غيومٌ من الغبار ترتفع عند الأفق علامةً واضحة على اقتراب عاصفةٍ عاتية تحت القيادة الثأرية لأبي سفيان اجتمع جيشٌ عظيم قوامه عشرةُ آلاف مقاتلٍ من شتى أنحاء الجزيرة العربية ووصل إلى أطراف المدينة "بجيشٍ من عشرةُ آلاف رجل" "سنجعلهم يلعنون اليوم الذي وُلِدوا فيه!" كان المشركون يشتعلون رغبةً في الانتقام لكن ما رأوه أمامهم تركهم في ذهولٍ شديد فالطريق الوحيد الذي يمكن للجيش أن يقترب منه إلى المدينة كان مسدوداً بخندقٍ يبلغ طوله نحو ستة كيلومترات وكان عريضاً وعميقاً على نحوٍ هائل كأنه حاجزٌ يستحيل اجتيازه فالثقة التي شعروا بها من قبل بنصرٍ سهل تحولت فجأةً إلى خوفٍ وحيرة وأمام هذا الأسلوب الدفاعي لم يعرف العدو ماذا يفعل إذ لم يروا في حياتهم شيئاً كهذا قط لكن كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة؟ وكيف توصّل المسلمون لمثل هذه الخطة ليثبتوا في وجه هذه القوة الطاغية؟ والأهم من ذلك، ماذا كان سيحدث خِيانات، وخططٌ سرية، ومعجزات فلنشهد معاً القصة الملحمية لغزوة الخندق هذه السلسلة المرئية تعتمد على مئات المراجع من المصادر الإسلامية الموثوقة وقد أُعِدَّت جميع مشاهد الذكاء الاصطناعي بالتشاور مع علماء مسلمين مؤهَّلين ومتوافقة مع الضوابط الإسلامية كان يهودُ بني النضير قد تم إجلاؤهم من المدينة عقاباً لهم على خيانتهم فذهب بعضهم إلى الشام، بينما استقر آخرون في خيبر وكان في خيبر عددٌ من اليهود أكثر من أي منطقةٍ أخرى ولذلك، وبسبب كثرتهم، كانوا يشجِّعون بعضهم بعضاً على القتال وقد دفعتهم تلك الثقة إلى التخطيط للانتقام من النبي ﷺ وأصحابه ولكن بالطبع لم يكن هذا أمراً يستطيعون القيام به وحدهم فأرسلوا وفداً مكوَّناً من تسعة عشر رجلاً لإقناع قريش وسائر القبائل العربية أن يعلنوا الحرب على النبي ﷺ وكانوا سيبدؤون بزيارة قريش ثم قبائل غطفان وبني سليم وبعد ذلك قبائل عربية أخرى كثيرة ولهذا عُرِفَت هذه المعركة أيضاً باسم غزوة الأحزاب لأن قبائل كثيرة، كبيرةً وصغيرة اجتمعت معاً لتقف في وجه المسلمين وكما خُطِّط له، كانت المحطة الأولى للوفد هي مكة هل تذكرون نهاية غزوة أُحد فقد تحدّى أبو سفيان النبي ﷺ أن يلتقيه مرةً أخرى في بدر بعد عامٍ واحد فوافق رسول الله ﷺ على ذلك، وفي العام التالي خرج بجيشه إلى بدر ولكنه عندما وصل لم يجد أحداً هناك فلم تجرؤ قريش حتى على مواجهته لقد كانوا قد تلقّوا هزيمةً ساحقة في بدر، ومنذ ذلك الحين كان أبو سفيان يشتعل رغبةً شديدة في الانتقام "مرحباً بكم" "إن أحبَّ الناس إلينا مَن يُعيننا على قتال محمد" كان الإسلام ينتشر يوماً بعد يوم، وكانت قريش تعلم أنها لم تعد قادرة على الوقوف في وجهه وحدها ولذلك لم يكن أمامهم خيارٌ سوى قبول هذا العرض وأراد أبو سفيان أن يرى ما إذا كان وفد اليهود صادقاً وجاداً في هذا الأمر فقرر أن يختبرهم، فوجد أنهم أشد حماساً منه فقال: "يا معشر يهود، أخبرونا عن خلافنا مع محمد" "أيُّ الدينين خير: ديننا أم دينه؟" "إن كنا لا بد أن نقول الحق فوالله إنكم أقرب إلى الحق منه" ومع ذلك، كانوا في قرارة أنفسهم يعلمون أن الحقيقة على العكس تماماً لكنهم، وقد دفعتهم شهوة الانتقام لم يترددوا في الكذب وقد عقد وفد اليهود اتفاقاً مع قريش وبذلك حصلوا على أول حليفٍ لهم لكن ذلك لم يكن كافياً لهم وللحصول على مزيدٍ من الدعم، توجَّهوا إلى قبيلة غطفان ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لإقناعهم أيضاً وبعد ذلك بقليل، وافقت بنو سليم كذلك على أن ينضموا إليهم ولم يكن الأمر مقتصراً على وفد اليهود فقد كانت قريش تعمل بلا كلل لإقناع قبائل أخرى ثم كسبوا تأييد قبيلة الأحابيش وكذلك القبائل المتحالفة معهم وباجتماع هذه الجماعات كلها بلغ عدد قواتهم نحو أربعة آلاف رجل وبعد أن ضَمِنوا تأييد القبائل المحيطة بالمدينة اجتمع بنو النضير وقريش في النهاية بجيشٍ عظيم قوامه عشرة آلاف رجل "بجيشٍ من عشرةُ آلاف رجل" "سنجعلهم يلعنون اليوم الذي وُلِدوا فيه!" وفي أثناء وقوع كل ذلك، وصلت رسالةٌ إلى رسول اللهﷺ من قبيلة خزاعة "أبو سفيان يُعِدُّ جيشاً عظيماً ويتّجه إلى هنا!" "كم عددهم؟" - "آلاف" - "هل رأيتهم بنفسك؟" "مررتُ بكشّافتهم في الوادي إنهم يتحركون بسرعة" فجمع النبي ﷺ أصحابه فوراً ليتشاور معهم وكان كلٌّ منهم يُبدي رأيه حتى طُرِحَت فكرةٌ غيَّرت مجرى الأمور كلها "يا رسولَ الله، إنا كنا بأرض فارس" "إذا حُوصرنا" "خندقنا علينا" وكان الذي تكلّم هو سلمان الفارسي وهو صحابي من أصلٍ فارسي ولم يكن رسول الله ﷺ ولا أصحابه قد سمعوا بهذا الأسلوب من قبل فوجد رسول الله ﷺ الفكرة معقولةً فوافق عليها وكانوا سيحفرون خندقاً عريضاً وعميقاً لدرجة أن الخيول نفسها لا تستطيع عبوره فخرج رسول الله ﷺ ليُحدِّد المكان الذي سيحفر فيه فمن جهةٍ من المدينة كانت هناك سهولٌ واسعة من الصخور البركانية ومن الجهة الأخرى كانت تمتد بساتين واسعة من النخيل ولم تكن الجيوش تستطيع عبور أيٍّ منهما ومن الجنوب جبلٌ عظيم مما يجعل الدخول من تلك الجهة مستحيلاً أيضاً وكأن الله تعالى قد جعل المدينة تحت حمايةٍ طبيعية ولم يبقَ مفتوحاً إلا جانبٌ واحد وفي ذلك الجانب سيُحفَر خندقٌ طويل لكن لم يكن لديهم أكثر من عشرة أيام لإتمامه فبدأ الجميع يحفرون بكل قوتهم وكان الذي يتقدمهم رسول الله ﷺ نفسه وبيده المعول والمِجرفة كان يعمل جنباً إلى جنب مع أصحابه ويشجِّعهم في الوقت ذاته وعلى الرغم من الحرِّ والجوع ظلوا يحفرون طوال اليوم بلا راحة وكان الصحابة أحياناً يقولون: "يا رسولَ الله، هلا استرحت" "فإن عملنا يكفي" "ليس عليك أن تُتعب نفسك" وكان يستطيع أن يختار ألا يعمل إطلاقاً فهو رسول الله ﷺ، ولم يكن أحدٌ ليعترض على ذلك ولكنه هو القائل: "سيد القوم خادمهم" وكان الجلوس والنظر أصعب عليه من العمل وكان يعلم أن بركات الله ورحمته تأتي مع المشقة ولذلك كان يعمل أكثر من غيره وفي تلك السنة كانت الجزيرة العربية تُعاني من جفافٍ شديدٍ ومجاعة وكان كثيرٌ من المسلمين يربطون الحجارة على بطونهم وكانوا بذلك يحاولون تخفيف ألمهم بشعورٍ زائفٍ بالشبع وفي لحظة يأس، جاء جماعةٌ من الصحابة إلى النبي ﷺ وأخبروه بما يعانونه من شدة الجوع لكن عندما رأوا المشهد أمامهم اختنقت كلماتهم في حناجرهم فلما حلَّ رسول الله ﷺ الرباط عن بطنه سقط حجران على الأرض، لا حجرٌ واحد "أأنت أيضاً ربطتَ الأحجار على بطنك" "من الجوع؟" لقد كان يتحمّل المشقة نفسها، بل أشد ممّا يتحملون وفي يومٍ من الأيام لما رأى جابر بن عبد الله رضي الله عنه النبي ﷺ على هذه الحال، لم يتحمّل فعاد إلى بيته وقال لزوجته: "لقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ وقد بلغ به الجوع مبلغاً "ولو كان غيره لَعَجَزَ عن مثل هذه المشقة" "هل عندنا شيءٌ من الطعام فقالت زوجته: "والله ما عندنا إلا هذا الجدي الصغير" "وقبضةً قليلة من الشعير" فذبح جابر الجدي وطَحَنَت زوجته الشعير فصار دقيقاً ووضعوا اللحم في قدر، وتركوه يطبخ في التنور وبينما كان جابر يستعد للخروج من البيت ليدعو النبي ﷺ، قالت له زوجته: "إيّاك أن تُوقعني في حرجٍ أمام رسولِ الله ﷺ" وكانت تقصد ألا يدعو عدداً كبيراً من الناس لأن الطعام الذي أعدّوه لا يكفي إلا لعددٍ قليل فذهب جابر إلى رسول الله ﷺ وأخبره أنهم أعدّوا طعاماً يسيراً ثم طلب منه أن يأتي مع بضعةٍ من أصحابه لكن النبي قام بشيءٍ لم يتوقعه جابر ابدا فنادَى جميع الصحابة الذين كانوا يحفرون الخندق "إنَّ أخاكم يدعوكم إلى طعام" وحدث تماماً ما كانت تخشاه زوجة جابر فلم يكن لديهم من الطعام إلا ما يكفي لقلةٍ من الناس لكن جيشاً كاملاً كان في الطريق فلما عاد جابر إلى بيته وأخبر زوجته بما حدث، قالت له: "أَسَأَلَكَ النبيُّ ﷺ عمّا عندنا من الطعام؟" "نعم" "إذن فلا بأس" كانت تثق أن رسول الله ﷺ يعلم أمراً لا يعلمانه أما جابر فقد غلبه الاضطراب ولم يدرِ ماذا يفعل فلما وصل رسول اللهﷺ دعا بالبركة في اللحم والخبز ثم أدخل أصحابه عشرةً عشرة ثم أخذ الخبز من التنور بيديه الشريفتين ووضع عليه قطعةً من اللحم وأعطى كلَّ واحدٍ من الصحابة بيده وبدأ الجميع يشعرون بالشبع شيئاً فشيئاً ومع ذلك لم ينقص اللحم ولا الخبز بل بقيا كما كانا فدهش جابر وزوجته مما رأيا وقد قال جابر بعد ذلك عن ذلك اليوم: "والله لقد جاء ألفُ رجلٍ فأكلوا حتى شبعوا" "وقِدورُنا ما زالت تغلي وعجينُنا ما زال يُخبَز منه الخبز" لقد شهد ألفُ إنسانٍ هذه المعجزة ومع أن هذه الحادثة رُويت مراراً وتكراراً لم يُنكِرها واحدٌ منهم قط تأمّلوا في ذلك: كيف لقومٍ كرّسوا حياتهم للصدق أن يتحدثوا عن أمرٍ لم يقع؟ أيمكن أن يتواطؤوا جميعاً، معاذ الله، على الكذب نفسه؟ لقد كانت هذه المعجزات عند الصحابة حقائق واضحة وكثيراً ما أجرى الله تعالى مثل هذه البركات على يدي رسوله ﷺ ففي المعارك مثل بدر وتبوك، وفي الولائم وفي أوقات المجاعة، شوهدت مثل هذه المعجزات مراراً أحياناً أمام مئةٍ وثمانين شخصاً، وأحياناً أربعمئة وأحياناً حتى أمام ألفٍ وخمسمئة إنسان وبينما كان رسول الله ﷺ وأصحابه يحفرون الخندق صادف الصحابة صخرةً كبيرةً شديدة الصلابة ومهما حاولوا، لم يستطيعوا كسرها فسارعوا بإبلاغ رسول الله ﷺ بذلك جاء النبي ﷺ وأخذ الفأس من سلمان الفارسي ثم قال: "بسم الله" وضرب الصخرة ضربةً قوية ومع تلك الضربة تفتَّت ثلث الصخرة فقال: "الله أكبر!" "أُعطيتُ مفاتيح الشام" "والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا" ثم ضربها ضربةً ثانية فانكسر ثلثٌ آخر من الصخرة وصاح مجدداً: "الله أكبر! أُعطيتُ مفاتيح فارس" "والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا" فلما ضربها الضربة الثالثة قال: "الله أكبر! أُعطيتُ مفاتيح اليمن" "والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" ومع تلك الضربة الأخيرة تحطَّمت الصخرة تماماً فلما سمع المؤمنون هذه البشارات ازداد إيمانهم قوةً وثباتاً أما المنافقون، فكيف كان موقفهم؟ قالوا ساخرين: "كيف يعدنا بكنوز كسرى وقيصر" "وأحدُنا لا يأمن أن يذهب لقضاء حاجته؟" كانوا يحاولون تثبيط كل من حولهم تأمَّلوا في ذلك فعندما قيلت تلك الوعود كانت المدينة محاطة بقبائل الأعداء الذين اجتمعوا جميعاً لقتل المسلمين واستئصال شأفتهم ولم يكن المؤمنون قد انتصروا بعد بل كانوا مضطرين لحفر خندقٍ للدفاع عن أنفسهم وكانوا جوعى و عطشى ومرهقين ومع ذلك فإن الذي وعد بهذه الفتوح في الحقيقة هو الله ربُّ السماوات والأرض وكان كل ما قاله رسول اللهﷺ حقاً وستتحقق تلك الفتوح الموعودة واحداً بعد الآخرى في زمنٍ قصير في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما وقد اكتمل الخندق الذي سيذهل جيش المشركين في ستة أيام فقط وكان عرضه نحو تسعة أمتار أي بطول خمسة رجال تقريباً أما عمقه فكان نصف ذلك وكان عريضاً إلى درجة أن أمهر الفرسان لا يستطيع القفز فوقه وعلى امتداد الخندق كله لم يكن هناك إلا موضعٌ واحد أضيق من غيره يمكن لفارسٍ واحد أن يعبر منه "أظن أنهم قادمون" لقد وصل جيشٌ من عشرة آلاف من المشركين بقيادة أبي سفيان وكانوا سيواجهون خطةً حربية لم يروا مثلها من قبل وكان ذلك خيبةً عظيمة لهم "توقفوا! أوقفوا خيولكم!" "ما هذا؟ ماذا يحدث؟" "توقفوا بسرعة!" كانوا يتخيلون أنهم سيدخلون المدينة بسهولة ويسفكون الدماء في شوارعها ويطاردون المسلمين واحداً بعد آخر "توقفوا! قلت توقفوا!" - ومع ذلك لم يكن أبو سفيان ينوي التراجع وبعد أن أتموا استعداداتهم بدأوا يمطرون المسلمين بوابلٍ من السهام من وراء الخندق وكانت السهام تشق الهواء بصوتٍ مرعب وهي تتساقط على المسلمين لكن الخندق تبيَّن أنه عائقٌ أعظم بكثير مما توقعوا فمهما حاولوا لم يستطيعوا عبوره لكن إن تذكرتم، فقد كان هناك جزءٌ من الخندق أضيق من غيره فحاول بعضهم ان يعبروا من هناك لكنهم قُتلوا قبل أن يتمكنوا من اجتيازه غير أن عمرو بن عبد ود استطاع العبور وكان من أشهر فرسان العرب وأشدهم بأساً وقد لبس درعه من رأسه إلى قدمه وجذب لجام فرسه بقوة وتوقف أمام جيش المسلمين مباشرة "من يُبارزني؟" فقام عليٌّ رضي الله عنه وقال: "يا رسول الله، ائذن لي أن أبارزه" فلما رأى عزمه دعا له وقال: "اللهم أعنه" ثم تقدم عليٌّ رضي الله عنه إلى ساحة القتال "انظروا من يتقدم انه عليٌّ بن ابي طالب "من أنت؟" "أنا علي بن أبي طالب" "لا أريد أن أسفك دمك" "فقد كان أبوك صديقاً لي" "لكنني والله أريد أن أسفك دمك" فغضب عمرو غضباً شديداً فاستلَّ سيفه وامتطى فرسه لكن علياً رضي الله عنه قال: "كيف أقاتلك وأنا راجل وأنت على فرس؟" "انزل وقاتلني!" فنزل عمرو عن فرسه ووقف أمام علي رضي الله عنه "هيا! لنرَ ما عندك" فعرض عليه علي خيارين: "أسلم، أو ارجع" لكن عمراً رفض الأمرين وبدأت المبارزة حين وجَّه عمرو الضربة الأولى فتلقاها علي بدرعه لكن السيف شق الدرع وأصاب طرفه رأسه ارتفعت سحابة من الغبار وأحاطت بهما حتى لم يعد أحد يرى ما يجري بينهما وللحظة لم يعلم أحد ماذا حدث حتى سُمع صوت يقول: "الله أكبر!" لقد سقط رأس عمرو على الأرض وكان ذلك الصوت هو صوت علي رضي الله عنه فلما سمع رسول الله ﷺ والصحابة صوت التكبير علموا أن علياً قد قتل عمراً فكبَّروا جميعاً "الله أكبر!" ثم عبر اثنان أو ثلاثة آخرون الخندق ليهاجموا علياً لكنهم تراجعوا خوفاً من الموت ولم يُحقق العدو شيئاً من هجماتهم فقرّروا البقاء في مواقع الحصار إذ لم يكن لديهم اي خيارٌ آخر ولعدة أيام تبادل الطرفان رمي السهام من بعيد لكن ذلك لم يزد المعركة إلا طولاً وكلما طال أمدها ازداد الأمر سوءاً على قريش لأن الطقس كان يزداد قسوةً يوماً بعد يوم ففي النهار كان الحر شديداً، وفي الليل كان البرد قارساً وقد أرسل رسول الله ﷺ نحو خمسمئة من الصحابة إلى المدينة لتأمينها وفي برد الليل كان يقف بنفسه للحراسة عند أضيق موضع من الخندق لأنه ظن أن العدو قد يحاول العبور من هناك حتي قالت عائشة رضي الله عن ذلك إن النبي ﷺ عندما عاد لبيته كان يرتجف من شدة البرد ولأن محاصيل الأراضي حول المدينة كانت قد حُصدت بالفعل لم تجد دوابُّ جيش العدو شيئاً تأكله "لم يبقَ علف "جلبنا القليل" وبهذا المعدل ستبدأ دوابهم بالموت واحدة بعد الآخرى ولأنهم ظنوا أنهم سيقاتلون يوماً أو يومين فقط وينتصرون بسهولة لم يجلبوا معهم إلا مقداراً قليلاً من الطعام ولو استمر الأمر على هذا الحال فلن يستطيعوا الصمود طويلاً وكان أبو سفيان يعلم ذلك فأمر رجاله أن يزيدوا من كثافة رمي السهام وكانت كثيفة إلى درجة أن المسلمين كانوا لا يستطيعون الحركة ثم وصلت مجموعة من فرسان قريش إلى موضعٍ مقابل المسلمين وبدؤوا يمطرونهم بالسهام وكان هجومهم شديداً ومتواصلاً حتى اضطر المسلمون إلى الدفاع عن الخندق بلا توقف حتى غروب الشمس وبسبب ذلك لم يتمكن رسول الله ﷺ والصحابة من أداء صلاة العصر في وقتها فغضب رسول الله ﷺ غضباً شديداً ودعا على جيش المشركين قائلاً: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً" "كما شغلونا عن الصلاة الوسطى!" ثم صلى العصر قضاءً، وكذلك فعل الصحابة ولم يكن رسول الله ﷺ قد دعا على الذين آذوه بشدة في الطائف لكن عِظَم شأن الصلاة عند رسول الله جعله يدعو على من منعهم من أداءها في وقتها وكان القتال عند الخندق لا يزال شديداً لكن جيش المشركين لم يكن الخطر الوحيد فقد وقع الأمر الذي كان رسول الله ﷺ يخشاه منذ البداية أتذكرون معاهدة المدينة التي عُقدت بعد الهجرة؟ فبحسب ذلك الاتفاق وعدت قبائل المدينة أن تدافع عن المدينة معاً إذا تعرضت لهجوم لكن بني قريظة نقضوا ذلك العهد بل قرّروا أن يعينوا العدو وارتكبوا خيانةً أعظم "بنو قريظة نقضوا العهد الحصون! هناك خطراً علينا!" "كنت أعلم ذلك" "كان واضحاً أنهم سينقضون العهد" وكانوا يسكنون حصوناً قوية في الجهة الجنوبية من المدينة ومن هناك كانوا يخططون للخروج لقتال المسلمين فأرسل رسول الله ﷺ فوراً سعد بن معاذ ومعه بعض الصحابة ليتحدثوا إليهم ويحاولوا صرفهم عن هذا القرار لكن اليهود لم يُظهروا أي رغبة في التراجع بل كانوا عازمين على القضاء على المسلمين فصار المسلمون الآن يتعرضون لسهام العدو ليس فقط من الخارج فقوات اليهود من الجنوب كانت تضغط عليهم بشدة وكان يهود بني قريظة يعيشون داخل المدينة نفسها وهذا يعني أن المسلمين أصبحوا بين نارين ولزيادة الأمور سوءاً كان المنافقون مرة أخرى يشيعون الفتنة ويقولون: "والله ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً" وقد وصف الله تعالى ذلك اليوم في سورة الأحزاب: "إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ" "وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ" "وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا" "هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ" "وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا" وكان كل شيء يبدو وكأنه ينقلب على المسلمين لكن في تلك اللحظة نفسها فتح الله لهم باب فرج فرصة يمكن أن تغيّر مسار المعركة لقد أسلم نعيم بن مسعود، سيد قبيلة أشجع من غطفان لكنه لم يُخبر أحداً بذلك بعد فجاء سراً إلى رسول الله ﷺ ليعلن إسلامه وما إن نطق بالشهادة وصار مسلماً حتى قال: "يا رسول الله" "إن كان هناك شيء أستطيع فعله، فمُرني به" فمن ذاق حلاوة الإيمان حديثاً لا يستطيع أن يقف ساكناً فلما رأى رسول الله ﷺ عزمه حوَّله إلى فرصة فقال له: "ارجع إلى العدو" "وافعل ما استطعت لتفرّق بينهم" ففهم نعيم تماماً ما طُلب منه فتسلل نعيم بهدوء إلى كل مجموعة من مجموعات العدو الثلاث متظاهراً بأنه ما زال على حاله ولم يُسلم فذهب أولاً إلى بني قريظة وألقى الشك في قلوبهم "إن فشلت قريش وغطفان في هزيمة المسلمين" "فإنهم سيعودون إلى بلادهم ويتركونكم وحدكم" "وعندها سيتمكن محمد بسهولة من معاقبتكم" "فإن أردتم ألا يحدث ذلك" "فاطلبوا من قريش وغطفان أن يعطوكم بعض رجالهم رهائن" "فبهذا لن يخونوكم" "لأنهم لن يخاطروا بفقدان رجالهم" بعد ذلك ذهب إلى قريش وقال: "إن بني قريظة قد ندموا على قرارهم بقتال المسلمين" "وقد عقدوا معهم اتفاقاً سرياً" "ووعدوا المسلمين أنهم مقابل العفو عنهم لنقض العهد" "سيأسرون سبعين رجلاً من قريش ويسلمونهم ليُقتلوا" "فإن طلب اليهود رجالاً منكم رهائن" "فلا تقبلوا ذلك أبداً" ثم ذهب إلى غطفان وحذَّرهم بالطريقة نفسها فإن طلب اليهود رهائن، فلا يعطوهم أحداً ولأن نعيم كان من غطفان نفسها، لم يشك فيه أحد فأخذوا بنصيحته فوراً وبناءً على ما قاله نعيم طلب بنو قريظة من قريش وغطفان رهائن ليضمنوا سلامتهم فعند ذلك أيقن المشركون أن نعيم كان يقول الحقيقة وبالطبع رفضوا تسليم أحدٍ منهم وقد قال أبو سفيان بعد ذلك عن ذلك اليوم: "لو طلبوا مني جَدْياً صغيراً" "ما أعطيتهم إياه" وهكذا نجحت الخطة فقد تحوَّل تحالفهم إلى شكٍّ وارتياب وكان الحصار قد طال كثيراً، وبدأت وحدتهم تتفكك وكان المسلمون وقوات العدو قد بلغوا غاية الإرهاق فالجوع والعطش والبرد دفع كلا الفريقين إلى أقصى حدوده لكن كان بينهما فرقٌ واحد فالمسلمون كانوا يستمدون قوتهم من الله رب السماوات والأرض الذي له القدرة على كل شيء أما الطرف الآخر فيعتمد على أصنامٍ لا حياة فيها حجارةٍ لا تملك شيئاً من القوة أراد رسول الله ﷺ أن يعرف ماذا يفعل جيش العدو وما خططهم وفي تلك الليلة قرّر أن يرسل أحداً إلى معسكرهم فسأل جماعةً من المسلمين كانوا يحرسون حوله: "ألَا رجُلٌ يأتينا بخَبَرِ القومِ" "جعَله اللهُ معي يومَ القيامةِ؟" قد يظن المرء: "يا له من شرف!" "فمن الذي لا يرغب في ذلك؟" لكن الليلة كانت قاسية فلم يُجِب أحد وقد قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وكان حاضراً تلك الليلة: "كنا قد التففنا ببعض الأكسية" "نحاول فقط أن نبقى في أماكننا من شدة البرد" "والجوع ورعب الليل" "ما رأيت في حياتي ليلةً أشد ظلمة ولا ريحاً أشد منها" "كان الظلام شديداً حتى إننا لا نرى أطراف أصابعنا" "وكان صوت الريح كالرعد" فلم يُجب أحد نادى رسول الله ﷺ حذيفة "قُمْ يا حُذَيفةُ فَأْتِنا بخبَرِ القومِ" لم يدرِ حذيفة ماذا يفعل كيف يخرج في ذلك البرد القارس؟ ثم بعد ذلك دعا له رسول الله ﷺ "اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه" "وعن شماله ومن فوقه، ومن تحته" قال حذيفة: "في تلك اللحظة ذهب كل خوفٍ كان في قلبي" "وزال عني البرد كذلك" ثم قال لي النبي ﷺ: "يا حذيفة، حتى ترجع إليَّ لا تفعل شيئاً يُشعرهم بك" "لا ترمِ سهماً، ولا تلقِ حجراً" "ولا تضرب برمحٍ أو سيف" فتسلل حذيفة بهدوء إلى معسكر قريش فرأى هناك أبا سفيان، قائد قريش يدفئ نفسه عند نارٍ مشتعلة، وكان حذيفة خلفه وكان قوسه وسهمه جاهزين فزعيمهم كان أمامه مباشرة ولو أطلق سهماً واحداً لأصابهم بضربةٍ قاسية لكنه تذكر ما قاله رسول الله ﷺ فكفَّ نفسه وكان وراء ذلك تقديرٌ إلهي فقد كان الله يحفظ عبداً له سيهديه إلى الإسلام لاحقاً من أن يموت على الكفر ثم اقترب حذيفة أكثر من الجمع واندسَّ بينهم وكان أبو سفيان على وشك إعلان قرارٍ مهم لكن خطرت له فكرة احتياطية ولأن الظلام كان شديداً ولا يمكن معرفة الأشخاص، قال: "ليأخذ كل واحدٍ بيد الذي بجانبه ويسأله عن اسمه" وكاد حذيفة يُكشف أمره لكن الله ألهمه فكرة فبينما أمسك الناس بمن بجانبهم فقط أمسك هو بسرعة بذراعي الرجلين اللذين عن يمينه وعن شماله وسألهما بشدة: "من أنتما؟" فذكر كلٌّ منهما اسمه، ولم يشك أحد فيه "يا قوم!" "لقد دمَّرت هذه الريح الشديدة كل ما لدينا" "وقد بدأت خيولنا وإبلنا تموت" "فاجمعوا متاعكم وارتحلوا فوراً!" "فإني راحل" فحصل حذيفة على الخبر وعاد مسرعاً ولم يكن يشعر بالبرد بعد لكن ما إن وصل إلى رسول الله ﷺ حتى عاد إليه البرد فوجد النبي ﷺ قائماً يصلي لربه في خشوعٍ عظيم ولما أخبره بالبشارة شعر النبي ﷺ بارتياحٍ كبير وأخيراً كان العدو على وشك الانسحاب ثم في ليلةٍ من الليالي أرسل الله ريحاً شديدة رفعت رمال الصحراء في الهواء ومزَّقت خيام المشركين وكانت العاصفة تقذف الرمل في وجوههم ففزعت خيولهم وإبلهم واندفعت في كل اتجاه وساد الاضطراب كل شيء ولم يستطع جيش العدو أن يفهم ما الذي يحدث وفي بؤسٍ وذعر بدأوا بالانسحاب وفرّوا هاربين دون أن يلتفتوا خلفهم وقد وصف الله هذه اللحظة في سورة الأحزاب: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ" "إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا" "وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا" وانتهى الحصار، وارتدَّ العدو على أعقابه لكن الذين خانوا المسلمين كانوا ما يزالون داخل المدينة ولم يكن من الممكن التغاضي عن خيانتهم وكان رسول الله ﷺ قد عاد للتو من الخندق ولم يكن قد خلع درعه بعد حتى ظهر له جبريل عليه السلام فجأة فقال: "يا رسول الله، أوقد وضعت السلاح؟" فقال رسول الله ﷺ: "نعم" فقال جبريل: "أما نحن فلم نضع أسلحتنا بعد" "فاخرج إليهم" فلم تكن المعركة قد انتهت بعد وكان الهدف التالي واضحاً: بنو قريظة وكان اليهود يعلمون أيضاً أن خيانتهم لن تمر بلا عقاب فقالوا: "والله ليأتينَّنا محمد الآن" فتحصَّنوا داخل حصونهم المنيعة وقد شعروا بالأمان خلف تلك الجدران فراحوا يرمون النبي ﷺ بالشتائم القاسية ولم تكن لديهم نية للاستسلام فقد كانوا يعتمدون على الوعد الذي قطعه لهم منافقو المدينة فقد أرسل لهم المنافقون سراً رسالة تقول: "لا تخرجوا من المدينة" "فنحن سنعينكم بكل شيء" لكن اليهود نسوا أمراً واحداً فالمنافقون لا يوفون بوعدهم أبداً في تلك اللحظة صاح رجلان من بينهم فجأه "هذا هو الرجل الذي أخبرنا عنه ابنُ الهَيْبَان" "لا تقاتلوه" فمن هؤلاء الرجال؟ ومن هو ابنُ الهَيْبَان الذي يتحدثون عنه؟ وماذا قال لهم كان ابنُ الهَيْبَان عالماً من علماء اليهود جاء إلى المدينة قبل بعثة رسول الله ﷺ وقد قال: "لقد اقترب زمن ظهور النبي القادم "وهذا هو المكان الذي سيهاجر إليه" وقبل بعثة النبي بوقتٍ طويل كان قد أخبر بني النضير عنه ثم تُوفِّي هناك وعندما قال تلك الكلمات، كان أخوان، أُسيد وثعلبة حاضرين أيضاً وسمعا كلامه بوضوح لكنهم الآن تجاهلوا نداء هذين الأخوين وكان بنو قريظة محاصرين داخل حصونهم و المساعدة التي كانوا ينتظرونها من المنافقين لم تأتِ وأدركوا أخيراً أن الحصار لن ينتهي فطلبوا في يأسٍ التفاوض مع النبي ﷺ "والله لن نستسلم حتى تقبل بشروطنا!" لكن جوابه كان حازماً "لا، ليس لكم إلا أن تستسلموا وتقبلوا حكمي دون قيدٍ أو شرط" فلما أدرك اليهود أنه لا خيار لهم، استسلموا في النهاية لقد ارتكب بنو قريظة جريمةً بعد أخرى فقد نقضوا عهدهم أولاً، وتعاونوا مع العدو وفوق ذلك كله، وبدلاً من الاعتذار راحوا يرمون النبي ﷺ بالإهانات ومع كل تلك الخيانة عاملهم رسول الله ﷺ معاملةً لم يشهد التاريخ مثلها فقد أمر أن يُنفَّذ الحكم خالصاً لوجه الله، لا بدافع الغضب أو الانتقام لأن العقوبات في الشريعة الإسلامية لا يجوز أن تختلط فيها العواطف الشخصية وقد يبدو الأمر عجيباً لكن حين كانوا على وشك تنفيذ الحكم أمر بأن يُقدَّم لهم الطعام والماء واللبن وكان ذلك يوماً شديد الحر فلم يُرِد أن يُنفَّذ الحكم عليهم في ذلك الحر فقال: "لا تجمعوا عليهم حرَّ الشمس وحرَّ السيف" سبحان الله كانت غزوة الخندق نقطة تحولٍ عظيمة للمسلمين فقد أُخرجت القبائل اليهودية الثلاث من المدينة ولم يعد المشركون يشكّلون تهديداً وقد قال رسول الله بعد هذه الغزوة ﷺ: "الآن نغزوهم" "ولا يغزوننا" وهذا ما حدث بالفعل فلم يستطع المشركون أن يستعيدوا قوتهم بعد ذلك بينما أخذ المسلمون يزدادون قوةً يوماً بعد يوم في أرجاء الجزيرة العربية وفي السنة الخامسة بعد الهجرة بلغ النبي ﷺ خبرٌ أن قبيلة بني المصطلق بدأت ترى في قوة المدينة المتزايدة خطراً عليها وكانت تخطط لمهاجمتهم فلما سمع رسول الله ﷺ بذلك جمع نحو سبعمئةٍ من أصحابه وبعد شروق الشمس وصلوا إلى المكان الذي كان بنو المصطلق قد عسكروا فيه وكانت القبيلة غير مستعدةٍ تماماً فرتَّب رسول الله ﷺ جيشه في صفوف القتال وبضربةٍ مباغتة قضوا على هذا التهديد لقد هُزم العدو لكن عدواً أخطر بكثير كان داخل الجيش نفسه وفي طريق العودة إلى المدينة كانت مشكلات غير متوقعة على وشك الظهور وكان في مركز هذه الأحداث رأس المنافقين عبد الله بن أُبيّ بن سلول فلو بقي في المدينة بينما كان النبي ﷺ خارجها لقام بإثارة الفتن والاضطرابات ولهذا اصطحبه رسول الله ﷺ معه في هذه الغزوة فعندما يكون مع المسلمين كان يمدح النبي ﷺ ويؤيده لكن عندما يكون وحده مع خاصته كان يتكلم ضد الإسلام ويسخر من المؤمنين وقد قال الله تعالى عنه وعن أمثاله في القرآن الكريم: "وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا" "وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ" "إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ" وكان يأتي كل يوم جمعة إلى المسجد النبوي ويجلس بين المسلمين ويستمع إلى خطبة النبي ﷺ وعندما تنتهي يقف فجأة ويقول بصوتٍ عالٍ: "يا أيها الناس!" "انصروا هذا الرسول الذي جعله الله بينكم!" "فبه أعزكم الله، ورفع شأنكم، ونصركم" "فاسمعوا له، وأكرموه، وأطيعوه" وكان يفعل ذلك كل جمعة حتى يوم أُحد، حين انسحب بثلاثمئة رجلٍ من الجيش وعادةً إذا طُلب منه الخروج في غزوة لا يذهب وكان يتحجج دائماً ليبقى في المدينة لكن هذه المرة خرج معهم لأنه لم يرَ خطراً حقيقياً وكان في الحقيقة يطمع في الغنائم وفي الوقت نفسه كان يبحث عن الفرصة لأثارة الفتن وللتفريق بين المسلمين الذين كانوا يزدادون قوة وقد جاءت له تلك الفرصة مرتين اذن ما هي الفرصة الأولى في طريق العودة من الغزوة نزل جيش المسلمين عند بئرٍ للاستراحة وكان الجميع يتناوبون على سحب الماء لكن خلافاً صغيراً أصبح فرصةً للمنافقين فبينما كان جَهْجَاه بن مسعود من المهاجرين وسنان بن وبر من الأنصار يستقيان من البئر نفسها وقع بينهما جدال ثم أخذ الأمر يتصاعد، فتقدم جَهْجَاه غاضباً نحو سنان فلما رأى سنان ذلك صرخ: "يا معشر المهاجرين!" "أين أنتم؟" "تعالوا وانصروني!" وفي لحظةٍ واحدة وقف الأنصار والمهاجرون الذين ضربوا أروع الأمثلة في الأخوة وجهاً لوجه وقد وجد رأس المنافقين عبد الله بن أُبيّ الفرصة المثالية لإثارة الفتنة فاستغلها بكل ما استطاع "يا معشر الأنصار، إن هؤلاء المهاجرين قد اعزّوا بكم" "والان يعاملونكم بهذا التكبر "لقد آويتموهم إلى مدينتكم "وقاسمتموهم المال والطعام "أنتم السبب فيما أصابكم من الذل و الهوان "والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعزّ منها الأذل" وكان يقصد بذلك النبي ﷺ والمهاجرين، معاذ الله وقد زادت هذه الكلمات المستفزة التوتر القائم سوءاً فلما سمع رسول الله ﷺ بما حدث ذهب فوراً إلى أصحابه وقال غاضباً: "ما بال دعوى الجاهلية؟" ثم رأى أن الأنصار والمهاجرين قد وقع بينهم النزاع بسبب أمرٍ يسير فقال: "دعوها فإنها مُنتنة" وقد قال هذه التحذيرات الشديدة لأن سبب كل ذلك كان نوعاً من العصبية القبلية والتفاخر بالأنساب والتعالي المادي أما في الإسلام فإن التفاضل يكون بالتقوى فقط أي بتقوى الله واجتناب المعاصي وطاعة أوامره و ترك نواهيه وقد أثّرت كلمات رسول الله ﷺ في قلوب الصحابة تأثيراً عميقاً فعفا سنان عن جَهْجَاه ولمن يستمر في التفاخر بعصبيته وقومه قال رسول الله ﷺ فيما بعد: "ليس منا من دعا إلى عصبية" "وليس منا من قاتل على عصبية" "وليس منا من مات على عصبية" وبعد هذه الحادثة اتّخذ رسول الله ﷺ قراراً غير معتاد ففي أشد ساعات النهار حرارةً أمر جيش المسلمين بالمسير نحو المدينة فحتى ذلك اليوم لم يكونوا قد خرجوا للسير في مثل ذلك الحر الشديد لكن كان وراء أمر النبي ﷺ حكمة فقد أراد أن يُشغل أصحابه عن الحديث في كلام عبد الله بن أُبيّ فتحركوا بعد الظهر ولم يتوقفوا حتى طلوع الفجر وكانوا قد بلغوا من التعب والسهر مبلغاً شديداً حتى إنهم بالكاد يستطيعون الوقوف فسقطوا في أماكنهم وناموا فوراً وهكذا انشغلت أفكارهم ومُنع الأمر من أن يتفاقم ومن خلال هذه الحادثة علَّمنا رسول الله ﷺ درساً خالداً ينبغي للمسلم أن يشغل نفسه دائماً وألا يجلس عاطلاً بلا عمل فإن الفراغ والكسل يفتحان باب الشهوات المحرمة ويقودان للمعاصي فهل توقف رأس المنافقين عن إثارة الفتنة بعد هذه الحادثة؟ بالطبع لا فقد كان ما يزال يبحث عن فرصة أخرى لنشر الفتنة وسرعان ما وجد الفرصة الثانية وفي هذه المرة تجرأ على الافتراء على أهل بيت النبي ﷺ وبينما كان الجيش عائداً إلى المدينة لاحظوا شخصين من بعيد يحاولان اللحاق بهم كان أحدهما على ظهر جمل والآخر يمشي بجانبه ممسكاً بزمامه وكانت التي على الجمل أمنا عائشة رضي الله عنها وكان الرجل الذي يقود الجمل صفوان بن المعطل فاستغل عبد الله بن أُبيّ هذا المشهد وحرَّفه ليختلق افتراءً عظيماً على زوجة النبي ﷺ الطاهرة الشريفة "والله ما نجا منها" "ولا نجت منه" يوحي بذلك، معاذ الله، بأن شيئاً قد حدث بينهما وبهذه الكلمات بدأت الإشاعة والفتنة وانتشر ذلك الاتهام الباطل في الجيش كالنار في الهشيم ينتقل من شخص إلى آخر ولكن ما الحقيقة وراء ذلك؟ لنعد اذن إلى البداية كان رسول الله ﷺ إذا خرج في غزوة يُقرع بين زوجاته فيأخذ إحداهن معه وفي هذه المرة كانت التي خرجت أمنا عائشة رضي الله عنها وأثناء استراحة الصحابة خرجت امنا عائشة بعيداً عن الجيش لقضاء حاجةٍ لها فلما عادت كانوا يستعدون للرحيل وفي تلك اللحظة أدركت أن عقدها قد ضاع فظنت أن الجيش لن يتحرك بدونها وعادت إلى المكان الذي كانت فيه لتبحث عنه لكن الأمر استغرق منها بعض الوقت وفي تلك الأثناء كان الجيش قد تحرك بالفعل دون أن يدركوا أنها لم تكن معهم وكانت النساء في ذلك الوقت يسافرن في هوادج توضع فوق الجمال لحفظ سترهن وخصوصيتهن ولأن أمنا عائشة رضي الله عنها كانت خفيفة الوزن لم يدرك الصحابة الذين رفعوا الهودج أنها لم تكن بداخله فتحركوا ولما عادت أمنا عائشة وجدت الجيش قد رحل ولأن السفر وحدها في الصحراء كان خطيراً قرّرت أن تبقى في مكانها وقالت في نفسها: "سيلاحظون غيابي ويعودون إلي" وبعد مدة غلبها النوم وبينما كانت نائمة اقترب شخص ببطء من بعيد وكان صفوان بن المعطل وكان صفوان مكلفاً بجمع ما يتركه الجيش وراءه فكان يتأخر دائماً ليلتقط ما قد يسقط أو يُنسى ثم يلحق بالجيش في مكان نزوله التالي وفي ذلك اليوم جاء ليتفقد المكان بعد رحيل الجيش فرأى شخصاً نائماً على الأرض فلما عرف أنها أمنا عائشة قال: "إنا لله وإنا إليه راجعون" فلما سمعت صوته استيقظت عائشة رضي الله عنها ومن غير أن يتكلم بكلمة واحدة، أناخ صفوان جمله ثم ابتعد قليلاً حتى تركب الجمل في سترٍ وراحة ثم أخذ بزمام الجمل وسار به نحو معسكر الجيش وبعد ساعات عدّة لحقا بالجيش فلما رأى عبد الله بن أُبيّ هذا المشهد قرّر أن يستغل الفرصة للإساءة إلى النبي ﷺ ودعوته وانتشر الافتراء من شخص إلى آخر وسرعان ما اهتزت المدينة كلها بهذه الشائعة وممّا يُؤسف له أن ثلاثةً من كبار الصحابة صدّقوا الإشاعة وبدؤوا يتحدثون بها وفي الوقت الذي كانت فيه الفتنة تنتشر في المدينة لم تكن أمنا عائشة تعلم شيئاً مما يحدث لأنها بعد عودتها مباشرة من الغزوة أصيبت بمرضٍ شديد ولزمت الفراش مدة ولأنها لم تكن تعلم ما يُقال عنها لم تستطع أن تنفي الاتهام أو تدافع عن نفسها وكان واضحاً أن هذا ابتلاء آخر من الله مثل الابتلاء الذي وقع في غزوة أُحد أتذكرون الفوضى التي حدثت عندما صرخ أحد المشركين: "قتلتُ محمداً!" "قتلتُ محمداً!" "قتلتُ محمداً!" مع أن رسول الله ﷺ كان قد وقع في حفرة وفي تلك الحادثة ابتُلي الصحابة ليُرى من يثبت في ميدان القتال ومن يتراجع أما الآن فكان الابتلاء مختلفاً كان امتحاناً لمعرفة من سينقل شائعة لم يرها بعينيه، ومن سيبتعد عنها وقد شاء الله أن تبقى عائشة رضي الله عنها لا تعلم شيئاً ممّا يقال عنها ومع مرور الوقت كان هناك من قال: "ما لم يُثبت فهو محض افتراء" ومن ساعد على نشره ظهروا واحداً بعد آخر وكان ابتلاءً شديداً لا تطيقه إلا امرأة قوية كعائشة رضي الله عنها ولم تكن أمنا تعلم شيئاً بعد لكنها بدأت تلاحظ تغيراً في معاملة رسول الله ﷺ لها فلم يعد يُظهر لها المودة والاهتمام كما كان من قبل حتى إنه لم يعد يذكر اسمها بل كان إذا أراد أن يسأل عن حالها يقول لأمها: "كيف مريضتكم؟" وكان هذا الأسلوب البعيد يثقل قلب عائشة رضي الله عنها فلم تكن تفهم لماذا يعاملها رسول الله ﷺ بهذه الطريقة وبعد نحو عشرين يوماً تعافت قليلاً وخرجت من بيتها وكان معها أم مسطح بن أُثاثة فلما سمعت عائشة رضي الله عنها الشائعات التي قيلت عنها ارتجفت من شدة الصدمة، وسقطت مغشياً عليها وفي الأيام التالية بكت بكاءً شديداً حتى اشتد مرضها أكثر فلما وصلت إلى بيت أبويها قالت: "يا أماه، ماذا يقول الناس عني؟" "ولماذا لم تخبريني؟" ثم انفجرت بالبكاء وحاولت أمها أن تواسيها وفي تلك اللحظة كان أبو بكر رضي الله عنه فوق سطح البيت يتلو القرآن فلما سمع بكاء ابنته نزل وجلس بجانبها وحاول تهدئتها وكان قلبه مملوءاً يقيناً ببراءة ابنته لكن البيت كله كان مغموراً بحزنٍ عميق بسبب ذلك الافتراء الرهيب وكان هذا من أشد الابتلاءات التي يمكن أن تمرّ بها امرأة فحتى لو حاولت الدفاع عن نفسها كان الناس جميعاً قد سمعوا الافتراء بل إن بعضهم قد صدَّقه مع أن أحداً منهم لم ير شيئاً بعينيه بل كانوا يردّدون ما يسمعونه من غيرهم ومن الظاهر كان الأمر مجرد كلماتٍ تُقال ويبدو شيئاً يسيراً لكن في الحقيقة فإن وزنه ومسؤوليته عند الله عظيمان جداً وقد أظهرت هذه الحادثة مدى خطورة اللسان ولماذا كان قذف المحصنات من السبع الموبقات في الإسلام فبكلمةٍ واحدة قد تُدمَّر سكينة أسرٍ كثيرة ولم يكن هناك أدنى دليل على أن عائشة رضي الله عنها مذنبة لكن المنافقين لم يتوقفوا عن الكلام وكانت تلك الأيام على عائشة رضي الله عنها أشد من كل ما مرّت به في حياتها حتى انها قالت "لم تتوقف دموعي، ولم أستطع النوم" "بكيت حتى ظننت أن كبدي سيتفطر من كثرة البكاء" ولما رأتها امرأة من الأنصار على تلك الحال جاءت واستأذنت منها أن تبقى لتواسيها فلما أذنت لها بكيا معاً وفي تلك الأثناء كان عبد الله بن أُبيّ الذي بدأ هذا الافتراء وكان سبباً في كل هذا الألم راضياً بما حدث فقد حقق ما أراد لقد زلزل المسلمين بكذبةٍ عظيمة وكان أينما ذهب يواصل الحديث عنها ويبذل كل ما يستطيع لنشرها أكثر وكان رسول الله ﷺ يعلم يقيناً أن زوجته عائشة بريئة تماماً من هذا الاتهام لكن رؤية هذا الافتراء القاسي الخبيث ينتشر بهذه السرعة بين الناس أثقل قلبه بشدة وفي تلك الأيام المؤلمة لم يستطع أن يدافع عن أمنا عائشة دون دليل فلو فعل ذلك لاتّهمه المنافقون بأنه يميل إلى زوجته بسبب محبته لها وهذا الشيء لا يليق بعدل نبي كما أن أولئك الذين يُسمَّون مسلمين لم يكونوا قلة ولذلك لم يكن أمام النبي ﷺ إلا أن ينتظر كان ينتظر الوحي من الله لكن كجزءٍ من هذا الابتلاء الإلهي لم ينزل الوحي لشهرٍ كامل أليس هذا الانتظار الطويل دليلاً واضحاً مرة أخرى على أنه نبيٌّ وكان يأتيه الوحي من عند الله فلو كان النبي ﷺ يتكلم من نفسه ولو كان، معاذ الله، يختلق آيات القرآن أكان سيترك نفسه في هذا البلاء شهراً كاملاً؟ بل كان يستطيع خلال نصف ساعة أن يقول آيةً وينهي الأمر مباشرة، معاذ الله لكنه رغم ألمه كله انتظر بصبر حتى يأتي الوحي ثم ذهب رسول الله ﷺ إلى بيت والدي عائشة والتفت إلى زوجته وقال: "يا عائشة، قد بلغني عنك كذا وكذا" "فإن كنت بريئة فسيُبرئك الله" "وإن كنت ألممتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه" "والله لقد علمت ما سمعتم من الحديث" "حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به" "فإن قلتُ لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة" "لا تصدقوني" "ولئن اعترفت لكم بأمر" "والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني" "فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً" "إلا أبا يوسف" "حين قال فصبر جميل" "والله المستعان على ما تصفون" وكان هذا ما فعلته بالضبط صبرت، ودموعها في عينيها وتوجهت إلى الله تستعين به ولم تكد عائشة رضي الله عنها تنتهي من كلامها حتى تغيَّر حال رسول الله ﷺ فجأة وأخذ العرق يتصبّب من جبينه الشريف وكان ذلك علامة على أن أيام الانتظار الطويلة قد انتهت فقد نزل الوحي من الله أخيراً لكن أمنا عائشة لم تشعر بأي خوف فقد كانت على يقين أن الله سيظهر عدله وأن براءتها ستظهر قريباً للناس جميعاً فلما زالت عن النبي ﷺ حالة الوحي ارتسمت على وجهه الشريف ابتسامة عظيمة ثم التفت إلى عائشة وقال: "يا عائشة، أما الله فقد برأك!" وفي الآيات التي نزلت قال الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ" "لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم" "بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ" "لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ" "وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ" "لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ" انقشع الحزن الذي خيَّم على البيت أياماً طويلة وتنفس رسول الله ﷺ وعائشة ووالداها الصعداء بعد معاناه كبيرة فبعد شهرٍ كامل من الابتلاء والانتظار أكدت الآيات أخيراً براءة عائشة وهكذا الفتنة التي انتشرت في المدينة انتهت لقد ظهر الحق أخيراً ولا شك أن عائشة أصبحت الآن مطمئنة القلب الحمد لله وبعد الآية التي برَّأت عائشة رضي الله عنها وذكرت عقوبة من بدأ الإفك نزلت آيات أخرى وهذه المرة عن الذين نشروا الافتراء "إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ" "وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ" "وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ" ولأن القذف كان ذنباً عظيماً واعتداءً على عرض الإنسان وحقه فلا بد من إقامة عقوبته لذا فالصحابة الثلاثة الذين صدّقوا الخبر ورددوه وبذلك ساهموا في انتشاره دون قصد دعاهم النبي ﷺ "ان رسول الله ﷺ يدعوكم" فدخلوا ببطء، وقلوبهم مليئة بالندم ولم يُظهر رسول الله ﷺ غضباً عليهم ولم يحمل في قلبه حقداً لكن عقوبة القذف والمشاركة فيه كانت واضحة في الإسلام فجُلد كل واحدٍ منهم ثمانين جلدة أمام الناس وكانت هذه العقوبة درساً مهماً ليس لهم وحدهم بل لأهل المدينة جميعاً فمن شهد ذلك العقاب لم يعد يتكلم بعد ذلك في أمرٍ لا يعلم حقيقته وليس في هذه الحادثة وحدها بل في الجرائم الكبرى كذلك جاء الإسلام بأحكامٍ وعقوبات واضحة لتمنع الناس من ارتكابها وكان الهدف الأساسي هو الردع ونتيجة لذلك بقيت معدلات الجريمة منخفضةً ولكن أيضاً من خلال هذه الأحكام والعقوبات كان الله في الحقيقة يحمي عباده من أمرٍ أعظم بكثير: عذاب الآخرة وخلال تطبيق هذه الأحكام لم يكن أحد يُعامَل بظلم فالجميع كانوا سواسية فلا امتياز للقوي على الضعيف ولا للغني على الفقير ولا للحرّ على العبد فعلى سبيل المثال، وقع حادث سرقة في المدينة وحاول بعض أفراد قبيلة بني مخزوم أن يشفعوا لامرأة سرقت شيئاً وطلبوا من النبي ﷺ ألا يُقيم عليها الحد فلما سمع رسول الله ﷺ بذلك غضب غضباً شديداً فقام وخطب في الناس قائلاً: "يا أيها الناس!" "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف" "تركوه" "وإذا سرق فيهم الضعيف" "أقاموا عليه الحد" "وأيمُ الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت" "لقطعت يدها" فماذا حدث لعبد الله بن أُبيّ؟ ذلك الرجل الذي كان سبباً في كل تلك الفتن ولم تكن أفعاله مقتصرة على تلك الحادثة وحدها أتذكرون غزوة أُحد؟ فقد تسبّب بكلامه الماكر في رجوع نحو ثلاثمئة رجل من جيش المسلمين قبل أن تبدأ المعركة أصلاً وكان يعمل سراً مع المشركين واليهود ويحيك المؤامرات ضد المسلمين باستمرار وكان ينشر الفتنة بين المؤمنين ليُفسد رابطة الأخوة بينهم وكان رسول الله ﷺ يعلم بالطبع كل ما كان يفعله رأس المنافقين هذا لكنه اختار الصبر والتزم الصمت وفي يوم من الأيام بلغ الأمر بعمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لم يعد يستطيع تحمل الفتن التي كان يُثيرها عبد الله بن أُبيّ فذهب إلى النبي ﷺ وقال: "يا رسول الله، ائذن لي أن أضرب عنق هذا المنافق" لكن جواب النبي ﷺ أظهر الحكمة التي كانت وراء صبره فقال: "دعه" "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" وإن تذكرتم، قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة كان عبد الله بن أُبيّ على وشك أن يصبح ملك المدينة بل إنه كان قد صُنع له تاجٌ بالفعل وكان له قدرٌ كبير من الاحترام بين الناس وكان رسول الله ﷺ يعلم أن كثيراً من الناس لا يزالون يثقون بابن أُبيّ فقد كان يخفي نفاقه بدهاءٍ شديد حتى إن كثيرين كانوا يظنونه مسلماً صادقاً فلو أمر رسول الله ﷺ بقتله لانتشرت الشائعات بأن محمداً يقتل أصحابه وربما خافت القبائل التي كانت تفكر في الدخول في الإسلام وقالت: "إذا شاء قتلنا نحن أيضاً" ولذلك، منعاً لحدوث ذلك، اختار رسول الله ﷺ الصبر وبعد سنوات رأى ثمرة هذا القرار وكان ذلك بعد أربع سنوات من حادثة الإفك ففي السنة التاسعة بعد الهجرة مرض عبد الله بن أُبيّ ثم مات وكان ابنه عبد الله رجلاً صالحاً مخلصاً في إسلامه فجاء إلى رسول الله ﷺ وقال: "يا رسول الله، هلا أعطيتني قميصك" "أكفّن فيه أبي" ثم طلب من النبي ﷺ أن يصلي عليه صلاة الجنازة وأن يدعو لأبيه بالمغفرة أتتصورون كم كان ذلك صعباً على الابن؟ فقد كان أبوه من أشد أعداء الإسلام منذ أن دخل النبي ﷺ المدينة لكن المدهش حقاً أن رسول الله ﷺ لم يردّه خائباً بل أعطاه قميصه ليكفَّن فيه عبد الله بن أُبيّ فلما أخبروه أن كل شيء قد أُعِدَّ للجنازة ذهب وصلى عليه صلاة الجنازة بل ومشى إلى قبره عند دفنه فتعجب الصحابة من ذلك: "كيف يصلي رسول الله ﷺ على رجل" "قضى حياته كلها يكيد للإسلام؟" "وكيف يُظهر مثل هذه الرحمة" "لمن حاول إيذاء المسلمين في كل فرصة؟" لابد أن وراء ذلك سبباً وحكمةً عظيمة وبالفعل كانت هناك حكمة "يا رسول الله لماذا أعطيته قميصك الذي تلبسه؟" فرد عليه رسول الله ﷺ: "إن قميصي وصلاتي عليه لا ينجيانه من عذاب الله" "ولكني أرجو أن يُسلم بذلك" "ألف رجلٍ من قومه" وبالفعل كان لهذه الحادثة أثرٌ عظيم في قوم عبد الله بن أُبيّ فبحسب بعض الروايات وبسبب صبر النبي ﷺ ورحمته في ذلك اليوم أسلم نحو ألف رجلٍ و دخلوا الإسلام بقلوبٍ صادقة سبحان الله ولسنوات طويلة كان المسلمون يتمنون زيارة الكعبة والآن جاء الوقت أخيراً "سنذهب أخيراً إلى مكة؟" "نعم" فقد كانت رحلة ستبدأ بسبب رؤيا رآها النبي ﷺ في المنام لكن هذه الرحلة ستنتهي بطريقة لم يكن أحد يتوقعها "اذن ستبقى هنا أسيراً لدينا!" وسيجد المسلمون أنفسهم يقبلون صُلحاً لم يكونوا يريدون قبوله أبداً فما طبيعة هذا الصلح؟ وماذا حدث في تلك الرحلة العجيبة؟ سنرى ذلك كله في الحلقة القادمة إن شاء الله فترقبوا
1:05:41
16 غزوة الأحزاب الخندق السيرة النبوية الشيخ نواف السالم
BoFawziHD
16.4K مشاهدة · 2 years ago
1:39:26
استرخي ودع قلبك يحيا بين القصص غزوة الخندق من البداية الى النهاية وأسرار نزول الآيات نبيل العوضي
خواطر Khawater
179.8K مشاهدة · 6 months ago
1:15:23
علي خطى الحبيب الحلقة الواحدة والعشرون 21 غزوة الخندق Ala Khota Al Habeeb EP 21
Amr Khaled | عمرو خالد
476.3K مشاهدة · 16 years ago
2:41:23
القصة الكاملة غزوة الأحزاب الخندق الشيخ نواف السالم
المدثر | Almodaseer
50.8K مشاهدة · 1 year ago
21:35
كيف عرفوا المسلمين بهذي الخطه معركة الخندق الجزء الأول أنس آكشن
anas action - أنس آكشن
2.4M مشاهدة · 4 years ago
49:37
غزوة الخندق شجاعة علي و جهاد الرسول في تفاصيل رهيبة لم تُذكر من قبل شاهد الغزوة كأنك تراها
تاريخ × حدوتة
1.2M مشاهدة · 2 years ago
32:56
232 The Trench and the Battle of the Confederates Sheikh Said Al Kameli
M.A.T
408.3K مشاهدة · 7 years ago
1:05:50
16 قصة الخندق غزوة الاحزاب الشيخ نواف السالم
أضواء الرباط
145.1K مشاهدة · 6 years ago
57:29
غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب كاملةً الشيخ سعيد الكملي
M.A.T
36.4K مشاهدة · 3 years ago
15:46
غزوة الخندق من البداية الى النهاية السيرة النبوية د الشيخ نبيل العوضي
تقوية الإيمان
12.1K مشاهدة · 4 years ago
33:27
ماذا تعرف عن غزوة الخندق الأحزاب للشيخ سعيد الكملي الشيخ سعيد
محبي الشيخ سعيد الكملي
66.8K مشاهدة · 1 year ago
29:49
السيرة النبوية الحلقة 19 غزوة الأحزاب HD
الشيخ نبيل العوضي
846.7K مشاهدة · 11 years ago
1:38:58
غزوة الخندق وخيانة يهود بني قريظة وحكم سعد بن معاذ فيهم د طارق السويدان
د. طارق السويدان
868.9K مشاهدة · 2 years ago
2:29:58
الفيلم الديني الحصري غزوة الخندق شاهد شجاعة علي بن ابي طالب وجهاد المسلمين وتعلم الله
ATA Media
183.3K مشاهدة · 2 years ago
19:06
62 غزوة الخندق
Dr. Othman Alkamees - الشيخ الدكتور عثمان الخميس
25.9K مشاهدة · 9 years ago
42:54
السيرة النبوية للمصلحين 23 غزوة الخندق أحمد السيد
أحمد السيد
193.4K مشاهدة · 3 years ago
22:29
قصص عمر شجاعة علي بن أبي طالب في غزوة الخندق
عمر عبدالرحمن | Omar Abdulrahman
5.4M مشاهدة · 3 years ago
25:06
غزوة الأحزاب لفضيلة الشيخ بدر المشاري فك الله أسره