاشرت القدماء حتى اصبحت واحدا منهم فعقلي نقي لم تكدره الحضاره التي لا اخذ منها كما تعلمين الا بمقدار وعقلي قوي لم يضعفه العلم الذي ليس لي منه كما تعلمين حظ قليل او كثير وكان بدء ما الم بصاحبي من الخطب انه خرج ذات يوم من الصبح يلتمس الرياضه ويسلي عن نفسه بعض الهم فترك المدينه وامعن في الصحراء يمضي امامه هادئا مطمئنا مستمتعا بهذا الح الهادئ الذي تشعه الشمس حين تصفو وتصفو في فصل الشتاء ولصاحب عهد بالادب القديم فقد جعل يدير في نفسه بعض ما حفظ من شعر القدماء ذلك الذي يصور الصحراء وما فيها من وهاد ونجد وما يضطرب فيها من حيوان وما يترقرق في جوها من سراب وقد مضى في رياضته تلك وقتا لا يعرف اطال ام قصر لانه نسي نفسه وامتزج بما حوله ولكنه تنبه فجاه وقد فقد حر الشمس وينظر فاذا سحب متكاثف تاتي من الشمال بطيئه ثقيله يزحم بعضها بعضا وقد هم ان يرجع ولكنه يرى برقا يخطف ويسمع رعدا يقصف ثم لا يعرف من امر نفسه شيئا وانما هو شعور غريب غامض اشبه شيئا بشعور نائم حين يداعبه حلم لذيذ فهو يرى كان هذا البرق الي كان يخطف قد خطفه هو فرعه في الجو رفعا سريعا رشيقا حتى انته به الى شي يشبه را مو وثي وهو يحس كان هذا الفراش يس به سعيا رقي ولكنه سريع ذكره بعض ما كان يجد حين كان النوم يداعب وه في مرجعه من السفينه والجو صفو والبحر هادئ والسفينه تجري في يسر تعينها عليه ريح رخا ثم يحس كان سريره ذاك السعي في الجو قد استقر على مكان ثابت مطمئن وكان صوار غريبه تشبه الناس ولا تشبههم قد حفت به فاجل وجعلت تتحدث اليه بلغه غريبه يفهم معانيها ولا يحقق الفاظها ولكنه يؤكد انها ليست اللغه العربيه التي يتكلمها عامه وقته وليست اللغه الفرنسيه التي يتكلمها بين حين وحين وليست لغه من هذه اللغات التي يسمع الناس يتحدثون من حوله فيفهم قليلا او كثيرا وانما هي لغه غريبه حقا ان امكن ان تشبه بشيء فقد تشبه بما ياتلف من هفيف النسيم وحفيف الاغصان وخرير الماء وغناء الطير وهو مع ذلك يفهم هذه اللغه حق الفهم لا يجد في ذلك مشقه ولا عناء كانما تبلغ الفاظها الغريبه قلبه وعقله فتستقر فيهما واضحه جلي دون ان تمر باذنيه ودون ان يحتاج لفهمها الى قليل او كثير من التفكير وقد حفظ صاحبي بعض ما استقر في نفسه من معاني هذه الالفاظ التي كانت تساق اليه او تلقى في نفسه القاء فقد القي في نفسه انه قد اختطف من وطنه اختطافا ونقل الى الوطن السعيد الذي لا يبلغه الناس لانهم لا يجدون سبيلا اليه والذي لا يستطيع الناس ان يحتملوا الحياه الطويله فيه لانهم اضعف من ان يثبتوا لما فيه من حقائق الاشياء واول حقيقه عرضت عليه من حقائق الاشياء هذه فراها رؤى العين ولو اراد لتحدث اليها وسمع منها ولكنه لم يحتاج الى ذلك لانها سعت اليه في خفه ورشاقه فقبلت بين عينيه ولم تكد تفرغ من قبلتها حتى ملات قلبه حبا لها وايمانا بها واطمئنانا اليها اقول اول حقيقه من حقائق الاشياء ها هذه هي النجح النجح الذي يبلغ الامال ويقضي الاراب ويرضي الحاجه الى ارتفاع المنزله وعلو المكانه ويرضي الحاجه الى بسطه اليد وامتداد السلطان ويرضي الحاجه الى الامتياز والتفوق والى الاستعلاء والتغلب والنج الذي يعيش الناس له ويجدون في طلبه ويدون في التماسه ولكنهم لا يبلغونه الا ليردوا عنه ولا يظفرون به الا ل صد عنهم لانهم رف له حقه ومسه من مظه ويسلك اليه الرق التي تمكنهم وتسلطهم عليه النجح الذلب الناس ب وث من اخق و الف من دا و حفظ تقاليد الدق والوفاء ولب منري النح والاخ ويطلبونه منق العلم والمعرفه ويطلبونه منق الجهد والمشقه يطلبونه من طريق العمل المتصل والاجتهاد المنهك للقوى المقصر للاعمار ويطلبونه من هذه الطرق فلا يصلون اليه لانها طرق قديمه قد ذهبت معالمها واصبح سلوكها حمقا والسعي فيها جورا عن القصد وانحرافا عن الجاده وتفا لما لا يفيد لو انهم سلكوا اليه طرقه الطبيعيه التي لا تؤدي ال اليه والتي لا يستطيع سالكها ان يرجع ادراجه وانما هو يمضي من فوز الى فوز ومن ظفر الى ظفر لو انهم سلكوا اليه هذه الطرق لبلغ في غير جهد ولا اخذوا بحظه منه في غير عناء وهم صاحبي ان يسلك هذه الطرق الطبيعيه ولكنه لم يحتج الى السؤال فقد القي في نفسه انها نقائص الطرق المالوفه فهي لا تحب صدقا ولا وفاء وهي لا ترضى عن النصح ولا الاخلاص وهي لا تستقيم للعلم والمعرفه وهي لا تتحمل الجد والكد وهي لا تطيق العمل والاجتهاد وانما هي تحب نقائص هذه الخصال جميعا هم صاحبي ان يسال وكيف التخلص من الاخلاق المالوفه والعادات الموروثه والتقاليد المحفوظه لكنه لم يحتج الى ان يسال هذا السؤال فقد القي في نفسه ان شقاء الناس لا ياتيهم من انهم لا يقدرون على ان يتخلص من حصال الخير هذا وانما هم دائما اشبه بالكرات تتقاذفها الفضائل وال ئل او ما يسمى الفضائل والرسائل ولو انهم خلصوا للفضائل لسعد لانهم يستريحون الى الياس ولو انهم خلصوا للرذاذ كل ما يريدون وشكى صاحبي غير طويل ثم هم ان يسال كيف السبيل الى ان يخلص الانسان من الفضائل ويبيع نفسه للشيطان لكنه لم يحتج الى ان يسال هذا السؤال فقد قدمت اليه كاس صغيره جميله فيها شراب كدر اللون وقيل له حس هذه الكاس حسوا فانك ان اتيت على اخرها ان سللت من الخير كما تنسل الشعره من العجين وانحطت عنك اثقال كما تنحط اثقال النهار عم من يشمله نوم الليل قال صاحبي وقد شربت هذا الكاس في مهل فكنت كانما اشرب نارا تحرق جوفي تحريق ولكني كنت اجد لهذه النار المحرقه لذه لا استطيع ان اصورها و لا ادري كيف اصفه فلما فرغت من شرب الكاس سمعت غناء لم اسمع اجمل منه قط ولم اسمع ابشع منه قط ولست ادري ما اظن احدا يدري كيف يجتمع الجمال الرائع والقبح المروع في صوت واحد لكنني سمعت هذا الصوت ثم انسيت نفسي ثم افيق واذا انا في مكاني ذلك في الصحراء ولكن لا ارى الشمس ولا احس حرها ولا ارى الصحب المتكاثف تسعى من الشمال بطيئه متثاقلا ولا ارى برقا خاطفا ولا اسمع رعدا قاصفا انما ارى ليلا مظلما قد اطبق على الصحراء اطبقه واضطربت فيه اشعه ضئيله تاتي من هذه المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا وقد عدت الى المدينه بعد جهد والحمد لله على ان اهلي لم يكونوا في المدينه وانما كانوا في الريف ولقد رحت اليهم اخر الليل مجهودا مجدودا اشعث اغبر طائر لبي مغرق النفس ل انكرون اشد الانكار ول كان بينهم وبيني حساب عسير لست ادري كيف اخلص منه ثم اطرق صاحبي اطراك طويلا عميقا رفع راسه بعدها الي وهو يقول وصدقني اني انكر نفسي اشد الانكار منذ تلك الرحله الغريبه ويخيل الي اني لا احيا مع الناس وانما انا في حلم متصل الغريب اني لم اكد استقبل النهار واتقدم فيه حتى دعيت الى شيء ارجو ان يكون وراءه النجح وانت بعد ذلك يا سيدتي تعرفين من امر صاحبنا مثلما اعرف قالت السيده وكانت اديبه قريبه فاحذر ان تتعرض لهذا البرق الخاطف فاني احب ان اراك دائما كما انت قال محدثها ايه يهت يا سيدتي انا اثقل وزنا من ان تخطفني البروق لا اريد ان اسميه لاني لا اريد ان يعرفه الناس وحسبي انه سيعرف نفسه ولو استطعت ان اخفيه عن نفسي لفعلت فانا احبه اشد الحب واثره اعظم الايثار واكره ان ياتيه من نحو ايسر الجهد واهون العناء واقل الاذى وارى اني لا اتكلف له ذلك ولا اتصنع وانما هو حق الصديق على الصديق ودين الخليل عند الخليل ومالي لا ارى له هذا الحق ولا اعترف له بهذا الدين وقد استقبلنا الصبا رفيقين واستقبلنا الشباب زميلين واستقبلنا الكهوله صديقين لم تستطيع حوادث الايام على كثرتها واختلافها ان تثير بيننا ايسر الخلاف فضلا عن ان تفرق بيننا في الاراء والاهواء نعم لقد استقبلنا الصبا رفيقين فجلسنا معا على حصير الكتاب واختلفنا معا بين يدي سيدنا لا يكاد احدنا يفرغ من تلا ما حفظ من القران حتى يقوم الاخر م قامه وما يتلو مثل ما تلى ثم نلتقي بعد ذلك في مجلسنا ذلك في ركن من اركان الكتاب فنتذكر ما سمعنا من الفاظ اللوم والتشجيع التي كان يسوقها الينا سيدنا في صوت يغلظ حينا حتى كانه الرعد ويرق حينا حتى كانه النسيم وقلدنا هذه الحركات الطريفه التي كان ياتيها باحدى يديه ليحدث بها صوتا ملاحقا سريعا يحثنا به على ان نكر التلاوه كرا ليتبين مقدار حفظنا للقران حتى اذا صليت العصر تركنا الكتاب غير ضيقين به ولا اسفين على تركه وانما نحن نتركه مفكرين في العوده اليه اذا كان غد ونتركه مبتهجين بانصراف عنه الى هذا اللعب الذي سنست انفه في زاويه من زوايا الدار او في ناحيه على شاطئ القناه نعم استقبلنا الش شباب زميلين نختلس العلم فيزهر الشري نجد حين ن لس وحين نسم وحين ندل ذه فيه ونله حين نفر ذ وحين ناخذ فيبت ومئ كنا نى ونس كانون وون اذر واره ذ اننا اختلفنا ما في ام ي خ وانما كنا متفقين دائما مؤلفي دائما لا نتكل اتفاقا اتلافا وانما تجري امورنا هينه لينه وتمضي الحياه بنا على رسلها رفيقه رقيقه حتى لقد كنا نرى ما يثور بين الاصدقاء والزملاء من هذا الخلاف العارض الذي يباعد بينهم من حين الى حين فنتكلم ضيق بحياتنا هذه التي لا تعرف خلافا ولا افتراق في الراي ثم لا نلبث الثوب الى الضحك والابتهاج والرضا بحياتنا هذه الراضيه المطمئنه وقد فرقت حوادث الايام بين شخصين اعواما طوالا او قصارا ولكنها لم تستطع ان تفرق بين نفوسنا وضمائرنا ولا ان تخالف بين اهوائنا وارائها وانما لبثنا متفقين على البعد كما كنا متفقين على القرب واتصلت بيننا رسائل ما زلنا نعود اليها بين حين وحين كلما كلفتنا الايام من امرنا شطط ثم التقينا بعد الفرقه وتدان بعد الناء واستان فنا في حياه الرجال ما مضت عليه امورنا في حياه ال الصبيه والشباب من هذا الود النقي والاخاء الرضي والتعاون على البر والمعروف وليس حياه الناس تخلو مما يؤذي ولا هي تبرا مما يسوء وليست حياه الناس تخلو من هذه الخصومات التي تفسد عليهم امرهم احيانا وتمنحهم القوه والايد وحب الجهاد والكفاح احيانا وقد عرض لكل واحد منا حظه من هذا كله ولكن الغريب ان شيئا من ذلك لم ينل احدنا من قبل صاحبه وانما كان هذا ينالنا من قبل قوم اخرين فكنا نتعاون على احتمال الشر ودفع المكروه وكان كل واحد منا يجد عند صاحبه ما يجده الصديق عند صديقه من المواساه والعون والتسليه والعزاء ثم مضت الايام على ما تعودت ان تمضي عليه مستانيه متشابهه حينا ومتعجرف حينا اخر وجرت فيها الحوادث تباعد بيننا بعض الشيء ثم لا تزال تلح في المباعده ب بيننا حتى جعلنا ننفق الاسابيع والاشهر لا نلتقي وننفق الاسابيع والاشهر لا يكتب احدنا الى صاحبه شيئا ولكن كنا على ذلك نلتقي بين الحين والحين فلا يكاد احدنا يلقى صاحبه حتى ينشد ضاحكا قول الشاعر القديم نلبث حولا كاملا كله لا نلتقي الا على منهجي في موسم الحج وماذا منا واهله ان هي لم تحججي ثم نستف حديثنا كاص ما يكون الحديث بين الصديقين الصفيين وكانت اكثر احاديثنا لا تكاد تتصل بحاضرنا ولا بحاضر الناس ولا تكاد تتصل بمستقبلنا ولا بمستقبل الناس وانما كانت تتصل بهذه الذكرى التي نسجت منها صداقتنا نسجا وصورت منها مودتنا تصويره وكانت هذه الذكرى الحلوه تكاد تشغلنا دائما عن حاضرنا وحاضر الناس وعن مستقبلنا ومستقبل الناس ولكننا نلتقي ذات مساء في هذا القطار الذي ينقل الناس من الاسكندريه الى القاهره ياخذ احدنا القطار في الاسكندريه وياخذه الاخر في سيدي جابر وقد مضى القطار في طريقه ولم يفطن احد منا لمكان صاحبه ثم تكون لفته منه فيراني فيسرع الي مستبشرا مبتهجا وهو يقول ماذا انت هنا والقاه مغتبطا محورا وانا اقول ماذا انت هنا ثم يجلس كل منا الى صاحبه وما نكاد نفرغ من التحيه التي تعودنا ان نتها حين نلتقي حتى ناخذ في حديث الجو ثم في حديث السفر ثم في حديث القطره التي تحسن الابطاء اكثر مما تحسن الاسراء وتحسن التاخير عن مواعيدها اكثر مما تحسن الوفاء بهذه المواعيد ثم عن الاسكندريه التي تزدحم بالقاصرين اليها والنازحين عنها وتموج بالمقيمين فيها ثم عن جو الاسكندريه وجو القاهره والموازنه بين ما يكون بينهما من اختلاف في الصيف ومن اخت خلاف في الشتاء ومن توافق فيما يكون بين ذلك من الفصول ثم ناخذ في حديث الصحف الجاده والهازل وفي حديث الادب القديم والادب الجديد وننفق هذه الساعات التي ينفقها المسافرون بين القاهره والاسكندريه متحدثين عن كل شيء الا عن انفسنا ملمين بكل شيء الا باحداث السياسه وما كان اكثر ما نلتقي فلا نتحدث الا عن انفسنا وما كان اكثر ما نتحدث عن انفسنا فنع اثناء الحديث بالسياسه واصحابها ونتخذ من هذا العبث الوانا من المتاع الرفيع اما اليوم فقد القي بيننا وبين انفسنا حجاب صفيق والقي بيننا وبين السياسه والسياسيين ستار كثيف واجعلنا نتحدث كما يتحدث الناس حين يلتقون على غير معرفه موثقه او موده متينه فقد برات من التكلف والقيت عنها الحجب والاستار فهم حراص على الا يقول بعضهم لبعض ما يؤذي او يسوء لماذا تعمدنا ان نجتنب الحديث عن ذات انفسنا ولماذا تعمدنا ان نجتنب الحديث حتى عن حاضرنا وحاضر الناس وحتى عن مستقبلنا ومستقبل الناس ولماذا انفقنا هذه الساعات الطوال لا نتحدث الا في هذه الموضوعات التي لا تحطم شيئا كما يقول الفرنسيون ولماذا نسي كل واحد منا ان ينشد حين يرى صاحبه قول الشاعر القديم نلبث حول ولا كاملا كله لا نلتقي الا على منهجي في موسم الحج وماذا منا واهله ان هي لم تحججي سال السياسه عن هذا فهي التي تستطيع ان تخبرك الخبر اليقين وسال السياسه عن هذا فهي التي تحسن التفريق بين الاصدقاء والتقريب بين الاعداء وهي التي تحسن ان تنسي الناس انهم كانوا رفاقا في الصبا وزملاء في الشباب واخلاء في الكهوله وسال السياسه فهي التي تحسن ان قيم المنافع العاجله مقام الموده الباقيه وان تشغل الناس بعتهم التي هي فيها عن ماضيهم ذلك الطويل وان تشغل الناس بما يقضون من منافع وما يرضون من مارب وما يحققون من امال عما وثقت الاسرى بينها من عرا متين وصلات كان يظن انها ابقى على الزمن الباقي من الزمن هل من الحق اننا لم نتحدث في هذه الساعات الطوال عن ذات انفسنا هل من الحق اننا لم ن في هذه الساعات الطوال تلك الايام الحلوه التي امتلات لذات الصبا والشباب وهل من الحق اننا لم نعبث بالسياسه والسياسيين واننا لم نعبث بانفسنا لانها اتصلت بالسياسه والسياسيين هل من الحق اننا انفقنا هذه الساعات الطوال في هذه الاحاديث التي كنا نكره ان نخوض فيها والتي يستعين الناس بها على ان يتحمل بعضهم بعضا هل من الحق ان هذه الاحاديث التي انفقنا فيها الساعات الطوال لم تعن احدا على ان يحتمل صاحبه فكنا نستنجد بالسجائر التي نكثر من تحرقها وكنا نستنجد بما عند صاحب البولمان من القهوه والليمون والبرتقال وكنا نستنجد بتكلف الفكاهه واختراع الدعابه نجذبها من شعورها جذبا كما يقول الفرنسيون هل من الحق ان احدنا لو عرف انه سيلقى صاحبه في القطار لقدم سفره او اخره حتى لا يكون هذا اللقاء وحتى لا يكون الاط ار الى هذه الاحاديث الفارغه التي لا تغني عن اصحابها شيئا الا انها تعينهم على قطع الوقت وتمكنه من ان يحتمل بعضهم بعضا نعم كل هذا حق ولكن هناك حق اخر لم اشكك فيه ولم يشك فيه صاحبي لحظه وهو ان السنتنا كانت تهذي بما لا يغني وان اذاننا كانت تتجرع هذا الهذيان وان قلوبنا في اثناء ذلك كانت تتحدث بما لم يكن تتحدث به السنت نا وان نفوسنا في اثناء ذلك كانت تستمتع بما لم تكن تستمتع به اذاننا فقد كان كل واحد منا يكذب على صاحبه اشنع الكذب بما يلقي اليه من هذا الكلام الذي لا طائل فيه والذي لا يدل على شيء وكان كل واحد منا يصدق صاحبه اعذب الصدق بهذا الحديث الذي لم تجري به الالسنه ولم تكن تتلقاه الاذان وانما كانت تخفق به القلوب وتستمتع به النفوس وتجد فيه العقول راحه وروحا وتجد فيه الضمائر رضا وامنا اما انا فقد كنت اراني وما اشك في ان صاحبي قد كان يرى نفسه معي في ذلك المكان الضيق امام تلك الدار الصغيره على شاطئ القناه وقد اظلنا شجرات بسطت اغصانها الى ماء القناه من ناحيه اخرى وقامت عليها الطير تملا الجو بغنائها المتصل الرفيع وخفق اجنحتها المتقطع ونحن ناخذ فيما تعودنا ان ناخذ فيه من حديث وقد رفعنا اصواتنا ليسمع كل منا صاحبه فقد كان غناء الطير وحفيف الورق وهفيدك كان هذا كله يوشك ان يحول بيننا وبين الحديث نعم كنت اراني مع صاحبي في هذا المكان وكنت اسمع قلبي يلقي الى قلب صاحبي حديث الموده والاخاء صفوا عفوا وعذب نقيا كنت اتلقى من قلب صاحبي مثل ما كنت القي اليه على حين كانت السنتنا تهذي بسخف القول لان ظروف الحياه قد اخذت تعلم الناس ان يخفوا الموده ويظهروا النفاق وان يسروا الحب ويعلنوا البغض وان يكذب بعضهم على بعض حتى في ذات انفسهم وان يخيل بعضهم الى بعض ان الاسباب بينهم مقطعه وان الاسباب بينهم لمصه ولكن مهلا ان اخفاء الموده يوشك ان يمحوها وان اصرار الاخاء يوشك ان يقتله وان التصريح بالكذب والنفاق واعلان التباعد والخصومه يوشك ان يجعل الكذب والنفاق والتباعد والخصومه اصولا لما نستانف من حياه وقد وصل القطار الى القاهره ونهضنا يريد كل منا ان يروح الى اهله ولم يقل احد منا لصاحبه شيئا بلسانه لان لسانه لم يكن يقول الا كذبا وقال كل واحد منا لصاحبه كل شيء بقلبه لان قلبه لم يكن يقول عنه الا صدقا راح كل واحد منا الى داره وان قلبه يتقطع حسرت لانه لا يستطيع ان يبين عما فيه من حب تفين ابلغ الامر بنا ان نخاف بالموده ونجه بالنفاق اضغاث احلام راى فيما يرى النائم كانه يسعى متروض على شط حين اخذ الاصيل يحسر عن الارض والسماء في انا وريث ضوئه الشاحب الحزين وكان يسعى في جنه فسيحه بعيده الارجاء رائعه الحسن وقد اختلفت مناظر ما فيها من شجر وثمر وزهر وعشب فهو يتنقل بين هذا كله مستانيه متمهلا يقف عند هذا اللون من الوان الزينه التي اتخذتها هذه الجنه فيطيل الوقوف وينظر اليه فيطيل النظر ولا ينتقل عنه الا حين يستيقن انه قد رسمه في قلبه رسما صادقا وصوره في ضميره تصويرا دقيق وكانه كان يحس احساسا خفيا لا يكاد يعلمه انه حالم لا عالم فكان يريد ان يستبقي في نفسه هذا الحسن البارع الذي يراه في هذا الجمال الرائع الذي يتمتع به لينعم بهما اذا ردته اليقظه الى هذه الحياه البغيضه التي كان يضيق بها اشد ضق لانها كانت تصور له امالا عراضه وتقعد به عن بلوغ هذه الامال فكان يجد الالم الممض والعناء الثقيل في هذا الرجاء الذي ينفسح له وهذا الياس الذي يقعد به وكان المه يزداد شده وحزنه يزداد لذعا حين يرى مواكب هؤلاء الامراء والوزراء والكتاب واصحاب المكانه في قصر الامين والمامون فتنازعوا واحدا منهم يشاركهم فيما يستاثر به من الغنى والسلطان والجاه ولكنه ينظر فاذا الاسباب بينه وبين ذلك مقطوعه لا تريد ان تتصل من اين لفتى من اوساط الناس وعامه اصحاب التجاره فيهم ان يرقى الى الكتابه او الوزاره او قياده الجند فكانت حياته مناقصه بهذا الامل البعيد والياس القريب فلا غرابه حين راى ما راى في احلام الليل ان يحرص على من يستبقي هذه المناظر الجميله وهذه المحاسن الفاتنه ليتسلى بها اذا استيقظ عن ياس لا يريم وامل لا ينال وانه لاينتقل في حلمه بين هذه المناظر الخلابه الساحره اذ هو يرى جاريه حسناء فاتنه الحسن تنتقل مثله بطيئه متمهلا في هذه الجنه الرائعه ولا يكاد يرى هذه الفتاه حتى تقع من قلبه موقع الحب فتملا حتى انه لا يستطيع ان يشتمل غيرها شيئا اخر ثم يحا ان يدنو منها ليتحدث اليها لكنها تناى عنه مسرعه وهي تقول في صوت عذب ولفظ حلو هيهات هيهات لم يؤذن لنا بعد في ان نلتقي ثم ينظر فاذا هي قد غيبت عنه واذا قلبه قد خلى منها ولم يستبق الا صوره ضئيله جدا ان امتازت بشيء فانما تمتاز بالفتنه المغريه والقسوه المؤسى يمضي في طريقه هادئا ينحدر نحو النهر في بطء فلا يكاد يخطو خطوات حتى يرى جاريه اخرى ليست اقل من صاحبته الاولى رواء ولا بهاء ولكنها اكثر منها زينه واحسن منها شاره واذ هي تلقي اليه نظره تضرم في قلبه نارا اي نار فيرنو اليها من بعيد ويريد ان يدنو منها لينظر اليها من قريب ولكنها تناى عنه مسرعه وهي تقول هيهات هيهات لم يؤذن لنا بعد في ان نلتقي ثم تغيب عنه كما غيبت عنه صاحبته الاولى ولكنها قد تركت في قلبه صوره ضئيله جدا واضحه جدا يرى فيها سحر الجمال وايه النعمه والثر ويمضي في طريقه منحدرا الى النهر واذا جاري ثالثه ليست اقل من صاحبت فتونا واغراء ولكن فيها استعلاء وتكبرا وشيئا من غلظه لو كان في رجل لبغض الناس ولكنه يدعو اليها اشد الادعاء ويرغب فيها اعظم الترغيب ولا يكاد يراها حتى يجن بها جنونه واذا هو يحاول ان يدنو منها ليثو بين يديها ولرفع اليها الطاعه والعباده كما تقدم الطاعه والعباده الى الاصنام ولكنها تناى عنه مسرعه وتابى حتى ان تقول له مثل ما قالت صاحبتها من قبل انما تشير اليه اشاره فيها كثير من الكبرياء ان قف فلم يؤذن لنا بعد في ان نلتقي وقد اخذ الفتى ينكر هذا الحلم العجيب فهو مغرق فيه لم يفق منه وكاد انكاره لهذا الحلم ان يرده الى اليقظه لولا ان صوره تتراءى له فيثب اليها واذا جاريه رابعه ليست اقل من صاحباتها دعاء للقلب واسته واء للنفس لولا انها لا تنظر الا شذرا ولولا ان كل ما يظهر من وجهها من هذه الايات التي تصور دخيله النفس واعم ما ق الضمير لا يدل الا على الغلظه والغطرسة بائس قد كتب عليه الحرمان في حياته اليقضه وفي حياته النائمه ومن يدري لعل الحرمان قد يكون قد كتب عليه في حياتنا الدنيا وفي حياته الاخره واذا ففيما خلق ولما قذفت به الاقدار في هذا العالم البغيض الذي لا يحلو فيه يقظه ولا نوم ولكنه يرى امراه نصفا ليست بالجميله الرائعه ولا الذميمه التي تنصرف عنها الابصار ولكنها شيء بين ذلك في وجه الحازم ما يدعو الى الحب وفيه ما يحمل على الاكبار وفيه اشراق غريب يشيع في القلب رقه وفي النفس عطفا وميلا الى الحنان هذه المراه قائمه مكانها لا تتحول عنه ولا تظهر ميلا الى التحول عنه وقد اخذ الفتى يدنو منها شيئا فلم تنفر منه ولم تغب عنه وانما اقامت مكانها هادئه يفيض من وجهها هذا البشر الحازم وهذا الحنان الذي يمل القلب طمانينه ورضا وهي تشير الى الفتى في ظرف وعطف ان اقبل كانها شهدت ما لقي من اولئك الجوار الاربع فرقت له وافقت عليه واحبت ان تسليه وتواسيه لكن الى يعرض عنها اعراضا ويصد عنها صدوده ويوليها ظهره وهو يقول هت لن يكون بيننا لقاء فلست احب العطف ولا اريد الرفق وليس ابغض الي من هذا الامل الذي لا اجد في تحقيقه الجهد المجهد ولا في الظفر به العناء الثقيل وكان اعراضه هذا قد ملا قلبه غيظا فرده الى اليقضه على ابغض ما كان يجب ان يستيقظ عليه من الحال على هذا الامل القريب الذي لا رغبه له فيه ولا حاجه به اليه بعد ان افلتت منه هذه الامال العسيره التي كان عليها حريصا وبها كلفا وقد انفق نهاره مفكرا في هذا الحلم الغريب مستحضرا هذه الصوره الجميله التي تراءت له ثم نات عنه منكرا حظه من النوم واليقظه جميعا ويقبل ابوه مع المساء فاذا راه في هذا الذهول للامه اشد اللوم وعنفه وانبه اعظم التانيب وحثه على ان يترك حياه الادب هذه التي ترقى باصحابها الى السحاب ثم لا تبلغهم من امالهم شيئا ورغبه في ان يسير سيره اسرته فيعمل في التجاره المريحه التي لا تضيع على صاحبها وقتا ولا جهدا ولا تفكير ولكن الفتى يمتنع عن ابيه اشد الامتناء ويظهر له الزهد في التجاره والاسراء لحياه التجار ثم ينفق ليله ساهره لا يذوق فيها النوم ولا يصاحب فيها الا القلم والقرطاس حتى اشرقت الارض بنور ربها وفرغت بغداد من مواكب الامراء والوزراء والكتاب الذين استقروا في دواوينهم حين ارتفع الضحى اقبل الفتى يسعى الى ديوان الحسن بن سهل الوزير فما زال يتلطف حتى ادخل عليه فانشد مدحه اعجبته وانصرف عنه بجائزه ارضت وراح على ابيه اخر النهار بع الاف درهم نثرها بين يديه قال الشيخ مبهورا مسحورا لا الومك بعد اليوم في ازدراء التجاره والاقبال على حياه الادباء ومنذ ذلك اليوم اتصلت اسباب الفتى محمد بن عبد الملك الزيات باسباب الوزراء والكتاب وما زال يرقى من درجه الى درجه ويسمو من منزله الى منزله حتى نظر ذات يوم فاذا هو قد فوض الخليفه اليه امور الدوله كلها فله الامر والنهي واليه المنح والمنع وفي يده سلطان السيف والقلم جميعا واذا ثروته لا تحصى ولا يقاس اليها الا ثروه امير المؤمنين ومن يدري لعله ان يكون اقدر على ابتذال المال والتصرف فيه من امير المؤمنين فهو يامر وينهي في المال غير مراجع ولا مدافع وامير المؤمنين لا يعطي ولا يمنع الا عن رايه ومشورته وقد فرغ من غذائه ذات يوم واوى الى مضجعه يلتمس شيئا من راحه فغفا افاء قصيره واذا هو يرى نفسه في تلك الجنه الفسيحه ذات الارجاء البعيده وجاريه حسناء ترمقه من بعيد وهو يدنو منها محبا لها معجبا بها حتى اذا استطاع ان ينظر في وجهها من قريب لم ينكر هذه الصوره وانما ذكر كان عهده بها كان قريبا فهي اذا تلك الفتاه الحسناء التي راها في حلمه ذاك والتي كانت تظهر عليها ايات الغنى والسعا وهي تبتسم له وتدنو منه وتقول له في صوتها العذب ولفظها الحلو ادنو ابا جعفر فقد اذن لنا الان ان نلتقي قال ابو جعفر جعلت فيداك من تكونين قالت في صوتها العذب ولفظها الحلو انا الثروه افق ابو جعفر باسم الثغر راضي النفس يعجب من حلمه القديم وحلمه الجديد ولكنه كان صاحب جد وحزم وفلسفه فلم يلبث ان هز راسه وتلى قول الله عز وجل قالوا اضغاث احلام وما نحن بتاويل الاحلام بعالمين ومضى ابو جعفر يصرف امور الدوله كما يهوى وعلى ما يحب امير المؤمنين لا يسال عن العدل اين هو ولا يسال عن الظلم اين هو وانما يسال عن رضى نفسه ورضى امير المؤمنين يسلك اليهما الطرق المستقيمه والمعوج ويركب اليهما الحزن والسهل ويضحي في سبيلهما بالماضي والمستقبل فيجف الصديق وقاهم بالغظب منك اذم الزمان وكنت اعدك للنائبات فها انا اطلب منك الامانه ثم يغلو في الاستعلاء ويمعن في الكبرياء حتى يلقى اخا امير المؤمنين اشنع لقاء ويتعمد ايذاءه في نفسه وجسمه بمحضر من اهل الديوان لان امير المؤمنين كان مغاضبا لاخيه في مساء ذلك اليوم خل الى ندمائه فاخذ من لهوه المادي والعقلي بحظ عظيم وثق عليه الشراب حتى تقدم الليل فاخف اخفاءه قصيره ثم افاق وهو يت قول الله تعالى قالوا اضغاث احلام وما نحن بتاويل الاحلام بعالمين فلما ساله بعض ندمائه عن ذلك قال رؤيه رايتها في هذه الاخفاء وما ارى الا انها من اثر الشراب لم تكن الرؤيا من اثر الشراب وانما كان حلما يعبر حلما فقد راى نفسه في جنته تلك وراى تلك الجاريه الابي المتغطرسه تبتسم له وتسعى اليه وهي تقول ادنو ابا جعفر فقد اذن لنا الان في ان نصطحب الا تذكرني لقد التقينا ذات مساء في جنتنا هذه على شاطئ نهرنا هذا وقد كنت تريد ان تستعطف ني قال ابو جعفر نفسي فداؤك من تكونين قالت انا الجفوه قد اجبتك منذ اليوم فانا صفاء لك وجفاء لاعدائك وما ارى الا ان الناس جميعا عدو لك ومضى ابو جعفر يستزيد من السلطان ويستزيد من الثراء ويستزيد من الكبرياء والباس حتى بلغ من العنف ما لم يبلغه وزير قبله وسامى المسلمين من الوان العذاب ما لم يكن المسلمون يظنون ان من الممكن ان يساق اليهم واتخذوا تنوره ذلك الذي كان يصفي به الاموال من العمال وكان ضيقا شديد الضيق قد احيطت انحا كلها بالمسامير ذات الحدود المرهفه يدخل فيها الرجل من الناس فتاخذ المسامير جسمه حتى جميع اقطاره وقد جرت اداته تلك في احد العمال ذات يوم وجعل ينظر الى هذا العذاب ويجد فيه متاعا وراحه ورضا فلما ذكرت له الرحمه قال انما الرحمه خور في البيعه وضعف في المنه وما رحمت شي قط في مساء هذا اليوم را فيما يرى النائم احدى جواريه اولئك في جنته تلك تسعى اليه باسمه ابتساما مرا وهي تقول اقبل ابا جعفر الا تعرفني انا صديقتك القسوه لقد التقينا ذات اصيل في جنتنا هذه على شط نهرنا هذا فقد ان لنا الان ان نلتقي ولن يفرق بيننا الا الموت واصبح ابو جعفر ضيقا بهذه الاحلام التي يعبر بعضها بعضا وحدث نفسه بان يسال في ذلك بعض اصحاب الفلسفه لعلهم يجدون لهذا النحو من حياه الناس تفسيرا ولكنه استكبر حتى عن الس خشي ان تحدث الى الكندي الفيلسوف في ذلك ان يستر ويستخف حلمه ويتن بقصته عند امير المؤمنين فلم يتحدث بشيء من امره الى احد وانما تلى قول الله عز وجل قالوا اضغاث احلام وما نحن بتاويل الاحلام بعالمين ومضى ابو جعفر يصرف امور الدوله كما يشتهي هو لا كما تشتهي امور الدوله حتى ملا الارض رعبا ورهبا وحتى كان الخوف قوام الصله بينه وبين القريب والبعيد وقد توفي امير المؤمنين وانتقلت الخلافه الى اخيه ولكن ابا جعفر مطمئن القلب رضي البال قد امتلات نفسه ثقه بنفسه وامن المكروه كل المكروه فهو مستيقن ان قصور الخلفاء لم تعرف قط وزيرا يشبهه قوه وايذاء وحسن تصريف للامور فلن يستغني عنه امير المؤمنين ولكنه يصبح ذات يوم وقد وجد الشك اليسير الخفي الى قلبه العنيف الابي سبيلا لانه راى فيما يرى النائم جاريه من جواريه تلك تبتسم له ابتسامه حزينه وتنى عنه رويدا رويده وهي تقول في صوت تكاد تخنقه العبرات ودعن يا ابا جعفر لقد حمدت صحبتي لك ومعاشرته اياك ولكن قضي علينا ان نفترق قال ابو جعفر ويحكي من تكونين قالت انا صديقتك السطوه تنسى يوم التقينا في جنتنا هذه على شط نهرنا هذا وقد افاق ابو جعفر في ذلك اليوم مضطربا نفس بعض الشيء وهم ان يتلو الايه الكريمه فلم ينطق بها لسانه وانما الح الشك على نفسه الحاحا ولم ياتي اصيل ذلك اليوم حتى كان ابو جعفر في سجن امير المؤمنين المتوكل وقد جرد من سطوته وجفوه وثروته وقسوته ورد الى حال الشقي البائس الذي لا يملك نفسه نفعا ولا ضره والذي يدعو فلا يستجاب له ويتمنى فلا يحفل احد بتمنيه ويشكو فلا يرق احد لشكواه وقد صبر ابو جعفر على السجن ما كان السجن سهلا يسيرا لكنه لم يلبث ان استحال الى العذاب يصب عليه في الليل وقد وكل السلطان به من يسامره حتى اذا احس منه راحه او شيئا يشبه الراحه نخسه بالمسلات ليرده الى الالم وليجد عهده بطعم العذاب وقد صبر ابو جعفر على هذا العذاب ما وتته قوته واحتملت طبيعته شده الباس لكنه يرى ذات يوم على باب الحجره التي يعذب فيها من حجرات السجن صوره يعرفها ولا يمكنها يراها يقضان وقد كان يرى صاحباتها نائما وهو ينظر في وجهها نظره المشوق اليها المفتون بها وكلما زاد اليها نظرا ازداد اليها شوقا وبها كلفا وهو يدعو بقلبه كله ونفس كلها وهي تريد ان تستجيب له وتود لو تخطو هذه الخطوات القليله التي تدنيها منه وتقربها اليه ولكنها ترد عن ذلك ردا رقيقا فترسل الى ابي جعفر نظرات حلوه فيها حنان وعطف واشفاق واذا لسان ابي جعفر ينطلق بهذه الكلمات في صوت هادئ يقطعه الالم الرحمه قال الذين يعذبونه وقد ظنوا انه يسترح ان الرحمه تخور في الطبيعه وضعف في المنه وهل رحمت شيئا قط ولم يطلب ابو جعفر اليهم رحمه وانما عرف صاحبته تلك التي راها في جنته تلك على شاطئ دجله فسماها باسمها منذ ذلك اليوم لم ينطق ابو جعفر الا بشهاده ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله حتى حين ادخل في التنور الذي كان يعذب فيه الناس لم ينطق لسانه بغير هذه الكلمه حتى مات ضمير حائر اوى الى سريره راضيا ناعم البال وهب من سريره موفورا طيب النفس ونام بين ذلك نوما هادئا هانئا لم تنقصه مروعه الاحلام ولم يكد يخرج من غرفته حتى تلقاه الصبيه من بنيه وبناته بوجوه مشرقه تتالق فيها نضره النعيم وثغور جميله تبتسم مثل اللؤلؤ المنضود وحملت اليه اصواتهم الرخصه العذبه تحيه الصباح فردها عليهم في صوت حلو يجري فيه الحزم الصارم ويشيع فيه الحنان الرقيق وانفق معهم ساعه حلوه يداعب هذه ويلاعب ذاك ثم خلص منهم بعد جهد وفرغ لنفسه ليصلح من شانه قبل ان يغدو الى عمله وكان عمله خطيرا وكان اهتمامه لهذا العمل وعنايته به اعظم منه خطرا لانه كان قوي الضمير حريصا اشد الحرص على اداء ال كاملا وكان ابغض شيء اليه ان يتهمه احد او ان يتهم هو نفسه بايسر التقصير لم تكن عنايته بحسن زيه وجمال شكله اقل من عنايته بالعمل والواجب فقد استقر في نفسه منذ بلغ الشباب ان من كمال المروءه ان يكون الرجل حسن المنظر جميل الطلعه ما وسعه ذلك وان تقع عليه العين فلا تقتحمه وتبلغه الابصار فلا تزول عنه ولا تعدو الى سواه ذلك ادنى ان يحببه الى النفوس ويحسن مكانه في القلوب ويجعل محضره خفيفا وعشرته شيئا يطلب ويرغب فيه كان الله قد منح صاحبنا حظا من جمال الخلقه وخلقه في تقويم حسن فزاده ذلك عنايه بنفسه واهتماما بمنظره وشجعه الناس على ذلك بما كانوا يهدون اليه من ثناء وشجعه النساء خاصه على ذلك بما كنا يحمد من ه الرائعه وزيه الانيق وحسن تلطفه في اللقاء والعشره والحديث كل ذلك فرض عليه العنايه بجسمه وسيه وشاره اكثر مما تعود الناس ان يصنعوا فكان يخلو في غرفته كل صباح وكان يخلو في غرفته كل مساء وقتا غير قصير ثم يخرج من غرفته ليغدو الى عمله او ليروح الى ناديه فلا يكاد اهله يرونه حتى يحدث منظره الرائع في نفوسهم فجاه جديده على كثره معاشرتهم له ومخالطتهم اياه وقد خل في ذلك الصباح الى نفسه في غه فاطال الو وير وبدل من زيه ما استا التير والبدي حتى اذا اعد نفسه لناس او اعتقد انه اعد نفسه لناس وهم ان يخرج القى الى المراه هذه النره السريعه الخاطفه التي كان يلقيها اليها دائما كانما يسالها رايها الاخير قبل ان يخرج للقاء الناس وكان رايها الاخير دائما حسنا مقنعا يشيع في نفسه شيئا من الرضا الهادئ والثقه المنتظره ولكن راي المراه الاخير في ذلك الصباح لم يكن حسنا ولا مقنعا ولا مشبعا للرضا والثقه وانما كان مزعجا مروعا لم تكد عينه تبلغ المراه حتى ارتدت عنها مذعوره ثم عادت اليها مشفقه وارتدت عنها وقد نقلت الى قلبه ذعرا يبلغ الهلع واذا هو يرتد مكانه ويرجع ادراجه مسرعا ويحول وجهه عن المراه تحويلا تاما حتى لا تخطئ عينه فتمتد اليها مره اخرى وقد اخذ قلبه يخفق خفقان شديدا سريعا متصلا واخذت جبهته تنضح بشيء من عرق بارد واخذت قطرات من هذا العرق تنطبع على وجهه وجعل الدوار يعبث به وبكل شيء من حوله حتى خيل اليه ان الغرفه كلها قد استدارت فاصبحت المراه وراء واصبحت هذه المائده التي كان يجلس اليها ليصلح من شانه امامه واذا هو مضطرب الى ان يتماسك ويتملك واذا هو عاجز عن ذلك فيجلس على اول كرسي يبلغه مضطربا ممعنا في الاضطراب حائرا لا يكاد يتبين حيرته ولا يكاد يتبين مصدرها ومع ذلك فقد كان مصدر هذه الحير يسيرا جدا غريبا جدا في وقت واحد كان يسيرا لانه لم لم يكن الا ما راى في المراه وكان غريبا لانه لم يرى في المراه وجهه وانما راى اقبح وجه يمكن ان يكون الله قد خلقه وابشع منظر يمكن ان يمتحن الله به الناس او القرود وقد طال جلسه على كرسيه واترا الى الارض واغراق في الحيره ثم اخذ جسمه يهدا شيئا فشيئا وجعل قلبه يستقر في صدره قليلا قليلا وامتدت يده فاتره الى منديل امره على وجهه فجف به العرق وارتسمت على ثغره ابتسامه هادئه فيها شيء من غموض وشيء من رضا فقد ثابت نفسه اليه وجعل يسخر من هذا الروع الذي الم به فاكبر الظن ان شيئا من عله قد الم بمعدته فافسدها يسال نفسه عما طعم امس وعما شرب فلم ينكر من طعامه ولا من شرابه شيئا فقد طعم امس وشرب كما كان يطعم ويشرب في كل يوم ولكن بمعدته شيئا من غير شك هو الذي خيل اليه ما خيل حين مد عينيه الى المراه ومن المحقق انه لم يكن يحس الما ولا يشعر بشيء مما يشعر به المرضى حين يطرا عليهم المرض ولكن لا سبيل الى تعليل هذه الظاهره الطارئه الا بشيء اصاب مدته او كبده وهو على كل حال قد استرد شيئا من طمانينه فعاد الى شانه يصلح منه ما افسد هذا الاضطراب فما بلغ من ذلك ما ارضاه ازمع ان يخرج من غرفته دون ان يسال هذه المراه المشؤومه عن شيء ولكن الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنه والناس القى في روعه مع كثير من اللباقه والمكر ان من الحق عليه ان يسال هذه المراه التي تعود ان يسالها دائما والتي تعودت ان تصدقه دائما فمن يدري لعل شيئا الم به فغير من وجهه وشكله وهو لا يدري وما ينبغي ان يظهر الناس منه على ما لا يحب ان يظهروا عليه وقد القى نظرته الى المراه فارتدت عينه مذعوره ثم عادت الى المراه مشفقه ثم ارتدت وقد حملت الى قلبه جزعا وهلع واذا هو يجاهد ليحبس صيحه قد همت ان تخرج من حلقه فتملا الغرفه من حوله وتدعو اليه اهل الدار ولكنه رد هذه النصيحه الى مستقرها ولم يتح لها ان تنفجر استانف اضطرابه ذاك ثم ثابت اليه نفسه بعد حين فيسرع الى الجرس يدقه فاذا دخلت عليه الخادم رفع اليها وجهه وظل صامط حينا يريد ان يعرف اتنكر الخادم من امره شيئا فلما راى الخادم كدا بها كلما دعاها اليه قائمه واجمه تنتظر امره لا تنكر شيئا ولا تعرف شيئا او لا تظهر معرفه ولا انكاره قال لها في صوت يكاد يضطرب انبئ سيدي دتك انني انتظرها واقبلت زوجه بعد حين فراته قائما باسما ينتظر مقدمها فلما راته اخذها منظره كما تعود ان ياخذها كل صباح وكل مساء وسالها هو ا تنكرين من امري شيئا قالت متضا احكه وماذا تريد ان انكر من امرك انما انت كما تعودت دائما ان اراك رائع الشكل جميلا منظر خلابا للنساء الى اين تريد ان تغدو اليوم فاني اراك تكلفت عنايه بزيك قال لما تتكلفه قال والى اين اخدو الا الى عملي قالت فان عملك لا يحتاج الى كل هذا التانق ولكنه اعاد عليها قوله افي الحق انك لا تنكرين مني شيئا قالت مغرقه في الضحك في الحق اني انكر منك هذا الاسراف في التجمل قال في شيء يشبه الذهول ان هذه المراه تنبئ ني بغير ما تقولين ثم القى انا المراه نظرته الخاطفه تلك وارتد عنها وجلا مذعورا يقول لامراته التمسي لي طبيبا وقد عاده طبيب وطبيب وطبيب عادوه متفرقين وعادو مجتمعين وفحص من جسمه كل ما يمكن ان يفحصه وامتحن كلما يمكن ان يمتحنوا فلم يروا به باسا ولم يشخصوا له عله ولم يصفوا له دواء وقال له قائلهم من رى بجسمك من باس فالتمس د سواء نفسك عند نفسك فما نظن الا ان في ضميرك شيئ يؤذيك على علم منك او على غير علم وقد غيرت المراه في غرفته مره ومره ولكن المرايا كلها جعلت كلما التمس نفسه فيها ردت اليه صوره غير صورته وشكلا غير شكله وملات قلبه فرقا وروعه وقد تسامع اعوانه واصحابه بانه مريض منذ لزم غرفته وانقطع عن عمله فجعلوا يسعون اليه ليعود يلقاه اقلهم ويرد عنه اكثرهم وينبئ اولئك وهؤلاء من امره بغير الحق تخترع لهم العلل وتبتكر لهم الادواء فيصدق منهم من يصدق ويكذب منهم من يكذب ويشك منهم من يشك وكنت من هؤلاء الاصدقاء الذين سعوا الي وسالوا عنه ثم اتيح لهم ان يروه وكنت اثيرا عنده كما كان اثيرا عندي لا اخفي عليه من ذات نفسي شيئا كما لا يخفي علي من ذات نفسي شيئا ولقد لقيته في من لقيه من اصحابه ذات يوم فسمعنا منه وقلنا له وضربنا معه اخماس لاسس في امر علته نصدق نحن في حيرتنا ويتكلف هو لنا الحيره تكلفا لا يكاد يخفى علي فلما هممنا ان ننصرف استبقي في لباقه وظرف فبقيت ومضى الحديث بيننا الوانا ساعه من النهار ثم عدنا الى علته فاذا هو يتحدث الي بامره كله في وضوح وجلاء قلت ضاحكا العلك قرات هذه القصه الانجليزيه التي كتبها اوسكار وايلد وسماها صوره دوريان جري فان فيها ما يشبه قصتك من بعض الوجوه قال فانك تعلم اني لا اقرا الانجليزيه ولا اقرا لغه اوروبيه ولا اعرف ان هذه القصه قد نقلت الى العربيه قلت اولم يتحدث اليك قط متحدث عن هذا الكتاب وكاتبه قال سمعت اطرافا من الحديث عن اوسكار وايد ولكن لم اسمع عن هذا الكتاب من كتبه قليلا ولا كثيرا فحدثني انت عن هذا الكتاب قلت لقد قراته منذ زمن بعيد واذكر انه يعرض على قارئه قصه فتى حسن رائع الحسن جميلا بارع الجمال اتخذ له صديق مصور صوره تطابق شكله جمالا وروعه وقد اقترف هذا الفتى في مستقبل ايامه سيئات كثيره واجرح اثاما مختلفه طب قاضت اليه نفسه اشد البغض وقبح صورته المصنوعه في عينه اشنع التقبيح فنفاه من حجرات داره وغرفته الى حيث ينفي سقط المتاع لكنه كان يلم بها من حين الى حين تزيدا من بغضه لها وسخطه عليها واستعذ با لهذا الخط وذلك البغض ثم اصبح الناس ذات يوم فراوه مقتولا الى جانب صورته اراد ان يمزق الصوره فمزق صدره وقد اراد اوسكار وايد فيما اظن ان يصور تاثير دمي على ما اقترف من الاثام في بعض الضمائر والنفوس فلم تكن هذه الا مراه لضمير دوريان كريي راى فيها ما كان يملا ضميره من السيئات المنكره والجرائم البشعه قال صاحبي في صوت ياتي من بعيد وما انا وهذه القصه قلت في صوت ياتي من بعيد ايضا اشيت ان تكون قد قراتها او سمعت عنها فاثرت في اعصابك تاثيرا سيئا فما اكثر ما تؤثر الكتب قيمها وخفها في اعصاب الناس فتحملهم على غير ما اراد المؤلفون ان يحملوه عليه قال صاحبي وعلى ثغره ابتسامه حزينه اون عليك فاني لم اقرا هذا الكتاب ولم اسمع عنه ولم اتاثر به قليلا ولا كثيرا ومع ذلك فان من حقه ان يقرا قلت وقد ندمت بعد ذلك على ما قلت فالتمس في اثناء نفسك واحنا قلبك الخطا لعلك قد دفعت اليه او ساء لعلك قد قدمتها الى بريء فاني اعلم انا نجهل من امر الضمير الانساني اكثر مما نعلم ومن يدري لعل في ضميرك الخفي ندما على شيء اتيته ثم انسيته ولعلك ان اكتشفته ان تصلحه وتستغفر الله منه فتقل هذا الندم الذي اخشى ان يكون هو الذي ينقص عليك الحياه وتركت صاحبي حائرا مبهوتا ثم انبئ بعد ايام انه يمرض في بعض المستشفيات فلما سالت عن جليه ذلك قص علي محدثي عجبا من الامر فقد كان صديقي هذا البائس من قوم كرام مات اكثرهم وبقي اقلهم وكان الذين ماتوا رحمهم الله يرتفعون عن الصغائر ويمتنعون عن النيات وتابى نفوسهم فيما تابى جعود العارف وانكار الجميل ورثوا ذلك عن ابائهم واحبوا ان يورثو لابنائهم فحال بينهم وبين ذلك هذا التطور الحديث الذي غير مقاييس الاشياء وادار اعمال الناس واقوالهم على المنافع العاجله والمار القريبه لاعلى ما كان يالف اباؤنا من رعايه الحق وتقدير المعروف كان صديقي هذا البائس احرص الناس على ان يشبه الذين سبقوه من قومه في كل ما كانوا ياتون ويدعون من الامر ولكن احداث الدهر وخطوب الايام وما تحمل من رغبه ورهبه ومن اغراء وتنفير كانت اقوى من خلقه وارادته فلم يستطع ان يكون خليقا بالذين سبقوه من قومه انما كان خليقا بالذين صروه من اترابه كان قومه يستحون من انفسهم قبل ان يستحوا من الناس وكان هو يستخفي من الناس ولا يستخفي من ضميره ولا من الله وهما معه اينما كان فلما قصصت عليه قصه اوسكار وايد كنت كانما كشفت عن نفسه القطاء فاصبح يتحدث الى امراته والى خاصته بان هذا الوجه القبيح الذي كان يراه في المراه لم يكن وجهه فوجهه ماز ز جميلا رائعا وانما هو مراه ضميره لان ضميره بشع تميم ثم يمضي في حديثه فيقول لا تنكروا مما اقول لكم شيئا فاني لا ارى هذا الوجه البشع اذا نظرت في المراه فحسب بل انا اراه كلما خلوت الى نفسي اراه يحمله جسم كجسم واراه يجلس الي غير بعيد ينظر الي شزرا اول الامر ثم لا يزال يرفق بي ويظهر الرقه لي حتى اطمئن اليه فيحدث ني في صوت هادئ رقيق عن سيئات تقدمت بها الى الناس فيما مضى من الدهر ثم يقول لي في صوت هادئ يخيفني اشد الخوف ليتك لم تفعل فقد كنت اراني جميلا فجعلتني قبيحا بشعا وكنت اراني سعيدا فجعلتني شقيا بائسا فقد اتملت وحدي قبحي وبشاعته وشقائي وبؤسي ثم اعياني اتمال هذا الثقل فرايت ان تشاركني في النهوض به فسال ازمك منذ الان كما يلزم الظل صاحبه واي غرابه في ان يلزم الضمير صاحبه وكان صديقي البائس يقول ذلك لاهله وخاصته في صوت غريب يملا قلوبهم خوفا واشفاق ورحمه وعطفا ثم كان يلح عليهم في الا يخلوا بينه وبين نفسه فلزم واطال البقاء معه ولكن بغضه لظ هذا او لضميره هذا جعل يعظم ويشتد كما ان حب ظله وضميره له ج يعظم ويشتد ايضا فقد را ضميره في المراه اول الامر ثم ج يراه في الخلوه بعد ذلك ثم اصبح يين يخلو ال نفس وحين يحي به اهله وخاصته واذا امينه ال النون الثائر ال ما يشب واذا اهله مضطرون ال ان رضوه في بعض المشات الت تالج فيها الاعصاب المريضه ليتني لم اكشف لصاحبي عن نفسه الغطاء استغفر الله ماذا اقول وهل يزيد الكتاب على ان يكشفوا للناس عن نفوسهم الغطاء مدرسه الذباب اضحكي يا سيدتي واغرق في الضحك فذلك شيء يسرني ويرضيني لان الضحك خير من البكاء ولان النشاط خير من الفتور ولان ذلك بعد لا يغض من هذا التشبيه الذي تضحكين منه ولا يرده الى الضعف فضلا عن ان يرده الى الفساد فانت ت خدعين نفسك بهذا التناقض الذي ينخدع به اصحاب السذاجه ترين ذبابه كائنا يسيرا ضئيلا لا يكاد يشغل من الجو اذا استقل في الجو حيزا ذا خطر ولا يكاد يشغل من الجسم ان وقع على الجسم الا مكانا لا يكاد يذكر وترين صاحبنا ضخما فخما طويلا عريضا يسعى فيسبق بطنه كانما يفسح له الطريق وهو على ذلك او من اجل ذلك يمشي ثقيلا بطيئا كانما يبذل اشق الجهد وعنفه في كل خطوه يخطوها من خطواته هذه القصار التي لا تكاد قدمه اذا سعى الا في كثير من العناء فاذا اراد ان يجلس التمس هو او التمس الناس له ما يلائم جسمه الضخمه الفخمه من الكراسي العراض التي تستطيع ان تتحمل الاثقال دون ان تنحل او تنهار فاذا تكلم ارتج من حوله كل شيء واحتاج الناس الى ان يرغبوا اليه في ان يغض من صوته ويخاف بحديثه اشفاقا على الاسماع ان تستك وعلى الاسنان ان تصطك وعلى القلوب ان تنخلع وعلى الرؤوس ان ياخذها الدوار وانا مع ذلك اشبه هذا الكائن الهائل المخيف بذلك الكائن الضئيل الخفيف واي غرابه في هذا فاني لم اشبه جسما بجسم ولا شكلا بشكل وانما شبهت خلقا بخلق ومزاج بمزاج والله يولج الليله في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وهو قادر ان شاء الله على ان يركب في الناس اخلاق الذباب ويركب في الذباب اخلاق الناس ومن يدري لعلنا لو فهمنا طنين الذباب واستطعنا ان نترجم ما يدور بين افراده وجماعاته من الحديث ان يتاح لنا ان نتبين ان الله قد ركب في الذباب اخلاق بعض الافراد والجماعات من الناس ولكنها لم نعلم منطق الذباب ولم يتح لنا ان نفهم لغته ولا ان نستقصي ما يدور بين افراده من الاحاديث ولا ما يكون بين جماعاته من الخطوب فاما الانسان فقد اتيح لنا ان نفهم لغته ونبلو اخباره ونستقي انباء واتيحت بين بعض ما فيه من الخصال التي تقربه من كبار الحيوان حينا ومن صغاره حينا اخر والذي استطيع ان احققه هو ان صاحب بهذا الفخم الضخم الطويل العريض قد فطر على شيء من اخلاق الذباب واظهر ما ركب فيه من ذلك هذا التهالك الملح الذي يمنعه ان يعيش بنفسه او ان يعيش لنفسه وان يستقل بشخصه لحظه من لحظات الحياه فهو دائما تابع لشيء او تابع لانسان وهو دائما ملح في التتبع لاشياء وللناس وهو يحيا مع هذا التتبع ولا يستطيع ان يحيا بدونه وهو من اجل هذا فع اليه بالغريزه القاهره التي لا يدبرها عقل ولا تصرفها اراده وانما هي مندفعه امامها لا تردها الاحداث ولا تصدها الخطوب هنا يظهر الفرق الواضح بين صاحبنا وبين الذباب فليس للذباب ما يحميه منا ان اردنا ان نرده او نص او نخلص منه بل كل شيء يغرينا بذلك ويحثنا عليه ولكن صاحبنا قد وجد من الحياه الاجتماعيه ومن نظم الحضاره وقوانينها ومن الشرائع المنزله والشرائع المتكلفه ما يوفر له الحمايه كل الحمايه ويبيح له ان يكلف الناس من امرهم شططا وان يعذبهم عذابا اليما فهم لا يستطيعون ان يصد في رفق دون ان يخرجوا على قوانين العرف المالوف والادب الموروث وهم لا يستطيعون ان يصد في عنف دون ان يخرجوا على النظم والقوانين التي لا يستبيح الرجل المتحضر ان يخرج عليها والتي لا تسمح لمتح او غير متحضر بالخروج عليها فنحن مضطرون الى ان نتحمله طائعين او كارهين والى ان نشقى به راضين بذلك او ساخطين عليه وهو يعلم ذلك حق العلم ويشعر بذلك اقوى الشعور فيستغل ذلك ابشع الاستغلال وينتفع به اقبح الانتفاع وينمي في نفسه اخلاق الذباب ما وجد الى تنميتها سبيله ولو اتيح لك يا سيدتي ان تجربي معامله الذباب على نحو ما نع عامل صاحبنا لرايت الذباب يضخم ويعظم ويثقل ويلح ويسرف في الالحاح ويستغل ما ييسر له من الاسباب حتى يبلغ من ضخامه الجسم وفخامته ومن ارتفاع الطنين واتساعه ما يملا الحياه هلا وروعه ولكن الذباب لا يجد ما يحميه كما يجد صاحبنا وامثاله ما يحميهم فهم يسعدون بشقا وينعمون بباس ويحققون من الامال والمار ما لا يستطيع الذباب المسكين ان يحقق وانظري يا سيدتي لقد انتهى بي الامر الى ان ارحم الذباب واشفق عليه وارثي له حين اوازن بينه وبين هذا الذباب الناطق لانه لا يبلغ من حياته البائسه التعسه مثل ما يبلغ الذباب الناطق من حياته السعيده النعيمه ولم يكن صاحبنا هذا دائما ضخما فخما كما ترينيه الان وانما كان نحيلا ضئيلا لا يكاد يملا العين وكان خفيف الحر شديد النشاط لا يكاد يستقر في مكان ولا يخيل الى من راه ساعيا مضطربا انه يمشي على الارض وانما يخيل اليه انه يمشي في الهواء وقد ظهرت فيه اخلاق الذباب هذه منذ طفولته الاولى في المدرسه فلم يكن كغيره من رفاقه يكتفي بهذه الحياه الاجتماعيه الحلوه التي يحياها التلاميذ فيلعب مع اترابه حين يلعبون ويفرغ معهم للدرس حين يفرغون للدرس ويستمع معهم للاساتذه حين يستمعون للاساتذه انما كان متهالكا على اترابه واساتذته ما وجد الى هذا التهالك سبيلا فان اعياه ذلك تهالك على خدم المدرسه والموظفين الذين يعملون فيها وقد حسن الظن به اول الامر فقرر الذين كانوا يعيشون من حوله انه عطوف الوف يتودد الى امثاله من الناس سواء اوا فقوه في السن ام خالفوه فيه ولكنهم لم يلبثوا ان ضاق بهذا العطف وا استثقل هذا الالف وجعلوا يتدافعون ويلقي بعضهم حمله على بعض ثم جعلوا يفرون منه جماعات وافراد ولكنهم لم يستطيعوا ان يدفعوه ولم تغني عنهم محاوله الفرار منه شيئا فهو لم يكن ذبابا غافلا وانما كان ذبابا عاقلا والعقل يفق الحيله ويحسن التماس الوسائل ويمكن صاحبه من التلطف وحسن التاتي للعصير من الامر قد عرف صاحبنا كيف يحتال وكيف يبتغي الوسيله الى الاتراب والى الاساتذه واذا هم يشقون به ويصبرون على احتماله ويبذلون له من ذات انفسهم ومن ذات ابدانهم ما يستطيعون ليخففوا منه ويخلصوا من الحاحه البغيض وقد ادرك بعقله النافذ وحيلته الواسعه ضعف الاتراب والاساتذه فلم يزده ذلك الا تتبعا لهم والاحا عليهم حتى اخاف من نفسه وتسلط عليهم بهذا الخوف الذي اشاعه في النفوس والقلوب وكذلك انفق حياته في المدرسه الابتدائيه والثانويه متهالكا لا يكاد يستقل منتفعا لا يكاد ينفع حتى اذا اتم الدراسه الثانويه ووجد عملا في بعض الدواوين تتبع زملائه ورؤسائه بمثل ما كان يتتبع به الرفاق والاساتذه من التهالك والالحاح والغريب انه بلغ في الديوان مثلما بلغ في المدرسه من اكراه الزملاء والرؤساء على ان يقبلوه ويحمل وينفع يريد بعضهم بذلك ان يتخفف من عبء ثقيل ويريد بعضهم بذلك ان يخلص من هم متصل وصاحبنا يرى هذا كله ويقدر هذا كله ولا يحفل من هذا كله الا لشيء واحد هو ان يتهالك على الزملاء والرؤساء لينتفع ويستفيد وما يعنيه ان يحبه هذا او يبغضه وما يعنيه ان ينفعه هذا استجابه للخير او اتقاء للشر كل هذه امور لا تشغله ولا تؤثر في نفسه كل التاثير هو ان ينتفع مهما يكن المصدر الذي ياتيه منه النفى ومهما تكن البواعث التي تدفع الناس الى ان ينفعوه وقد قلت انه لم يكن ذبابا غافلا وانما كان ذبابا عاقلا يجب ان اقول انه كان ذبابا ذكيا ايضا فكان يحسن الانتهاز للفرص والانتفاع من الظروف ولم يكن ولا سما بعد ان تقدم به السن يهجم على فريسته كما يهجم الذباب في غير حيله ولا تلطف ولا احتياط وانما كان يدبر امره تدبيرا لطيفا خفيفا فيتوا ويتضاءل حتى يخيل الى الزميل او الى الرئيس انه الخادم المطيع الذي لا يحب الا ان يكون عندما يريد منه فهو يسبق الزميل او الرئيس الى ما يظن انه يرضيه والى ما يقدر انه يسره ولا تسالني عن تلطفه في القول وتظه في الحديث وحسن سعيه الى القلوب فان بلغ من رضا الزميل او الرئيس ما يريد لم يعرف كيف ينصرف عنه وانما تهالك والح في التهالك ثم طلب والح في الطلب حتى يكره الزميل او الرئيس على ان يبلغه من الامر ما يريد ليخلص من هذا التهالك ويستريح من هذا الالحاح تستطيعين يا سيدتي ان تتبعي سيرته في الدواوين فسترها رائعه حقا وسترين ذيه حقا واي غرابه في ان تجمع سيره الرجل الواحد بين الروعه والايذاء وليست الروعه مقصوره على ما مقصوره على ما يعجب ويروق لكنها ايضا تكون فيها ما يؤذي ويسوء وقد عرف صاحبنا من خصال الرؤساء في الدواوين ايام شبابه الاول ميلهم الى ان يتتبع اخبار المرؤوسين ويستقصي استكشفوا سرائرهم فاحسن انتهاز الفرصه سانحه والانتفاع بالظروف المواتيه واصبح لكل زميل صديقا حميما وخليله مداخلاته على كل شيء وليظهر هو من حياه صديقه وزميله على كل شيء ولكن زميله كان يعرف من حياته ما يعرف ثم يقف من هذه المعرفه فاما هو فلم تكن هذه المعرفه عنده الا الخطوه الاولى فاما الخطوه الثانيه فهي التغيير والتبديل في مع عرف ثم نقل ذلك الى الرؤساء ل يتحفظوا ويحتاط لانفسهم ولاعم لهم وكذلك بلغ صاحبنا من التهالك المتجسس او من التجسس المتهالك ما كان يريد فارتقى في المناصب والدرجات رقيا سريعا متصلا وظفر في كل منصب شغله وفي كل درجه ارتقى اليها بما اراد من ثقه الزملاء وحب الرؤساء والغريب انه الى تهالك وتجسس والى عقله وذكائه قد اضاف قصله عظيمه الخطر في حيا امثاله وهي قوه الذاكره وسعه الحافظه فلم يكن ينسى شيئا ولم يكن ينسى احدا وهو بهذه الخصله قد استطاع ان يستبقي عهده بجميع الذين عرفهم وعمل معهم في الدواوين المختلفه التي مر بها وفي المناصب المختلفه التي ارتقى اليها وقد عرف من سيرته هو ومن تجاربه الخاصه مقدار ما كان يؤدي الى الرؤساء من خدمه بمداخلات للزملاء وتعرفه اخبارهم واسرارهم تجسسه عليهم وعرف في الوقت نفسه مقدار ما انتفع به من هذه السيره وكان اذكى من رؤسائه وانفذ منهم بصيره فقرر فيما بينه وبين نفسه حين وتاه الحظ واتيحت سلط ان يتخذ لنفسه الجواسيس الذين ينقلون اليه الاخبار ويظهرون على الاسرار كما كان هو جاسوسا ولكن بشرط الا ينفع جواسيسه كما نفعه الذين استخدموه وربما كان مصدر هذه الخطه التي اتخذها لنفسه انه كان اثرا ان يرى النفع يجب ان يكون مقصورا عليه لا يتجاوزه الى غيره وربما كان مصدر هذه الخطه انه كان معتدا بنفسه يرى ان واحدا لن يحسن التجسس كما هو يحسن التجسس للرؤساء وربما كان مصدر هذه الخطه انه كان يرى ان التجسس خصله وضيعه لا يستحق اصحابها مكافاه ولا حياه لا ان تقترن ببراعه ممتازه كبرا عته وذكاء متفوق كذك وشخصيه نادره كشخصيه والا ان يكون الغرض منها هو تمكين هذه البراعه الممتازه والذكاء المتفوق والشخصيه النادره من ان تؤتى ثمراتها فترقى بهذا الانسان الفذ الى حيث ينبغي له من النجح والتفوق والامتياز وليس هذا الانسان الفذ الا شخصه الذي عرف كيف يذلل العقبات ويقهر الصعاب وينفذ من الخطوب ويعبث بهذه العقول الكثيره التي عبث بها منذ كان تلميذا صبيا في المدرسه الابتدائيه الى ان اصبح موظفا كبيرا يامر فلا يخالف عن امره احد وينهي فلا يتجاوز حدود نهيه احد وربما كان مصدر هذه الخطه كل هذه الامور مجتمعه والشيء الذي ليس فيه شك هو ان يزدري التجسس والمتجمد الازدراء ويستغل التجسس والمتجالسين اشد الاستغلال وينظر الى الحياه والاحياء نظره غامضه تدل تدل على النبوغ الذي لا شك فيه لانها تصور خصلتين اثنتين لا توجدان الا في نفوس النوابغ والافساد الاولى ايمانه بنفسه الى غير حد والثانيه احتقاره لغيره الى غير حد واذا اجتمعت هاتان الخصلتان في نفس رجل واحد كان خليقا ان يرى نفسه غايه الغايات وغرض الاغراض وان يقتنع بان العالم لم يخلق الا له ولم يتوقف الا عليه وان ينتهي به الامر الى غرور بغيط قالت السيده وكانت اديبه قريبه صدق الله العظيم حين قال يا ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ان الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب
رواية أحلام شهرزاد طه حسين كتب صوتية روايات مسموعة بصوت إسلام عادل 4:01:13

رواية أحلام شهرزاد طه حسين كتب صوتية روايات مسموعة بصوت إسلام عادل

Eslam Adel - إسلام عادل

20.1K مشاهدة · 1 year ago

كتاب صوتي جنة العبيط دكتور زكي نجيب محمود بصوت إسلام عادل 4:12:03

كتاب صوتي جنة العبيط دكتور زكي نجيب محمود بصوت إسلام عادل

Eslam Adel - إسلام عادل

45.9K مشاهدة · 3 years ago

كتاب أساطير من الشرق سليمان مظهر كتب صوتية روايات مسموعة بصوت إسلام عادل 8:10:16

كتاب أساطير من الشرق سليمان مظهر كتب صوتية روايات مسموعة بصوت إسلام عادل

Eslam Adel - إسلام عادل

42.3K مشاهدة · 1 year ago

رواية مزرعة الحيوان كاملة – جورج أورويل النسخة الصوتية الكاملة بصوت اسلام عادل 3:31:07

رواية مزرعة الحيوان كاملة – جورج أورويل النسخة الصوتية الكاملة بصوت اسلام عادل

Eslam Adel - إسلام عادل

148.1K مشاهدة · 7 months ago

ملخص كتاب جنة الحيوان لطه حسين 7:19

ملخص كتاب جنة الحيوان لطه حسين

يوم مع كتاب

306 مشاهدة · 2 years ago

كتاب هارون الرشيد أحمد أمين كتب صوتية روايات مسموعة بصوت إسلام عادل 5:10:06

كتاب هارون الرشيد أحمد أمين كتب صوتية روايات مسموعة بصوت إسلام عادل

Eslam Adel - إسلام عادل

23.6K مشاهدة · 2 years ago

كتاب زاد إسلام جمال كتب صوتية روايات مسموعة 3:48:03

كتاب زاد إسلام جمال كتب صوتية روايات مسموعة

Eslam Adel - إسلام عادل

390.5K مشاهدة · 2 years ago

في الشعر الجاهلي طه حسين كتاب صوتي بصوت أحمد خيري 5:31:26

في الشعر الجاهلي طه حسين كتاب صوتي بصوت أحمد خيري

أرشيف الكتب الصوتية العربية

107.6K مشاهدة · 2 years ago

المسخ فرانز كافكا كتب صوتية بصوت إسلام عادل 2:36:21

المسخ فرانز كافكا كتب صوتية بصوت إسلام عادل

Eslam Adel - إسلام عادل

239.7K مشاهدة · 1 year ago

كتاب الغابة د مصطفى محمود بصوت إسلام عادل 2:56:53

كتاب الغابة د مصطفى محمود بصوت إسلام عادل

Eslam Adel - إسلام عادل

90.5K مشاهدة · 1 year ago

كتاب الله والانسان مصطفى محمود بصوت إسلام عادل 2:38:57

كتاب الله والانسان مصطفى محمود بصوت إسلام عادل

Eslam Adel - إسلام عادل

98.5K مشاهدة · 9 months ago

القرآن كائن حي مصطفى محمود بصوت إسلام عادل 2:34:49

القرآن كائن حي مصطفى محمود بصوت إسلام عادل

Eslam Adel - إسلام عادل

40.8K مشاهدة · 1 year ago

قرد شيناغاوا هاروكي موراكامي كتاب صوتي روايات مسموعه بصوت إسلام عادل 1:00:37

قرد شيناغاوا هاروكي موراكامي كتاب صوتي روايات مسموعه بصوت إسلام عادل

Eslam Adel - إسلام عادل

60.1K مشاهدة · 2 years ago

كتاب هؤلاء علموني سلامة موسى بصوت إسلام عادل كتب صوتية روايات مسموعة 7:08:50

كتاب هؤلاء علموني سلامة موسى بصوت إسلام عادل كتب صوتية روايات مسموعة

Eslam Adel - إسلام عادل

15K مشاهدة · 1 year ago