لم اكن اعود الى حيفا كنت اقاد اليها كما يقاد المتهم الى الجريمه التي نجى منها طويلا ثم اكتشف ان النجاه نفسها كانت شكلا اخر من الادانه 20 سنه وانا اقول لنفسي اننا لم نتركها ان الحرب هي التي تركته ان الرصاص هو الذي خطفه ان الزحام هو الذي ابتلعه ان المدينه حين اشتعلت لم تترك لنا وقتا لنفكر كاباء بل دفعتنا الى الشارع كما تدفع النار الدخان من نافذه محترقه كنت اقول ذلك كي استطيع النوم وكنت اعرف في اعمق نقطه من قلبي ان النوم كذب مؤجل وان الذاكره لا تنسى بل تنتظر اللحظه المناسبه كي تضع يدها على عنقك كانت صفيه جالسه الى جانبي في السياره صامته كان الكلام مات فيها منذ تلك الظهيره لم تكن تنظر الى الطريق بل الى شيء ابعد من الطريق الى سرير صغير بقي مفتوحا في بيت غادرناه الى طفل تركته الحرب في مكانه او تركناه نحن تحت اسم الحرب لم تكن حيفا امامنا مدينه كانت سؤالا وكانت كل شجره كل منعطف كل نسمه بحر تقول لنا لماذا عدتما الان ماذا تريدان من بيت انتظر 20 سنه حتى صار بيتا لغيركما وماذا تريدان من طفل لم يعد طفلا كنت اقود لكنني لم اكن املك الطريق الطريق كان يملكني كلما اقتربنا من حيفا شع شعرت ان السنوات التي بيننا وبينها تتساقط عني قطعه قطعه وانني اعود الى ذلك النهار لا كرجل عاش بعده بل كانسان لم يخرج منه ابدا كان البحر هناك البحر نفسه الذي لم يشيخ وكان هذا اكثر ما اذاني المدن تحتل البيوت تسرق الاسماء تتغير الناس يموتون او يهربون اما البحر فيظل يلمع كانه بريء من كل شيء كان الموج لم يسمع صراخ النساء ولم يرى الحقائب وهي تسقط من الايدي ولم يشهد مدينه تفرغ من اهلها كما يفرغ الجسد من روحه في ذلك اليوم القديم لم يكن هناك وقت للبطوله هذه حقيقه موجعه الكارثه حين تبدا لا تمنحك شكل البطل الذي تتخيله فيما بعد لا تقول لك قف الان وقفه تاريخيه لا تمنحك جمله عظيمه تقولها امام الموت انها تدفعك فقط تدفعك بين الاجساد بين الرصاص بين الابواب بين اصوات لا تفهمها بين خوف اعمى ثم بعد 20 سنه تجلس امامك بوجه هادئ وتسالك لماذا لم تكن اعظم مما كنت فهذا ما كان ياكلني لم اكن اخاف من ان اجد البيت كنت اخاف ان يجدني البيت ان ينظر الي الجدار الذي علقت عليه يوما صوره صغيره ان يتعرف علي الباب ان تقول لي العتبه خرجت خفيفا وعدت مثقلا فاين الولد اين خلدون خلدون لم يكن اسمه يمر في داخل كسم بل كجرس جنازه كنا نردده في السنوات الاولى كثيرا ثم خف الصوت لا لان الالم قل بل لان الالم حين يطول يتعلم التخفي صار خلدون موجودا في الاشياء لا في الكلام في صمت صفيه حين ترى طفلا في الطريق في ارتباكي حين يسال احدهم عن اولادنا في تلك اللحظات التي يبدو فيها البيت عاديا ثم ينفتح فجاه على هاويه ان تفقد ابنا لا يعني ان يغيب عنك بل يعني ان يحضر دائما بطريقه لا تستطيع احتمالها قلت لنفسي ونحن نقترب ربما مات وهذه كانت ارحم الاحتمالات واقساها معا الموت على فضاعته يمنح الالم شكلا نهائيا اما ان يكون حيا ان يكون قد كبر في بيتنا تحت سقفنا بين اثاثنا في حضن امراه اخرى باسم اخر وذاكره اخرى فذلك لم يكن فقدا فقط كان اقتلاعا للمعنى نفسه لان الابن حين يكبر بعيدا عن ابيه لا يغيب فقط عن البيت بل يصير سؤالا عن الابوه كلها هل الاب هو الذي ينجب ام الذي يربي هل الدم ذاكره ام ان الذاكره تصنع بالخبز اليومي باللغه بالخوف بالمدرسه بالصور المعلقه على الحائط لم اقل هذا لصفيه ماذا كان يمكن ان اقول لها انني اخاف ان نلتقي بابننا فلا يتعرف علينا انني اخاف ان يتعرف علينا ثم لا يحبنا انني انني اخاف ان يكون قد صار واحدا من اولئك الذين طردونه كان الصمت بيننا اذكى من الكلام كنا نعرف كل شيء ولذلك لم نقل شيئا دخلنا حيفا ولم تدخل المدينه في عيني كما تدخل المدن دخلت كذكرى عادت مسلحه الشوارع التي عرفتها لم تكن كما تركتها ومع ذلك كانت هي وهذا هو العذاب الحقيقي ان تجد المكان باقيا بما يكفي ليجرحك ومتغيرا بما يكفي لينكرك رايت الابنيه ورايت الواجهات ورايت حركه الناس لكنني كنت ابحث عن شيء لا يرى عن اثرنا نحن عن ذلك الهواء القديم الذي كان يعرف اسمائنا عن صباحاتنا الصغيره عن خلدون وهو يبكي في غرفه لا تزال ربما قائمه هناك كان الزمن لم يفعل شيئا سوى ان يبدل اصحاب البيت كانت صفيه تتمسك بصمتها كما تتمسك الغريقه بقطعه خشب لم تعد المراه التي خرجت معي ذات يوم من حيث هاربه كانت الان امراه تعود لتواجه الدليل الوحيد على ان الماضي لم ينتهي كل ام تعرف ان الطفل لا يغادر جسدها كاملا عند الولاده يبقى منه شيء في داخلها خيط لا ينقطع ولذلك لم يكن خلدون بالنسبه اليها ابنا مفقودا فقط بل جزءا من جسدها ترك هناك وراء باب في مدينه صارت لغيرها ثم بدا البيت يقترب البيت يا لها من كلمه بريئه حين تكون لك ويا لها من وحش حين تجدها معلقه على باب غيرك لم يكن بيتنا كبيرا لكنه كان في الذاكره اكبر من مدينه الاشياء الصغيره تفعل ذلك حين تنتزع منك كرسي نافذه سرير طاوله رائحه قهوه ضوء يدخل من جهه معينه في الصباح كلها تتحول بعد الفقد الى وطن مصغر الانسان لا يفقد الارض دفعه واحده بل يفقدها في التفاصيل في مفتاح لم يعد يفتح شيئا في غرفه لم تعد تناديه في جدار يعرفه ولا يستطيع ان يملكه وقفت السياره او لعل قلبي هو الذي توقف اولا نزلت وكانت صفيه معي لم امد يدي اليها ولم تمد يدها الي كنا في تلك اللحظه وحيدين معا هذا النوع من الالم لا يتقاسمه اثنان يقف كل واحد امام نصيبه منه كانه امام قبره الخاص مشينا نحو الباب كل خطوه كانت تعيد الي قدما قديما هربت في الاتجاه المعاكس كل حجر كان يفتح ذاكره كل نفس كان يقول لقد عدت ولكن متاخرا حين صرنا امام البيت شعرت ان العشر سنه كلها انكمشت في لحظه واحده لم يعد هناك منفا ولا زمن ولا سياسه ولا شعارات كان هناك باب فقط باب قديم يحمل حياتين حياتنا التي انقطعت عنده وحياه اخرى بدات بعدنا داخله طرقت الباب لم تكن تلك طرقه يد على خشب كانت طرقه اب على قلب ابنه المجهول وكانت طرقه لاجئ على وطنه الذي لم يعد يعرف صوته وكانت طرقه رجل جاء بعد 20 سنه لا ليستعيد شيئا بل ليسمع الحكم الاخير على غيابه انفتح الباب لم تنفتح حيفا كلها كما كنت اتخيل لم يخرج الماضي صارخا من العتبه ولم يركض طفل صغير نحونا ولم تسقط الجدران من هول اللقاء لا شيء من ذلك حدث حدث ما هو افضع ان الباب انفتح بهدوء كان البيت لم يكن يعرف اننا عدنا كان العشر سنه التي امضيناها ونحن ندور حول هذا المكان لم تكن تعني شيئا لجدرانه كان الماساه التي كانت في صدورنا بحجم وطن كانت هنا مجرد يوم قديم مر وانتهى وقفت امامنا امراه غريبه لم تكن وحشا كما يريد الغضب ان يتخيل لم تكن تلك الصوره السهله التي تساعدك على الكراهيه دون تردد كانت امراه في بيتها هذه العباره وحدها كانت كافيه كي تشقني من الداخل في بيتها البيت الذي كان بيتنا صار يقال عنه هكذا ببساطه بيتها لا تحتاج الماساه دائما الى رصاص جديد احيانا يكفي ان تسمع ضمير الملكيه ينتقل من فم الى فم من تاريخ الى تاريخ من يد الى يد نظرت اليها ثم نظرت خلفها لم اكن ارى وجهها بقدر ما كنت ارى الداخل كنت افتش كمن يفتش في جثه عن اثر حياه قديمه اين كانت الطاوله اين النافذه اين سرير خلدون اين رائحه صفيه في المطبخ اين خطواتي وانا اعود من عملي اين كل تلك الاشياء الاشياء الصغيره التي لا يعرف الغرباء قيمتها لانها لم تنتزع منهم لكن البيت لم يهبني جوابا كان قائما نعم لكنه لم يكن كما تركناه لقد عاش بعدنا وهذه كانت خيانته الكبرى نحن الذين ظللنا نعيش مع صورته القديمه اكتشفنا انه لم يبقى واقفا في الذاكره كما اردناه لقد دخلته اقدام اخرى وتنفس فيه ناس اخرون وتعلقت على جدرانه صور ليست لنا ونامت تحت سقفه احلام لا تعرف اسمائنا البيت الذي ظنناه محفوظا في الالم كان قد واصل حياته دون ان يستشير وجعنا دخلنا لم تكن صفيه تمشي بل كانت تساق من داخلها كنت اسمع ارتجافها قبل ان اراه المراه التي بجانبي لم تكن الزوجه التي رافقتني في الطريق بل ام عائده الى المكان الذي انكسر فيه زمنها كل شيء في وجهها كان يسال اين تركته اين كان سريره هل بكى طويلا هل حمله احد هل ناداني هل بحث عن صدري هل نام في تلك الليله؟ هل ظن انني تخليت عنه؟ كنت اريد ان اقول لها اننا لم نتخلى عنه لكن الجمله نفسها كانت تهرب مني. ماذا تعني النيه امام النتيجه؟ ماذا ينفع ان تقول لطفل تركته خلفك؟ لم اقصد التاريخ لا يحاكم النوايا وحدها بل يحاكم ما حدث. وما حدث اننا خرجنا وبقي هو ما حدث اننا نجونا وبقي هو في البيت ما حدث ان الرصاص دفعنا والزحام ابتلعنا والخوف قادنا لكن الطفل لم يكن في اذرعنا حين وصلنا الى النهايه جلسنا في المكان الذي كان لنا وهذه الجلسه كانت اقسى من الوقوف الوقوف يترك لك وهم المغادره اما الجلوس في بيتك القديم عند امراه اخرى فيجعلك ضيفا في حياتك. جلست كمن يجلس في قاعه انتظار قبل النطق بالحكم. لم تكن المراه امامنا تتكلم كعدو يحمل بندقيه بل كانسانه تحمل قصه وهذا ما جعل الامر اكثر تعقيدا. لو انها صرخت لصرخت لو انها شتمت لشتمت لو انها انكرت لتمسكت بحقي كمن يتمسك بحجر في فيضان لكنها كانت هادئه والهدوء في مثل تلك اللحظات ليس رحمه انه مراه بارده قالت لنا بطريقتها ما كان ينبغي ان نعرفه وما كنا نرتعد من معرفته الطفل لم يمت لم يظل في مكانه كما ظل في خيال صفيه لم يبقى ملفوفا في قماطه ينتظرنا في غرفه مغلقه لقد كبر كبر كما يكبر الاطفال حين لا يستاذنون احزان امهاتهم كبر بايامه بمرضه بخوفه بطعامه بمدرسته بلغته باليد التي مسحت على راسه حين بكى وبالصوت الذي نام عليه في الليالي التي لم نكن فيها هناك كنا احسست ان الفقد طوال 20 سنه كان ارحم مما نعرف لان الفقد في خيالنا كان ثابتا طفل صغير سرير صغير صرخه بعيده باب مفتوح على كارثه اما الحقيقه فكانت تتحرك كان خلدون في الحقيقه يبتعد عنا كل يوم لا خطوه واحده بل عمرا كاملا كل يوم لم نكن فيه معه كان يبني بيننا وبينه جدارا جديدا كل كلمه تعلمها بعيدا عنا كانت تحذف كلمه منا كل عيد مر عليه في حضن غيرنا كان يسرق عيدا من ذاكره صفيه كل مره قال فيها امي لامراه اخرى كان العالم يضع حجرا جديدا فوق قبر الامومه الاولى نظرت الى صفيه ورايت في وجهها شيئا لا يشبه الحزن فقط الحزن يعرف كيف يبكي اما ما رايته فيها فكان اعمق من البكاء كان اندهاش الام حين تكتشف ان ابنها لم يمت ومع ذلك فقدته ان الموت لم ياخذه منها بل الحياه وهذه مفارقه لا يحتملها القلب ان يكون ابنك حياكل يتكلم يمشي صار رجلا ومع ذلك لا يعود اليك اي قسوه اعظم من ان تمنحك الحياه الدليل على انها سرقتك لا على انها عوضتك كانت المراه تقول ان اسمه صار دوف توف وقع الاسم في داخلي كانه ليس اسما بل ختم على وثيقه مصادره الاسم الذي اخترناه له الذي خرج من فمنا يوم ولد الذي التصق بدم صفيه وحليبها صار ماضيا خلدون الاسم الذي ظللنا نحمله كتعويذه ضد النسيان لم يعد وحده في العالم صار له اسم اخر اسم نشا معه وربما صار اقرب الى اذنه من اسمه الاول وهنا فهمت ان الاحتلال لا يبدا حين ياخذ الارض بل حين يسمي ابنائك باسماء لا تعرفك لم اكن اريد ان اصدق ومع ذلك في مكان عميق مني كنت اعرف ان هذا هو المنطق الكامل للهزيمه نحن لم نفقد طفلا فقط فقدنا الزمن الذي كان سيجعله ابننا الابوه ليست لحظه ولاده وحدها الابوه ايام متراكمه خوف تعب يد على جبين محموم سؤال في الليل خبز مدرسه نبره صوت عقاب حكايه قبل النوم ونحن رغم اننا لم نختر غيابنا بحريه غبنا وهذا الغياب دخل الى حياه خلدون كفراغ ثم جاء اخرون وملاؤوه هنا بدات اكره نفسي بطريقه لم اعرفها من قبل لم اكرهها لانني جبان فقط فالمساله اكبر من جبن رجل واحد كرهت ذلك الجزء في الذي ظل 20 سنه يظن ان الالم وحده يكفي كي يبقى الحق حيا كرهت انني جعلت من الحزن بيتا بديلا كره كرهت اننا كنا نقول سنعود سنعود كان العوده وعد اخلاقي يحقه الزمن من تلقاء نفسه لكن الزمن لم يكن حارسا لنا الزمن كان يعمل يعمل لصالح من بقي ومن ربى ومن علم ومن وضع يده على المكان والطفل واللغه وكانت صفيه لا تزال تنظر حولها لم تكن تستمع الى المراه فقط بل كانت تستمع الى البيت اظنها كانت تسمع صوت طفلها في مكان ما لا كما هو الان بل كما بقي داخلها رضيعا صغيرا عاجزا ينتظر كانت تبحث عن تلك اللحظه التي انقطع فيها الخيط بينها وبينه تريد ان تمسكها ان تعيدها ان تصححها ان تركض في ذلك النهار القديم الى الداخل بدل الخارج ان تخرق الزحام ان تصرخ باسمه ان تموت معه ان لم تستطع حمله لكن الماضي لا يفتح ابوابه لتعديل صغير الماضي حين يحدث يصير صخرا ونحن كنا جالسين فوق صخره اسمها فات الاوان ثم قالت المراه انه سياتي سياتي لم تقل سيعود قالت ما يكفي لنفهم ان الذي سيدخل الان ليس عائدا من غياب بل قادما من حياه مكتمله لا مكان لنا فيها كاننا نحن من ننتظره في بيت ليس لنا لا هو الذي ينتظرنا في بيتنا اختل كل شيء في داخلي كنت الاب ومع ذلك كنت اشعر انني ساقدم اليه كغريب كنت صاحب البيت القديم ومع ذلك كنت اجلس كضيف ثقيل كنت صاحب الاسم الاول ومع ذلك اخاف ان يكون الاسم الثاني قد انتصر الصمت الذي سبق دخوله كان افضل من كل الكلام في ذلك الصمت سمعت 20 سنه تمشي سمعت صفيه وهي تبكي في ليال لم ارها سمعت نفسي وانا اتهرب من السؤال سمعت خالدا ابننا الاخر وهو يكبر في بيت لم يبرا من غياب اخيه سمعت المخيم والمنفى والهزيمه والخطب والانتظار وكل الكلمات الكبيره التي حاولنا ان نغطي بها جمله صغيره لا تحتمل تركنا ابننا هناك كنت احاول ان اتخيل وجهه هل سيكون فيه شيء مني؟ هل ستلمع في عينيه نظره صفيه؟ هل سيخون دوف خلدون للحظه واحده؟ هل سيهتز حين يرانا؟ هل ستتحرك في دمه ذاكره لا يعرفها؟ كنت اتشبث باوهام صغيره الانسان حين يقف امام خسارته القصوى يصبح طفلا يتعلق باي احتمال ثم سمعت خطوات ليست خطوات ابن يعود الى امه ليست خطوات شاب يدخل الى غرفه عاديه كانت خطوات الحكم وهو يقترب رفعت صفيه راسها واحسست ان جسدها كله صار عينين المراه الاخرى التفتت بهدوء من يعرف القادم اما انا فبقيت ثابتا لكن في داخلي كان كل شيء يتراجع. اردت فجاه ان اهرب من البيت كما هربت قبل 20 سنه لكنني عرفت ان الهروب الثاني سيكون بلا عذر. هذه المره لا رصاص في الشارع ولا زحام ولا سفن ولا جنود. هذه المره امامي فقط الحقيقه دخل ولم يدخل الطفل. دخل رجل هذه الجمله وحدها كافيه كي تحطم اما صفيه التي جاءت تبحث عن رضيعها وجدت امامها شابا طويلا ملامحه مشدوده الى حاضر لا تعرفه كان يحمل في وجهه اثرا بعيدا منا شيئا صغيرا يكفي كي يفتح الجرح ولا يكفي كي يضمده في لحظه واحده رايت فيه خلدون ورايت غيابه رايت الدم ورايت الهزيمه رايت ابني ورايت الرجل الذي لم اكن اباه لم ينهر لم يركض لم يمد ذراعيه لم يفعل شيئا من تلك الاشياء التي تواسي المخيله كان هادئا والهدوء هنا كان ابشع من الرفض لو صرخ في وجوهنا لكان في صراخه اعتراف بوجودنا لو بكى لكان في بكائه خيط ما بيننا لكنه وقف كاننا حقيقه قديمه يعرفها ولا تخصه كثيرا هكذا يهزم الانسان في اعمق نقطه حين يكتشف ان مكانه في قلب ابنه لم يسرق فحسب بل لم يعد موجودا اصلا رايت صفيه تنظر اليه كما لو انها تحاول ول ان تلده مره ثانيه بعينيها كانت تريد ان تستخرج خلدون من دوف ان تقول له دون كلام انت لم تكن هكذا انت كنت صغيري انت كنت في سريرك انت كنت رائحتي انت كنت خوفي انت كنت الشيء الذي بقي حيا في حين ماتت حيفا لكنها لم تستطع لان الرجل الواقف امامها لم يكن صفحه بيضاء كان مكتوبا كتب في غيابها وبحبر غير حبرها فهنا ادركت ان الفاجعه لم تبدا يوم تركناه فقط الفاجعه الحقيقيه بدات بعد ذلك في كل يوم عاشه بعيدا عنا يوما بعد يوم كان ينتزع منا دون ان نراه ونحن كنا في مكان اخر نربي الحزن وهم هم في هذا البيت كانوا يربون الولد نحن كنا نحفظ الاسم وهم كانوا يصنعون الانسان نحن كنا نقول خلدون وهو كان يجيب لدوف نحن كنا نبكي الماضي وهو كان يتعلم مستقبله جلس او وقف لا اذكر هيئه الجسد بدقه ما اذكره هو البروده التي دخلت المكان معه بروده ليست في الطقس بل في المعنى قال ما قاله ونظر كما نظر فشعرت انني لا احاور ابنا بل احاور نتيجه كامله للهزيمه كان امامي الدرس الذي رفضت ان اتعلمه طويلا ان الدم لا ينتصر وحده ان الحق ان لم يجد من يحمله يصدا ان الذاكره ان تركت بلا فعل تتحول الى نشيد جنائزي جميل لا يمنع شيئا كان في كلامه ما يطعن لكنه لم يكن طعنا فرديا فقط لم يكن شابا عاقا يقف امام ابويه كان سؤالا تاريخيا يقف امامنا ماذا فعلتم بيع ماذا فعلتم بي حين تركتموني وماذا فعلتم بعد ان تركتموني هل يكفي ان تاتي بعد 20 سنه وتقول قول انا ابوك هل الابوه وثيقه دم ام حياه كامله هل الوطن صك ملكيه قديم ام فعل يومي يمنع العدو من ان يصير صاحب البيت والولد واللغه لم اجد جوابا يريحني كل جواب كان ناقصا لو قلت له اننا اجبرنا لقالت الحقيقه نعم لكنك غبت لو قلت له اننا بحثنا عنك في الذاكره لقال الواقع الذاكره لا تطعم طفلا ولا تربيه لو قلت له اننا احببناه لقالت عيناه الباردتان الحب الذي لا يحضر في الوقت المناسب يتحول الى حكايه لا الى حياه وكانت صفيه تتكسر في صمت ذلك الصمت هو ما جعلني افهم ان الامومه قد تهزم دون ان تموت كانت لا تزال امه لكن العالم كله كان ينكر عليها حق النداء اي قدره شيطانيه هذه التي تجعل اما تقف امام ابنها وتخاف ان تقول يا بني اي احتلال هذا الذي لا يكتفي باخذ الارض بل يجعل الكلمه الطبيعيه نفسها غريبه كانت كلمه يا بني معلقه في الهواء لكنها لا تجد ارضا تهبط عليها في تلك اللحظه لم اعد اكره دوف لم اعد قادرا على كراهيته وحده كان هو نفسه ضحيه بطريقه ما لكنه ضحيه صارت تحمل ملامح المنتصر هذه هي افضع صور الماساه حين يتحول المفقود الى شاهد ضد الذين فقدوه حين يعود الابن لا ليوا واسي اباه بل ليكشف عجزه حين لا يكون اللقاء لم شمل بل تشريحا باردا لمعنى الهزيمه كنت اسمع صفيه وهي تتنفس بصعوبه وارى المراه الاخرى حاضره بثقل السنوات التي سرقتها منا لم تكن سرقه بسيطه لقد اخذت من صفيه ما لا يعاد سنوات الامومه لم تاخذ الطفل فقط اخذت ماضيه معها فمن يستطيع ان يعيد لام اول كلمه قالها ابنها اول خطوه اول مرض اول خوف اول مره نام مطمئنا هذه الاشياء لا تسترد ولهذا كان اللقاء ناقصا من بدايته نحن لم نعد لناخذ خلدون بل لنرى ماذا فعل غيابنا به وكان ما فعله الغياب فادحا لقد صنع منه رجلا يعرفنا الا كحكايه وربما كحكايه مزعجه رجلا يقف داخل بيتنا القديم يحمل اسما لم نختاره وولاء لم نصنعه وبروده لم نكن نتخيلها كان امامنا الدليل النهائي على ان البيت اذا ضاع لا تضيع معه الحجاره وحدها يضيع الاطفال الذين كانوا سيكبرون فيه على صورتك تضيع اللغه التي كنت ستعلمهم اياها تضيع الذاكره التي كان ينبغي ان تضعها في صدورهم قبل ان يضع الاخرون ذاكرتهم وشعرت وانا انظر اليه بانني لم اعد ابحث عن ابني فقط كنت ابحث عن معنى الابوه بعد الكارثه هل يظل الانسان ابا اذا لم يكن هناك حين احتاجه ابنه هل يكفي في ان يكون مظلوما كي يعفى من نتائج غيابه هل الهزيمه تبرر كل شيء ام انها على قسوتها لا تلغي الحساب كان هذا السؤال ينهشني لم ارد ان اكون قاسيا على نفسي الى حد الظلم نعم لم نخرج من حيفا لاننا اردنا التخلي عنه خرجنا لان المدينه كانت تسحق لان الناس كانوا يندفعون كالموج لان الرصاص كان اقوى من القدره على التفكير لان الخوف في تلك اللحظه لم يكن عيبا فرديا بل قدرا عاما لكن هذا كله رغم صدقه لم يكن يكفي امام وجه الرجل الواقف امامنا فالحقيقه لا تصير كامله لانها مفهومه هناك ماس نفهم اسبابها ومع ذلك تبقى غير محتمله حين بدا الكلام يشتد بيننا شعرت ان خلدون لم يعد شخصا فقط صار فلسطين نفسها لكن في اكثر صورها قسوه فلسطين التي تركناها طفلا وعدنا اليها فوجدناها تتكلم بلغه اخرى فلسطين التي حافظناها في الاغاني والمفاتيح بينما كان الاخرون يغيرون اسماء الشوارع ويملؤون البيوت ويربون الاطفال ويصنعون وقائعه لا تذوب بمجرد البكاء عليها اردت ان امد يدي اليه لكن يدي لم تتحرك ربما لانني خفت ان لا يردها وربما لانني عرفت ان اللمس لا يعيد ما اتلفه الزمن فربما لانني في اعماقي شعرت انني لا املك الحق في عناق متاخر اطالب به كتعويض عن غياب طويل كان قلبي يقول انه ابنك وكان عقلي المكسور بالحقيقه يقول لكنه لم يعش كبنك وهنا بدا شيء اخر يتكون في داخلي شيء لا يشبه الامل ولا يشبه الياس كان وعيا مرا لقد جئنا لنسترد الماضي فاكتشفنا ان الماضي لا يسترد وان ما ينبغي انقاذه ليس ما ضاع بل ما لم يضع بعد. كان دوف امامي يقول بوجوده لا بلسانه فقط ان البكاء على خلدون لن يعيد خلدون لكن الخوف على خالد قد يضيع خالدا ايضا وخالد كان اسمه ينهض في داخلي فجاه ابننا الاخر الابن الذي لم نتركه في حيفا لكننا كدنا نترك روحه معلقه في التردد كنا نخاف عليه من الطريق الصعب من القتال من الموت من ان يذهب ولا يعود لكن دوف كان يقف امامي كجواب قاتل هناك موت اخر غير الموت كناك ان يبقى الابن حيا لكنه لا يعود لك هناك ان تنجو الاجساد وتحتل المعاني هناك ان نمنع ابنائنا من الخطر فنتركهم لخطر اكبر ان يكبروا بلا فعل بلا موقف بلا قدره على حمايه ما يحبون لم اكن قد قلت ذلك كله بعد كان لا يزال يتشكل في داخلي كالنار تحت الرماد لكنني شعرت في بيتنا القديم انني خرجت من دور الاب الباحث عن ابنه الى دور الرجل الذي عليه ان يفهم الدرس قبل ان يخسر ما تبقى توف لم يكن كنهايه الحكايه فقط كان انذارا كان يقول لنا ان الجيل الذي يكتفي بتوريث الندبه يترك ابناءه للذي يملك الشجاعه ان يورثهم الفعل وفي وجه صفيه رايت ان هذا الفهم لن يخفف عنها لا شيء يخفف عن ام رات ابنها ولم تستطع ان تناديه كما تشتهي لكنها رغم انكسارها كانت جزءا من الحقيقه هي لم تكن ضعيفه كانت تحمل الثمن الاقصى لكل ما نقوله عن الوطن والمنفى والهزيمه السياسه حين تدخل بيتا لا تبقى كلمات في الصحف تصبح اما امام ابن لا يعرف حضنها تصبح ابا عاجزا عن قول جمله واحده مقنعه تصبح بيتا يجلس فيه الغرباء بثقه ويجلس اصحابه الاصليون كانهم يطلبون اذنا من الذاكره طال اللقاء او قصر لا ادري هناك لحظات لا تقاس بالوقت تقاس بما تسلبه منك وما سلبه مني ذلك اللقاء كان اخر اوهامي لم اعد استطيع ان اقول ان العوده وحدها تكفي لم اعد استطيع ان اصدق ان الدم وحده سيهزم التربيه لم اعد استطيع ان اطمئن الى ان البيت لانه كان لنا سيظل ينتظرنا من الداخل الاشياء التي لا نحرسها تعاد صياغتها والابناء الذين لا نصل اليهم يصل اليهم غيرنا والوطن الذي لا يتحول الى مسؤوليه يتحول الى ذكرى جميله تصلح للبكاء ولا تصلح للانقاذ كان دوف امامنا وكانت حيفا كلها خلفه لا مدينه فقط بل امتحان وكان علي ان افهم ولو متاخرا ان الانسان لا يعود الى وطنه كي يستعيد مفاتيحه فحسب بل كي يرى ماذا فعل غيابه بتلك المفاتيح فهل بقيت تفتح بابا ام صارت قطعه معدن في جيب لاجئ يصدق ان الحنين شكل من اشكال الملكيه لم يكن الحنين ملكيه كان حزنا فقط والحزن مهما كان صادقا لا يربي طفلا ولا يحمي بيتا ولا يمنع عدوا من ان يضع اسمه فوق اسمك وفي تلك اللحظه عرفت ان الجزء الاصعب لم ياتي بعد لان الخروج من البيت سيكون اقسى من الدخول اليه عند الدخول كنا نحمل وهما صغيرا اما عند الخروج فسنحمل معرفه لا ترحم سنخرج من هناك بلا خلدون لكننا لن نخرج كما دخلنا سيبقى فينا شيء من ذلك الشاب البارد شيء من ذلك الاسم الغريب شيء من تلك المراه التي عاشت سنوات صفيه شيء من الباب الذي فتح ولم يعتذر وساضطر وانا اخرج ان اقول لنفسي ما لم اكن اجرؤ على قوله ان الابن الذي ضاع لا يستعاد بالبكاء عليه وان الابن الذي بقي لا يجوز ان نحميه من المعركه حتى نسلمه بطريقه اخرى الى هزيمه اشد صمتا خرجنا من البيت ولم يكن الخروج اقل قسوه من الدخول حين دخلنا كنا نحمل في مكان ما من القلب وهما صغيرا ضعيفا لكنه كان يكفي كي يجعلنا نواصل السير ربما يتعرف الدم الى دمه ربما تنكسر المسافه في لحظه ربما تقول الام فينهار الجدار كله لكننا خرجنا وقد مات ذلك الوهم بهدوء كما تموت شمعه صغيره في غرفه لا احد يلتفت اليها لم تكن صفيه تمشي بجانبي كانت تسير وهي غائبه كان جسدها وحده خرج من البيت اما قلبها فقد بقي هناك في تلك الغرفه امام رجل يحمل ملامح ابنها ولا يمنحها حق الامومه كنت اعرف ان ما حدث لا يمكن مواساته ماذا تقول لامراه جاءت تسترد طفلا فوجدت رجلا ماذا تقول لام اكتشفت ان ابنها لم يمت وان هذه هي الماساه لو كان ميتا لكان لها قبر اسم بكاء واضح نهايه يمكن ان تستند اليها اما ان يكون حيا واقفا امامها يتكلم يتنفس لكنه لا يعود اليها فذلك فقد بلا عزاء اما انا فكنت احاول ان افهم ما جرى لاتخلص من الالم بل لان الالم اذا بقي بلا معنى صار حجرا في الصدر لم يكن دوف مجرد خلدون وقد كبر كان الدليل المادي على ان الغياب لا يترك الاشياء كما هي الطفل الذي تتركه لا ينتظرك طفلا البيت الذي تغادره لا يظل بيتك بمجرد ان تحفظ شكله في الذاكره والمدينه التي تنتزع منك لا تبقى معلقه في صورتها الاولى الى ان تعود كل شيء يتغير في غيابك وكل شيء يجد من يكتب عليه معنى جديدا في تلك اللحظه فهمت ان الماساه ليست في اننا خسرنا خلدون فقط بل في اننا عدنا نط طالبه بان يكون كما بقي في ذاكرتنا لا كما صنعته السنوات نحن حملناه 20 سنه طفلا في الداخل بينما كان العالم في الخارج يصنع منه رجلا اخر وهذا هو العذاب الحقيقي ان الذاكره تحفظ الاشياء لكنها لا توقف الزمن تحفظ الطفل في قلب امه لكنها لا تمنعه من ان يكبر بعيدا عنها تحفظ البيت في عين صاحبه لكنها لا تمنع الغرباء من ترتيب اثاثه تحفظ الوطن في القصائد لكنها لا تمنع المحتل من تحويله الى واقع يومي ركبت السياره ولم انظر الى صفيه طويلا كنت اخشى ان ارى في وجهها ما لا استطيع احتماله شغلت المحرك وكان صوت السياره عاديا الى حد الاهانه كيف يمكن للعالم ان يبقى عاديا بعد لقاء كهذا كيف تمر السيارات وتفتح النوافذ ويتحرك الناس في الشارع بينما امراه الى جانبي خرجت للتو من امومتها مكسوره لكن العالم لا يتوقف لاحزاننا وهذه ربما احدى قسوته الكبرى انه يترك الكارثه لاصحابها ويمضي لم اقل لها اننا فشلنا كانت تعرف ولم اقل ان خلدون لم يعد لنا كانت تعرف ذلك ايضا وان كان قلبها سيظل يرفضه الى اخر العمر كل ما كان بيننا اكبر من الكلام كان هناك صمت ثقيل ليس صمت من لا يجد جمله بل صمت من يعرف ان كل جمله ستكون فقيره لقد راينا ابننا لكننا لم نعد به راينا بيتنا لكننا لم نسترده راينا حيفا لكننا لم ندخلها كما يدخل العائد بل كما يدخل الشاهد الى مسرح جريمه قديمه ومع ذلك لم تكن العوده بلا معنى كانت قاسيه لكنها لم تكن فارغه لقد اخذت منا اخر اوهامنا وهذا في حد ذاته بدايه وعي قبل حيفا كان الماضي جرحا نبكيه وبعد حيفا صار سؤالا يحاكمنا لم يعد يكفي ان نقول اننا ظلمنا رغم ان الظلم كان هائلا لم يعد يكفي ان نقول اننا طردنا رغم ان الطرد كان الجريمه الاولى كان علينا ان نواجه السؤال الاصعب ماذا يفعل الانسان بما تبقى له بعد ان يسلب هل يظل حارسا للندبه ام يحولها الى فعل؟ هل يكتفي بان يتذكر البيت ام يتعلم الا يترك بيتا اخر يضيع؟ هل يبكي الابن الذي اخذه الغياب ام يفهم ان الابناء لا تحميهم الدماء وحدها بل الوعي والحضور والمسؤوليه كانت حيفا تبتعد خلفنا لكنها لم تكن تبتعد حقا كانت تدخل فينا اكثر لم تعد مدينه على الساحل ولا بيتا خلف ولا ولدا باسمين صارت مراه ومن ينظر في هذه المراه لا يرى عائله واحده فقط بل يرى شعبا كاملا ممزقا بين الذاكره والفعل بين الحنين والمسؤوليه بين الحق حين يكون شعورا والحق حين يصير قوه هكذا انتهت رحلتنا لا لان الحكايه اغلقت بل لانها فتحت ما هو اعمق من الحكايه عدنا من حيفا بلا خلدون لكننا عدنا ومعنا سؤال لا يترك صاحبه سالما هل يكفي ان نحب ما فقدناه ام يجب ان نتغير كي لا نفقد ما بقي ومن هنا بعد ان انهينا تلخيص العمل بروحه لا بحروفه ننتقل الى التحليل سنفتح عائد الى حيفه كما تفتح الجراح لا كما تفتح الكتب من جانبها الفلسفي حيث الهويه ليست دما فقط بل زمنا وتربيه ووعيا ومن جانبها السياسي حيث النكبه لا تظهر كحدث عسكري فحسب بل كاع تشكيل للبيت والابن والاسم ومن جانبها النفسي حيث الامومه المكسوره والذنب المتاخر والعوده الى المكان تتحول الى محاكمه داخليه وسنربطها بالفن والادب والموسيقى يا رفاق الفكر بعد ان تنتهي حكايه عائد الى حيفا لا يبقى في يد القارئ حدث يمكن ان يرويه ببروده رجل وامراه يعودان الى بيت تركاه زمن النكبه فيجدان ابنهما وقد صار رجلا اخر باسم اخر ووعي اخر هذه هي الحكايه في سطحها اما في عمقها فليست الروايه عن العوده بل عن استحاله العوده حين تصبح الذاكره اضعف من الزمن وحين يسبقك العدو الى بيتك لا ليسكنه فقط بل ليعيد ترتيب معناه غسان لا يكتب هنا روايه عن بيت ضائع بل عن السؤال الاكثر قسوه في التجربه الفلسطينيه ماذا يحدث حين لا يكتفي الاحتلال بسرقه الارض بل يمد يده الى الذاكره الى الاسم الى الطفل الى الامومه الى تعريف الانسان لنفسه ان عظمه العمل تكمن في انه لا يجعل النكبه حدثا سياسيا خارجيا فقط لا يقدمها كخريطه تتغير او جيش يدخل او شعب يخرج بل يدخل بها الى اكثر الاماكن حميميه البيت والبيت في الروايه ليس بناء من حجر انه الذاكره حين تتخذ شكل جدران انه الزمن اليومي للانسان الرائحه النافذه السرير المفتاح ترتيب الاشياء صوت المراه في المطبخ بكاء الطفل الضوء الذي يعرف زاويته في الصباح لذلك حين يعود سعيد وصفي الى البيت فهما لا يعودان الى مكان بل الى جسد قديم كانا يعيشان داخله وحين يجدان امراه اخرى تسكنه لا يكون الامر مجرد اغتصاب عقاري بل اغتصاب لمعنى الالفه ان اكثر ما يرعب في الروايه ان البيت لم يتهدم بل بقي لو كان خرابا لكان الفقد واضحا لكن ان يبقى البيت قائما مرتبا ماهولا مستمرا دون اصحابه فهذه هي الطعنه الكبرى الاشياء لا تموت معنا بل قد تواصل حياتها في يد غيرنا ولهذا تتحول العوده الى محاكمه سعيد لا يعود بصفه صاحب حق بل بصفه متهم ايضا وهذه هي قسوه كنفان الاخلاقيه انه لا يترك ضحيته في براءه كامله مريحه نعم الجريمه الاولى واضحه الاقتلاع الاحتلال الطرد الرعب انهيار المدينه لكن الروايه لا تتوقف عند سؤال من سرق البيت بل تمضي الى سؤال اشد ايلاما ماذا فعلنا بعد ان سرق البيت؟ ماذا صنعنا بذاكرتنا؟ هل بقيت الذاكره قوه حيه ام تحولت الى بكاء طويل؟ هل كان الحنين شكلا من اشكال المقاومه ام احيانا صار بديلا عنها؟ هنا يصبح سعيد شخصيه ماساويه لا لانه فقد ابنه فقط بل لانه يكتشف متاخرا ان الالم لا يحمي شيئا اذا ظل الما فقط الحزن لا يربي طفلا ولا يحفظ بيتا ولا يمنع الاسم من ان يستبدل باسم اخر في مركز الروايه يقف خلدون دوف لا كشخصيه فقط بل كاعنف رمز في العمل كله خلدون هو الابن ولكنه ايضا الوطن حين يترك صغيرا ثم يعود غريبا هو الدم الذي لم يعد يكفي وحده هو السؤال الذي ينسف الطمانينه القديمه هل الهويه ميراث بيولوجي ام بناء يومي هل يكفي ان يولد الانسان من اب وام كي يبقى ابنا لهما ام ان الابوه والامومه تصنعهما السنوات الحضور اللغه التربيه الخوف المرض الطعام المدرسه الحكايات الصغيره قبل النوم هنا يضعنا كنفان امام ماساه لا تحتمل جوابا سهلا فالدم حقيقي لكنه ليس كل الحقيقه وصفي امه ولا يستطيع احد ان يسلبها هذه الحقيقه لكنها غابت عن زمنه وغاب سعيد عن صناعه وعيه وفي غيابهما دخل الاخر لا ليحتل البيت فقط بل ليحت احتل عمليه التكوين نفسها ومن هنا يصبح الاسم مساله فلسفيه وسياسيه في ان واحد خلدون ليس مجرد اسم عربي قديم ودوف ليس مجرد اسم جديد الاسم هنا وثيقه ملكيه رمزيه من يسمي الطفل يضعه داخل عالمه حين يصير خلدون دوف لا يتغير اللفظ فقط تتغير غير الجهه التي ينتمي اليها الصوت الاسم الجديد ليس قشره بل تاريخ بديل وكان الاحتلال يقول لن اخذ ارضك فقط ساعيد تسميه ما خرج من جسدك ساجعل ابنك يجيب حين اناديه انا لا حين تناديه انت ولهذا فالروايه لا تتحدث عن ضياع جيل فحسب بل عن صناعه جيل داخل روايه المنتصر ان دوف ليس بنا عاقا بالمعنى العائلي الضيق انه نتيجه سياسيه وتربويه ونفسيه انه انسان صنع في غياب اهله ولذلك حضوره امامهما ليس عوده بل حكم اما صفيه فهي قلب الروايه الصامت سعيد يفكر يحلل يشعر بالذنب يحاول ان يفهم اما صفيه فتمثل طبقه اعمق من الفقد الفقد الذي لا يستطيع ان يتفلسف الام في هذا العمل ليست رمزا عاطفيا بسيطا بل كائن ماساوي حرم من زمنه الطبيعي لم تحرم من ابنها فقط بل من سنوات الامومه من مرضه الاول من خوفه الاول من خطوته الاولى من الكلمه الاولى التي كان يمكن ان يقولها لها وهذه الاشياء لا تعوض يمكن للانسان ان يستعيد بيتا وربما ارضا وربما وثيقه لكنه لا يستعيد طفوله ابن عاشها في حضن غيره ولذلك فالمشهد كله يقوم على ماساه الزمن لا المكان فقط صافيه لا تبكي لان خلدون ضاع في الماضي تبكي لان الماضي استمر بدونهما ولان الحياه نفسها خانتها حين جعلت ابنها يكبر بعيدا عنها ومن الناحيه الفلسفيه الروايه عمل عن الزمن اكثر مما هي عن المكان فحيفا ليست فقط مدينه بل اختبار للزمن سعيد وصفيه يحملان حيفا كما كانت في الذاكره لكنهما يجدان كما صارت في الواقع هنا يتصادم زمنان زمن داخلي متجمد عند لحظه الفقد وزمن خارجي واصل الحركه وهذا التصادم هو لب الماساه الانسان المنفي يعيش غالبا داخل صوره ثابته بيت كما تركه طفل كما تركه شارع كما راه اخر مره لكن الواقع لا يحترم الصور الداخليه الواقع يغير الاثاث يغير اللغه يغير الاسماء يربي الاطفال يملا الفراغات لذلك لا يعود سعيد وصفي الى الماضي بل يصطدمان بحقيقه ان الماضي لم يعد موجودا الا داخلهما اما الخارج فقد صار واقعا جديدا وواقعا قاسيا وواقعا لا تذيبه الدموع سياسيا تكمن عبقريه كنفاني في انه يجعل النكبه تجربه بنيويه لا حادثه عابره النكبه هنا ليست لحظه 1948 فقط بل ما تفعله تلك اللحظه في السنوات التاليه ليست الرصاص وحده بل ما ينتجه الرصاص بعد ان يصمت بيت ماهول بغير اهله ابن يحمل اسما اخر ام تخاف من نداء ابنها اب يكتشف ان الابوه التي لم تمارس صارت ادعاء ناقصا بهذا المعنى الاحتلال ليس قوه عسكريه فقط انه قوه تشكيل يعيد تشكيل المكان والذاكره والانساب واللغه والعلاقات الحميمه ولذلك تبدو الروايه اعنف من خطبه سياسيه لانها لا تصرخ كثيرا بل تضعنا داخل غرفه هادئه وتتركنا نرى كيف تصبح السياسه جرحا عائليا السياسه هنا لا تقع في البرلمان ولا في الجبهات بل في كلمه امي حين تقال لامراه اخرى ومن هنا نفهم لماذا لا يكتفي كنفاني بادانه الاحتلال رغم ان الادانه واضحه وحاضره انه يريد ان ينقل القارئ من اخلاقيه البكاء الى اخلاقيه الفعل وهذه نقطه مركزيه في ادب المقاومه عنده ليس المطلوب ان نتذكر فقط بل ان نسال ماذا تفعل الذاكره هل تجعلنا اكثر قدره على استعاده المعنى ام تجعلنا سجناء صوره ميته في عائد الى حيفا لا يعود الحنين فضيله مطل الحنين قد يكون جميلا لكنه ان لم يتحول الى وعي ومسؤوليه يصبح مخدرا نبيلا ان سعيد يعود وفي داخله شيء من الايمان بان الرابطه القديمه تكفي لكنه يخرج وهو يعرف ان الحق بلا فعل يصدا وان الذاكره بلا حمايه تعاد كتابتها وان الوطن لا يبقى وطنا فقط لان اصحابه يحبونه فهنا يظهر البعد الوجودي في الروايه الانسان عند كنفاني لا يعرف بما حدث له فقط بل يفعله بما حدث له هذا قريب من السؤال الوجودي الكبير هل نحن ضحايا اقدارنا ام مسؤولون بعد الكارثه عن المعنى الذي نصنعه منها سعيد ليس مذنبا بالمعنى البسيط لم يختر النك ولم يختر الرعب ولم يختر الزحام الذي اقتلعه من بيته لكن الروايه لا تسمح له ان يتخذ الماساه ملجا اخلاقيا ابديا هناك فرق بين ان تكون ضحيه وان تتحول الضحيه الى هويه ثابته تعفي صاحبها من الفعل هذا هو الجرح الكنفني التعاطف وحده لا يكفي لابد من مسؤوليه لابد من انتقال من ما الذي فعل بنا الى ماذا سنفعل الان ولو اردنا ربط الروايه بالادب العالمي فان اول ما يحضر هو اوديسيوس في ملحمه هوميروس اوديسيوس يعود بعد غياب طويل الى ايثاكا لكنه يعود ليستعيد بيته ويثبت هويته اما سعيد فيعود الى حيفا ليكتشف ان العوده لا تكفي وان البيت لا ينتظر صاحبه كما في الملاحم القديمه هنا كنفاني يقلب اسطوره العوده في الملحمه الاغريقيه العوده انتصار على الضياع في عائد الى حيفا العوده فضح للضياع اوديسيوس يجد البيت مهددا لكنه قابل للاستعاده سعيد يجد البيت مستمرا بدونه والابن قد دخل في زمن اخر انها عوده مضاده للملحمه عوده لا تمنح البطل مجده بل تسلبه اخر اوهامه ويقترب العمل كذلك من عالم دوستويفسكي لا في البناء الروائي بل في محاكمه الضمير عند دوستويفسكي الانسان لا يحاكم من الخارج فقط يحمل قاضيه في داخله وسعيد ذلك هو يحتاج الى من يقول له لماذا تركت ابنك فالبيت نفسه يقول ذلك الباب يقول ذلك صمت صف يقول ذلك وجه دوف يقول ذلك اننا امام جريمه تاريخيه كبرى لكن كنافاني يترجمها الى عذاب ضمير فردي كما يفعل دوستويفسكي حين يجعل الفكره سكينا داخل النفس غير ان الفرق مهم دوستويفسكي غالبا يحاكم الانسان في علاقته بالخطيئه والرب والحريه اما كنفاني فيحاكم الانسان داخل التاريخ داخل الاحتلال داخل النكبه الضمير هنا ليس مجرد مساله اخلاقيه مجرده بل نتيجه سياسيه ايضا اما من جهه الفن التشكيلي فالروايه تك كاد تقف بجوار جرنيكا لبيكاسو في جرنيكا لا نرى الحرب كخبر عسكري بل كاجساد ممزقه كام تصرخ كحصان مذبوح كمصباح قاس يضيء الخراب وفي عائد الى حيفا لا نرى النكبه كرقم او بيان بل كام امام ابنها الذي صار غريبا كرجل امام باب بيته القديم كاسم اسم عربي يتجاور مع اسم عبري داخل جسد واحد كلا العملين يحول السياسه الى صرخه انسانيه غير ان كنفاني اكثر هدوءا من بيكاسو جرنيكا تصرخ بصريا اما عائد الى حيفا فتهمس وهذا الهمس احيانا اشد فتكا من الصراخ انها لا ترينا الجسد الممزق بل ترينا الهويه ممزقه وتحضر الصرخه لادفارد مونك ايضا لا لانها تشبه الروايه في موضوعها بل لانها تشبهها في بنيه القلق وجه مونك المفتوح على رعب كوني هو بطريقه ما وجه صفيه من الداخل صرخه لا تخرج كامله فصفيه لا تصرخ كما في اللوحه لكنها تحمل الصرخه نفسها في صمتها العالم حولها يمضي كما يمضي الجسر والسماء والناس في لوحه منك بينما الداخل ينهار تلك الفجوه بين عاديه الخارج وكارثه الداخل هي جوهر المشهد الكنفاني السياره تعمل الشارع يمضي البيت مرتب المراه تتكلم بهدوء ودوف يدخل بثبات لكن داخل صفيه وسعيد هناك صرخه لا يسمعها احد ومن جهه الموسيقى يمكن ان نسمع الروايه كقطعه جنائزيه بطيئه لا كمارش حماسي انها اقرب الى قداس الحرب لبنجامين بريتن حيث لا يكون الموت بطوله خطابيه بل مرثيه للانسان الذي طحنته الحروب كان فاني لا يكتب عن الحرب كحت احتفال بالشهاده بل عن ثمنها الانساني حين تلقي ظلها على العائله والاسم والذاكره يمكن ايضا ان نسمع في خلفيتها شيئا من الاداج والحزين تلك الموسيقى التي لا تنفجر دفعه واحده بل تتقدم ببطء مثل سياره سعيد وصفيه وهي تقترب من حيفا حتى تصل الى الباب الباب في الروايه هو ذروه موسيقيه صامته لا يحدث عنده انفجار خارجي لكن كل شيء داخلي ينكسر والاهم ان عائدا الى حيفا ليست روايه بكاء على الماضي رغم امتلائها بالفقد انها روايه ضد البكاء حين يتحول الى بديل عن الفعل ولذلك تبدو النهايه قاسيه لانها لا تمنحنا عزاء عاطفيا لا يعود الابن ولا يستعاد البيت ولا تذوب المسافه بين خلدون ودوف في حضن اخير كان فاني يرفض النهايه التي تريح القلب لانه يريد نهايه توقظ الوعي العمل لا يقول للقارئ ابكي على ما ضاع يقول له افهم كيف ضاع وافهم ما الذي قد يضيع ان بقيت اسير الحنين وحده لهذا فاندون في النهايه ليس ابن سعيد وصفيه فقط انه السؤال الفلسطيني في اقصى صيغه ما الذي يبقى من الهويه اذا لم تحمى ما الذي يبقى من البيت اذا صار الحنين بديلا عن العوده الفاعله ما الذي يبقى من الابوه اذا تحولت الى دم بلا حضور وما الذي يبقى من الوطن اذا ظل في الذاكره ولم يتحول الى مسؤوليه تاريخيه ان الروايه لا تسلب الفلسطيني حقه في الحزن لكنها تمنعه من الاكتفاء به لا تنكر الجرح بل ترفض ان يكون الجرح وطنا بديلا وهنا تبلغ الروايه عظمتها انها تجعل القارئ يخرج منها كما خرج سعيد من البيت لا ومعه جواب بل ومعه سؤال لا يتركه سالما فليست الماساه ان نعود الى حيفا فنجد البيت لغيرنا فقط بل ان نعود الى انفسنا فنجد اننا عشنا طويلا داخل ذاكره لم تعد تكفي وليست الماساه ان يكون خلدون قد صار دوف فقط بل ان نفهم متاخرين ان الاشياء التي لا ندافع عنها لا تبقى في انتظارنا وان الابناء الذين لا نصنع وعيهم سيصنعه اخرون وان الوطن اذا ترك للحنين وحده قد يتحول من ارض تستعاد الى مرثيه جميله تقال على باب مغلق بهذا المعنى عائد الى حيفا ليست روايه عن العوده الى مدينه بل عن العوده الى المسؤوليه ليست عن استرجاع الماضي بل عن دفن الوهم بان الماضي يمكن ان يعود كما كان تعلمنا ان الذاكره ضروريه لكنها ليست كافيه وان الحق عظيم لكنه يحتاج الى من يحمله وان البيت ليس ما نملكه في الاوراق او الصور بل ما نحميه في الزمن وان الانسان لا يفقد وطنه مره واحده يوم يطرد منه بل يفقده مره اخرى كلما رضي ان يتحول الوطن الى حكايه حزينه لا تلد فعلا ومن هنا يبقى عمل كنفاني مفتوحا لا كجرح فقط بل كوصيه لا تجعلوا الحنين اخر اشكال الانتماء لان الحنين حين لا يتحول الى وعي يصبح مقبره مضاءه للذين تاخروا كثيرا
4:49
ملخص رواية عائد إلى حيفا غسان كنفاني
ملخص الرويات العربية
350 مشاهدة · 11 months ago
4:06
ملخص لرواية عائد إلى حيفا للأديب الفلسطيني غسان كنفاني
youssef loukili
2.4K مشاهدة · 3 years ago
9:31
غسان كنفاني عائد إلى حيفا Ghassan Kanafani Returning to Haifa
Read & Roast | Ali El Masri
929 مشاهدة · 9 months ago
8:32
رواية عائد الى حيفا الكاتب غسان كنفاني
Daniel Qumsieh
20.4K مشاهدة · 6 years ago
2:41
ملخص رواية عائد الى حيفا لغسان كنفاني
Istabrag Khalid
248 مشاهدة · 3 years ago
40:42
تلخيص رواية عائد إلى حيفا لغسان الكنفاني
Alphabic Audiobooks
285 مشاهدة · 1 year ago
4:49
ملخص كتاب عائد إلى حيفا غسان كنفاني
RAFAT VLOGS
257 مشاهدة · 4 years ago
24:49
الرواية التي قتلت كاتبها ملخص رواية عائد إلى حيفا للكاتب غسان كنفاني
Calvados 95
226 مشاهدة · 12 days ago
4:47
عائد إلى حيفا – عندما يختصر غسان كنفاني النكبة في قصة عائلة