لسان عربي تقدم الحدقي للكاتب الموريتاني احمد فالدين يقراها عليكم نزار طه حاج احمد اهدا الى توام الروح محمد ولد الحسن ومحمد المختار ولد الخليل وفاء ومحبه الحلقه الاولى عينان تحدقان في الفقر الدوحه عام 1438 للهجره لا تهدا الاصوات داخل غرفه الاخبار بقناه العروبهجات العربيه تتهامس متحاوره بشكل غنائي منسق يقف شاب تونسي قصير القامه رافعا يديه ايه وصل وصل يعيشك اخويا امورك مريغله فيجيبه مغربي بصوت خشن مؤشرا الى الاعلى بابهاميهم وراء مكتبه واخا واخا خويا وفي طرف الغرفه المؤدي الى الاستوديو الرئيسي تركض فتاه لبنانيه قائله بلهجه غضبه هيدا التقرير منه مضبوط لازم يرجع للمراسل على شان يعيد ترتيبه وفي وسط الغرفه يقفز منتج اخبار سوداني مادا يده بورقه عليك الله يا زول اكتب لي الخبر ده سريعا قبل ظهور زعيمين بمؤتمرهما الصحفي ولا يكاد ينهي عبارته حتى يكون صحفي جزائري قد تلقف الورقه المرموقه بالانجليزيه ليبدا تحرير الخبر وراء الصحفي الجزائري يتحدث شاب شاب قطري من قسم التبادل الاخباري هاتفيا مع مراسلين في وقت واحد احدهما من نيروبي والاخر من واشنطن حاثا اياهما على وصول تقريرهما خلال اقل من ساعه اي قبل نشره الظهيره لا في وقت وايد قبل النشره كان ذلك التنوع والحركيه اول ما شد انتباه محمد القروي لحظه دخوله غرفه الاخبار وقف في طرف الغرفه بقامته المربوعه وشعره الناعم وانفه الحائر بين ان يكون افطس او اقنى نظر الى مراه مثبته في طرف الجدار متاملا جبهته الغماء فالشعر يكاد يغزو كل اطرافها المضغوطه كخريطه دويله ضعيفه واقعه بين امبراطوريتين متنافستين زم شفتيه الغليظتين مفك مبكرا في انهما الارث الوحيد الذي تركته جده والده الزنجيه في عائلته فلولا ان كل افراد عائلته يتميزون بشفاههم الافريقيه الغليظه لما دار بخلد اي منهم ان جدتهم زنجيه اذ كان القروي شديد البياض سبط الشعر جال قليلا في الغرفه لكن احدا لم يلحظ وجوده بلها ان يتلقاه بالترحاب التفت يمينا فراى احدى المذيعات جالسه كتمثال وامامها رجل يرتدي ثوبا ناصع البياض ويقول بصوت مرتفع موجها نظره اليها كانه يتوعد 9 8 7 6 5 4 3 2 1 نكزه قلبه انزعاجا من المنظر مستغرب مغربا لما لم ينطق الرجل الارقام بالعربي التفت يسارا فراى فتاه فاغره فاها ناظره الى حاسوبها اقترب منها مسلما بصوت خافت لكن سلامه ما زادها الا انهماكا فيما بين يديها سلم من جديد بنبره احتجاج فالتفتت نصف التفاته اهلين اين مكتب رئيس التحرير قفزت بخ خفه لتقوده الى مكتب مطل على غرفه الاخبار لا يبعد اكثر من 10 امتار فلو كان رفع بصره قبل سؤالها لراه شكر الفتاه التي لم تنتظر شكره وهي تولي مسرعه فيما كان يؤنب نفسه على سؤالها دخل على رئيس التحرير فشعر ان درجه التكييف في مكتبه اكثر حده منها في غرفه الاخبار السلام عليكم اهلا بدا رئيس التحرير قصير القامه جدا حتى انه لما وقف من وراء مكتبه ليحييه لم يلاحظ كبير فرق بين قامته مندسا في مقعده وقامته واقفا مادا يده للمصافحه دخل رئيس التحرير في الحديث حالا كيفك يا استاذ وتابع دون انتظار جواب ستبدا عملك لكن بدل ان تبدا في العمل مباشره لابد ان تمر بالاقسام الرئيسيه اياما حتى تعرف طبيعه سير العمل كان رئيس التحرير يتحدث واقفا او شبه واقف والقروي جالس فقاطع رئيس التحرير قائلا كيف يعني ستعمل ثلاثه ايام مع قسم الصحفيين حتى ترى طبيعه تنسيقهم مع المنتجين وكيف كيف يتلقون التكليف من منتج النشره وكيف يكتبون الاخبار والتقارير ثم تنتقل لقسم المقابلات فترى كيف يتواصلون مع الضيوف والمراسلين ليرتبوا ظهورهم على الشاشه واخيرا تنتقل الى قسم التبادل الاخباري لترى كيف يحجزون الاقمار الصناعيه للمراسلين والضيوف لكنني ساعمل مدقيقا لغويا وما دخل سيبويه في الاقمار الصناعيه ابتسم رئيس التحرير ابتسامه ساخره مستقلا مزاح القروي فبدا وجهه طفوليا بعد ظهور اسنانه الصغيره الشبيهه باسنان الاطفال رغم كثافه الشعر المحيط بشفتيه ثم قال اعرف ذلك لكنك بحاجه لفهم دوره العمل قالها رئيس التحرير بنبره موحيه بان الحديث انتهى وضع نظارتيه على مكتبه ثم استدار خارجا وهو يقول تفضل معي دخلا المكتب الموالي فاذا بسيده اربعينيه جالسه بدرها رئيس التحرير ضعيه على ورديه التعرف على العمل ثلاثا ثلاثا ثلاثا ثم ابتسم ابتسامه جافه كان صاحبها يفكر في امر بعيد مما هو فيه وقال بالتوفيق يا استاذ محمد وقف القروي امام السيده الاربعينيه فلا هي دعته للجلوس على الكرسي الوحيد ولا هو عرف هل عليه الجلوس ام لا ظلت تنظر الى حاسوبها كانها اضاعت فيه امرا او كانها تتعرف على ما فيه للمره الاولى ثم صوبت اليه نظراتها من فوق عدسات نظارتيها التين تدحرجتا تجاه ارنبه انفها وقالت بلهجه لبنانيه ايتى بدك تبدا يا محمد؟ يمكنني البدء غدا. التفتت وقالت لرئيس التحرير هامسه هو؟ ارتبك فجاه من سؤالها حين لاحظ سماع القروي للنجوى. نعم الشاب الذي تحدثنا عن علمه وثقافته و لكن القروي فهم من سحابه التوتر التي ضللت وجه رئيس التحرير. ان الحديث كانت له مرام اخرى ازداد توتر رئيس التحرير عندما مر رجل اصنع بدين من امام المكتب ثم وقف قليلا مترددا في الدخول وواصل المشي ولم يدخل وتبادل رئيس التحرير والسكرتيره نظرات زائغه رفعت السكرتيره جفنيها قائله طيب عليك الحضور من الثامنه وحتى الخامسه شكرا. خرج من مكتبها المطل على غرفه الاخبار. التفت يمينا فراى تمثال المذيعه قد نفقت فيه الروح. اذ كانت هذه المره تظهر على الشاشه المعلقه في طرف غرفه الاخبار وهي تتحدث على الهواء بروح وحيويه بعيدين عن الصوره التمثاليه الجامده التي راها عليها اول مره ضحك في نفسه قائلا كيف يحيي الله الموتى التفت الى الاستوديو الصغير الذي تذيع منه باحثا عن مدير الاستوديو صاحب الارقام الانجليزيه راه جالسا على كرسي غير بعيد من المذيعه وعلى اذنيه سماعات نظر اليه بحنق نظر معلم الى تلميذ متمرد وقال في نفسه ينبغي ان يكون اول تدقيق لغوي هنا وانتزاع تلك الارقام الانجليزيه من بين فكي ذلك العربي كيف يحدث هذا في قناه عربيه شق غرفه الاخبار ليجد نفسه في الممرات المتعرجه القائده الى مخرج القناه كان ذهنه ضاجا باسئله عن اسباب اختيار مدير الاستوديو نطق الارقام بالانجليزيه ما دام المخاطب عربيا والقناه كذلك هل يجد المخرج لده عندما ينطق الارقام بلغه اجنبيه لا يجدها عندما ينطقها بلغه اجداده كان يمشي مسرعا في الممرات ولم ينتبه الا وهو مصطدم بسيده بدينه تحمل كيسا فيه وجبه من وجبات ماكدونالدز تناثرت قطع البطاطا المقليه وانسكب الكوكا كولا على عباءتها السوداء اوه اسف اسف انت ما تشوف ما عندك عينين مشكلته انه يمشي دائما بسرعه كانه في سباق وهو من مجتمع تعود المش فياف منبسطه لا ازدحام بها يمشي كيفما شاء يلتف يمينا متى ويسارا ان اراد حانيا راسه للاسفل او رافعا اياه لم يعرف كيف يتصرف فالسيده المدينه تبدو مثل لبؤه جائعه يختطف وحيدها انحنى ليلتقط البطاطا المتناثره فنهرت لا دعها هل تظنني ساكلها هذه الزباله قال وهو يناولها قطعا من البطاطا مبتسما كانت زباله عندما اشتريت بيتها ان بني امريكان الذين صنعوها يسمونها بالانجليزيه جنك فود حدجته بنظرات غاضبه واحتقرت حدلقته وقوله بني امريكان كانه يجود تجويدا كما كرهت اكثر نطقه لكلمه جانك فود بانجليزيه فصيحه كانه احد ابناء ويلز بدلها النظر فراى وجهها الدائريه الصغيره المنغرسه في جسمها الضخم كانه مغموس في العرق وعينيها الضيقتان تكادان تنبجسان دموعا كانت شفتها السفلى ترتعد رعده خفيفه اسالت حبيبات عرق كانت متجمعه على حافتها استدارت وهي تقول هامسه الله مجنون ظل واقفا ثواني وبيده اليمنى قبضه من البطاطا المقليه ثم ظهر له رئيس التحرير في نهايه الممر المر الضيق فرمى البطاطا بشكل هست هيستيري حتى لا يراه ثم فكر كيف سينظر اليه رئيس التحرير بعد اليوم وكيف انه لن يفسر وقوفه وسط الممر وفي يده البطاطا الا بانه ياكل واقفا في الممرات تحرك من مكانه متجها الى مخرج القناه وذهنه ضاج باسئله منطقيه واخرى سخيفه من خرج من الباب حتى لس سعته حراره الشمس وكثافه الرطوبه مذكره اياه بان الفصل فصل صيف حارق رغم البروده العاليه داخل مبنى القناه فكر في ان الحياه كلها في هذه المدينه التي يعيش فيها حياه مصطنعه فكيف تكون غرفه الاخبار بتلك البروده في جو كهذا ثم قاده تفكيره الى الصوره غير الحقيقيه التي قد ينظر بها اليه رئيس التحر حرير كاكل بطاطا في ممرات واحده من اهم قنوات العالم العربي وكيف ان السيده صاحبه البطاطا ايضا اقنعتها الحياه الاستهلاكيه باكل تلك الفضلات باعتبارها طعاما نافعا خرج يمشي بسرعه متاملا في ان الحياه المصطنعه في هذه المدينه ما هي الا صوره للحياه كلها وصل الى موقف السيارات والقى نظره على مواقف سوق واقف المجاور وذهنه مشغول بالتفكير في طبيعه ذلك التهامس بين رئيس التحرير والسيده الاربعينيه مرت اشهر كانها اعوام واندمج القروي في عمله اندماجا من نوع خاص كان ذات يوم يجلس على مكتبه الواقع في الطرف الشمالي من غرفه الاخبار بار واضعا كفه اليسرى تحت دقنه بينما تتراقص اصابعه على حافه شفته العليا وهو يقرا بتضايق خبرا كتبه احد الصحفيين الجالسين عن يساره كان يراوح بين قراءه النص بانزعاج والنظر الى الصحفي كاتب الخبر بحنق ومما يزيد في حنقه ان هذا الصحفي بالذات متكبر يحسب نفسه صحفيا عظيما كانت صيغه الخبر كالتالي علم مراسل العروبه في غزه ان جنودا اسرائيليين يتواجدون الان قرب منطقه الشجاعيه داخل المدينه وكان الناطق باسم كتائب القسام قد قال ان الهجوم الاسرائيلي الاخير على غزه سيكون الاخير لم يستطع القروي الصبر فقفز من فوق مقعده كان نارا مسته بالله عليكم اي صيغه هذا ارحمونا التفت كل من في الغرفه صوب الصوت فالاجواء كانت هادئه تماما غير ان الضجيج الذي كان في راس القروي فصله عن جوها الهادئ فلم ينتبه لارتفاع نبرته حدجته كل العيون من اطراف الغرفه استغرابا فشعر بالخجل ثواني لكن ثوره الغضب سرعان ما عودته فقال بنبره اكثر هدوءا ومنذ متى كان الجنود الاسرائيليون يتواجدون؟ ان التواجد تفاعل من الوجد والتواجد حال من احوال المتصوفه لا تصرف من تصرفات جنود الاحتلال ثم ما الذي يعنيه هذا الصحفي العظيم الذي حرر الخبر او عبده بقوله الهجوم او ما الذي يعنيه الصحفي العظيم الذي حرر الخبر او عبده بقوله الهجوم الاسرائيلي الاخير على غزه سيكون الاخير فهل اجتمع صاحبنا بقائد جنود الاحتلال ليقول له ان الهجوم سيكون الاخير الى ابد الابدين اما في لغه العرب عباره مثل الهجوم الاحدث مثلا كانت كلمات القروي تصل الى سمع الصحفي الذي حرر الخبر كان الصحفي يعرف ان زملائه دخلوا على برنامج نظام النشر وعرف انه هو من كتب الخبر بالتعرف على اسم المستخدم الخاص به. لم يتحدث الصحفي وظل يداري غضبه خوفا من نقاش مع القروي يعلم مسبقا انه سيخسره فقد تعود كل من في الغرفه على ان اي نقاش لغوي معه اي مناقشه فيه للخسران فالرجل يكاد يحفظ معظم دواوين العرب وقواميسها وقوانين لغتها اشاح احد معدي النشرات بنظراته عن شاشه حاسبه محاولا تلطيف فالجو اما انا فلم اسمع قطت ان التواجد مصطلح صوفي وما دخل التواجد في الزهد التفت اليه القروي شارحا جذر كلمه وجد واختلافات معانيها وفي نهايه حديثه قال قال الشماخ ابن ضرار فلما شراها فاضت العين عبره وفي الصدر حزاز من الوجد حامز انشد القروي البيت الاخير بلغه فصيحه وصوت موقع كانه ينهي به حديثه في الموضوع فتضايق صحفي من قسم الاقتصاد ضعيف اللغه كثيرا ما يتعبه القروي كلما جاء ليصح له تقريرا فقال بلهجه ساخره حامز ايه يا اخي ايه ده دي لغه عربيه خرج رئيس التحرير من مكتبه مصفقا احتجاجا على ارتفاع الصوت عاد الهدوء الى غرفه الاخبار وعاد القرا ي فجلس على مقعده ليجد خبرا اخر اكثر استفزازا يلمع في طرف حاسوبه ينتظر التدقيق انهمك في تدقيق الاخبار التي تتوارد على الصفحه الخاصه بالنشره التاليه فالمدقق ومنتج النشره والمشرفون على الاخبار هم وحدهم المخولون التغيير في اي خبر على هذه الصفحه ظل منهمكا في التدقيق الى ان احس بتربيت خفيف على كتفه هلا كيفك التفت فائده باحد زملائه الصحفيين يحمل اوراقا تتضمن تقريرا يريد تصحيحه قبل توجهه لغرفه المونتاج جلس الصحفي وبدا قراءه تقريره بينما ارهف القروي السمع متاهبا كانه محفظ قران ويرى مراقبون لا يا اخي لن اتركك تستخدم هذه العباره الخادعه الا اذا مراقبا من لحم وشحم من هم هؤلاء المراقبون الذين نسمع عنهم عندكم ولا نراهم في دنيانا ارتبك الصحفي وهو يرفع وجهه عن الورقه قائلا هذا اسلوب صحفي دارج والاخطاء والحماقات دارجه كذلك فقد قال بتلعث من دون رفع بصره طيب ماذا اقول؟ لا تقل شيئا احذفها. اخرج الصحفي قلما من جيبه وخط خطا غليظا بانفعال على الكلمه وواصل القراءه. ارهف القروي اذنه الحاده كانه شيخ شنقيطي في محضره. لا ذاك فاعل مرفوع تمام لا ذاك ظرف منصوب يا اخي. تمام. ما انى الصحفي قراءه التقرير حتى كان يرفض عرقا لملم اوراقه شاكرا ثم مشى متجها صوب غرفه المونتاج لا يكاد يبصر اين يضع قدمه من الحرج ترك القروي مكتبه ومشى خطوات للحديث مع صديقه بقسم المقابلات مازن احمد كان مازن منهمكا في مكالمه هاتفيه مع احد المسؤولين الروس محاولا اقناع معه بالحديث في احدى النشرات للتعليق على العلاقات الروسيه الامريكيه وقف القروي جنب صديقه منتظرا نهايه المكالمه واثناء وقوفه لاحظ وجود ورقه على مكتب زميله مطبوعه وتحمل خمسه توقيعات استرق النظر اليها فاذا فيها الموضوع طلب تحويل المدقق اللغوي السيد محمد القروي نظرا لضروره سير العمل الاخباري بانسياب ولصعوبه العمل مع السيد محمد القروي فاننا معشر الصحفيين الموقعين اسفله نلتمس من الاداره الموقره تحويل الزميل عن قسم التدقيق مقرين مع ذلك بكفاءته ومهنياته واخلاقه الحسنه غير ان ضغط العمل الاخباري لا يحتمل المهاترات اللغويه ولا التشدد المعرفي للزميل المذكور شاكرين للاداره الموق قره حسن التفهم الموقعون في لمحه قرا القروي الورقه بنظره واحده كانه صقر من صقور الصحراء الموريتانيه حاول الا يبدو عليه اي ارتباك بعد قراءتها بينما كان زميله مازن منهمكا في مراوغه السياسي الروسي على الهاتف لاقناعه بالحديث للقناه وضع مازن الهاتف بقوه رافعا بصره وهو يقول بامتعاض ما رايت اصعب من الروس ايش هذا؟ رد القروي محاولا ايهام الا شيء يشغل ذهنه الروس لا تنسى كلام المنظر السياسي الفرنسي ديتوكوفيل عنهم في كتابه الديمقراطيه في امريكا قال ان هناك شعبين يتجهان بسرعه لحكم العالم لكن وسيله احدهما الحريه ووسيله الاخر العبوديه الامريكيون والروس انتبه مازن الى انه نسي اخفاء الورقه التي تركها احد الزملاء على مكتبه فوقف فجاه قائلا وهو يدسها تحت طرف مكتبه ما رايك في ان نشرب قهوه في الكافيتيريا؟ لا مانع مشيا عده امتار الى باب غرفه الاخبار ليصعدا سلما خشبيا غدهما الى الكافيتيريا الخاصه بالقناه كان القروي يمشي وراء راى صديقه منتظرا فتح موضوع الورقه فلما التقت عيونهما وهما يدخلان الى الكافيتيريا قال مازن بهمس هل علمت ان بعض زملائي قدموا عريضه مطالبين بتحويلك اظهر القروي المفاجاه من الخبر قائلا بلهجه موريتانيه حق الله لكن حركه عينيه اكدت لزميله انه اطلع على الورقه تحاول انقاذه من الحر لا يهم يا رجل ربما قد يعجبك العمل في قسمك الجديد اذا استجابت لهم الاداره كان قد وصلا الى البائعه الفلبينيه القصيره التي بادرتهما بابتسامه قائله بلغه انجليزيه محشوه باللكنه الفلبينيه هل استطيع مساعدتكما تقدم مازن مبعدا يد صديقه كي لا يدفع النقود قائلا لها بالانجليزيه بلى صحني فول وكاسي جاي ثم مدى لها ورقه 100 ريال قائلا اتركي عندك البقيه حتى اخذ منها اليوم او غدا اتجها الى وسط المقهى حيث الكراسي المتناثره والطاولات الدائريه المتوسطه الحجم وجلس شعر القروي بارتياح وهو يزيح معطفه ملاحظا ان درجات التكييف اقل بروده هنا منها في غرفه الاخبار فحركه الناس دخولا وخروجا وازيز ادوات اعداد القهوه والشاي والطعام تضفي جوا دافئا على المكان مد جسمه ومال على الطاوله جهه صديقه وقال بهمس بعث لي رئيس التحرير رساله الكترونيه طالبا اجتماعا كان القروي يتحدث فيما كان مازن ينظر اليه نظره تعاطف متاملا جبهته الضيقه وشفتيه الغليظتين وشعره الناعم مفكرا كيف تامرت مجموعه من ضعاف الصحفيين على هذا البدوي المسكين؟ كان مازن مقتنعا بان سبب رفع الدعوه ضد صديقه هو كونه لا سند له في غرفه الاخبار فلو انه من احدى الدول العربيه الكبيره لكانت له عصابه تحميه وتدافع عنه وتبرز محاسنه وتستر مثالبه كانت هذه الافكار تتزاحم في ذهن مازن بينما يواصل القروي حديثه اخرج مازن سيجارا من جيبه ثم قاطع صديقه وهو يلتفت جهه مدخل الكافيتيريا شوف مثلك لا خوف عليه فانت هنا بعلمك وقدراتك اما هؤلاء فكثير منهم هنا بالشلاليه والواسطات ولولا انك بدوي نزق لا تستطيع التحكم في انفعالاتك لما وصل الامر الى ما وصل اليه تذكر القروي القرض المالي الضخم الذي اخذه من البنك قبل شهر وتراءت له صوره والده الذي يعيش على ادويه شديده الغلاء فقال متظاهرا بالتجلد عادي يا اخي حتى لو اقالوني انا ارى ان سبب كل هذا هو نائب رئيس التحرير فقال القروي تقصد بساما نعم هو يغار من المميزين ثم انك وظفت رام انفه ويعتبر اي شخص لم يوظفه عدوا له عقليه اما انك عبدي او ضدي اليس كذلك ايه وتذكر القروي ذلك الرجل البدين الاصلع الذي اطل عليه بمكتب السكرتيره يوم عمله الاول واستعاد نظرات السكرتيره ورئيس التحرير والتفت رافعا بصره الى مازن الغارق في سحابه سيجاره كيف تصفني بالبدوي النزق يا رجل انتم دائما تحملون البدو كل شيء الا تعلم ان الحلم والاناه ايضا من اخلاق الباديه ثم هل المزارعون اهل حلم وانا وقهقه مازن قائلا بلهجه اهل الخليل الله يخرب شيطانك يا بييه وبدا حديثهما ينحرف الى الجانب النظري اكثر من الانشغال بهموم اللحظه وهما يراقبان الداخلين والخارجين من المقهى بعد دقائق جاءت الفتاه الفلبينيه حامله صحنين من الفول وكاسين من الشاي رفع اليها مازن وجهه قائلا شكرا عزيزتي كان يجلس قباله القروي مذيع ومذيعه يتحدثان ويبدو من ملامح المذيعه انها ستظهر على الشاشه بعد قليل وطبقه المكياج الكثيفه على وجهها والملقان البلاستيكي المندس في اذنها يشيان بانها مستعده للظهور في النشره التاليه تجلس فتاتان عن يسار المذيعه احداهما مدينه متلفه في عباءه سوداء والاخرى نحيفه ربعه القامه ترتدي بنطالا ازرق وقميصا بالكاد يلامس طرف بنطالها انتبه القروي وهو يتامل الفتاه البدينه الى انها صاحبه البطاطا التي اصطدم بها في الممر قبل اشهر كما انتبه الى ان جبينها مازال يتفصد عرقا اما الفتاه الجالسه الى جانبها فلم يعرها كبير اهتمام فرغم نوعيه الملابس التي ترتديها للفت الانظار اليها فانها من النساء اللائي تمر عليهن العين متدحرجه بحياد فلا هي ممن تتاذى العين برؤيتها حتى تعلق بالذهن ولا بالجميله جمالا يجعل خريطه جسمها مدا لترداد النظر وابتها ج العيون امر عليها القروي عينيه سريعا كانه ينظر الى شارع عام ثم التفت الى مازن علي الذهاب للحديث مع رئيس التحرير انتظر حتى تنهي افطارك قالها مازن وهو يلاحظ التوتر الذي حاول صديقه اخفائه وقف القروي مستاذنا مازنا هبط مع الدرج الخشبي الذي اسلمه الى غرفه الاخبار اتجه يمينا الى مكتب رئيس التحرير دخل فاذا برئيس التحرير وراء مكتبه الصغير وامامه كرسيان يجلس على احدهما رجل بديل شديد البياض السلام عليكم وعليكم السلام هلا تفضل جلس القروي متاملا الرجل الجالس قبالته كان مكتنز الاعضاء ضخم البطن مقدسي اللهجه اما رئيس التحرير فكان غارقا في كتابه رساله الكترونيه ومع ذلك يرمي كلمه بين الفينه والاخرى لاشعارهما بعدم الانشغال الكامل عنهما بعد هنيهات انهى رئيس التحرير كتابه رسالته والتفت بحماس ووجهه الطفولي المملوء شعرا يبرق يا هلا استاذ محمد كيفك اهلا بك عرف رئيس التحرير القروي على جليسه المقدسي قائلا هذا الاستاذ احمد ابو صلاح مدير قسم الوثائقيات بالقناه ثم التفت الى المقدسي مؤشرا جهه القروي وهذا الاستاذ محمد القروي احد افضل المدققين عندنا امال المقدسي راسه قائلا بادب يا اهلا وسهلا اهلا وسهلا بكم حي الله اهل القدس وكيف عرفت انني مقدسي انا لا اسمع لهجه عربيه الا ميزتها ما شاء الله عندكم في موريتانيا مقدسيون؟ ابدا ولكن لاصدقاء مقدسيون تعرفت عليهم ببلاد شتى ما شاء الله. قطع رئيس التحرير حديثهما قائلا بنبره حازمه استاذ محمد ان السيد مسؤول الملفات الوثائقيه كان يبحث منذ فتره عن كاتب قدير يكتب له نصا لفيلم وثائقي وكنت اخبرته عنك وعن قدراتك. وما ان ذكرت له اسمك حتى تحمس للحديث معك بهذا الخصوص. عدل القروي جلسته حتى فارق ظهره مسند الكرسي ليصبح اكثر اعتدالا وقال بتوتر طيب الفكره هي ان تتفرغ لكتابه النص ويدفع النص لاحقا الى كاتب سيناريو ليفصله ويعده للتمثيل وما موضوع الفيلم مد رئيس التحرير يده لينزع نظارتيه فبدا شعر راسه الاشب كثيفا ثم التفت الى مسؤول الوثائقيات قائلا تفضل يا استاذ فانت افضل من يشرح له الفكره مال المقدسي بجسمه الضخم جهات القروي رغم محدوديه المسافه بين كرسيهما وقال يا استاذ محمد لقد قرات كثيرا من كتاباتك المنشوره في الصحف واطلعت على روايتك التي كتبتها عن حياه البدو الرحل في موريتانيا كما سمعت الثناء على علمك من استاذنا رئيس رئيس التحرير لذا اتمنى ان تدخل معي في مغامره قررت الاقدام عليها كان القروي يستمع باهتمام واضعا يده اليسرى على فيه امعانا في الانصاط فواصل المقدسي حديثه المغامره هي اننا قررنا انتاج فيلم تاريخي ولاكمال المغامره احببت ان يكون كاتب النص وكاتب السيناريو من الشباب الجدد على الساحه لا كتابا مستهلكين شعر القروي بارتياح للفكره رغم مفاجاتها فقد اعجبته الروح المتفائله الواثقه للمقدسي فبادره وهو يفرك اصابع يديه انا لا مانع لدي لكن عندي شرطا واحدا تفضل الا يتدخل لي احد في نمط الكتابه فانا ساكتب كما يحلو لي قال المقدسي بحماس اوه اوه طبعا فالحريه شرط الابداع يا رجل لكن ما موضوع الفيلم؟ نحن نريد انتاج عده افلام تاريخيه عن شخصيات مفصليه في تاريخ الحضاره الاسلاميه مثل الخليل بن احمد والجاظ وابن تيميه والغزالي والمتنبي ما ان سمع القروي اسم الجاحظ حتى قال بنبره مراهق يرى فريقه المفضل يسجل هدفا هل لي ان اختار من هذه الاسماء جدا فانا كنت افكر في انك ربما تكتب عن الجاحظ فقد رايت في سيرتك الذاتيه انك كتبت عنه اطروحه ماجستر شعر القروي بحماس طفولي حال سماعه اسم الجاحظ وقال دون ادنى تفكير في العواقب اتفقنا اذا حين سمع رئيس التحرير كلمه اتفقنا قفز من فوق كرسيه جدلا فترات لجليس قامته الضئله وهو يقول خلاص يمكنك يا استاذ محمد التفرغ للمشروع وسابعث الان رساله للسكرتيره كي تعفيك من الورديات وستداوم في مكتبك العادي بغرفه الاخبار لكنك تكتب للزملاء في القسم الوثائقي وجد القروي نفسه خارجا من مكتب رئيس التحرير مستغربا كيف جرت الامور بهذه السرعه وتناوشته اسئله مثل كيف وافق على هذه المغامره وما ضمان نجاحها وكيف ينجح فيها وهو لم يكتب قط نصا للتمثيل ثم الح عليه سؤال ماذا لو لم ينجح في كتابه النص هل سيقال من عمله دخل غرفه الاخبار ومشى خطوات الى قسم المقابلات فلما راه مازن قادما وقف ليتلقاه وقفا في طرف غرفه الاخبار الجنوبي مما يلي غرف المنتاج كيف كانت نتائج الاجتماع قال القروي متصنعا الابتسامه ورباطه الجاش يبدو انني ساتفرغ لكتابه روايه تصلح نصا لفيلم تاريخي كيف وما دخل قناه اخباريه في الافلام التاريخيه ساكتبه لقسم الوثائقيات كانهم سيجربون انتاج افلام تاريخيه قال مازن بلؤم ونبره ساخره جيد ما داموا فاشلين في انتاج الاخبار فليجربوا الافلام التاريخيه وماذا يعنيني انا من كل ذلك المهم اني من الان ساكتب نصوصا عربيه على مزاجي خاليه من عبارات الاعاجم ضحك مازن ممرا يده على راسه الكف وتراء الثناياه التي غزاها التسوس واضحه وهو يقول ما موضوع الفيلم سيكون عن الجاحظ لذلك لن ترد فيه عباره من جهه اخرى ولا شكرا لك حتى اللحظه اكتب يا عم اكتب ما يحلو لك ففي عالم الجاحظ لن يشغب عليك احد وقف رئيس قسم المقابلات في طرف الغرفه مشيرا لمازن كي ياتي بسرعه مد القروي يده الى صديقه قائلا استاذن فقد تحررت من وردياتكم ودواماتكم ورؤساء اقسامكم ضغط مازن على يده قائلا بلهجته الفلسطينيه نيالك يا حبيبي صار القروي في غرفه الاخبار مسرعا دون ان يلتفت الى اي جهه حتى لا يشغله زميل بسؤال او سلام وهو يفكر في طبيعه التحدي الذي وافق على خوضه دون كبير تفكير وخلال دقائق كان في شقته بمنطقه السد رمى مفتاح سيارته جانبا وتوجه الى المطبخ اعد كاسا من الشاي الاخضر ووضعه على مكتبه ثم فتح حاسوبه وهو يتقد حماسا مشوبا بخوف وكتب البصره من عام 168 الى عام 170 للهجره هبت نسائم الصباح على السفينه الجاثمه غير بعيد من البطيحه على اطراف البصره صدحت رنات العود المطربه وانتشرت روائح العنبر الهند دي في كل اتجاه لكن الخليفه المهدي الذي يجلس في صدر السفينه بدا ضيق الصدر التفت الى وزيره وقال وهو يرفع حاجبيه وكانه ينفخ والله اني لاحار في نفس الانسان لماذا تاتي لحظات تتكاثف فيها كل اسباب الانشراح والسعاده لكن النفس تنقبض لسبب لا تدركه ذلك علاقه بحركات الافلاك بعالم الارواح المتلفف دياجير الغيب المستور ما ارى يا امير المؤمنين الا ان للامر علاقه بحركه الكواكب السبعه والفلك الدوار فالمرء يجد نفسه وقد ظفر بما ظل يطلبه دهرا وكان يحدث نفسه عن سعادته الغامره به ثم ما ان تاتي لحظه قطف السعاده المرجوه حتى يحس بخواء جارف وريح تجري في زوايا روحه تنفس المهدي السعداء مسرحا طرفه جهه غيمه بدت في السماء بدات الجاريه الجالسه عن يمينه تكثر التلفت الى يسارها جهه الشاطئ حيث بدا جمع من النظاره يتجمعون بعد سماع خبر قدوم الخليفه بينما كان جنود يشقون الحشود حاملين رجلا طويل القامه عظيم الهامه كف الشعر اقترب الجنود وجعل المهدي يقف ويقعد فلما وصلوا صاح بهم احمل الزنديق الى صدر الحراقه صاح جندي اشقر ضخم الكراديس سمعا وطاعه يا مولاي صعد جنديان على حافه السفينه ومد كل منهما يده واضعا اياها تحت ابط الرجل الضخم ليجدباه ثم دفعه ثلاثه جنود من ساقيه فوقع على ارض السفينه متاوها حاول الرجل الضخم جمع شتات نفسه وهم يرمونه في مقدمه السفينه جعل يقلب راسه الضخم رافعا اياه وهو يغمغم بدات جموع النظاره تتحاشد على حافه النهر بعد شيوع خبر ان الخليفه سيقتل شاعر البصره بشار بن برد اشتد الزحام قرب السفينه حتى كاد بعض الفضوليين يسقطون في الماء فوقفت مجموعه من الجند سدا بينهم وبين حافه النهر وسط الزحام كان طفل في عامه التاسع متشبتا بيد امه وعيناه الجاحظتان الواسعتان تدوران بسرعه متاملتين كل التفاصيل كانتا تخترقان الحشود وتعودان الى هامته وقلبه يكاد ينزو من بين اضلاعه فرقا اشتد الزحام ثم خيم السكون انتظارا لكلام الخليفه امتلا الطفل هيبه وهو يتامل الخليفه المهدي متربعا والشرر يتطاير من عينيه وهو ينظر شزرا الى بشار بن برد قائلا بتوعد اتؤذن في غير وقت اذان يا زنديق حرك بشار يديه وزم شفتيه وتسارع ت حركات عينيه الضخمتين اللتين يخرج منهما ما يشبه الدمل وقال سيدي وما الاذان الا ذكر ودعوه للخير ينادي بها المؤمن متى شاء صاح الوزير يعقوب بن داوود وهو يمد صوتا ناحيه بشار كيف تتحدث بحضره امير المؤمنين وانت مشح عنه بوجهك يا سكران يا زنديق وكان بشار ككثير من العميان اذا تحدث رفع راسه الضخم ناظرا جهه السماء فيتدلى شعره الكثيف على كتفيه كشجره صدر صحراويه تائهه عفوا يا سيدي فانا لا ابصر مكان الخليفه للعاهه التي بي فقال الخليفه دون ان ينظر ناحيه بشار اجلدوه قفز الجندي ذو الكراديس الضخمه وبيده صوت جلدي كانه ثعبان امسك جنديان بمنكبي الشاعر واسنده الى جانب السفينه وبدات السياال على ظهر شاعر البصره وكان كلما وقع صوت على الظهر الضخم المكتنز لحما وشحما صاح حسي اه حسي وقف الوزير وكانه يوجه حديثه للحشود المتجمعه التي يوجد فيها من يطرب لشعر بشار ويغني ومن كان يفاخر به اهل الامصار ومن يحقد عليه فقال بصوت جهوري انظروا يا اهل البصره الى زندقته كيف يقول حس بدل الاستغاثه بالله وبدل قول بسم الله فقال بشار بصوت مرتفع منتهزا فسحه ما بين وقع صوتين ويلك اطعام هو حتى اسمي الله عليه انما هي صياط حاميه ج فريق الوزير حرجا وتدارك عمامته الحريريه السوداء قبل سقوطها فامسكها وقال مخاطبا بشارا ولماذا لا تقول الحمد لله ايها الزنديق تحامل بشار على جراحه عضا على شفته السفلى وصاحب بصوت فيه من الالم ما فيه من السخريه وهل هذه الصياط نعمه حتى احمد الله عليها كانت عيون المتفرجين واذانهم تتلقف الحديث الدائر على ظهر السفينه بكل دقائقه لكن الطفل ذا العينين الجاحضتين كان يعيشه بكل عرق ينبض في جسمه الاسمر النحيل مال رجل يلبس ثوبا معصفرا يقف جنب الطفل وقال لصديقه ان شاعر ابا معاذ سيقضي تحت الصياط كيف يقتل الخليفه على شرب الخمر؟ هل يصدق اريب مثلك ضربه اياه لشرب الخمر وكم في البصره من حانه لم يسال عنها؟ لما اذا لقد اوصل الوزير يعقوب الى مسامع الخليفه القصيده التي هجاه فيها بالانشغال بالملذات عن هموم الناس حين قال ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا خليفه الله بين الناي والعود وسمع الطفل كلام الرجلين وحفظ البيت من اول سماع كعادته وكان قلبه يخفق بين اضلاعه الهزيله التي تغطيها التمائم والتعاويد تضايق الخليفه من الاخذ والرد الذي وقع بين الوزير والشاعر فخشي ان تؤثر كلمات بشار في بعض النفوس فاشار لقائد الحرب راقه بالتحرك وابتعدت السفينه عن حافه النهر وابتعد صدى الانات المكتومه للجثمان الضخم الذي ما زالت الصياط الجلديه تنهشه وتحركت الجموع عن الشاطئ عائده من حيث اتت واكثر الطفل ذو العينين الجاحظتين في الالتفات وراءه ويده اليسرى على قلبه كانت امه تسحبه من يده مستحطه اياه على الاسراع فيما كان يشعر برعده وخدر في ركبتيه النحيلتين بات الطفل يتقلب في فراشه ولحافه الاسود قد انحسر عن جسده لكثره اضطرابه في مضجعه ذراعه الطويله الدقيقه ملتويه تحت خده اليسرى ويده اليمنى بين ركبتيه اما راسه الصغير ذو الشعر الاجعد فمنحن تجاه صدره وهو يغط في نوم عميق رغم تقلبه واضطرابه طار قلب امه فرقا وهي تحاول ايقاظه دون جدوى اذ تعودت على وثوبه من النوم كانه سرحان عند اول نداء اما هذا الصباح فكانما تحاول ايقاظ ميت قم يا عمرو قد انتصف النهار لم ينمي الطفل البارحه الا بعد نوم البصره كلها فقد وقفت صوره الرجل الضخم بصراخه المكبوت بينه وبين النوم كلما داعب النوم جفونه رن في اذنيه صد استغاثه الشاعر او شماته احد النضاره او شخص امامه الجندي ذو الكراديس بصوته المخيف تململ في فراشه متشبتا بلحافه وفتح عينيه فراى امه منتصبه فوق راسه جلس مستعيدا بالله من الشيطان الرجيم. لقد ارتفع النهار وخشيت عليك. قم يا ولدي واذهب الى الخباس فقد حان وقت ذهابك للكتاب واخشى عليك من عصا معلمك. جلس فاركا عينيه. اخزاه الله اخذ عصاه. لا تقل ذلك يا ولدي اسرع. خرج الطفل ماشيا وسط الطريق المغبر فاجتاز بجانبه بغال يغني وعلى ظهر بغلته اعواد طوال حداد الاطراف او ما البغال بصوته الى الطفل دون ان يقطع غناءه ليبتعد حتى لا تؤذيه العيدان فالتصق الطفل بالحائط فندس انفه في جلباب امراه عطره الاثواب مرت مسرعه استنش شق بقايا العطر الغريب على انفه وهو يدخل الى الفران. كان الخباز ملثما كعادته ومنهمكا في مخبزه المكتض دائما. يتزاحم اطفال الحي وغلمانه داخل المخبز فتكف حرارته فكل يدل بسابق معرفه او سالف معروف ليقدمه على غيره. ترتفع الايدي النحيله في الهواء وسط دخان المخبز المتصاعد. والاصوات المختلطه تنادي رغيفين بالله عليك خمسه ارغفه مولاتي تستعجلني وقف الطفل مكتفيا بالنظر الى الخباز المنثم فالخباز يعرف بالضبط كم رغيفا يريد اذ يكاد يعرف كم لقمه تقع في جوف كل واحد من سكان حي بني كنانه بالبصره بعد لحظات ناول الفتى ثلاثه ارغفه ساخنه وبينما كان الفتى يضع ضعها في مخلاته سمع الخباز يخاطب فتى من فتيان العطارين دا ذبتين طويلتين قائلا تعال يا شاعر هل سمعت بما وقع لبشار بن امس ارتعد الفتى وهو يسمع اسم بشار وشخصت الصياط الحاميه والصراخ والاستغاثات والشماته امام عينيه ظل الفتى ذو الذؤابتين يبتسم مداعبا ذؤابه ته اليمنى بيده ناظرا صوب احدى الجواري دون ان يولي كلام الخباز اهتماما رفع الخباز وجهه متاملا الزقاق الضيق ليتاكد من غياب رجال الحسبه الذين يفرضون عليه التقنع كي لا يتساقط الشعر في الخبز ازال قناعه ورماه قائلا لقد قضى شاعر البصره امس تحت صياط الخليفه مات شاعر البصره لقد قتله الشعر وانت ايها الفتى تريد ان تصبح شاعرا الخبز والعجن افضل لك يا بني من شعر يقود للموت جلدا ثم ضج المخبز الدافئ بالضحكات استل الصبي نفسه من زحام المخبز لتزدحم صور وافكار كثيره في راسه كان يفكر في الشعر الذي يحفظ منه عشرات القصائد متسائلا ما قيمه الشعر والعلم والجاه اذا كان يقود لي مهاوي الرداء؟ تذكر قول امه: "لن تغني عنك هذه القصائد شيئا و2 سمكه اكثر فائده من 100 قصيده عاد الصبي الى بيته ومضغ رغيفه دون شهيه مضغه كانه سعف نخله يابس ثم اسرع الى الكتاب ما ان دخل الساحه الواسعه المؤديه الى بيت معلمه حتى شاهد كلبا هريت الشق ضامر البطن يركض جهه صبي واقفا يمحو لوحه عند جذع شجره هجم الكلب على الطفل واطبق اسنانه على طرف وجهه فسقط مغشيا عليه انحسر جانب وجهه عن عظم الفك الايسر والوجنه مما يلي العين حتى الفك تصارخ الصبيه وجاء المعلم يركض فنهالت الالواح الخشبيه من كل جانب على الكلب الذي ظل ينبح حتى تحول نباحه الى انين تحت وقع الالواح والعصي وصرخات الاطفال ظل عمر واقفا في مكانه لا يتحرك وقلبه يخفق مقارنا في دخيله نفسه بين موت الكلب تحت الواح اطفال الكتاب ووقع الصياط لا تكاد الشمس تخرج حاجبها مطله على نهر سيحان بالبصره حتى تكتض جنباته بالسماكين والصيادين والباعه والفضوليين كانت مجموعه من الملاحين تقترب من حافه النهر وهي تغني هازيجها بعد ليله اصطياد بدت وجوههم مرهقه بعد ساعات طويله من الصيد والغناء والقصص الملفقه والاحلام السخيفه اقترب الزورق الصغير رويدا رويدا من حافه النهر حيث يقف عمر كان وجهه قد بقل فبدا اقرب الى الفتوه منه الى الطفوله او هو واقف حائر ما بين صلابه الفتوه وغضاده الطفوله كانت عيناه تتاملان حركات الزورق الصغير وذهنه الذي لا يفتر عن المقارنه بين الاشياء والافكار يتامل الشبه بين الحياه والانهار فالحياه مغريه دائما مع جهل الانسان بما تخبئه احشاؤها المعتمه فهي مكونه من موجات تعلو بالانسان لتغرقه في الامان البيض وموجات اخرى تهبط به الى قاع الياس راميه اياه في متاهات التيه ما الحياه الا نهر هائج لا يدري راكبه اين ستاخذه امواجه الطاميه فهل سيعود المسافر ظافرا بالالئ والامان شهيه ام ستفترسه اول موجه ليتحول جثه تافهه تضيق بها كل موجه فترميها لجارتها ما كاد الزورق الصغير يلامس حافه النهر حتى صاح عمر وخدمه تكاد تنزلق في النهر هل اتيت بما يكفي من سمك الشبوط قاتلك الله والله لا ارى يومي هذا الا يوما نكدا لماذا كان اول من تلقاني انت النكد ما انت فيه وما جئت منه وما انت صائر اليه والنكد بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك وهل يفر النكد من النكد ضحك الصيادون رغم الارهاق البادي على وجوههم وهم يتقافزون من الزورق اما الغلام فاكب على الحموله ينتقي منها انتقاء الماهر كانت ذراعه النحيله تروح وتجيء داخل سلال السمك وكان اذا انتقى سمكه تاملها قليلا ثم رماها وراءه لتستقر بمهاره داخل جراب جلدي واسع مثبت على ظهره وتذكر الصياد ان عيني الفتى الاسمر لا تخطئ هدفا ولا يتوارى عنهما شارد فبادر اسمع يا عمرو لا تاخذ كل الشبوط خذ منه واترك لغيرك التفت صياد اخر منهمك في شد امتعه على ظهر حمار اشهب قائلا بعربيه فيها نفس فارسي انت تناديه عمر كل الناس هنا ينادونه الجاحظ ثم التفت الى الفتاه وقال بالفارسيه تلجا حظ هاستي كان الفتى قد فرغ من الاغاره على السمك بعد ان انتقى منه ما شاء فاخذ دراهم ودسها في يد الصياد وقال بابتسامه واثقه ساخره والله ان اسم عمر لاخف على اللسان واسبق الى ذهن وان الجاحظه لتبدا بحرف مستصعب النطق فلماذا تستبدل الذي هو ادنى بالذي هو خير وترامق الصيدان مبتسمين وادبر الفتى شاقا طريقه بين الزحام الماره والباعه رافعا اسفل ازاره الداكن ليتقي بقايا السمك المتناثره على الارض ترك نهر سيحان وراءه سالكا ازقه قادته الى درب الطويل كان درب الطويل ضاجا بالحركه لكن ضجيج الافكار والخ الخواطر التي تقتض بها جمجمه الفتى اعلى من اي ضجيج يحفظ درب الطويل عن ظهر قلب بل يكاد يعرف كل اسرار هذا الدرب المترع بالفضائل والفضائح بدا له الدرب في هذه الساعه مكتضا بالماره على جانبيه اكثر من المعتاد سلك الدرب الواسع فقاده الى الساحه الفسيحه الواقعه عند مدخل سوق البصره كبير تجاوز عن يساره قاصدا الباب الاحمر المقوس للسوق وقبل ولوجه سمع تلك الجمله التي طالما سمعها تنبعث من خيمه الوبر المضروبه امام خانق الصوفيه قرب مدخل السوق على اليمين متاع الغرور كان الصوت الخارج من الخيمه يم الغرور مطا طويلا حتى تكاد نفس صاحبه به تتقطع رغم مخارجه الفخمه وصوته القوي الحاد ابتسم الفتى متذكرا كيف كان يتراهن هو وصديقه مهدي على الركض من جانب المسجد ابتسم الفتى متذكرا كيف كان يتراهن هو وصديقه مهدي على الركض من جانب المسجد ليصلا باب السوق قبل نهايه مطب الصوت كلمه الغرور لا يحب الفتى مكانا حبه سوق البصره ودرب الوراقين فهنا يروج كل شيء بدءا من العلم الذي تنوء به كواهل الوراقين الرائحين الغاديين الى الكذب الذي يتردد على السنه الباعه وهم يقسمون على اسعار بضائعهم الى وعود المدينين لدائنين ومن اسباب حب الفتى للسوق غرامه بتامل التشابه الدفين بين الاشياء المخت مختلفه ظاهريا عند الناس فالسقائف الرابطه ما بين جانبي السوق تظل سحنا مختلفه وامشاجا واخلاطا لا تجتمع بمكان في الدنيا الا في هذه المدينه غير ان عيني الفتى تظلان تلتقطان اوجه التشابه بين تلك السحن والامشاج كانت السحن تعلو وتهبط في دروب السوق الضيقه امامه واذناه تشر ابان تطلعا لسماع نبض الحياه وتلتقطان لهاجات ولغات متباينه تضيج بها اروقه السوق المتعرجه كان يسمع اللسان الفارسي بمطاته الحلوه واللهجه البدويه الثقيله وسط لهجات عربيه ولكنات هجينه اخرى وهو يضحك في نفسه قائلا والله ما البصره الا حسناء يتعاقب عليها الازواج فتلد الاحمر والاصفر والاسود ومن راى تداخل الانهار في اطرافها وكثره السفن الوارده على موانئها يخيل اليه انها بغي مستباحه العرض سمع من يناديه الجاحظ التفت فراى صديقه سهلا يركض حافي القدمين مرتديا جبه قدره فبادره قائلا ما وراك ابتسم سهل بن هارون لاعب بجفنه الايسر مغضنا خده هل ترى تلك الفتاه لقد حادثتها فشتمتني ولولا ابوها الذي معها لما فعلت ذلك قال الجاحظ والريق يكاد يتطاير من فيه لما افترضت انها ما صدتك الا لوجود ابيها ولم تفترض انها شتمتك لقداره جبتك وخلق قميصك والله لو برزت في هذه الصوره لجنيه في فلاه لاستعادت بالله منك ما زاد سهل على التبسم وهو يعيد النظر جهه الفتاه لاعبا بطرف عمامته المسترخي على صدره دارت الفتاه والتفتت جهه سهل مبتسمه فتسارعت دقات قلبه رافعا يده الى صدره وقبل ان يكمل اشارته لها سمع صوتا يناديه من خلفه اتق الله يا سهل ما هذا اللعب في السوق قي على رؤوس الناس التفت سهل فراى شابا يلبس جبه سوداء نظيفه معترجا عمامه بيضاء ناصعه اللون مرخيا طرفها بين كتفيه اقترب الشاب فلم يزد سهل على ان سلم عليه وهو يقول بارتباك كيف حالك يا علي رفع الشاب بصره عن الارض وهو يقول انا بخير لولا اني رايتك تشبب بفتاه تمشي وراء ابيها الا تعلم ان هذا لا يجوز كان الفتى رغم حداثه سنه يتحدث بالفاظ فخمه ووقار لافت فشعر الجاحظ بالخجل وان الفتى يكبره سنا مع ان وجهه الطري وشاربه الذي لم ينبت يشي بانه في عمره كان الجاحظ يتشبت بجرابه الجلدي المملوء سمكا وهو يصعد النظر في الشاب بينما صمط سهل بن هارون هنيها ثم قطع الصمت والارتباك جزيت خيرا على النصيحه يا علي وانا في عجله من امري نظر الجاحظ الى الفتى نظره متجهمه ثم مد يده اليسرى وجذب بها صديقه سهل اما يده اليمنى فظلت متشبته بطرف الجراب الجلدي الذي على كاهله وانطلقا يمشيان وسط الزقاق الضيق المؤدي لسوق الوراقين التفت الجاحظ الى سهل وقال من هذا الطفل الكهل هذا علي بن المديني كان معي في الكتاب وكان ظريفا غير انه منذ اشهر يريد ان يصبح سفيان بن عيينه في غداه واحده دلف الفتيان الى اول وراق على يمين الزقاق ما ان دخل حتى وقف صاحبه قائلا اهلا هل اتيت بشبوط نعم هو ذا اشار الوراق الى احد غلمانه فتقدم واخذ السمك تقدم الجاحظ وسهل وجلس في طرف جماعه من الرجال كانت تجلس عاصبه حول ابي محمد الوراق عاد الوراق الى مكان جلوسه وسط الرجال المتحنكين بعمائمهم وكان شيخ منشغل بفلي قميصه غير منتبه للحديث فلما راى الشبوط يهيا للشواء نشط وانتبه ورفع بصره وقال ما اخبار الناس وما الوارد من بغداد فرد عليه الرجل الجالس بجنبه لقد بويع في بغداد لهارون الرشيد بالخلافه بعد وفاه الهادي الذي كان حبسه ليخلعه من ولايه العهد كما كان قد حبس يحيى بن خالد البرمكي والفضل لقربهما من هارون الرشيد تحرك رجل اخر عميق الحدقتين وهو يمسح لحيته ويحك اسفل دقنه سمعت ان يحيى البرمكي قرب الشعراء واغدق عليهم الاعطيت وان الرجل ربما اتى بقصيده يمنحه عليها 1000 دينار عدا ونقدا قال الورق وهو ينظر للسمك وقد مسته النار الو برمك اسره اداره وسياسه كان جدهم برمك مجوسيا من كبار خدام بيوت النار بكابل وسمعت ان الرشيد ويحيى اكثر من اخوين كان الجحض يستمع الى حديث القوم وهو جالس في طرف المجلس مما يلي الباب والغبار المتصاعد من وراء العتبه يلفح وجهه احيانا تلتقط اذناه المرهفتان كل مفرده يفوه بها الرجال اما عيناه فتسافران بين الوجوه وسقف الدكان والكتب والباعه والمارين في الزقاق ومع زاوغان بصره بين تلك التفاصيل ما كانت تضيع صوره او فكره دون ان يهضمها ويقلبها على وجوهها كان يضع يده اليسرى تحت دقنه وهو ينصط لحديث الوراق عن البرامكه يحيى البرماكي هذا يضرب به المثل في الكرم فاذا كان بينكم من يقرض الشعر فليذهب اليه ليعود لنا بالاحمر والاصفر فالبرامكه لا يعدون 1000 دينار شيئا قارن الجاحظ بين الدوانيق التي يكسبها بعد ساعات من الجلوس على النار والوف الدنانير التي يقبضها شاعر في لمح البصر فخفق قلبه ثم تذكر امه التي تركها في البيت واقفه بين العجز والفقر مفكرا كيف ستكون لو جاءها في يوم واحد بف دينار وهي التي لم تملك في حياتها 20 دينارا تخيل نفسه ناظما قصائد طوالا في مدح يحيى البرمكي وهارون الرشيد لكنه ما لبث ان شعر بوخز بين اضلاعه غاب عنه حديث الوراق وذهب خياله الى صوره شاعر يئن تحت الجلد ونضاره يصفقون وسياط تعلو وتهبط في مقدمه سفينه ازال يسراه من تحت دقنه هاز الراسه وكانه يطرد الافكار التي غزته متاملا الزقاق المكتضى بالمره الدوحه عام 148 38 للهجره دخل القروي الى الكافيتيريا فاستقبلته رائحه البن الممزوجه بروائح الطعام الطازج ودخان التبغ لمح الفتاه المضغوطه في بنطال الجنز جالسه في الركن وحيده كانها فكره مهمله كانت اول مره يراها دون صاحبه البطاطا البدينه اخذ قهوه الكابتشينو وعاد الى وسط الكافيتيريا وجلس مهموما. لم ينم البارحه ساعات لتفكيره في امكانيه انجاز النص الذي يكتبه عن الجاحظ. كان كلما كتب فقرات عاد ومحاها ومما زاد في همه تلك الابتسامه اللئيمه من احد منتجي النشرات البارحه اذ قال في نهايه نقاش وكانه يعنيه كتابه النصوص للافلام فن لا يتقنه المتمرسون تذكر تلك العباره وتخيل نفسه فاشلا في المهمه قيل اليه ان طعم القهوه مر فعاد الكوب الى الطاوله بتضايق ثم جاءه صوتها اهلا ممكن نتحدث جدا يا مرحبا اشارت الى الكرسي فجلس الى جانبها كيف اهلنا في شنقيط فاجاته لهجتها اذ كان يظنها من دوله عربيه معينه لطريقه لبسها غير ان حياته في الخليج علمته ان الخليجيين هم اكثر من يستخدم عباره الشناقطه فقال لها وكانه ينتزع نفسه من الكابه التي كانت تضلل مزاجه تمام مدفون في بحر الرمال حرام عليك كيف تلك المنطقه كان يسميها بعض المؤرخين بحر الرمال اما المؤرخون الشناقطه فيسمونها البلاد السائبه والمنكب البرزخي لفت انتباهها تحلله من العقد التي تعش في ادهان معظم زملائها عقد المناطقيه والهوايات المصنوعه صناعه من طرف المستعمر فاستزادته قائله اي المؤرخين يسميها بحر الرمال وصفها ابن خلدون بهذا الوصف اما ياقوت الحموي فقال في معجم البلدان عندما اراد الحديث عنا ومن السوس الادنى الى السوس الاقصى مسيره شهرين وبعده بحر الرمل وليس وراء ذلك شيء يعرف وبعد استظهاره للنص من ذاكرته رفع عينيه في السقف وقال متضارفا وانا يا سيدتي من ذلك العالم الذي لا يعرف رفعت هاتفها عن الطاوله وقالت وماذا كان يسميها الجاحظ فجاءه السؤال ثم خطر له انها قد تكون علمت بمشروعه الذي يعمل عليه فرد باسما الجاحظ لم يتحدث عن تلك الاماكن فهي هامشيه وبعيده بالنسبه له كويس لم نتعارف انا حصه ابراهيم من وين؟ من السعوديه وقع جوابها وقع الصاعقه فالسعوديه اخر البلدان التي كان يتوقع ان تكون الفتاه منها دار استغرابه برشفه من القهوه لم يذق لها طعما من وين في السعوديه من المنطقه الوسطى من اي مدنها بالضبط لم تجبه فشعر بخجل يجتاحه ونظر جهه مدخل الكافيتيريا وقال مغيرا الموضوع في اي الاقسام تعملين؟ اعمل في قسم امن المعلومات بالقسم التقني اوه انت اذا من النفاثات في العقد قطبت جبينها مخفيه ابتسامه فاتره وهي تلعب بهاتف نوكيا المتواضع قائله كيف يعني يفسر بعضهم الايه ومن شر النفاثات في العقد بان دلالتها الحاليه تقع على العاملين في امن المعلومات الذين تلعب اصابعهم بامن الناس واخبارهم ومعلوماتهم يعقدون العقد الالكترونيه ويحلونها والله هذا التفسير ذكي جدا مدت يدها الى هاتفها ناظره في الرسائل الوارده فانسدل شعرها الفاحم على الهاتف فخطر له ان اللقطه يمكن ان ترسم باحتراف هاتف متواضع ملقا وشعر فاحم منسدل على اطراف الطاوله ثم خطر له مع ذلك ان الفتاه ابعد ما تكون عن الجمال فوجهها طويل قليل لحم وعيناها عميقتان وشفتاها محايدتان مع قامه مربوعه اقرب للقصر وجسم يشي الجنز الضغط له بان لا شيء فيه يدعو للاهتمام او لي الاعناق رفعت راسها عن النظر الى هاتفها فلم تكن تبحث عن شيء معين بل كانت فقدت روح الاندفاع في الحديث لكلامه عن الايه فهي لا تضيق بشيء ضيقها بالمتدين ثم حملقت فيه متامله شفتيه الغليظتين وذقنه الحليقه قائله تخصص سكاد ادب لا لماذا من تعلقك باللغه العربيه فجاه حديثها فهو لا يذكر ان بينهما تعارفا سابقا يجعلها تعرف عنه كل هذا فقبل قليل اشارت للجاض والان تتحدث عن ولعه بالعربيه قال بتضايق وهو ينظر الى هاتفها التعيس نوكيا ابو المصباح مستغربا استخدامها له مع كلف بنات عصرها باخر موضه في عالم الهواتب القراءه سيره الداديه ارتبكت قليلا لانها لم تتوقع سؤاله وقالت النفاثات في العقد ووقفت مستاذنه وسط صدمته اجتحته موجه اسئله مفكرا في هذه الفتاه الغريبه وتساءل في نفسه هل يعقل ان تكون دخلت على حاسوبه واطلعت على ما يكتب على كل ملفاته ثم تساءل عن انطباعاتها عنه وهي تقرا كل ذلك دون علمه وسط صدمته اخذت حقيبتها وابتعدت خطوات ثم رجعت ومالت عليه هامسه بالله لا تقل لاحد ما قلته لك لا باس امانه بالله امانه ساشرح لك لاحقا هز راسه موافقا لما كان انفه قد اقتبس من رائحه البخور المعقود بالعطر البارسي الفائح من اردانها افاق على نفسه وهو يردد ابياتا علقت بذاكرته قديما عدي عنذا ففي الخليج نساء فاتنات يسبيك منهن عطر خادرات فانظر بانفك وارسم صور الحسن والخيال يسر اتبعها نظره وهي تنزل مع السلم حيث تبادلت التحيه مع احد الصحفيين الداخلين الى باب الكافيتيريا لبث في مكانه قليلا حتى قدر انها تجاوزت غرفه الاخبار الى القسم التقني فنزل مسرعا الى مكتبه جلس وفتح حاسوبه محاولا طرد صورتها من ذهنه البصره من عام 175 75 الى عام 180 للهجره كان الجاحظ مستلقيا على بطنه واضعا مرفقيه على الارض ويديه تحت ذقنه وهو يتامل مدينه البصره من ربوه عاليه كان يستلقي داخل خص من الاخصاص التي يسكنها طلاب الخليل بن احمد تامل البصره متسائلا هل القرب من المحاسن يعمي عنها ام البعد يوحي بمحاسن زائفه؟ والا ما بالنا نكون داخل البصره فلا نرى الا قصابا في ثوبه الوسخ او سائلا اعور كناسا يهوديا فان خرجنا منها رايناها مكتمله المحاسن بانهارها ودورها واسواقها كانها عروس تجلى لعاشق ان القرب اكبر حاجز عن رؤيه المحاسن والا لما لا يعشق معظم العشاق الا من لا يقدرون على القرب منه ولا يساكنهم لذا يرون محاسنه مجتمعه كما نرى محاسن القمر وهو بعيد ولعل احدنا لو طار الى القمر ما راى منه الا بقعه باهته تحت قدميه والا لازالت دائريته وبريقه وجماله ورواؤه ثم ان الحسناء نراها جميله ما دامت بعيده فنرى مشيتها المترنحه ونسمع نغمها الساحره ونتامل معاقد الحسن في جسمها البض فاذا التصق بها عاشقها لم يرى منها الا ما قرب من عينيه فحسب جلس بتثاقل طاردا تلك الافكار عن ذهنه ذهب خياله بعيدا مستعيدا ذكريات مجيئه الى هذا المكان رفقه امه قبل سنوات طويله يذكر جيدا كيف جاء معها على عاده اهل البصره رغم انه كان شابا يافعا تذكر يوم جاء معها الى هذا المكان وكيف تقدم امامها عندما وصلاه فاعترضهما شاب احمر يلف عمامه اكبر من جمجمته وسالهما ما حاجتكما؟ بدره الجاحظ نريد رؤيه الخليل بن احمد انتظران هنيها عاد الغلام بعد قليل طالبا منهما ان يتبعاه احكمت المراه لف خمارها الذي كان مرتخيا على جانب وجه طرزته الغضون رغم ميعه الشباب الباقيه امسكت بطرف خمارها وامرت طرفه لتمسح به حبات العرق المجتمعه تحت حدقتي عينيها وشفتها السفلى ودخلت مرتبكه السلام عليكم وعليكم السلام ورحمه الله كان الخليل جالسا في ركن الكوخ الواسع متربعا على طنفسه خضراء نظيفه وحوله نحو العشره من طلابه وبين يديه اناء زجاجي مملوء بشراب الرمان قام احد الطلاب ورمى تجاههما وسادتين جلديتين فجلسا عليهما هذا ولدي عمرو بن بحر جئتك به ليتعلم علمك ويرى سمتك فهو لا ينفك ينفق كل ما تقع عليه يده لشراء الكتب ولا ينفك منذ صغره يسالني عما لا اقدر على فهمه كان الخليل يستمع لحديث المراه مطرقا ممسكا لحيته البيضاء بيده اليسرى واضعا كفه اليمنى تحت مرفقه الايسر وكان طلابه يحدجون المراه بابصارهم عجبا وهي تتحدث وكانها تلاعب ولدها وهو في عامه الرابع لم يكن كغيره من اترابه ولذاته منذ عقل كنت لا ارمي له بكلمه اسكته بها عن امر الا احتج علي بما يبهتني كنا مره في السوق وكان في عامه الرابع فمر بائع عنب فطلب عنقودا منه فقلت له انه مر فقال هل ذقته؟ دعيني اجربه لاحكم فقد يكون مرا في حلقك حلوا بين فكي كانت المراه تتحدث وكانها نسيت انها في حضره اعقل العرب بل تحولت الى ام تروي قصص طفلها لاحدى جاراتها تزحزح الخليل قليلا فوق الطنفسه رافعا وجهه الاش والابتسامه لا تفارق محياه ثم التفت الى الفتى صف لي حبك للعلم يا بني التفت الغلام الى الطلاب المطرقين وقد سكنت اقلامهم ورفعوا ابصارهم صوبه منصطين لما يقول اعاد بصره الى الخليل وقال بلسان منطلق وصوت صاف نعم احبه حب الام ولدها والغائب اوبته وحب الضمان الصادي للماء الزلال فقال الخليل والله انك لفصيح يا بني ونحن الى التعلم منك احوج فقاطعته ام عمر قائله حبه للعلم عجيب فهو ينفق معظم ما يجنيه من بيع السمك لشراء الكتب ولقد جاء يوما وكنا ننتظره نكاد نقضي جوعا فوضع الجراب عن ظهره فلما فتحته وجدته مملوءا كتبا وكانه نسي فوضع الكتب مكان السمك ثم اندفعت ام عمر تضحك بصوت عال شعر الجاحظ بحرج ضحك امه بين يدي اعقل العرب وظهر ذلك في تعرق جبهته جبهتي التي تكاد تكون المكان الوحيد الذي يفضح مشاعره كلما حاول اخفائها ابتسم الخليل مخاطبا احد انجب تلاميذه ابراهيم بن سيار النظام قائلا قم يا ابراهيم وخذ عمرا معك وادرجه في حلقتك. تحفز الشاب الاسمر النحيف ذو الانف الافطس للوقوف وهو يدس قلمه ما بين طرف اذنه الاعلى وصدغه. ورحب بالجاض طالبا منه صحبته الى احد الاخصاص. ودعى الفتى امه ثم تبع النظام سالكا طريقا متعرجا وسط اخصاص متناثره. لاحظ الفتى وهو يسير خلف شيخه الجديد ان الهيمنه المنبعثه من الاخصاص ترتفع كلما ابتعد عن مجلس الخليل بن احمد. بدات اذنه الواعيه تلتقط اصواتا متناثره تخرج من هنا وهناك. كان يسير خلف النظام وامشاج الاصوات تتسابق الى اذنيه حتى لا يكاد يستمع لصوت حتى يشغله اخر. سمع اصوا تقرا اشعارا قراءه قريبه من الحداء وسمع ترتيلا مشجيا لايه من القران غير انه ما كاد يستمتع بالقراءه المشجيه حتى ازدادت الاصوات المنبعثه من الاخصاص تداخلا وصل بعد خطوات الى خص واحد فدخل النظام وتريت الجاحظ ليسمع الحديث الدائر بين رجلين يجلسان تحت شجيره عند مدخل الخص انطقها كما ينطقها الهدليون لا تستطيع قلت لك لا تستطيع والله اني لا استطيع ان لسانك اكثر التواء من نيتك وانك لاكثر عجمه من جدك وجدتك جاء شاب يجري وبيده خيط رفيع وقف عند زجاجه ضخمه مثبته على الارض ثم تكا بقربها وبدا يقيسها بالخيط كانت عيناه لا تكادان تفتحان لتقابلهما مع اشعه الشمس لكنه ظل صابرا حتى عد ووصل الرقم 25 كان الجاحظ يرقب الجد البادي في عين الرجل المنبطح على الارض والخيط الدقيق المترجرج بين يديه فكاد يضحك لولا حاجز الحياه دلف الى الخص كانت ارضيته مفروشه بحصر من جريد النخل والكتب والوسائد متناثره في اطرافه ارتبك قليلا غير ان النظام دعاه للجلوس في الركن المرتب من الخص حيث يجلس شاب دو ذؤبتين تتدليان على كتفيه تقدم النظام وخاطب الجاحظ قائلا هذا صديقي الحسن بن هانئ ابو نواس ثم التفت لصديقه وقال هذا عمرو بن بحر سيكون شريكنا في المسكن والدرس مد يده للفتاه بارتباك محاولا تذكر المكان الذي راه فيه قبل اين راى هاتين العينين العميقتين الناعستين وتنك الذؤابتين المنسدلتين كان يتامل الوجه الدائري المشوب بحمره وكلما تامله ازداد شعورا بغرابته مع يقينه انه راه قبل خطر له ان المرء يرى بعض الوجو احيانا فيشعر بانها ناتئه عن عقله وقلبه فيقوده ذلك لسوء الظن بها من اول نظره وبعض الوجوه تملك مفتاحا سحريا تتسلل به الى قلب المرء دون استئذان كانت هذه الافكار تلعب بذهنه بينما انشغل النظام بجمع بعض الكراريس واندفع يرتبها جلس الجاحظ جنب الشاب دون ان يتحدث احدهما للاخر كان مندهشا من المكان اندهاش الداخل في مكان مجهول وكان الشاب مستثقلا حضور الجاحظ استثقال صاحب البيت لغريب تسور عليه فجاه اقترب النظام وبيده حزمه من الكراريس فجلس يمين الجاحظ وقال كيف معرفتك بالشعر وايام العرب حضرت مجالس الاصمعي وابي عبيده اشهرا واذا كان حضور التحريش بين الاعراب وكتابه اقوالهم معرفه بالعربيه فقد شهدت من ذلك ما يغني لم يعر ابراهيم النظام اجابه الجاحظ كبير اهتمام بل لم ينتبه لما قاله فقد اندهش وهو يتامل وجهه الشائهاه كانه يلاحظ معالمه للوهله الاولى عينان بنيتان واسعتان جاحظتان يخيل للناظر انهما موشكتان على السقوط لنتوئه ما عن الحاجبين الكتين الاغمين وانفطس متوسط الحجم تحته خدان كانهما حفرا حفرا ونتف من الشعر بدات تغزو عارضيه على غير هدى واسنان متشاكسه تظهر وتختفي بين شفتين غليظتين افاق النظام ملاحظا انتباه الجاحظ لتامل خلقته فقال لعلك تجد في صحبه ابي نواس ما يعجب ويطرب فهو شاعر وفقيه ومتكلم نظر الجاحظ بطرف عينه اليسرى الى ابي نواس فراه متشاغلا بالنظر في مجلد ضخم قيل اليه انه لا يفهم منه شيئا وانما يتشاغل عن الترحيب به ضيقا بحضوره تفرس انه من اهل خوزستان تلك المدينه التي لا يضيق باحد ضيقه باهلها ثم ذهب خياله بعيدا متذكرا انه راى تلك العينين الناعستين المليئتين بالالغاز والذؤابتين المنسدلتين عند الفران القريب من منزل اهله ومع غرابه استقبال المضيف للجاض فانه شعر بسعاده غامره ورغبه في حفظ واتقان كل ما يمر به هذا المكان المليء بالعلم والتجارب جعل يصعد عينيه ويحفظهما في الكتب بالمصفوفه والكراريس المتناثره مفكرا في حجم الامتاع والانس العظيمين الذين ينتظرانه بين هذه الاخصاص المطله على البصره اقترب النظام من الجاحظ ليساله اي الفنون تود ان تنشغل بها هذه الايام كان الجاحظ قد بدا يستريح للمكان وكان الشعور بالغبطه مستوليا عليه فاجاب طبقا لخاطره لا للسؤال كيف لرجل من الله عليه بصحبه الخليل ان يتركه ويعود للعيش في حي بني كنانه؟ افاق الجاحظ من ذكرياته تلك وهو ما يزال جالسا في مكانه ينظر الى البصره من علو وقف متثاقلا ملقيا نظره على الكتب المرصوصه في طرف الخص وخرج لحضور مجلس الخليل مفكرا في ذكرى امه التي توفيت منذ اشهر استيقظ كعادته قبيل الفجر بقليل واستل نفسه من بين اجساد زملائه وضع رجليه في نعليه المهترئين ومشى خطوات متثاقله كان عازما على حضور درس مع احد ائمه الحديث ترك الاخصاص المتراصه وراءه وكان هدوء الليل ينحسر عن اطراف البصره بتدرج واصوات نباح باح الكلاب تختلط بصياح الديكه ونداءات المؤذنين دخل مسجد الامام اسماعيل بن علي فوجدهم فرغوا من صلاه الصبح بدا الطلبه يتزاحفون مقتربين من ابن علي زحف هو من جهته بعد ان صلى سريعا تحرك الشيخ من محرابه ليجلس عند احدى السواري وعصب الطلاب حوله الجو ساخن رطب داخل المسجد ضاعف تقارب اجساد الطلاب في شكل دائري حول الشيخ من السخونه والرطوبه جلس الجاحظ مقابل الشيخ فغشيته رائحه الملابس المتسخه والاجساد المتعرقه بدا ابن عليه ببيان شرف علم الحديث مذكرا بان شرف كل علم نابع من شرف موضوعه كان يتحدث بهدوء وكان بقيه نعاس ما زالت متواريه في حباله الصوتيه رغم القراءه النديه التي قرا بها في الصلاه قبل قليل بعد ساعه اتضحت اوجه الطلاب شيئا فشيئا اذ تكاد الشمس تخرج حاجبها من قوه المسجد فبدا وجه انجب طلاب ابن عليه بن المديني شديد البياض مفعما بالحياه حتى لكانه الوحيد الذي نام نوما هنيئا تفضحه صفحه وجهه المتد كما بدت عمامته المكوره باناقه حول شعره الفاحم وانفه الاقنى وشفتاه الدقيقتان اكثر وسامه من ذي قبل كان الجاحظ متلففا في ثوب متخرق بال اطرافه مشققه ولونه لا يكاد يتبين وكان افضل ملابسه طيلسانا اسود ما زال متماسكا يلقيه على عاتقه رفع الشيخ ابن عليه عينيه وخاطب طالبه علي بن المديني قائلا حدثنا عن شرف علم الحديث كان ابن عليه يحب ان يسمع حديث تلميذه المديني فحلاوه الفاظه وقوه حجته ووسامته تجعل مثل ابن عليه يفخر بانه من طلابه تنحنح المديني وقال بصوت واضح ان شرف كل علم كما قال الشيخ نابع من شرف موضوعه فاذا كان بعض الناس مثلا يبكرون في مثل هذه الساعه لدراسه الكيمياء والانشغال بالهيولي والمنطق اليوناني فنحن نشتغل بكلام خير البريه ما ان نطق المديني كلمه خير البريه حتى صاحجع بين السوار بصوت مرتفع بابي هو وامي عليه الصلاه والسلام فالتفت ابن عليه جهه الرجل المضطجع فقال له المديني هذا صوت المتجنن راس النعجه ثم وصل ابن المديني ان اهل البصره اليوم منقسمون الى اقسام فقسم عاكف على علوم الاوائل لا يفتر عن ذكر ارستوطاليس وافلاطون واقليدس وقسم مستهتر باخبار العرب وايامها واشعارها وما قال الشاعر في بني فلان وما هج به بني علان فهم الجاحظ في كلام المديني غمزا فيه وفي شيخه الخليل بن احمد وصديقه النظام اما بان يتكلم لكنه تراجع فواصل المديني وقسم لا شغل له الا ايام موبذان وما قال اردشير ابن باباكان وما فعل كسرى انو شروان وقوم اخرون وفقهم الله للعكوف على سنه المصطفى ايام ادبار الناس عنها ولعل هذه الجماعه المرحومه من اهل الحديث راس ذلك جعلنا الله من المتمسكين بسنه رسوله ثم جاءت الصرخه من جهه راس النعجه اقوى هذه المره بابي هو وامي عليه الصلاه والسلام تعيشون من بركته وتاكلون الفالودج من كلامه ثم تكسلون عن الصلاه عليه سكت الجميع بينما كان الجاحظ يواري ابتسامه لكن ابن علي قال بصوت مغضب صلى صل الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم تجنبنا يا هذا قفز شابان من الحلقه ليخرجا فقام راس النعجه وركض خارجا من المسجد مراوحا بين الغناء والتصفير وصل ابن عليه حديثه فيما كانت الشمس قد ارتفعت من جهه الكوه فاتضحت الاوجه اكثر فاكثر حيث بدات جبهه ابن عليه الواسعه وعليها اثر حصى من الصلاه وختم ابن عليه حديثه فاتحا الاسئله لمن شاء تحرك شاب في طرف الحلقه ومال بجسمه دون ان يترك مكان جلوسه يا شيخ لقد كثرت علينا الاحاديث فما ندري ما نترك وما ندعى فلماذا لا نعمد الى القران الكريم فنلزم ما فيه من امر ونهي ونطرح ما عداه في هذه اللحظه شخصت الابصار الى ابن عليه في انتظار جوابه اذ شهد المسجد بعد صلاه العصر امس حديثا بين بعض طلبه العلم في هذا الامر ثم اتفقوا على ان يسال احدهم ابن عليه مد ابن عليه يسراه جهه كتفيه وخلع طيلسانا كان عليهما رغم الحراره والرطوبه ثم وضعه تحت ركبته اليسرى معتمدا عليه وقال بصوت مفع بالجديه والاحتشاد روينا عن غير واحد من شيوخنا ان النبي عليه الصلاه والسلام قال الا اني اوتيت القران ومثله معه ثم اننا اذا عمدنا الى القران وحده لن يشفي غليلنا في امور كثيره فكيف سنعرف مقدار الزكاه في اموالنا ومن لنا بمعرفه عدد ركعات الصلاه واوقاتها ثم من اين سنعرف مناسك الحج وان لنا بمعرفه شروط صحه النكاح كان ابن المديني منتبها اشد الانتباه لكلام شيخه غير انه ما ان سمع كلمه النكاح حتى سرح خاطره بعيدا فتذكر كيف حدثته امه قبل ايام عن نيتها تزويجه من فتاه فاتنه وكيف وصفتها له ذلك الوصف الذي ما كان يظن انه يدور بخاطر امه المنهكه في العباده ابدا خفق قلبه وهو يتذكر قولها انها يا ولد غضه البدن لدنه القد تتثنى في مشيتها كانها خوطبان والله انها لتنسي المهموم همه وتسلي الغريب عن اهله واحبابه انتبه المديني مؤنبا نفسه كيف سرح خاطره عن احاديث رسول الله وبين سواري بيت الله ليفكر في محاسن فتاه ما زالت اجنبيه عليه فاستغفر وتحرك في مكانه مراوحا بين الجلوس على رجليه ثم انتبه الى ان ابن عليه قد انهى الجواب على السؤال ودخل في الحديث عن جهود اهل الاثر في حفظ السنه ان الله سبحانه وتعالى قد تعهد بحفظ القران فقال انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ونحن نرى ان حفظ السنه من حفظ القران اذ بها يبين القران ويفهم ثم سكت ابن عليه قليلا وتنحنح فبرزت بوضوح اصوات قراءه الاطفال في احد الكتاتيب القريبه فبادر الجاحظ سائلا لكن كيف نثبت ان القول الفلاني من كلام النبي قطعا نعرف ذلك بمعرفه الرجال الناقلين والتاكد من صدقهم وضبطهم لكن هذا لا يصح فلو كان الرجل المعروف بالصدق لا يكذب والامين المعروف بالامانه عند الناس لا يخون والثقه لا ينسى والوفي لا يغدر لطاب العيش يا شيخ فهذا امر متعذر عقلا بدا الحرج في وجه ابن علي وانتابته كحه خفيفه بسق في منديل صوفي ثم رده الى جيبه قائلا هذا القران محفوظ فلو طارت كل المصاحف الان او رميت في البحر لاستطاع كل حي من احياء المسلمين كتابته كاملا من صدور اطفالهم اليس كذلك؟ بلى وما دام الله قد تعهد بحفظه فهو محفوظ وحفظ السنه جزء من حفظه لانها شارحه له ثم ان الثقه ممكنه عقلا والثقاه معروفون وبراهين الوقائع تثبت ذلك كان الجاحظ يستمع بانتباه لكلام ابن عليه وكان المديني ينظر الى ردات فعله اكثر من نظره الى شيخه فقال الجاحظ لولا ان الثقات يكذبون في ارائهم لما تناقضت ارائهم فنحن نرى الرجل من المعروفين بعلم الحديث يدعي انه التقى فلانا وهو لم يلقاه هذا يا ولدي ليس بثقه وهو مجروح عندنا فقال الجاحظ لو وجب علينا تصديق المحدث لظاهر عدالته لوجب علينا تصديق مثله وان خالف روايته وناقض خبره ولو صدقناهما لتناقضا ولو تناقضا لصدقنا الضدين وهذا لا يصوح عقلا ثم اشتدت الكحه على ابن علي ورفع عينيه الدامعتين وقال للجاحظ هذا ما نراه وما ننتحله يا ولدي فان كنت من اصحاب الاهواء فصحب غيرنا وارتفعت غمغمات في اطراف حلقه قطعها صوت المديني ان اهل الاهواء مولعون بالشغب على اهل السنه وشعر الجاحظ بالاساءه ثم تذكر ما قال له النظام من ان اهل الحديث لا يؤاخذون بما يؤاخذ به اهل الفلسفه والكلام فامسك ولم يتكلم ساد الهدوء هنيهات ثم وضع ابن عليه يديه على الارض ووقف فوقف بوقوفه كل الحضور وودعوه الى باب المسجد. عاد ابن المديني الى مكان جلوس ابن عليه واسند ظهره لساريه غير ان نصف الحضور انصرف ولم يبقى معه الا فتيه ثلاثه رابعهم الجاحب. تنحنح المديني وكانه يحاول تقليد صوت شيخه دون قصد منه. ان الشيخ لم يعدوا الحق حين قال ان السنه محفوظه. فهذا مالك بن انس الف كتابا جمع فيه السنه من افواه التابعين في المدينه وقد قيد الله رجالا ليتتبعوا الاسانيد وينقدوها ليميزوا الصحيح من السقيم وتوقف عن الحديث ليمسح حبيبات عرق تجمعن تحت جانب عمامته مما يلي صبغه فبادره احد الطلاب ممن هم اكبر منه سنا لما قبل اهل الحديث الروايه عن اصحاب البدع ولما لم تقصر على اهل الاثر الملتزمين بالسنه رد المديني يده الى مستقرها فوق ركبته وقال لا لقد قبل اهل الحديث احاديث مخالفيهم لانه لا يمتنع عقلا وطبعا وجود الصادقين بينهم فالخلق خصله معزوله عن الورع فقد تجد الرجل الذي لا باس بدينه يترخص في الكذب وقد تجد الرجل الذي لا دين له يتص ويانف من الكذب مروءه لا تاثما ولكن يستطيع صاحب البدعه الترخص ووضع الحديث حتى وان كان خلقه متينا ابتسم المديني وهو يرى نفسه قد تصدر للافتاء ولما يصل العشرين من العمر فقال بغبطه ان معاشر اهل الاثر لا نسعى الا لمعرفه الصحيح والسقيم من الاحاديث ولا يمتن عقلا وجود حديث عند بدعي ثقه وصل اليه بطريق لم تتيسر لغيره كان الجاحظ قد شعر بعدم جدوى نقاش غير انه قرر مواصله الاستماع حتى يفهم المنطق الذي يقوم عليه مذهب القوم ثم سال سائل في صوته بحه رافعا صوته لعل ذلك ممكن في مكه والمدينه حيث كان اصحاب رسول الله اما في بصرتنا هذه فما ارى في هذه المبتدعه من معتزله وخوارج وروافض خيرا التفت ابن المديني الى الزقاق المحادي للمسجد فلاحظ ارتفاع النهار فعاد نظره الى الطالب قائلا لكن هنا امرا ربما غاب عنك وهو ان البصره كانت سكنا لجمع من صحابه رسول الله مثل انس بن مالك وابي موسى الاشعري وعبد الله بن عباس الذي تولى امارتها لعلي بن ابي طالب كان المديني يتحدث منطلقا وهو يسرد اسماء الصحابه الذين نزلوا البصره للزياره او السكن وكان اذا تحدث في اسماء الصحابه وتفاصيل حياتهم يستغرب سامعه كيف حفظ كل هذا العلم مع حداثه سنه كان المديني يتحدث والطلاب شاخصوا الابصار اليه والهدوء يخيم على جنبات المسجد المسقوف بالاجر وجريد النخل فجاه تحرك باب المسجد فالتفت احد الطلاب فراى جاريه هنديه تحمل اناء كبيرا اشار المديني اليه بالقيام اليها وقف الطالب اليها فناولته اناء خزفيا مترعا باللبن ثم قالت والحياء يغلبها لقد بعثتني مولاتي بهذا الشراب عاد الطالب بالاناء وعين الجاحظ لا تكاد ترتفع عنه فقد كان يشعر بجوع شديد وضع الطالب الاناء بين يدي المديني ثم قام الى حجره في جانب المسجد واتى باناء صغير اترع الاناء الخشبي الصغير من اللبن المخيض وناول ابن المديني فاعتذر فناول الطلاب واحدا واحدا وصل المديني حديثه بهدوء وصوت ازدراد اللبن يترامى الى سمعه وقال لقد نزل بالب البصره كثير من الصحابه مثل عتبه بن غزوان وعمران بن حسين وابي برزه الاسلمي ومعقل بن يسار وعبد الرحمن بن سمره وابي زيد الانصاري وعبد الله بن الشخير والحكم وعثمان ابني ابي العاص كان الاناء قد وصل الى اخر الطلاب جلوسا في طرف الحلقه تعبى منه ثم وضعه على الارض ومسح فمه بيده قال ولا تنسى ايها الشيخ ان الناس تعلموا في هذه المدينه على يدي الحسن البصري الذي ادرك 500 من الصحابه ومحمد بن سيرين وايوب السختياني وبهز بن حكيم القشيري ويونس بن عبيد وخالد بن مهران الحذاء وعبد الله بن عون وعاصمه بن سليمان الاحول وقدادد ابن دعامه السدوسي وغيرهم تهللت سرير المديني ثم استدرك على الطالب قائلا هذا صحيح غير اننا نرى ان الحسن البصري مدلس فقاطعه الطالب وقد خف الجفاف الذي كان باديا على محياه قبل الشراب اعلم ذلك ايها الشيخ ولكن في تلاميذه ثقاتا عدولا لم يتمالك الجاحظ ان قال بصوت منخفض اذا كان الحسن البصري غير عدل فكيف نثق في العداله معيارا للروايه قال المديني الحسن البصري عدل ثقه لكنه يدلس في الروايه وهنا فرق دقيق وابتسم الجاحظ هم ان يرد بجمله مفحمه ثم تذكر ان ابن المديني قد يغضب وان لا فائده من محاوره هؤلاء بالحجج المنطقيه تتاب ابن المديني وهو يبادل الجاحظ النظرات وسالت دمعه على خده الايمن مسحها بطرف اصبعه قائلا لعلنا نلقاكم في صلاه ظهيره وقف القوم واحدا تلو الاخر والتفت المديني الى احد الطلاب قائلا اعد الى الجارهها خرج الجميع من باب المسجد وخرج الجاحظ مفكرا في طول المسافه التي تفصله عن مدرسه الخليل ثم توسط الطريق وهو يفكر كيف سيجد ما يسد به رمقه فامعاؤه تكاد تتشقق جوعا الدوحه عام 1438 للهجره لا يذكر كم جالسها بعد ذلك ولا كيف بدا يشك في تصيدها له في الكافيتيريا لكنه كان لا يلقي لها بالا بدايه فما هي من الفتيات اللائي تشعر نحوهن بانجذاب من اول مره بل كانت من ذلك النمط من النساء المحتاج لوقت طويل كي يرمي حبال غوايته تستطيع بعض النساء رمي الفؤاد بسهم من اول لقاء اما بعضهن فلا بد ان يسافر الرجل في عوالمها كي ينجذب اليها بتدرج تماما مثل امواج الشطان تزحف بتدرج حتى تغرق الغافل الواقف على ضفافها لقد سافر في عالمها اياما وابحر في تلافيف شخصيتها اشهرا دون ان يدري بدات العلاقه تتوطد وشغاف القلب تتماهى تواعدا على الكورنيش دون ان يمشيا معا بل يمشي كل منهما على حافته بحيث يراه الاخر من بعيد ثم يتحدثان على الهاتف تستمر احاديثهما احيانا ساعات عرف عنها كل شيء عرف كيف ترك والدها السعوديه وقرر الاستقرار في قطر وكيف طلق امها التي بقيت هناك وكيف سافرت هي لدراسه امن المعلومات في احدى الجامعات الامريكيه مكنته مئات الساعات الهاتفيه واللقاءات الخاطفه في كافيتيريا قناه العروبه من التعود على شخصيتها الغريبه فلم تكن حصه فتاه سعوديه عاديه فقد اورثها الجو الديني المكثف في منطقتها بالسعوديه ضيقا شديدا بالمتدين وفهما خاصا للاسلام فهي تسخر دائما من المتدينين لكنها تخشى من العين خشيه جنونيه تدعو الى الليبراليه الاجتماعيه لكنها ضد الحريه السياسيه تنتقد الحركات الاسلاميه السياسيه لكنها تدافع عن المدرسه الوهابيه بعقليه بدوي يطلب ثار ابيه كلمته قبل ايام هاتفيا قائله دون مقدمات قل ما شاء الله لا قوه الا بالله ليش قل وبعدين اقول لك ما شاء الله لا قوه الا بالله قبل يوم قلت لي ان سيارتي جميله ومن يومها وانا الاحظ اني اكاد اقع في حادث سير عند كل منعرج ومع ذلك تعطي الانطباع بميلها الى التفسير العقلي للدين مع محدوديه ثقافتها وتدعي احيانا ميلها الى شيء من التحرر السياسي ثم ما تلبث في اول نقاش جاد ان تنفجر نحن العرب لا نصلح الا للحكم الاستبدادي ومع ملابسها اللافته وحرصها الدائم على ارتداء الجنز وكشف الراس فهي محافظه اجتماعيا كانت غرابه شخصيتها اكبر ما يغريه فيها ومن اشد ما يضايقها من نفسها فهو يضيق بالفتاه الباهته العاديه التي تخلو حياتها من اي تعرجات او نتوءات كان يقول لاصحابه انا لا اريد ان اتزوج فتاه مثل جدتي اريد فتاه تفاجئني طول الطريق حتى ولو كانت مفاجات سلبيه اما هي فكانت ايضا مما يجذبها اليه غرابه شخصيته تحب تعلقه باللغه ومبالغته في اهميتها في كل شيء وكانت تتمتع بمراقبته وهو يكلم العمال الاسيويين بالفصحى فاذا تعلموا منه كلمه برقت عيناه بسعاده طفل فقير حصل فجاه على لعبه كان يعلمهم ويكتب لهم الكلمات على المناديل ويهجيها لهم حتى يتاكد من صحه نطقهم لها واذا عاد الى نفس المكان استخدم معهم نفس الكلمات التي علمهم اياها ومع ان سر انجذاب كل منهما للاخر غرابه شخصيته فان كلا منهما يود لو غير ذلك الجانب من شخصيته والانسان لا ينتبه دائما لاقوى اسلحته التي يملك كان من اكثر ما جذبها اليه تدينه المخالف للتدين الذي عرفته فعندما راته اول مره لم تتوقع تدينه لكنها مع طول الصحبه هجمت منه على خصائص غريبه فقد اكتشفت استحاله التواصل معه ببعض الاماسي وبعد تتبع وكيد فهمت انه يعتكف في مسجد منعزل في ضاحيه من ضواحي الدوحه كما اكتشفت ولعه بصدقه السر وكلفه بمساعده المعوزين فكم ذهب الى ورش البناء في منطقه الدفنه مترصدا العمال الاسيويين لحظه انقلابهم من اعمالهم منهكين ليدس مئات الريالات في جيوبهم وكم وزع عليهم المشروبات في ايام الدوحه القائضه ومما زادها اعجابا بتدينه المختلف ذلك الجهد الذي يبذله في اخفاء صدقاته وعباداته حرصا على الاجر كان هذا الجانب من شخصيته مناقضا لانماط من التدين الفتها في اهل منطقتها ممن يتدثرون بعباءه التدين اليوم كانا جالسين في الكافيتيريا فضع هاتفه طلب منها ان تتصل عليه فاتصلت رن الهاتف فوجدته مريا تحت الكرسي امسكته لتناوله اياه فكانت المفاجاه ان رقمها مخزن في هاتفه تحت اسم مطوعه بريده صاحت حرام عليك لما تسميني مطوعه بريده هل تراني ي اشبه مطوعي بريده ارى انك حنبليه في مسلاخ ليبراليه وقبليه في لحاف مواطنه كيف تردد قليلا وهو يشيح بوجهه نحو مدخل الكافيتيريا مداريا ابتسامه مطوعه بريده اسم جميل ابتسمت وهي تشعر بالفه غريبه مع اسم تسمعه لاول مره ثم حركت كاس القهوه وقالت لكنك تعرف اني لا اضيق بشيء ضيقي بمطاوعه بريده لكن افكارك الدفينه كلها افكار مطوع من بريده ظلت تنظر في كوب القهوه وهي تفكر في مدى دقه ما قال حانت منه التفاته الى شاشه التلفاز المعلقه فراى خطا نحويا فادحا اسفل الشاشه وقف دون مقدمات وصاح بلهجته الموريتانيه الله يقصر اعمار اركب انتشلها منظره من الجو الجاد الذي كانت فيه فدارت ضحكه وهي تراقبه ثم قالت اجلس ما علي ولا تنسى انك لست مدققا عادت لحظات الصمت ثم قطعها هو بعد ان سكنت فورته قائلا اللغه العربيه يتيمه بين هذه الجدران ولا يهتم بها احد انا من اسره تعلي قيمه اللغه وكان جدي لا يرضى ان يبيت بمكان ليس فيه نسخه من القاموس المحيط شعرت بملل وهي تسمعه يبدا في الحديث عن اللغه لعلمها انه اذا فعل ينسى المكان والزمان ولا يتوقف فقاطعته ساخره اما انا فكان جدي قاطع طريق انتبه الى انه قد يكون بالغ في مدح اجداده وها هو يتحدث مع بنت من مجتمع يعلي من القيم القبليه وان تنكرت هي لكل ذلك فقال بخجل ونصف سكان بلدي كانوا قطع طرق ايضا قطعت الحديث قائله بمكر انثوي تعجبني لغه المذيعه سلمى رمت العباره وحدجته بعينيها حتى تقرا كل حركه في جفنيه وكل دوران لحدقتيه رمت العباره ثم كمنت له متحفزه كانها هره تستعد للوث فقال بعفويه اي والله انتبه لوقوعه في الفخ والتفت رعى عينيها مترعتين بالغيره الحارقه قال وكانه طفل امسكه ابوه يسرق من الجيران قصدي ان لغتها جيده لكنها ثقيله الدم لم تجبه وساد صمط لثوان ثم ظهر صديقه مازن قادما من مدخل الكافيتيريا ملوحا بيده المقبوضه على سيجار قطع القروي الصمت وقال الا ترين ان الوقت حان لنناقش الموضوع فهمت ما يقصده وتغافلت مقطبه جبينها اي موضوع الموضوع الذي ناقشناه البارحه هاتفيا لم تجبه وفكرت ان تصيح في وجهه وهالمر على تعارفنا الا اشهر قلائل غير انها دارت مشاعرها والتفتت جهه موظفه الكافيتيريا متخيله صوره والدها يقول لامها البنت انهبلت كيف تتجرا على التفكير في هذا لاحظ سحابه غضب مشوب بهم على وجهها وعينيها العسليتين لم يتكلم بل قرر انتظارها حتى تبدا الحديث مر وقت مترع بالصمت الثقيل ثم قالت لا ارى ان الوقت مناسب للحديث مع اهلي في هذا الامر وقفت دفعه واحده واخذت حقيبتها اليدويه وتوارت ركض هو الى مكتبه وخياله يبتعد شيئا فشيئا عن عالمها وعن عالم الاعلام والصور المعاصره ليغرق بعيدا في حواري البصره التفت الجاحظ بعد ان غزت منخريه رائحه شهيه فراى الدجاج المشوي الشهي يسيل سمنا امام دكان فران فازدادت سخونه البخار الحار الذي يكاد يفتت امعاءه تخيل موائد الاثرياء وما فيها من متع وانس وبهجه وهو يدخل الى باب الجامع الكبير بالبصره ادار بصره في الجامع المكتض راى صالحا الخوزي اشهر مناظر عن عقائد المجوس في البصره قادما من الباب الاخر يتخطى الرقاب بصعوبه وهو في طريقه الى منبر منصوب بين السواري بعيدا عن المحراب جلس الجاحظ ووقف شاب واضح اللهجه حلو مخارج الحروف اسمروا السحنه وبيده ورقه وقلم وقال يا اهل البصره هذان شيخان من اجل مشايخكم هذا صالح الخوزي وابو هديل العلاف سيتناظران وفق اداب المناظره والمباحثه صالح يناظر عن الثنويه والعلاف عن التوحيد فلا تنسوا ان الحق مقصدنا وان الصراخ والصياح ليسا غلبه بل شغبا وسوء ادب ثم التفت الشاب الى صالح وطلب منه الوقوف لبدء المناظره وضع صالح يديه على الارض ثم تحامل عليهما واقفا مشى خطوات وارتقى المنبر بصعوبه ثم جلس بس التفت يسره فراى مجموعه من الشبان جالسين بزييهم المحتشم وعمائمهم المكوره فعرف انهم من تلاميذ العلاب والتفت يمنه فلاحت له كوكبه من طلابه وحوارييه جالسين حاسري الرؤوس امر يسراه على طرف لحيته الصهباء وقال نحن نقول ان النور والظلام هما اصلا الخير والشر في هذا العالم ونرى ان العالم مركب من عشره عناصر خمسه منها عناصر خير ونور وخمسه منها عناصر شر وظلمه كان صالح يتحدث والهدوء يغزو جنبات المسجد الا من صرير الاقلام على القراطيس بايدي الطلاب او كحه شارده من صدر شيخ مريض فنوافذ المسجد مغلقه لتلبد السماء بالغيم وهبوب ريح الشمال الاتيه برائحه سوق الغنم غير البعيد مما زاد كثافه رائحه العرق الناشئ من الزحام وصل صالح حديثه بمخارجه الواضحه ولغته العربيه الثقيله ان الانسان مركب من تلك الاجناس على قدر ما يكون في كل واحد من رجحان جنس الخير على جنس الشر ثم ان الانسان وان كان ذا حواس خمس فان في كل حاسه منها عناصر من الاجناس الخمسه فمتى نظرت الام مثلا نظره رحمه فتلك النظره من النور ولا نسب بينها وبين الظلمه ومتى نظر الانسان نظره غضب الى عدوه فتلك من الظلمه لا محاله وقص على هذا غير ان ها هنا جزءا لطيفا لابد من التنبيه عليه ف التفت صالح يمينه ملقيا ناظره الى طرف المسجد فراى رجلا كبيرا نحيفا يدس يديه الشاحبتين ليفلي ملا لابسه القدر منشغلا باخراج القمل وقتله احمرت وجنتاه واستولى عليه شعور بالرغبه في انهاء الحديث اذ كيف يتحدث الى هؤلاء عن مسائل من دقيق الكلام ثم التفت فراها عيني ابي الهدي العلاف العميقتين مستقرتين عليه تترصدان كل كلمه يفوه بها فانبعث من جديد بعزيمه شات رات ذئبا فانتم تصيرون على ان الله واحد ولا تنكرون من عقائدنا شيئا انكاركم للثنويه فما الدليل على ان الله واحد وصل حديثه حاشدا كل الادله على فكره الثانويه وقيام العالم على اصلي الخير والشر المتنافرين مستخدما كل ما اوتي من جدل وبلاغه ثم اشار له الشاب الاسمر القائم على تنظيم المناظره عاقدا اصبعين منبها اياه الى ان عليه انهاء حديثه بعد هنيهات التفت الشاب الى العلاف طالبا منه التقدم لصعود المنبر وقف العلاف دفعه واحده كانه يقفز فجسمه النحيف المخروط وملابسه الخفيفه البيضاء تجعل حركته سريعه تشبه حركه الصبيان مع كونه جاوز الاربعين تقدم الى المنبر مبسملا ومحوقلا جلس على المنبر واخرج من جيب جبته منديلا مسح به ارنبه انفه القصير وجبهته بدا العلاف يتحدث بادئا بقراءه الايه لو كان فيهما الهه الا الله لفسدته ثم اتفق يحشد الادله على استحاله قيام العالم الا على اله واحد مدبر لطيف كان الجاحظ جالسا وسط طلاب ابي هديل وبين يديه كومه كراريس لا يكاد يرفع بصره عنها الى المتناظرين لانشغال بالكتابه اما النظام فكان جالسا عند ظهر شيخه ابي الهديل حتى ان ركبتيه تكادان تلامسان المنبر ثم جاء صوت العلاف اما سؤالكم لماذا نؤمن بان الله واحد لا ثاني له فلانه لو كان معه اله قديم لوجب ان يكون مثله في القدم وهذا يستلزم عقلا ان يكون قديما لنفسه وذاك يعني ان يكون ايضا قديم لنفسه واذا كان الالهان قديرين لنفسيهما وجب ان يريد احدهما اراده ويريد الاخرى واذا وقع ذلك فالامر لا يخرج عن ثلاثه احتمالات اما ان يقع ما يريده كل منهما وهذا محال لتضايهما واما الا يقع مراد اي منهما وهذا محال لانه يستلزم ضعفهما معا والاله لا يجوز في حقه الضعف اما الاحتمال الثالث فهو ان يقع مراد احدهما وذلك يوجب انه اقوى وان الاخر ضعيف والضعيف لا يكون قديما ولا الها كان العلاف يتحدث والنظام يدير عينيه ناظرا الى الحضور متفرصا مدى فهمهم وادراكهم فوقعت عينه على شاب مستوفز يراوح بين الجلوس على ركبتيه والتربع فاغراف يتلقف كل كلمه وكان عن يمين الشاب المشوه صهيب الحمال واضعا يده تحت دقنه عابثا باسنانه اما تلاميذ ابي الهديل المحيطون بالنظام فمشرايب الاعناق يلتقطون كل كلمه ويلاحظون كل حيله من حيل المناظرات الرائجه في مساجد البصره اما زمره طلاب حاسري الرؤوس عن يمين الحوزي فكان احدهم يقلب مجلدا ضخما كانما يبحث عن شيء اضاعه اما الباقون فكانوا منسطين وابصارهم شاخصه اشار الشاب المنظم للمناظره الى الخوزي بالعوده الى المنبر فلما وقف وبدا الحديث صاح رجل من جهه الباب المؤدي الى السوق امه زانيه من لا يؤمن بالله واليوم الاخر اشار الشاب بيده لصالح بالتوقف ملتفتا جهه الباب سائلا بصوت مليء بالاحتجاج من صاحب الصوت المنكر تصاعدت غمغمات وهممات وجاء صوت شيخ مزمل في ثوبه مستلق على قفاه ذاك عبيد الكناس وقد ولى هاربا هدات الاصوات ثم اشار الشاب للهوزي بمواصله الحديد مرته المناظره بانقطاع الخوزي والانقطاع ان يلزم الخصم خصمه بدليل عقلي لا يستطيع الانفكاك منه بعد نهايه المناظره انفض الجمع فيما تصافح المتناظران وتقارب طلابهما وخرجوا جميعا من المسجد متجهين صوب منزل الخوزي لتناول الطعام وكانت هذه افضل اللحظات التي ينتظرها الجاحظ والنظام بترقب فهي فرصتهما الوحيده لملء بطنيهما ما طعاما تتراس الاخصاص خطيا وابوابها مشرعه جهه البصره كان الجاحظ قد تعود الجلوس خلال الاشهر الماضيه على هذا الكثيب الصغير المجاور للاخصاص فهدوء الليل وظلامه يملان روحه رهبه كثيرا ما يجلس هنا وحيدا بعد نوم رفاقه للخلو بنفسه ومعرفه دخيلتها فيخاطبها قائلا انك لتنفق سحابه يومك متاملا في نفوس الناس فاصبر لتفهم نفسك التي بين جنبيك يجلس على الكثيب ينكت في الارض بعود بيده مستغربا كيف انه احيانا يفاجا بسمات من دخيله نفسه غريبه عنه حتى انه فكر مره في ان روحه لو تجسدت شخصا امامه وتحادث معها لما عرفها غرق في التفكير في معايب نفسه ومثالبها متذكرا مواقف مرت به اليوم رمى العود وهو يتذكر كيف ما زحاه ابو نواس بقوله تخيل لو ان الله مسخ كل حسناوات الدنيا وصيرهن على شكلك كيف يطيب العيش بعد ذلك وتذكر كيف تكلف الضحك مجامله لكن ابا نواس احس بذلك ذلك فاعتذر له لكنه انكر غضبه من المزاح وهو يعلم في دخيله نفسه انه غضب طوحت به الافكار وكان الجو هادئا الا من اصوات بحاره سمار على نهر غير بعيد تترامى ضحكاتهم الى مسمعيه احيانا وسط سرير ريح الشمال العابثه بابواب الاخصاص وقف من مكان جلوسه متذكرا ان الخليل بن احمد عاده ما يخصص هذا الوقت للصلاه وكيف ان صوت قراءته للقران في تهجده من اعدب ما يحرك كوامن نفسه نزل من فوق الربوه ناظرا جهه المدينه وهو يفكر في ان الخليل لزهده وورعه اختار هذا المكان بحيث تصبح المدينه وكانها توليه ظهرها حتى لا يرى محاسنها وصل الى الخص الاول على يمينه لكنه لم يسمع قراءه الخليل مع ان هذا وقت تهجده عاده ثم تذكر انه لم ياتي الليله على خلاف عادته فقد عود الخليل طلابه ان يقضي بدايه الليل في بيته في طرف البصره لكنه ما يصلي العشاء في بيته حتى ياتي الى هذه الاخصاص ويبدا تدريس طلابه النحو والصرف والموسيقى والرياضيات والانساب سمع صيحه منكر التفت فلمح احد الطلاب قادما من جهه البصره يركض وراى النظام قادما يمسح عينيه من نوم لم يستلده طويلا وهو يكرر ايش اقترب الرجل فتسابق اليه الجاحظ والنظام بادره النظام قائلا بصوت مازال مفعما بنبره نعاس ما الخبر لقد توفي شيخنا الخليل لم تكد قوائم النظ تحمله فجتا على ركبتيه مرددا انا لله وانا اليه راجعون بدا جمع من الطلاب يتململون في اخصاصهم يستيقظون الواحده تلو الاخر لارتفاع الاصوات جاء احدهم يركض الى النظام ماذا حدث لقد توفي شيخنا الخليل حسبنا الله ونعم الوكيل ارجع ونم حتى ينبلج الصباح مشى النظام عائدا الى خصه والجاظ يتبعه واجما وجد ابا نواس جالسا عند الباب دخلا بصمت جلس الثلاثه كل منهم في ركن من الخص كل واحد ينتظر تصرف الاخر فلم يجمع اهل البصره على حب رجل كما اجمعوا على حبهم للخليل يلف ظلام المكان وتختنق صدور كل منهم بغصه وتدور دموع في العيون المتلفه في الظلام. يجمع بين اخيلتهم في تلك اللحظه صوره الخليل بن احمد وهو يبتسم ويعلم. بعد ارتفاع الشمس بقليل تجمع الطلاب واتجهوا جهه دار الخليل لحضور جنازته. امتلات جوانب الدار باصناف الطلاب الذين لم يجتمعوا قط خارج مكان الدرس قبل اليوم. تقدم نجل الخليل مشيرا بيده للناس بالهدوء ثم ارتقى صخره جااتمه ما بين باب الدار وباب الحائط وقال ايها الناس اننا ننتظر ابا الهديل العلاف للصلاه على شيخ ثم بعد ذلك نذهب الى المقبره كان الجاحظ في طرف الناس مما يلي مدخل المنزل وكان الهدوء يخيم على المكان الا من نشيج يتعالى احيانا من صدور بعض الطلاب لاب يجاوبه نحيب نساء قادم من جهه الدار جلس بعض الطلاب على الارض ودخل بعضهم الى غرفه واسعه عند مدخل البيت في انتظار قدوم العلاب كان الجاحظ والنظام جالسين على الارض وظهراهما للدار ويحاولان تخفيف الحزن عنهما بالنظر الى كل داخل الى الدار من الشارع الصغير الذي يشرف عليه المنزل التفت الجاحظ دون ان ينظر اليه وقال لقد خلت البصره من اعقل العرب رفع النظام وجهه وشفته السفلى الغليظه ترتعد قليلا لقد كان الخليل ايه في الزهد والله لقد رايت الخلفاء يبعثون له ملحين طالبين زيارته فلا يزيد على ان يقلب الورقه ويكتب على ظهرها معتدرا دخل ابو الهديل العلاف مقنعا يمشي كانه يقفز فقام الناس محيين ومسلمين سلم على الطلاب المجتمعين في رده الدار ثم اخذه نجل الخليل ليحدث النساء ويصبرهن تراجع الطلاب ووصل العلاف التقدم مع نجل الخليل في الدهليز الداخل الى الدار حتى اختفيا تقدم ابن الخليل امام العلاف مشيرا له بيده الى ردهه واسعه وجد فيها عده نساء مجتمعات ولهن خنين من البكاء وقف العلاف وحمد الله واثنى عليه ثم بدا الحديث لكنه ما ان بدا حتى تذكر شمائل صديقه فخاف ان تخنقه العبره فيثير مكامن شجن جاء ليسلي عنها تمالك نفسه ورفع صوته اما بعد فان هذا الشيخ قدم الى ما قدم وانتم تعلمون انه ليس في هذه المدينه الواسعه رجل اتفق الناس على صلاحه وحسن سمته وشبه سره بعلانيته منه فنحن لا نستطيع ان نحدثكم عن شمائله وعبادته فانتم بها ادرى ولها اراى لكننا نذكركم بوعد الله لمعلمي ناس العلم وهذا الشيخ ما كان له هم الا كيف يعلم درار المسلمين العلم ويمهد لهم ما لم يمهد من علوم وصل العلاف حديثه فهدا الخنين والبكاء الذي كان قد هاج في بدايه حديثه فهيبه ابي الهديل فرضت على النساء هدوءا وسكينه ثم دعا وانصرف ماكاد العلاف يعود الى الرده الواسعه عند مدخل الدار حيث يجتمع الطلاب حتى جاء النعش محمولا على الاعناق ليوضع وضع النعش وتصافى الناس للصلاه عليه فجاه خرجت فتاه من داخل الدار حسره الراس باكيه والقت نفسها على النعش تقبله خرج نجل الخليل راكضا وامسك ذراعها واعادها الى البيت كان الجاحظ واقفا في الصف الامامي مما يلي النعش لم يدري ما وقع بالضبط كل شيء كان سريعا وخاطفا لكنه وجد اثر ما وقع في قلبه اذ وجد قلبه ماخوذا بتامل شعر الفتاه الذهبي وجبينها الوضاء وذلك اللغز المتجمع ما بين عينيها وفمها شعر بحرج شديد وسخط على نفسه وتضايق كيف امكنه النظر بريبه الى بنت شيخه لحظه وفاته هل يمكن ان تكون كل هذه القساوه والبلاده والانيه تعشش في قلبه دون ان يدري كيف يمكن لمن تتلمذ على الخليل وراى خص صاله ان ينظر الى بناته بريبه في منزله وجثمانه مسج والصلاه عليه قائمه شعر الجاحظ بضيق شديد فجعل يراوح بين قدميه كانه واقف على جمر يرفع رجله اليمنى ويضعها ثم يرفع اليسرى ويضعها كان يمسك طرف عمامته ويمسح بها جبينه الذي بدا يتفصد عرقا شعر كان كل من في الدار راى نظراته للفتاه واطلع على الخواطر التي ضللت فؤاده تعجب مما راه خصه في نفسه ودناءه في نحيزته شعر ان كل من في المكان ابصر ما في قلبه فراى خواطره المذنبه وهو يشتهي بنت الخليل على نعش الخليل فجاءتني التفت اليه النظام وهو يقول مالك مالي ا لا شيء لا شيء اوه لا باس عليك لله ما اخذ ولله ما اعطى فلا تذهب نفسك حسرات ازداد الم الجاحظ للمنزله التي يضعه فيها رفيقه وهو لا يستحقها تسارعت دقات قلبه حزنا واسفا على تلك الخواطر واثناء ذلك تقدم العلاف وقال بصوت فصيح قوي الله اكبر كبر الناس خلفه وبدات الصلاه فهدا كل شيء هدات اصوات النشيج والخنين القادمه من داخل البيت ولم يبقى الا لح رجال المصلين تتحرك بالدعاء والقراءه يقطعها بين الفتره واختها صوت العلاف الله اكبر غالب الجاحظ خواطره فاطمان قليلا لكنه ما ان بدا قراءه الفاتحه حتى عادت سوره الجبين الوضاح والناصيه المقطبه والشعر الذهبي والبنان الخضيب مترائيه من فوق النعش تمتم رافعا بصره الى السماء متوسلا والعبره تكاد تخنقه ثم جاء صوت العلاف وهو يقول بهدوء السلام عليكم ورحمه الله تحرك بعض المصلين من اماكنهم راكضين جهه النعش ليحملوه فاشار اليهم العلاف بيده ان يبقوا في اماكنهم ثم اعتلى الصخره الموجوده وسط الفناء وقال ايها الناس انحن اليوم نودع شيخ اهل البصره وقدوتهم انحن ندفن الزهد والورع والعلم لقد اكل الناس الفالودج وكنزوا الذهب والفضه من علم صاحب هذا الجثمان المسجه وهو في اخصاصه التي تعرفون لا يبرح ها انحن اليوم نودع اعقل العرب وازهدها وانقاها ولا نزكيه على ربه لكننا شهداء بما نعلم السنه الخلق اقلام الحق ارتفعت صيحه في الطرف فاشار العلاف بيده طالبا الهدوء ثم عدل عمامته وواصل لقد علمتم كيف توفي الخليل لقد جلس يفكر 20 يوما كيف يضع قواعد حسابيه لا يظلم بعدها احد احدا في الحساب ولا يتمكن بعدها بائع او صاحب دكان من خداع الشاب الغمر او الفتاه الغريره وما ان نطق بتلك العباره حتى قفز قلب الجاحظ فدس راسه بين ركبتيه محاولا التخلص من الصوره التي هجمت على خياله تابع العلاف حديثه قائلا كان يسعى الى ان يستوي الناس في علوم الحساب فلا يستطيع تاجر مهما كان ان يظلم اخر ونظم قواعد حسابيه تجعل كل ما يهجس الخاطر بوقوعه بين الناس من معاملات محفوظا ومعلوما بالعدد ولشده استغراقه في الامر ظل يدور بين سوار المسجد الى ان اصطدم بساريه فشجت راسه فسقط ولم يتعافى منها الى ان توفي رحمه الله انطلقت حناجر المشيعين بالترحم والدعاء فنزل العلاف من فوق الصخره وتبادر الناس الى النعش لحمله الى المقبره حاول الجاحظ التقدم جهه النعش وسط الزحام غير ان رجلا قوي البنيه ناصع البياض تفوح من اردانه رائحه المسك ويرخي عمامه بين كتفيه قفز امامه حتى اصبح لا يرى الا منكبيه العريضين فحرمه من التقدم قيد انملهم حاول الجاحظ تامل امل وجه الرجل صاحب المنكبين العريضين الذي زحمه ففوجئ بانه علي بن المديني وقف مكانه وهو يفكر لما تقاعس عن حمل النعش عند اول زحمه ولما خانته ساقاه حتى وجد نفسه متاخرا الصفوف التي تخرج من المنزل حدثته نفسه لحظه خروجه من باب الدار ان يلتفت وراءه وبخفز خارج البيت دون ان يلتفت لكن قلبه كان متلتا يتدافع حمال ومكار عند مدخل سوق المربد ويزعم كل منهما انه سبق الاخر الى المراه التي تجر حملا ثقيلا من امتعه اشترتها توا ينقطع الجدال بينهما بعد ان يصم الاذان نهيق حمار بقربهما فيركض الحمال جهه جماعه من الاعراب دخلت السوق حالا تتزاحم في السوق الذي يقتض عاده ضحا روائح الغبار المتصاعد المختلط بروث البهائم مع ايمان الباعه المغلضه ولهجات الاعراب المستطرفه ولكنات الجواري والغلمان الهجينه بدا النهار يرتفع غير ان الجاحظ والنظام لا يملان من سماع احاديث الاعراب لا سما ان كان الاصمعي والكسائي يحرشان بينهم فهذا الاصمعي والكسائي جالسان وسط جماعه من الاعراب في طرف السوق يجلس الاصمعي على الارض الداكنه ليس بينه وبينها حائل رغم نظافه جبته السوداء ويتربع الكسائي على حصير وبين يديه محبره ودوات وقراطيس يجلس قباله الكساء اعرابي اسمر البشر اشعث الراس نحيف الاعضاء مشتملا في شمله لا تكاد تواري نصف جسمه لا يستقر الاعرابي على حال فتاره يجلس على قدميه وتاره ينكت في الارض بعصاه وهو يتكلم دون رفع عينيه الى مخاطبه رفع الكسائي بصره الى الاعرابي وقال هل يستقيم كلام من يقول اردت لكي ان اذهب الى بيتي فيقول الاعرابي ما سمعت هذا الكلام قط التفت الاصمعي الى الكسائي قائلا لكن سمعنا من يروي قول القائل اردت لكي ما ان تطير بقربتي فتتركها شنا ببيداء بلقعي فقال قال الكسائي دون ان يرفع بصره عند فاتره هذا بيت لا يعرف قائله ونحن لا نحتاج بالبيت المجهول قائله كان النظام يراقب دون ان يتحدث اما الجاحظ فكان لا يرفع عينيه عن الاعرابي وبيده كراريس يكتب فيها تنحنح الجاحظ وقال للاعربي من اي العرب انت ايادي ما اظنك الا دخيله فيهم وما انت منهم في شيء فانا اعرف سحنهم واكاد اميز نعامهم في مراتع الكلا فكيف بمن هو منهم صليبه وثب الاعرابي من مكانه واقفا رافعا عصاه جهه الجاحظ حتى فرق الغبار كراريس الكسائي التي بين يديه قهقه الجاحظ وهو يشير بيده للاعربي ان يجلس مقسما له انه يمازح احتدم الحديث بين الجاحظ والاعرابي بينما كان الكسائي لا يكف عن التبسم في وقار متعجبا من شطط الجاحظ وسرعه غضب الاعربي جلس الاعرابي مع تمنع متصنع ومر بائع ينادي على كومه من البقول قرع قرع من يشتري القرع التفت الاعرابي عاقدا بين عينيه مشيرا الى القرع بعصاه وما القرع اجابه الكسائي وهو يشيح بنظره بسرعه عن فتاه حسناء مرت بقربه ضرب من البقول يكثر في الحواضر الا تعرفونه في باديتكم لا اعرفه كان الاعرابي يجيب على اسئله الاصمعي والكسائي لكنه بدا يتلفت ويكثر القول انه يريد اللحق باهله قبل انتصاف النهار ادخل الكسائي يده في كمه واخرج درهما ومده اليه فالتقطه بيمينه دون ان يمدها حتى لا تسقط عصاه المثبته تحت ابطه اخذ الدرهم ووقف دون ان ينبس التفت الجاحظ الى الكسائي قائلا اترى انه لم يسمع قط بالقرع نعم لا اراه ابصره قبل الان ابتسم الجاحظ بسخريه ما ارى الا ان نصف لحمه نبت من القرع واكاد اقسم ان امه حنكتبه به لكنه لما علم انكم تفضلون الروايه عن الاعرابي المفرط في التوحش على الروايه عن الاعرابي الذي ينزل الحواضر تظاهر بجهل البقول ابتسم الاصمعي رافعا طرف ثوبه ليضع يده اليسرى على النظام قائلا كنت انا والنظام هذا في سوق الوراقين بالبصره فوقف علينا اعرابي مخشوشن مستبشع المنظر وطفق يكلمنا بلهجه اعراب ربيعه فما شككنا انه لم يرى الدور ولا الديك الا يومه ذاك وجلست وسالته عن 20 حرفا وكتبتها عنه وما هي الا ساعه حتى اطل علينا حماد الراوي فلما دخل حماد لاحظنا اضطراب الاعرابي وجزعه فلما التقت اعينهما ناداه حماد اهلا بابي لبينه قالها حماد ومطنون كالمتغني والساخر فوضع الاعرابي عمامته على فمه وهو يضحك وولى مدبرا امسك الجاحظ حزمه الكراريس التي بيده ولفها لبا ثم دسها في كمه وهو يلتفت الى الاصمع انا لا ادري لماذا اوقفتم الاحتجاج بالشعر عند بشار بن برد ولما قلتم ان اشعار المولدين لا يحتج بها مع اني لا اشك في ان صاحبنا ابا نواس فصيح فصاحه الاعراب ان الامر لا يتعلق بالفصاحه فنحن لا نشك في كون عرصه المربد هذه ملاى بالفصحاء من اهل البصره وعربها القاطنين فيها وان فيها من يتفنن في القول لكننا لا نكتب الا لغه الاعراب التي لم تختلط بالهجنه ولم تشبهها الرطنان فالاذن لقاط طه لما تسمع وما نضمن اذا اطال العربي القح المكت ان يعلق بلسانه لحن فنقيس على كلامه فيصبح اللحن مصدرا من مصادر القواعد التي نضعها كان الاصمعي يتحدث فبدا جلساؤه يقتربون منه متحلقين كان حلو الكلام ثابت الاعضاء اثناء الحديث وضع الكسائي يده على ركبه الاصمعي وهو يقول والله ان عجائب الاعراب لا تنقضي كنا مره عند الخليل نتدارس فجاءنا اعرابي مشتمل بشمله وجلس الينا فسمع كلامنا عن الفاعل والمفعول والجار والمجرور والعامل والمعمول فدهش لكلامنا واظهر الاستغراب والتفجع فلما انفض الدرس دعوناه للاكل معنا في احد الاخصاص فلما ملا بطنه من السكباج والكباب اطجع على قفاه وجعل يهينم بكلام غير مسموع فاقترب منه يونس بن حبيب وقال له ما الذي تهينم به؟ فقال انما هي ابيات قلتها في يومي هذا فما زال مجلسكم وطنطناتكم في اذني ايهن اسمعنا وماذا قلت فرفع الاعرابي رجليه وجلس لس دفعه واحده كانه ارنب في فلاه وقال بلكنه اعالي تهاما اني ربيت بارض لا تشب بها نار المجوس ولا تبنى بها البيع ولا يط القرد والخنزير تربتها لكن بها الريم والبال والضبع فضحكنا منه وكانت قصته سلوانا لغايه الجمعه ما ان انا الكسائي القصه حتى وقف نافضا ثوبه وهو يقول لقد انتصف النهار مد الجاحظ يده للكسائي وهو يقول والله لا يطيب الحديث في المربد الا من الان فقد بدا الحمالون والبغالون في الانصراف وقل صخب العامه وزعاقها وسيطيب الحديث فلا تعجل ان الصبيه ينتظرون طعامهم وما كلفت من ياتي به فعلي الانصراف حالا ضم الكسائي دفاتره وشدها بسير من جلود ولف عمامته ونادى مكاريا اقترب يهودي قصير القامه طويل الانف يجر حمارا من اذنه فبادره الكسائي بكم تاخذني الى حي بني اسد عشره دوانقفز الكسائي على ظهر الحمار في من دفع المكاري يجذب حماره من اذنه وهو يتمتم ويغمغم كان ظل الخص قد بدا في الانحصار عن الجلساء مع ان اشعه الشمس خفيفه الوقع بسبب تلبد السماء وتغمها في الشتاء لكن النظام الطفيق يحبو جهه تكاثف الظل داعيا جلساءه الى ذلك اما الاصمعي فاتكا على يمناه واضعا نعليه تحت مرفقه كالوساده وقال موجها كلامه للنظام وفي صوته نبره تهكم يا ابا اسحاق سمعت انك بدات تناظر شيخك العلاق فلما هذا العقوق فقال الجاحظ وهو ينظر الى بائع بقول يعرض بضاعته ومعيدته تكاد تتقدد جوعا الله انه لاعق من هره ابتسم النظام ابتسامه بارده ليداري غمامه الضيق التي لاحت في جبينه الاسمر وهو يقول لا ليس عقوقا وانما نختلف ونتفق ونتناظر وما في الامر عقوق فقال له الجاحظ دون ان ينظر اليه لكنه درسك وعلمك هو كذلك لكن الحق احب الي منه جاء البائع فوضع قنعا مليئا بالفواكه فاخرج الاصمعي الذي لاحظ ان الجاحظ لا يرفع بصره عن البقول كيسا واشترى موزا وناول جلساءه منه وهو يقول سمعت ان الخليفه كيف تبعث يطلب احصاء من في البصره من العلماء والطلاب فهل الامر صحيح؟ نعم لقد مر بنا العلاف في جمع من تلاميذه ومعهم دفاتر واحصوا كل من كان مع الخليل حتى انحدروا الى اصحاب الكتاذيب يسالونهم عن اسمائهم ولقد وجدوا في البصره 700 عالم و1000 متعلم والله ان هارون الرشيد جمع ما بين سؤدد الرئاسه وجلال العلم اعتدل الاصمعي في جلسته وهو يقول كان الخليفه المهدي ايضا محبا للعلم مقدرا للعلماء قبله شعر الجاحظ بحراره تجتاحه وهو يسمع ذكرى المهدي وتقديره للعلم ذهب خياله الى صوره الرجل الضخم الجثه الاعمى وهو يجلد وسط ضحكات الجواري وزمجره الجند امسك عن مضغ نصف بموزه ومسح طرف شفته بكمه وقال ان المهدي قد قتل بشارا ووالله ما يفعل ذلك الا جاهل بحق العلم والعلماء لا لقد قتله لزندقته عدل الجاحظ جلسته مطبقا ذراعيه امام ركبتيه وهو يقول والله لا يقول هذا مثلك اوتصدق ان المهدي قتل بشارا لزندقته ومتى كانت الزندقه المحضه سببا للقتل في دوله الاسلام الا تذكر ان بشارا وصالحا الخوزي واضرابهما كانوا يجلسون في مجلس الخليل وكان بشار ينشد شعره فاذا انتقده منتقد يقول هذه قصيده احسن من بقرتكم وال عمرانكم فلا يزيد الناس على ان يضحكوا كان الجاحظ يتحدث ويرتفع صوته متصاعدا دون ان يدري كان اشبه بخطيب على منبر منه بجليد يخاطب جلساء واصحابا بدات يداه ترتجفان وجبته تتعرق وهو يتحدث اما صاحباه فكانا مطرقين ينظران اليه والله لم يقتل خليفه قط على الزندق وانما هي معاذير بارده وتترس من لوم الناس للسلطان على انه قتل رجلا من المسلمين او من غيرهم على بيت من الشعر او كلمه او مقاله وانتم تعرفون اننا نجتمع في مسجد البصره ونحضر المناظره الطويله بين من يقول بالثانويه ومن يقول بالوحدانيه فما انكر ذلك احد من الخلفاء تململ الاصمعي ثم اعتدل في جلسته وهو يضع قشره موز على الارض قائلا لقد جالست المهدي وما رايت منه الا اكباره للعلم وتقديره للعلماء ولقد كان ياتي الي ومعه غلمانه فيجالسني ويسال سالني عن ايام العرب ثم لا يخرج حتى يهديني المال الكثير زم الجاحظ شفتيه يتلمض تلمض الغضبان وقال ذاك فعله معك لكن فعله مع بشار ما سمعت فما الذي جعله يتحفك بالتحف والدنانير ويتحف بشارا بالصياط الحاميه الا انك لا ينتهو وسمعته ما يريد ام كان الجاحب يتحدث متخيلا نفسه تحت الصياط الحاميه وابنه الخليل بن احمد تنظر اليه فشعر بحميه تجتاحه فارتفع صوته وهو يتحدث ثم افاق منتبها الى انه اغلظ القول لشيخه الاصمعي ساد صمت ثم نظر الجاحظ الى الاصمعي فراه ينظر اليه بتضايق حاول تدارك الامر قائلا انا لا اشك في انك كنت تنصحه في خلواتك معه لكني كذلك لا اشك في انه لم يقتل بشارا الا بسبب سخريته منه وتحريش العامه عليه دعنا من هذا قالها الاصمعي وهو يشيح بوجهه عن الجاحظ ليخاطب النظام بقوله هل ترى ان الجاحظ لو جلس المهدي احد الخلفاء سينصحه على رؤوس الاشاد قال النظام وهو يلعب بحاجبيه لا والله فصاحبي يكره يكره الظلم قدر حبه للاحسان ويمقط الظالمين كما يحب المحسنين ويحنو على الضعاف لكنه على نفسه اكثر حنوا قطب الجاحظ جبينه مواريا ابتسامه فضحتها ابتسامه ندت من شفتيه عادت النفوس الى مكانها بعد الاستفزاز والاستنفار وجفت حبيبات العرق التي تجمعت قبل قليل على جبين الجاحظ في هذا اليوم الشاتي فح حرك عينيه مشيرا بذراعه الطويله الى جنبات السوق التي بدت شبه خاليه لقد كاد السوق يخلو فلنمل الى دار صاحبنا سهل بن هارون لنصيب عنده طعاما قال له النظام وهو يبصق على الارض انت تعلم انه ليس في جنبات البصره ابخل منه اعلم ذاك ولذلك اعتبر بخله عداما لطعامه فبخله به يجعله شهيا في حلقي سلسل المرور في بطني فما ذقت طعاما قطشى من اطعمه البخلاء فانا انوي باكله التنكيد عليهم فيسيغه ذلك ويادمه ويهضمه دوت ضحكات رفيقيه وهم يسيرون وسط السوق تجاه البغال المربوطه عند بابه التفت النظام الى الجاحظ وقال الا حدثت الاصمعي بقصه سهل بن هارون مع راس الديك وقف ثلاثتهم واستعاد الجاحظ صوره سهل بن هارون جالسا في مجلسه في يوم شات وقد دخل عليه خادمه ووضع الطعام على الخوان فرفع سهل راسه وصرخ اين راس الديك فارتبك الغلام وقال رميته صحيح رميته في بطنك اخزاك الله ثم تامل سهل وجوه الرجال الجالسين في بيت فخاف ان ينكروا عليه اهتمامه براس الديك فمسح وجهه بطرف ثوبه وقال بهدوء ان الراس اشهى الاعضاء وذلك لاختلاف الطعوم فيه فالراس فيه الدماغ فطعم الدماغ على حده وفيه العينان وطعمهما شيء على حده وفيه الشحمه التي بين اصل الاذن ومؤخر العين وطعمها على حده على ان هذه الشحمه خاصه اطيب من المخ وانعم من الزبد وادسم من السلاء وفي الراس اللسان وطعمه شيء على حده وفي الخيشوم والغضروف الذي في الخيشوم وطعمها شيء على حده وفيه لحم الخدين وطعمه شيء على حده فبادره احد جلسائه وقال وهو ينظر الى الخادم الواقف وهو يرتجف ولكنك يا ابن هارون رجل من اهل الحكمه والعقل فلا لا تلم هذا المسكين على راس ديك فانتفض سهل ورمى عمامته وقال ان اهتمامي براس الديك انما مرده الى اهتمامي بالحكمه والعقل فالراس سيد البدن وفيه الدماغ وهو معدن العقل ومنه تتفرق السامعه والذائقه وانما الانف والاذن بابان ولولا ان العقل في الراس لما ذهب العقل من الضربه تصيبه وفي الراس الحواس الخمس ولذلك قال الاعربي اذا احتملوا راسي وفي الراس اكثري وغدر عند الملتقى ثم سائري ما انى الجاحظ القصه حتى كان الاصمعي يكاد يسقط ضحكا وكانت عينان الظام مترعتان دموعا فرفع راسه وقال شيء عجيب امسك الجاحظ يد الاصمعي وقال ولا بد ان اقص عليك قصه صاحب سهل عبد الرحمن مع ابنه فقال الاصمعي وكلامه يكاد لا يتضح لمغالبه الضحك وما هي يا ابا عثمان؟ كان عبد الرحمن هذا وهو من ابخل اصحابنا لا ياكل اللحم الا مره واحده في الاسبوع وكان لا يدع ولده يجلس على الخوان الا بعد تشرط كثير ثم يقول له اذا مد يده لياكل اياك ونه الصبيان وشرحها الزراع واخلاق النوائح ودع عنك خط الملاحين ونهش الاعراب وكل من بين يديك فانما حظك الذي وقع وصار اقرب اليك واعلم عدمتك انه اذا كان في الطعام شيء طريف ولقمه كريمه ومضغه شهيه فانما ذلك للشيخ المعظم والصبي المدلل ولست واحدا منهما فانت قد تاتي الدعوات وتجيب الولائم وتدخل منازل وعهدك باللحم قريب واخوانك اشد قرما من اليه منك وانا بعد اكره لك الموالاه بين اللحم فان الله يبغض اهل البيت اللحمين وكان عمر يقول اياكم وهذه المجازر فان لها ضراوه كضراوه الخمر وكان يقول مدمن اللحم كمدمن الخمر وقال المسيح وراى رجلا ياكل اللحم لحم ياكل لحما اف لهذا عملا اي بني عود نفسك الاثر ومجاهده الهوى والشهوه ولا تنهش نهش الافاعي ولا تخضم خضم البرادين ولا تدم الاكل ادامه النعاج ولا تلقم لقم الجمال وتوقف الجاحظ عن الحديث فقال له الاصمعي اخبروني انك تجمع هذه الاقاصيص واضرابها في كتاب عن البخلاء وتبسم الجاحظ وجاء صوت النظام ستذهب الى سهل وحدك اما نحن فذاهبان في طريق اخر وتفرقوا وهم يقتربون من باب سوق المربد وقرب الجاحظ بغلا لمكار سندي ملوحا لهما بالوداع طلب المكاري من الجاحظ ان يقفز على ظهر البغل لكن الجاحظ لم يقفز ركب بهدوء كما يركب البدين خوفا من تشقق الازار الوحيد الذي يملك ضرب المكار البغل ليسرع بينما ما بدا ذهن الجاحظ يخرج من جو السوق لينصرف للتفكير في تمار بنت الخليل. الدوحه عام 1438 للهجره يجلس القروي على مكتبه منشغلا بهوايته المفضله يضع نصا في خانه ترجمه جوجل ثم يقترح ترجمه بديله خطر له ان يمتحن جوجل بنص للجاظ ويرى مدى دقته اختار الجمله التاليه من البيان والتبيين والدلاله الظاهره على المعنى الخفي والبيان الذي سمعت الله تبارك وتعالى يمدحه ويدعو اليه ويحث عليه وبذلك نطق القران وتفاخرت العرب وتفاضلت اصناف العجم فجاءت الترجمه significance of the phenomenon I godaci منهمكا في تصحيح النص الانجليزي على غير عادته فهو عاده يصحح ترجمه جوجل من الانجليزيه الى العربيه سعيا لسقل ذائقه الجويليه عربيا وبينما كان منهمكا في التصحيح جاءه مازن راكضا وهمس في اذنه هل علمت بامكانيه تعيين بسام رئيسا للتحرير مستحيل انا جاد لقد سمعت الخبر من سكرتيره رئيس التحرير التفت القروي نصف التفاته دون رفع بصره عن الشاشه وقال بالله شوف ترجمه جوجل لكلام الجاحظ لقد دمر العرب المعاصرون دائقه جوجل المسكين شعر مازن ببعض الملل لكنه مال جهه الشاشه وقال طريف العجم هم الفرس فقط تلك ليست اسوا ما فيه فالعجم في اللغه اسم لغير العرب لكن العرب احيانا يخصون بها الفرس صحيح اهل الخليج هنا يسمون الفرس العجم وقفا وشقا غرفه الاخبار ماشيين الى مخرج خلفي يقود لفناء مفتوح يجلس فيه بعض المدخنين اخرج مازن سيجارا كوبيا واشعله قائلا الخبر مؤكد يا صديقي سيعين بسام رئيسا للتحرير رئيس التحرير الحالي ممتاز بعقله التحريري وصياغاته الخبريه وهو جيد في اداره الفريق فلما يقال لا ادري سمعت ان نائبه تامر عليه مع بعض المقربين منه حتى وجدوا مستمسكات تدينه استند القروي على طرف الجدار وهو ينظر الى المصابيح الكهربائيه في طرف الشارع قرب سوق واقف تذكر ان من اسباب قدومه الى هذه البلد ايمانه باخلاص اهلها في حب العرب وخدمه لغتهم فقال بنبره انزعاج ميزه رئيس التحرير انه يملك وعيا حضاريا عميقا فهو يفهم ان لغه الام عماد النهضه ولن تقوم نهضه الا على سقان اللغه الام اما ذلك الاصلع المغبوس في بحار العجمه كما يقول ابن خلدون فلا استطيع تخيله مسؤولا والتقم مازن سيجاره بنهم وقال بلهجه فلاح من ضواحي رام الله والله ما نعرف المصلحه وين يا صديقي وسمعا صوت منتج قادم يركض تعال يا مازن النشره قريبه ودخلا الى غرفه الاخبار ركض مازن الى قسم المقابلات وتجاوز القروي الغرفه الى القسم التقني مترصدا حص ابراهيم دخل فراى صديقتها المدينه فاغره هاه محملقه في الحاسوب وعن يمينها علبه بلاستيكيه من مشروبات ماكدونالدز تردد في سؤالها ثم قال هلا بالله حص داومه اليوم والله ما ادري ونطقت ما مفخمه بلكنه فارسيه كان صوتها قادم من بئر سحيق وشعر بالندم على سؤالها وقبل خروجه من القسم راى حصه خارجه من غرفه قريبه تلعثما كلاهما وقفا في طرف الممر الواسع مرتبكين لوقوفهما وكانهما يضيقان الطريق غير ان الرغبه في الحديث كسرت الحرج وقفا دون ان يكون في ذهن احدهما ما يريد قوله للاخر المهم ان يقفا معا متقابلين تتراقص اعينهما سعاده قال ساعيا لكسر الحرج كيف عملك ممتاز والتفت وراءه فراى صديقتها المدينه ترمقه بحنق فما لا جهه حصه بالله لما لا تبيعين صديقتك تلك كيف يعني كان الجاحظ يكره اهل مدينه خوزستان في فارس ويقول من كان له جار خوزي فليبع تضاحكت متثاقله حديثه عن الجاحظ وهي تنظر داخل حقيبتها قائله لا بالعكس ترى هي طيبه واخرجت هاتف نوكيا القديم وقالت عندي عمل دعينا نلتقي في الكافيتيريا ان وجدت وقتا ان شاء الله وعادت الى مكتبها واستدار مستغربا تعرق جبهته وانعقاد لسانه عندما راها بغته عاد الى مكتبه وهو يدندن بصوت شنقيطي يحدو ابله وقت المغيب وما هو الا ان اراها فجاه فابهت حتى ما اكاد ابين وسمع صوت صحفي قادم من قسم الاقتصاد ايه ده عايزين هدوء يا ناس تصامم عن احتجاج زميله واصر على ترديد البيت بصوت عال مره اخرى وهو يجلس الى مكتبه فتح ملف ورد وهو يبتسم مستغربا انه يتطلع الى معرفه مصير حب الجاحظ لتماضع بنت الخليل تكاد الريح تسك باب الغرفه غير ان الزعازع التي يتموج بها خاطر الجاحظ كانت اقوى كيف لمثلي ان يعشق وما قيمه تلك الاطمار والكتب التي درست اذا كان العقل يطيش عند مرور اول غزال احوى رمى وساده كانت عن يمينه ونزل من فوق السرير المهترئ ليجلس على الارض وضع يديه على راسه فكادتا تغطيانه ثم بدا يهينم باشعار في الحنين والوجد استغرب كيف ان شعر الغزل قد يتحول عند العاشق الى عقار يلتهمه كالمجنون ليتخفف من زوابع روحه طفيق يذهب ويجيء في الغرفه مفكرا في حاله اهوذا بكل عقله وعلمه وحيدا يهدي دون ان يملك على نفسه سلطانا وكل ذلك بسبب بنان مخضوب وجبين واضاء لمحه قبل سنين كان عقله لا يتوقف متسائلا اذا كان العقل لا يملك سلطانا على القلب الى هذا الحد فلماذا اثق بكل تلك الاطمار والفلس الفلسفات المرميه في ذلك الركن لما اثق في ان ما قاله واصل بن عطاء او الحسن البصري او ارسطوطاليس غير تابع لميولهما البعيده عن العقل وما ادراني ان العقل الذي تتحدث عنه الكتب ما هو الا خادم دليل طيع للميول والاهواء والزوابع الوجدان ثم ابتسم ساخرا من نفسه وما الفرق بين العقل والقلب اصلا فكلاهما عضو يمتح من معين واحد ويتاثر بصاحبه وجاره كان وحيدا في الغرفه المربعه الشكل المملوءه بالكتب والكراريس يوجد قرب الباب كرسيان خشبيان ياتي بعدهما السرير المنحرف الى اليمين في ركن الغرفه توجد منضه خشبيه ملبسه بقماش فوقها قلم كتاب غير ان المنضه اقصر قليلا من السرير ولذلك فالكتابه عليها غير مريحه عندما ينحني عليها وهو على سريره اما المساحه الباقيه فمفروشه بحصير من جريد النخل مغطى بلحاف مهترئ لا يكاد لونه يتبين من كثره الكتب والقراطيس المتناثره في نهايه الزاويه عن يسار الباب وضعت طاوله ذات ثلاث قوائم عليها مواعين مبعثره توجد نافذتان احداهما مشرعه جهه الجنوب والاخرى جهه الشمال غير ان تلك المشرعه جهه الجنوب تكاد تطمر من الخارج بالرمال الزاحفه التي اوشكت ان تغطي نصف جدار البيت لذلك يجد الجاحظ صعوبه في فتحها احيانا كثيره ما بال ليلتك جلس لس الجاحظ واضعا كفيه بين ركبتيه ضاغطا عليهما وهي حركه يفعلها اذا تهمم لامر وهو يقول مازال خيالها يسكن عقلي وقد عزمت على خطبتها من اهلها مد النظام يده وراء ظهره مصطنعا حكه في كتفيه حتى يداري استغرابه وقال بنبره غير مكترثه وهل تراك قادرا على النفقه والكسوه الان لا والله لكن قدرتي على الانفاق اقوى من قدرتي على التحمل التفت النظام فراى غمامه هم تضلل وجه صديقه وحس في تجاويف صوته حزنا عميقا وصبابه عبه تامل وجهه ثم سرح عينيه في اطراف الغرفه متخيلا قدوم معشوقته الى هذا المكان الموحش رفع وجهه قائلا يا ابا عثمان الا ترى انك في عشقك لتلك الفتاه قد ظلمت نفسك وتعجلت من وجوه ثلاثه فانت وقبل استرسال النظام قاطعه الجاحظ بالله عليك جنبني تشقيق الكلام وتوزيعه الى مقدمات وتقسيمات ونتائج ابتسم النظام قائلا شيء عجيب لابد ان تذوق شيئا مما تذيق الناس طعمه عاد الجاحظ بصوت جاد مترع بالهم: لقد احتلت حتى رايتها قبل ايام وهل حدثتها عن حبك لها؟ نعم لقد اعلمتني جاريه جارتهم انها ذاهبه لسوق العطارين فكمنت لها هناك ثم تقدمت لها وحدثتها عن ميلي اليها برقت اسارير النظام كانه طفل وماذا قالت لقد ما شيتها من وسط سوق العطارين الى نهايته ثم عبرت لها عن تعلقي بالزواج منها لكنها لم تضع في يدي شيئا قام النظام من مكانه ثائرا وهو يقول الم تقل لي مره ان الرجل لا يخلو بالمراه فيسمعها من حديث الحب والهجر والقرب والبعد ويقسم لها ويفديها بابيه وامه ونفسه الا اجابته كائنه من كان بلى لكني كنت عجل وكانت المره الاولى التي اراها فيها وكنت اخشى العيون كان الجاحظ يتحدث ثم تذكر الفتاه وتصعيدها النظر فيه فطاف به خاطر حزن فتصعيدها النظر في وجهه واطرافه ليكون بداعي الاعجاب قطعا احس النظام بانشغال ذهن صديقه فبادره ولكني لا ارى ان اهلها سيقبلونك زوجا لها ثم ما الذي يدعوك للتعلق بها فغيرها كثير هنا وقف الجاحظ كانه كان ينتظر هذا السؤال بدا يدور بين سريره وكرسي النظام وهو يقول هي فتاه كانها نار تتوقد وشعله تتوهج طينتها حره وعرقها كريم ومغرسها طيب ومنشاها محمود مقام الحديث ليس طينتها هي ولا حسنها بل قالها النظام وهو يطرد ذبابه بكمه غير ان الجاحظ كان مازال مغمضا عينيه متخيلا فتاته مواصلا حديثا ولقد غذيت بالنعمه وجرى في اطرافها ماء الحياه والله انها لنهر من انهار الخلود ونفحه من نفححه الجمال وخاطر من خواطر السرور فتح الجاحظ عينيه فراى النظام مبتسما فقال قال لم تبتسم ولما لا تعين صاحبك اوتحسبني بلغت والله لا ارى اعانتك الا ان تقلع عن هذا فما ارى القوم سيزوجونك وما ارى الا ان تصبر حتى تجد لك جاريه تتسرى بها عاد الجاحظ وجلس على سريره ثم تذكر انه لم يعرض طعاما ولا شرابا على صاحبه فقام الى طاوله المواعين في ركن الغرفه واخذ من فوقها مخلاه محشوه بالخبز اليابس وهو يقول والله لقد بدات اخشى على نفسي يا اخي فلقد اصبح التفكير فيها مستوليا على قلبي فاذا قرات كتابا لمحتها بين سطوره واذا وجهت وجهي للصلاه رايتها معترضه ما بيني وبين الكعبه كان يتحدث وهو يفرغ ما انسى ساخنا على شيء من الخبز اليابس في صحن ثم ذر عليه قليل ملح ووضعه بينه وبين صديقه مد النظام يده الى الخبز وهو يقول هل حاولت السلو عنه؟ والله لقد حاولت لكن حسنها ليس الحسن الذي تبقى معه عقيده او تصح معه سلوى او يثبت معه عزم يا ابا عثمان اجمل في العشق والله ما رايتها قط الا ذكرت الجنه ولا رايت احسن النساء بعدها الا ذكرت النار ضحك النظام حتى تطايرت حبيبات طعام من فيه فوضع يده على فمه وهو يقول والله ما انصفتنا يا ابا عثمان الا تغزلت بتظر بنت الخليل وتجنبت تشبيه حسناوات البصره بنار تلضى وقف الجاحظ واتى بماء وصابون اقترب النظام من باب الحجره ومد يديه من فوق العتبه حتى صار نصف جسمه خارجها فخرج الجاحظ وجعل يصب له الماء على يديه ليغسلهما وهو يقول هل سمعت بما يحكى عن ابي نواس؟ نعم سمعت توقف الجاحظ عن صب الماء بعد ان غسل النظام يديه ونفضهما في الهواء ثم تنا تناول النظام الاناء وبدا يسكب الماء على يدي صديقه جلس الجاحظ وطفق يفرك يديه بالصابون وقال سمعت انه مستهتر هذه الايام بجاريه من جوار عبود ولقد قيل لي انه ارسل لها رساله كتبها بدمه لا اشك في ذلك فمع انه كان متين الديانه حاد الفهم الا انه تهدك قاتله الله ما اضرب وانا لا اخشى عليه التهتك فصاحب التهتك والمجون يمل ويقلع ويتوب انما اخشى الا يسلم قلبه من الشبه اذ سمعت انه يكثر مجالسه بعض المعانويه والديصانيه وهو ضعيف في الجدل كما تعلم شيء عجيب وماذا عند المانويه يغري غير طعامهم وفهم الجاحظ ما يرمي اليه صديقه وت تذاكر كيف كان قبل سنوات يذهبون لمعبد للمانويه خارج البصره يناظرونهم لا رغبه في المناظره بل حرصا على طعام يقدمونه بعد انقضائها تذاكر رهبان المانويه في ملابسهم البيضاء ورؤوسهم الحليقه وكيف كانوا يجلسون معهم الساعات الطوال في انتظار لحظه وضع الطعام قال الجاحظ وهو يمد يده لاخذ طيلسان اسود مهترئ فوق سريره فلنذهب الى دارم مويس فقد اقترب الزوال نظر النظام الى الحصى المجتمع على طيلسان الجاحظ وقال ايش هذا الغبار ما ارى الا انه من تلك النافذه فلما لا تسدها نفض الجاحظ الطيلسان نفضا قويا وقال ما رايت اقل فائده من هذه النافذه اذ لا ياتي منها الا الحصا ثم هي مشرعه جهه منزل مكا يملك 20 حمارا فلا ياتيني منها من الاصوات الا نهيق الحمير ولا من الهواء الا الحصى وحتى اذا فتحت ونظرت لم ارى الا حمارا ينهق هذا اذا لم تدخل حصاه في عيني والله لكانها نافذه مفتوحه على جهنم وما ان نطق جهنم حتى تذكر حديثه قبل قليل عن تماظر وكيف انه اذا راى فتاه غيرها ذكر النار فبادر قائلا هل ترى ان اطلب من شيخنا العلا يخطبها لي؟ ما دمت قد عزمت فلا ارى بالامر باسا فهو شيخ جليل وهم يقدرونه حق قدره ولعله يزكيك عندهم ما انظام الجمله حتى ذهب خيال الجاحظ بعيدا ترى نفسه جالسا مع تماظر يطارحها الغرام حاكيا لها معاناته لخطبتها قاص صا عليها تطبيق النظام له وكيف انه لحبه لها دلل كل الصعاب لعبت هذه الاخيله بذهنه وهو يحكم اغلاق القفل على باب حجرته والنظام يقول له والله لا يراك احد تحكم القفل حتى يظن انك تغلق حجرتك على كنوز وانها لحجره لو دخلها لص لقعد يبكي على حظه العاثر سارا في فناء الحائط متجهين جهه الباب والجاحدظ يقول وما ادراك ان الانسان لا يغلق بيته الا خوفا من سرقه متاعه ان بيوتنا تختزن نفوسنا ونكره اطلاع الغريب على ما بداخله الا ترى اننا نكره ان يطلع مطلع على ما في دواخل نفوسنا ونحن امنون من سرقه ما في سويداء قلوبنا كان الجاحظ يتحدث وهما يمشيان في الزقاق المحادي لحائط الحجره من جهتها الجنوبيه فالتفت فراى حمير جاره المكاري في حضيره واسعه فقال للنظام الى متى سنظل جيره للدهماء والسقط والرعاه وما قيمه العلم والقراطيس اذا كان منزل النظام والجاض لا يتميز عن حميد المكاري وشمعون القصاب ما زاد النظام على الابتسام وهو يثبت قلون سوته على راسه ويقول ان لكل ثمره اوانا يا ابا عثمان ثم ان العلم يراد لذاته الى لثمنه ومن تعجل العنب في فصل غير فصله فلن يجده ومن تحرى ليله القدر في شعبان اعيته رم التماضر خمارها على السرير المثبت في زاويه الحجره وقالت بغنج من الجاحظ؟ كانت امها منهمكه في ترتيب سفره الطعام في الدهليز الضيق المفتوح على الحجره التي تقف فيها فرفعت بصرها وهي لا تزال جثيه على ركبتيها قبل ذلك هل كان الحمام اليوم نظيفا لقد كان نظيفا رغم صعوبه ذلك في ايام الخميس لكثره الناس وقد جلست فيه مع صاحبتي ساعه وانا افضله على الاف الحمامات المنتشره في البصره عادت الام بصرها الى ما بين يديها وقالت اما الجاحظ فشاب يذكرون من علمه وادبه وظرفه وفصاحته. كانت التماضر تتظاهر بانها لم تسمع باسم الجاحظ بلها ان تراه. بل تريد اشعار امها انها لم تسمع به الا بعدما حدثتها امس انه خطبها. ثم قالت لامها وهي تتذكر حلاوه حديثه عند مخرج سوق العطارين. ومن اي العرب هو عادت الام بصرها الى الطعام المرصوص على السفره وواصلت ترتيبه قائله لقد اخبرني ابو الهدي للعلاف ان اسمه عمرو بن بحر بن محبوب الفقيمي الكناني وتذكرت اني سمعت اباك ذكره مره واصفا اياه بحده الذكاء كانت الفتاه قد خلعت ملابس خروجها وبرزت من الحجره حاسره الراس الى الدهليز النظيف ثم خاطبت ت امها قائله وهي تلعب بشعرها المنسدل على صدارها تغنجا ومن الخاطب الاخر علي المديني لمحت لي امه مرات وان لم تصرح وهو من قد سمعت عنه جمالا واخلاقا وعلما جلس التماضر في ركن الدهليز غير المفروش مسنده ظهرها الى الجدار فيما كانت امها جالسه وسطه على حصير نظيف عليه سفره فوقها اوان وفاكهه كانت الام تفكر في ان سبب خطبه الرجلين لها قد لا يكون الميل اليها بل الميل الى الزواج من ابنه الخليل وصلت الفتاه لعبها باطراف دوائبها وهي تقول وماذا ترين يا امه كان قلب الفتاه يخفق انتظارا للجواب مخافه اصرارها على احد الرجلين وهي لما تختر بعد الامر اليك يا ابنتي ثم ان ولشده انشغالها بالخاطر لم تسمع كلام امها بوضوح فعادت وسالتها ما رايك يا امه الامر اليك يا بني فانت من ستصبحين اسيره في بيت احدهما فلا احد يتخير لك غير نفسك وقع جواب الام على قلبها وقعا طيبا ومع معرفتها بان هذا راي امها دائما الا ان كثافه اللحظه انستها ذلك كانت الفتاه تعرف في قراره نفسها انها ليست جميله فانفها المتوسط الحجم تتربع على ارنبته شامه سوداء تجعلها لا ترتاح اذا ردد شخص النظر اليها مرارا لظنها انه انما ينظر الى انفها فقط ومع انها تحفظ كل ما قاله الشعراء في التغزل بالخالف في الوجه الا انها تتضايق من تلك الشامه كثيرا فكان تلك الشامه لا تضيف اليها جمالا بل تنبه النظر الى انفها حتى يتامله وينتبه الى دمامته ويتشاغل به عما في وجهها مما هو اكثر اعتدالا واقرب الى الجمال اما وجهها فمتوسط الحجم ليس فيه جمال ولا قبح واحد من تلك الوجوه التي يمكن ان يراها المرء دون ان يدون عنها اي ملاحظه مادحه او قادحه او هو من الوجوه التي لابد للمرء ان يراها مرارا حتى تخزنها ذاكرته اما اذا راه مرات قليله وحاول تذكره فسيتذكر وجه شخص اخر او لا يتذكر ايه تقاسي واضحه فعيناها سوداوان لكنهما ضيقتان ضيقا غير مفرط وفوقهما حاجبان متوسطان تتراقص تحتهما اعداب غير كثيفه ولا خفيفه اما اسنانها فمفلجه وان كانت لها ما يمكن ان تتيه به فهو جسمها الطري وقوامها المعتدل دون ان يكون في تفاصيل الجسم لمن تامله جمال في عضو بذاته فهو جسم معتدل جميل في كليته لكنك لا تستطيع ان تخص عضوا منه بانه جميل او متصف بصفات الجمال والاتساق والاعتدال غير انها تعرف مع ذلك ان كثيرا من الرجال يميلون اليها فما زالت تذكر كيف قال لها شاب في سوق البصره ليتني شامه على ارنبه انف ومع انها قطبت جبينها من تلك العباره حياء من امها التي كانت تسمع فانها تذكرت كيف وقعت منها العباره كما يقع المطر من الصحراء العطشه فقد قد يتطاير غبار الصحراء لحظه هبوط المطر، لكنه غبار للاحتفال والاستقبال والتلهف والاستزاده، لا غبار الاحتجاج والانزعاج. فالفتاه لا تنزعج ابدا من اي تغزل بجمالها مهما كان وممن كان. فاي ثوره تبديها انما هي من قبيل الاستزاده واي احتجاج تظهره انما هو صرخه لطلب مزيد من القول والثناء. افاق التماضر من افكارها على صوت امها ما رايك انت يا بنيتي ومع انها انافت على العشرين وشخصيتها قويه تلعثمت قائله ما ترينه يا امي انا ارى ان تري الرجلين وتختاري بينهما ذاك رايك يا امه كانت امها قد وقفت ومشت قليلا في الدهليز واخرجت راسها من بابه ونادت جاريه الروميه فاقبلت منبيه تجر لحافا خلفها عادت الام واقتربت من بنتها وقالت ان الرجال يا بنيتي هم كما قالت العربيه الغابره عثمه بنت مطرود البلجليه ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل فالرجل في لحظه اقباله على المراه يخرج كل عذوبته ويخفي كل قساوته فانت لا ترين منه الا ما يعجبك فهو لن يسمعك الا كلمه غزل يطير بها قلبك الغرير ولا تقع عينك عليه الا وهو متجمل متعطر طيب النفس حسن المزاج كانت تماظر تستمع بكل حواسها لحديث امها رغم ضوضاء ضحكات العبيد التي تصلها من بيت الخدم القريب من مدخل الدار بدرت البنت قائله انا اعرف المثل ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل لكني لا اعرف قصته رمى التماضر سؤالها وهي تعرف ان امها لا تسعد بشيء سعادتها بروايه القصص التي سمعتها من زوجها الخليل بن احمد فاندفعت الام بحماسه وفخر وقالت لقد حدثني ابوك بذاك كانت عثمه بنت مطرود البجليه ذات عقل وراي في قومها وكانت لها اخت ذات جمال يقال لها خود فجاء سبعه اخوه من الازد يخطبونها الى ابيها واتى الفتيان السبعه عليهم الحلل اليمنيه ويركبون النجائب الفارهه فقالوا نحن بنو مالك ابن غفيله النحيين جئنا نخطب بنتك خودا فانظر من ستزوج منا؟ فدخل عليها ابوها وقال لها ما ترين؟ فقالت له انكحني على قدري ولا تشط في مهري فان تخطئني احلامهم لا تخطئني اجسامهم نطقت الام هذه العباره ثم رفعت بصرها الى ابنتها لتنبيهها على اهميه احتفاء الفتاه بعقل الخاطب لا بجماله. فلما التقت عيونهما اغضى التماضر حياء وقالت ايه وكانت الام اذا انشغلت بروايه القصص التي روتها عن الخليل لا تكاد تفيق على شيء مما بين يديها فوقفت واخذت بيد بنتها وتمشت بها خطوات حتى خرجتا من الدهليز الى غرفه الجلوس الكبيره ثم وصلت حديثها فخرج والد خود الى الفتيان وسالك كل واحد منهم ان يصف له نفسه وكانت مع الفتيان ربيبه لهم كاهنه يقال لها الشعاء فاندفعت تصف كل واحد منهم باوصاف حميده وجمل بليغه غير ان الفتاه دخلت على اختها عتم وشاورتها في الامر فقالت لها اختها عثمه ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل اسمعي مني يا اخيتي ان شر الغريبه يعل وخيرها يدفن انكحي من قومك ولا تغررك الاجسام فلم تقبل خود نصيحه اختها لفتنتها بجمال شاب منهم اسمه مدرك فبعثت الى ابيها قائله انكحني شابا منهم يسمى مدركا فانكحها ابوها على 100 ناقه ورعاتها وحملها زوجها مدرك فلم تلبث عنده الا قليلا حتى غزتهم فوارس من بني مالك ابن كنانه فاقتتلوا ساعه من نهار ثم ان زوجها واخوته وبني عامر هربوا وتركوها فسبيت في منسبي كانت الام تواصل حديثها فيما انشغل التماضر بالتفكير في تاويل حديث امها وهي تتذكر وجه الجاحظ ودمامته المفرطه مع حلاوه حديثه فهل تعني امها بهذا ترغيبها في الجاحظ وصلت الام القصه قائله فلما لما سباها بنو مالك وساروا بها جعلت خود تبكي بكاء مرا فقال لها احد الفرسان ما يبكيك على فراق زوجك فقالت له خود زوجي لا والله قبحه الله فقال لها الفارس لقد كان جميلا فقالت له قبح الله جمالا نفع معه انما ابكي على عصياني لاختي وغفلتي عن صدقها حين قالت ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل واخبرتهم بخبر خطبتها من ابيها وكيف اختارته لجماله فقال لها رجل منهم يكنى بابي نواس وكان شابا دميما افوه مضطرب الخلق اترضين بي على ان امنعك من ذئاب العرب فقالت لاصحابه اكذلك هو قالوا نعم انه مع ما ترين ليمنع الحليله وتتقيه القبيله فقد قالت هذا وربي هو اجمل جمال واكمل كمال قد رضيت به فزوجوها منه كانت التاضر تستمع الى حديث امها باهتمام وهي تتذكر شكوى صديقه لها من ضرب زوجها لها مع انها ما زالت تحتفظ بعده رسائل غراميه بعثها لها قبل الزواج وكان وجه الجاحظ وعيناه المارقتان التان تكادان تسقطان شواخص في خيالها كما كانت تتذكر حديث احدى جاراتها عن وسامه علي المديني وقف التماضر من مكان جلوسها وعادت الى الدهليز واخذت فرنيه وعضت منها عضه وعادت الى امها وهي تمضغها بهدوء وتقول وماذا يغني لقاء او لقاء مع الرجل اذا كانت هذه هي الحال يا امه ان ذلك افضل من ان تختاري وانت لم تري الرجل ولم تحادفي ولقد خطبني ابوك رحمه الله من والدي وكان رجلا ازديا من عمان جديد العهد بالبصره ومع ذلك جالسته في بيتنا مرات قبل الزواج ما زادت الفتاه على مواصله مضغ الفرنيه بتلذد قائله الامر ما ترين يا امه دعي الرجلين ياتيان وانا ساختار الدوحه عام 1439 للهجره كان القروي مستلقيا على سريره في الظلام متاهبا للنوم في وقت مبكر على غير عادته غير ان كاس الشاي الاخضر الذي شربه والتفكير في استشاره امه في الزواج طرد النعاس من عينيه خطر له ان وقت طلب الزواج لم يحم بعد وان هذا تعجل صبياني ثم علل الامر لنفسه العجوله بان المجتمعات المحافظه تميل لتعجيل الزواج فليست حصه سويديه ولا هو ديماركي كان عليه ان يقنع امه واباه فهو من قبيله تعتبر زواج احد ابنائها من قبيله مجاوره امرا منكرا فكيف اذا تزوج خارج البلد كله من امراه مجهوله النسب وكل القبائل التي لا يعرفها مشايخ قبيلته قبائل مجهوله النسب قام من فوق سريره وضغط زر الكهرباء متذكرا حديث عمته مع جارتها وهو طفل جالس بينهما ان الرجل اذا سافر خارج البلاد وتزوج من غريبه فكانه مات بل ان موته ارحم لاهله لانه يولد الياس الحاسم. اما الزواج خارج البلاد فيجعل قلب اهله معلقا بحياه متوهمه. جلس على حافه سريره ممسكا هاتفه واتصل بامه. دخل في الموضوع وقلبه يخفق. ا انا تعرفت على فتاه هنا من اهل هذه البلاد واستاذن في الزواج منها. رمى العباره ثم انتظر الجواب. فخيل اليه ان الخط يسمع لامه همسا. الو الو لكنه لم يسمع صوتا انقطع الاتصال فاعاده من جديد السلام عليكم وعليكم السلام يا ولدي شعر بارتباك شديد فحاول ان يسالها اسئله ممهده للحديث فلم يتذكر الا جاره لهم بها مس من جنون فقال كيف حال جارتكم زينب سمع ضحكه امه بخير ما الذي ذكرك بها انا اتذكر كل الاهل الله يحفظك يا ولدي طيب اريد انا اريد رايك فقد قررت ان اتزوج فتاه هنا وهي فتاه طيبه واهلها طيبون من اي الناس من اي القبائل هي من قبيله عربيه ما اسمها وبما انه لا يعرف من اي القبائل هي فقد اخترع لها اسما له وقع عربي من بني قحطان يا ولدي هؤلاء لا نعرفهم وما كنت اظنهم موجودين الا في الكتب لا لا عايشين عايشين يا امي انت تعرف رايي واني ما كنت اريدك ان تتزوج الا ببنات الاكارم من المجموعات التي نعرف ايوه ولكني كنت عاهدت الله الا امنعك ولا احدا من اخوتك من الارتباط بايه امراه الله ييسر لك الخير يا بني انتابته موجه طاغيه من السعاده لم يدري كيف ينهي المكالمه فقال بتلعتم هذا ممتاز طيب كلمي ابي ان شاء الله ما انقطع الاتصال حتى رن على حصه جاءه صوتها حنونا عطوفا دافئا كيفك الحمد لله كيف حال مطوعتي بوريده الليله والله طيبه وينك الان انا في السيتي سنتر اشتري بعض الاغراض صحيح مركز المدينه حيث انت تردت بخفر مشوب بضحكه كذاب اسمعي كلمت امي وقالت لا مانع وستكلم ابي غدا لم تعني كلماته لها شيئا فهو لم يخبرها بامكانيه رفض اهله وما كانت تتوقع الرفض ممكنا الا من اهلها هي فقالت طيب قلت لك لا مانع عند امي كادت ترمي بكلمه ثم امسكت نفسها قائله طيب ومتى ستكلمين اهلك بشان الخطبه؟ قريبا ان شاء الله. كانت حصه تتحدث من داخل متجر كارفور الواقع في الطابق الاول من السيتي سنتر وسط الدوحه. مدت يدها واخذت سله ومشت جهه الخضروات كانت تنتقي منها لكن قلبها مشحون بسؤال واحد كيف ستقنع اهلها بالزواج من شاب موريتاني ما المدخل للحديث واذا رفضوا بادي الراي فكيف تراجعهم لكنها لم تنتبه لحجم انشغال عقلها بهذه الاسئله الا عندما لاحظت انها ظلت واقفه بعض الوقت عند صندوق الدفع والموظف يناديها لتضع البضاعه دون ان تسمعه. حينها استيقظت من عالمها وبدات ترمي اكياس الخضروات بين يديه معتذره وافاقت على صوت المائع قائلا ونسيت ايضا ان تزينيها على الميزان قطعت الاتصال وهولت عائده الى مكان وزن الخضروات وقلبها يرجف حياء ما انقطع الاتصال معها حتى وقف القروي في طرف غرفته واطل من النافذه المشرفه على شارع حمداني بمنطقه السد وهو يشعر بخفه وبشر وراحه بال نظر فتراءت له بقاله الفلبين ثم لمح مجموعه من العمال الهنود يقطعون الشارع وهم يضحكون داخلين الى مطعم مصري لبيع الفول استعذب فكره اختلاط الامم وتمازجها داخل الدوحه ثم تذكر عالم البصره واختلاط الامم واللغات والافكار فيها حتى قبل عصر التواصل السريع هذا. انتفض فوق سريره فزعا وجلس يفرك عينيه ونصفه الاسفل مغطا بلحاف مهترئ تمتم متثائبا اللهم ارحمها فهذه من المرات القليله التي راى فيها امه في النوم منذ وفاتها قبل سنين فمع كونها كانت له في طفولته ابا واما الا انه يؤنب نفسه على انه لم يحزن عليها من الحزن ما تستحقه. انزل رجله اليمنى من فوق السرير فانحسر اللحاف عن ساقه الدقيقه نظر اليها وهو يفكر في طبيعه الانسان وكيف لا يستطيع التحكم في مشاعره فهو يود ان يكون حزينا على امه بمقدار لكنه لم يحزن عليها بذلك المقدار فهل يعني هذا ان الشعور معزول عن الاراده كليا وما علاقه هذا بموضوع المناظره امس في المسجد حول الاراده ومدى سلطه المرء عليها وعلاقه ذلك بالثواب والعقاب الاخروين وقف وهو يتمتم بحمد الله ونظر من نافذه حجرته ليعرف الوقت توضا وصلى العصر واخذ حزمه من الكراريس ولبس جبه بنيه كانت معلقه عند راس السرير كور على راسه عمامه صفراء متسخه وخرج مسرعا كان الشارع المار من امام حائط حجرته حيا صاخبا فالغبار يتصاعد وسطه لكثره البغال والحمير والابل الماره فيه فهو قريب من سوق البصره الكبير بل يكاد يكون من اهم الطرق الموصله الى السوق كان ذهنه لا يزال منشغلا بمناظره حضرها امس في مسجد البصره بين العلاف واحد احبار النصارى وكان ذهنه منشغلا باحتجاج النصراني على العلاف بان عيسى ذو طبيعه لاهوتيه وناسوتيه في ان بحجه ان القران يصفه بانه كلمه الله فهو بذلك كالقران الذي هو كلام الله كانت تفاصيل المناظره حيه في دهنه مشى حتى حادى منزل جيرانه النصارى فراى والدهم امام بيته يسرج فرسه وبيده مخلاء فحياه من بعيد. لوح الطبيب النصراني من بعيد وقال حياك الله. لكن الجاحظ لم يسمع ما قاله فقد حالت بينهما موجه من الغلمان متراكضين وراء سيدهم المتربع على بغله فارهه. ما انحصر الغبار الذي اثارته حوافر البغله واقدام الغلمان الرافضين وراءها حتى كان الجاحظ قد وصل الى طرف الشارع الذي يقود لساحه الحمام لف يمينا وهو يفكر في مدى معرفه جاره النصراني بتفاصيل دينه الذي يتبعه متسائلا هل هو مقلد لابائه فقط ام هي العاده التي جعلته يتشبث بذلك الدين المحرف وهل هو معذور في الاخره اذا كان يوقن في دخيله نفسه بان دينه هو الدين الحق ام ان الجاحد للحق فقط هو الاتم وغيره بريء امام الله كان ذهنه لا يزال مشحونا بتلك الافكار وهو يخلع حذاءه داخلا الى مسجد زينب بد المسجد مقتضا بشبان المنحنين على كتبهم والحلقات الدائريه حول كل ساريه تجاوز الساريه الاولى فراى احد الشيوخ وحوله عصبه من الشباب المنشغلين بدراسه علوم الاوائل من منطق وكيمياء وموسيقى فهو يذكر ان ذلك الشيخ ذا العمامه الحمراء لا يطيب له الا تدريس الهندسه والرياضيات وصل الى الساريه التي اعتاد شيخه الجلوس عندها فلم يجده لكن مجموعه من الطلاب بادروا اليهم مرحبين ما كاد يجلس حتى قال له شاب كثيف اللحيه لقد سافر الشيخ وما ارى الا ان تجلس مكانه لنلتمس من علمك ريت ما يعود ثم دوت غمغمات الطلاب مؤيدين كلام الشاب ابتسم الجاحظ وهو يضع يده على منكب الشاب الاسمر هذا مرتق صعب وما اراني اصلح للجلوس هنا للتعليم مكان الشيخ ثم خيم صمت فسمع بوضوح صوت احد الشيوخ الجالسين عند احدى السواري يقول القوه الغضبيه والقوه الشهويه هما اصل هذا المنزع التفت الجاحظ نحو الصوت فتراء له الشيخ محملقا في صحيفه كبيره عليها رسوم ملونه ثم لمح شابا قصيرا ابيض يجلس عن يمين الشيخ ويشير جهه الجاحظ باصبعه ثم وقف الشاب مقتربا وقال خجلا هل انت ابو عثمان؟ بلى ما كاد الشاب يصدق وانعقد لسانه وهو يشير الى كومه من الورق بيده كنت الان اقرا في هذه القراطيس التي كتبت في فخر السودان على البيضان وما اظن احدا كتب في هذا الشان قبلك ونظر الجاحظ بغبطه الى الاوراق المنسوخه من كتابه قال وهل اعجبك ما فيها؟ اي بالله ثم رفع الشاب يده وحك شحمه اذنه وقال على ان عندي بعض الاشكال فيها فقال الجاحظ بغبطه وما هو؟ مد الشاب يده بصفحه وقال للجاحد اقرا من هنا امسك الاوراق الجلديه وبدا يقرا والناس مجمعون على انه ليس في الارض امه السخاء فيها اعم وعليها اغلب من الزنج وهتان الخلتان لم توجدا قط الا في كريم وهي اطبع الخلق على الرقص الموقع الموزون والضرب بالطبل على الايقاع الموزون من غير تاديب ولا تعليم وليس في الارض احسن حلو منهم وليس في الارض لغه اخف ف على اللسان من لغتهم ولا في الارض قوم اذرب السنه ولا اقل تمطي منهم وليس في الارض قوم الا وانت تصيب فيهم الارد والفافاء والعيي ومن في لسانه حبسه غيرهم ورجل منهم يخطب عند الملك بالزنج من لدن طلوع الشمس الى غروبها فلا يستعين بالتفاته ولا بسكته حتى يفرغ من كلامه وليس في الارض امه في شده الابدان وقوه الاسر اعم منهم فيهما وان الرجل ليرفع الحجر الثقيل الذي تعجز عنه الجماعه من الاعراب وغيرهم وهم شجعاء اشداء الابدان اسقياء وهذه هي خصال الشرف وهم اهول في الصدور واملا للعيون كما ان المسوده اهول في العيون واملى للصدور من المبيضه وكما ان الليل اهول من النهار والسواد ابدا اهول ودهم الخيل ابهى واقوى والبقر السود احسن وابهى وجلودها اثمن وانفع وابقى والحمر السود اثمن واحسن واقوى وسود الشاء ادسم البانا واكثر زبدا والدبس اغزر من الخمر وكل جبل وكل حجر اذا كان اسود كان اصلب صلابه واشد يبوسه والاسد الاسود لا يقوم له شيء وليس من التمر شيء احلى حلاوه من الاسود ولا اعم منفعه ولا ابقى على الدهر والنخل اقوى ما تكون اذا كانت سود الجذوع واحسن الخضره مضارع السواد قال الله جل وعلا ومن دونهما جنتان ثم قال لما وصفهما وشوق اليهما مدهمتان قال ابن عباس خضراوان من الري سوداوان والحجر الاسود من الجنه فمن استنكر لون السواد فيما في الفرنجه والروم والسقالبه من افراط صبوطه الشعر والرقه والصهوبه والحمره في شعر الراس واللحيه وبياض الحواجب والاشفار اقبح واسمج ولا سواء من لم تنضجه الارحام وما جازت به حد التمام ثم رفع الجاحظ بصره وهو يجد لذه قراءه كلامه وقال للشاب وما وجه الاشكال في لم تقل لنا ما سبب السواد وهل هو لعنه من الله كما يقول اليهود وما الذي رميت اليه بقولك ولا سواء من لم تنضجه الارحام وما جازت به حد التمام وقبل ان يجيب الجاحظ لاحظ ان كثيرا من طلاب الحلقات بداوا يتجمعون لسماع حديثه فقال وقد خامره بعض الغرور لقد تركت بسط ذلك اتكالا على فطنه قارئ الكتاب فالله تعالى لم يجعل السواد تشويها في الخلق ولكن اختلاف البلاد وقوه الشمس هي التي فعلت ذلك بالناس والحجه في ذلك ان في العرب قبائل سود كبني سليم بن منصور وكل من نزل الحره من غير بني سليم كلهم سود وانهم ليتخذون المماليك للرعي والسقاء والمهنه والخدمه من الاشبانيين ومن الروم نسائهم فما يتوالدون ثلاثه ابطن حتى تنقلهم الحره الى الوان بني سليم ولقد بلغ من امر تلك الحره ان ضبائها ونعامها وهوامها وذبابها وثالبها وشائها وحميرها وخيلها وطيرها كلها سود والسواد والبياض انما هما من قبل خلقه البلده وما طبع الله عليه الماء والتربه ومن قبل قرب الشمس وبعدها وشده حرها وليس ليس ذلك من قبل مسخ ولا عقوبه ولا تشويه ولا تقصير على ان بلاد بني سليم تجري مجرى بلاد الترك ومن راى ابلهم ودوابهم وكل شيء لهم تركي راه شيئا واحدا وكل شيء لهم تركي المنظر وربما راى الغزاه دون العواصم اخلاط غنم الروم فلا يخفى عليهم غنم الروم كان الفتى ومن حوله يستمعون مذهولين بكل حواسهم للجاظ متعجبين من فصاحته وبديهته وقوه منطقه فلما سكت بادره رجل من طرف الحلقه يشد عليه جبته حياء وماذا عن الروم؟ الروم انما الروم انما نقص خلقهم قليلا لانحرافهم شمالا في الارض وانت تعلم ان الارض على هيئه البيضه فكان الارحام لم تنضجهم لقله الشمس فجاء خلقهم متهافتا وجلودهم ضعيفه فكان الارحام زادت على انضاج السودان ولم تنضج الروم كبير انضاج وتذكر الجاحظ لون محبوبته تماظر فاستعاد بشرتها المتوسطه بين البياض والسواد فنظر الى الارض ورفع وجهه وقلبه يخفق لذلك ترون احسن الناس اجساما واجملهم الوانا اهل هذه البلاد وذلك لوقوع اقليمنا وسط الارض فلم ننحرف شمالا ولا جنوبا وسكت وهو يتذكر تماظر وكيف ودعها اخر مره قرب سوق العطارين فتمتم قائلا علي العوده لامر مهم ثم وقف فوقف معه الطلاب يشيعونه الى الباب ما كاد يضع رجله في نعله حتى شعر بضرب خفيف على كتفه فالتفت فاذا سهل ابن هارون ابتسم الجاحظ فاتحا ذراعيه وعانق سهلا قائلا ما الذي جابك؟ جئت استعير كتاب بطليموس من احد التراجمه السريان انشغل الجاحظ باعاده عمامته المصفره وسخن الى مكانها ونفض طرف جبته الاسفل من اثر طوبه وقعت عليها وهو يقول الم نقرا كتاب بطليموس منذ ده معا ابتغيه لنسخه للبيع لكني لم اجد الرجل ولعلي اعود وقتا اخر حسنا ما رايك في ان تصحبني لدار موايس بن عمران فنتعشى معه لا باس خرج الرجلان من باب الحائط الدائر على المسجد وبدا يسيران في الشارع كانت الضوضاء الاتيه من جهه السوق عاليه والشمس تكاد تغيب واذان المغرب يكاد ينطلق ظلا يسيران في الشارع وكان الجو باردا فجعل كل منهما يشد جبته عليه بينما اخذ الجاحظ عمامته وتقنع بها فالتفت اليه سهل وقال لا انصحك بالتقنع فانت عندما تتقنع بعمامتك تخفي محاسن وجهك لكزه الجاحظ بمنكبه تعني اني عندما اتقنع ابرز ما في وجهي من دمامه ثم قطع حديثهما صوت مؤذن قريب كان قد حاذي الزقاق الكبير المؤدي لساحه الحمام فازدادت الضوضاء تكاثفا باختلاط اصوات المؤذنين مع صوت مطرقه في طرف السوق يتدافع الناس خارجين من سوق البصره عائدين الى بيوتهم او متوجهين للمسجد الجامع لصلاه المغرب يكاد الشارع يضيق بالكتل البشريه الاخذه في كل اتجاه فهؤلاء قصابون يحملون سيوفهم والاتهم وتفوح رائحه الشحم واللحم من ملابسهم وهم منهمكون في احاديثهم بعد يوم طويل من العمل مروا من جهه سال فضم طرف جبته حتى لا تلامس ملابسهم ثم دخل هو والجاظ الى المسجد للصلاه بدات الصلاه في المصلى الصغير المطل على الشارع دخل الناس في صلاتهم لكن اللوحه الباديه امام المصلين لا تكاد تترك للمصلي مساحه تامل او خشوع وتلك مجموعه من الجواري يمشين مسرعات وعلى راس احداهن كومه ملابس وهن يتضاحكن ويتغامزن مع شاب في طرف الشارع ثم مر بين الشاب والفتيات كلاب يركض وراءه مجموعه من الكلاب افزعت جملا محملا يقوده اعرابي رثياب كانت الكتل البشريه تتحرك مبتعده عن السوق لتتوارى في الشارع الواسع فيما بدا الليل يفغر فاه ليلتهم المدينه ومن فيها نفض الجاحظ حذاءه وهو يخرج من باب المسجد وقال لسهل هل كتبت هذه الصلاه حسنا ام سياد وما الذي عقلنا منها وحضرناه بقلوبنا التفت سهل متنهدا وقال وهو ينفض حبيبات الحصى عن ارنبه انفه الاقناء وما ادراك انها من اكثر الصلاه اجرا فالاجر يتضاعف كلما تضاعفت الفتن والعوارض وان اجر المتعبد المنفرد في خلوته المنقطعه عن العوارض لاقل عندي من اجر من يصلي وهو مطل على سوق العطارين ثم ان الفرق بين السيئه والحسنه دقيق لا يدركه العامه فالحسنه قد تكون سيئه بحسب المقام والنيه والسيئه قد تصير حسنه بالمقام والنيه ظلا يتبحاثان في الفروق ما بين الحسنات والسيئات وظل كل منهما يستعرض قدرته على توليد الافكار والزحزحه الدارج منها بمنطق حاد وصلاه السير قاصدين منزل مويس بن عمران ذلك المنزل الوحيد الذي يجدان فيه عاده ما يشبع معدتيهما الخاويتين ابدا مد الجاحظ يده وقرع الباب بقوه خرج غلام سقلبي وفتح الباب ثم دعاهما للدخول وهو مطاطئ الراس كان مويس بن عمران متربعا في مجلسه الواسع الواقع بالجانب الايمن منزله الكبير ومعه جماعه فيهم نظا ومسر جوي الجندي سابوري وابو نواس قام مويس من مكانه واستقبلهما كانه يتدحرج وهو يردد بلغته التي تبدل الراء غينا يا مرحبا واهلا مد الجاحظ يده لمصافحته وهو يبتسم متذكرا كيف وصف ابو نواس مويسا قبل ايام بان مشيته تشبه مشيه الاوزه فجسمه القصير صير الممتلئ وساقاه الافحجان يجعلان مشيته متارجحه متلكئه ثم تذكر وهو يعانقه كيف اغتابه بان الله ييسر له الكلمات التي فيها الراء كلما تكلم لتظهر لتغته اكثر ولتزداد ضرافته في اعين الناس جلس الجاحظ عن يمين مويس اما النظام فكان يجلس عن يساره فيما يتربع مقابلهم ابو نواس ومسر جوي الطبيب الذي بدا وجهه اكثر وضوحا من غيره لقربه من المصباح كان المجلس دائريا انيقا مفروشا كله بالسجاد الخرساني الفاخر والمساند البصريه الانيقه وكانت احدى زواياه مملوءه كتبا شعر الجاحظ براحه وهو يستنشق رائحه الكتب الجلديه والورقيه فجلس غير بعيد منها على عادته وهو يتذكر سخريه سهل بن هارون منه ساقترح على الفتاه التي ستتزوجها ان تصنع قاروره عطرها من غبار الكتب التفت مويس بجسمه كاملا الى الجاحظ وقال بنبره ارفع من نبرته العاديه هل طلبك امير المؤمنين هارون الرشيد في من طلب امس تحرك الجاحظ في مكانه لاعبا بجفنه الايمن مرخيا شفته السفلى مغضنا خده الايسر قائلا لو طلبني لما كنت جالسا بين هذه الوجوه فما اظن من جالس الخلفاء يعود القهقره لمجالسه الدهماء والحوشه ومن لا يعبا الله بهم دو المجلس ضحكا واهتز مويس في مكانه ثم رفع يده وصك بها يد الجاحظ طربا اما ابو نواس فكان يداري ضحكه بسبب توالي ثلاث راءات في كلام مويس بادر النظام وكان صوته الغليظ ات من اعماق روحه وقال لقد دعا شيخنا ابا الهدي للعلاف في جماعه من المشيخه وطلب احصاء كل طلاب العلم والعلماء في البصره غاب الجاحظ عن الحديث منطويا على نفسه وهو يفكر كيف ان الرشيد لو دعاه فلربما تيسر امر زواجه من تمار بنت الخليل ثم تخيل نفسه بين يدي الرشيد وهو يظهر كل علمه ومهاراته والرشيد يقول له لما لم يخبروني عنك قبل هذا غير ان هذه الافكار التي داعبت خياله قطعتها عليه فكره اخرى لماذا ما زال يشعر بالذنب لتعلقه بها عند رؤيتها وهي تنوح على ابيها قبل بضعه اعوام ولما يكتم لحظه رؤيته الاولى لها عن كل احد كانت عيناه تدوران بسرعه لافته وهي الاشاره التي يعرف بها اصدقائه انشغاله بامر جلل فانتبه مويس وبادره ما بالك يا ابا عثمان اين طرت عنا وباي ارض نزلت انتبه فاعتدل في جلسته شادا اطراف جبته وهو يقول بنبره غير واثقه فكنت افكر في مساله منطقيه دخل الغلام الثقلبي ونظروه الى الارض وبيده جام واسع مزرك كش بصور الطواويس ووضعه في وسط المجلس فوقف ابو نواس تفوح من اردانه رائحه عطور مختلطه اخذ تفاحه وقضمها ثم جلس وكلامه لا يكاد يفهم هل سيصلنا شيء من صله امير المؤمنين لطلاب العلم والعلماء بدره الجاحظ وقال ومن اي الفريقين ترى نفسك يا ابن هانئ ابعد ابو نواس بقيه التفاحه عن فيه وهي تقطر ماء على شقه قائلا بابتسامه فاتره وماذا ترى انت يا ابا عثمان لا ارى انك مندرج في طلاب العلم ولا في العلماء فانت شاعر مفلق ومنطيق مطرب فارى ان تلتمس طريقا حتى يعرف الخليفه مكانتك كاشاعر اهل البصره كان الجاحظ يتحدث غير ان جوا من التوتر والنظرات المرتابه خيم فابو نواس فهم كلام الجاحظ على انه حط من مكانته العلميه خاصه بعد المناظره التي دارت بينهما قبل ايام في احد المساجد وبحضور النظام فكيف لم يرضى ان ينظمه في سلك العلماء وهو الذي يشهد كل من عرفه بتبحره في الفقه واللغه والمنطق والتاريخ كان النظام يراو النظر بين وجه ابي نواس الذي تضلله سحابه انزعاج ووجه الجاحظ الذي تغشاه موجه توتر يحاول اخفائها والنظر الى محيا مويس الذي لا يحب ان يؤذى احد في مجلسه مد النظام يده الى كوز من ماء الورد وقطع حديث الجاحظ بقوله انت يا ابا نواس تستحق كل تلك الصفات لجمعك اياها كلها ثم ان الرجل الكامل في ايامنا لا يستحق صفه الكمال الا اذا جمع صفات متباينه ومع سعي النظام لتطيب خاطر ابي نواس فان ابا نواس لم يرتح لعباره الرجل الكامل مخافه ان يؤولها بقيه الرهط تاويلا اخر فبادر ابو نواس مخفيا تضايقه محاولا استعجال الاذهان قبل الانتباه لكلمه الرجل الكامل قائلا بتلعتم موجيا كلامه الى مسرج جويه سمعت ان احد رهبانكم ناظر في المسجد امس وقطع مناظره المسلم فقال مسرجوه سمعت ذلك وما كنت حاضرا نزع الجاحظ عمامته فظهر ظل راسه الدقيق على الجدار اكبر من حجمه وقال سمعت انها كانت مناظره مشهوده حارت فيها الباب وطارت عمائم ابتسم النظام مبتعدا عن الجدار واخذ وساده وثناها لتكون له مرتفقا وهو يستقبل وجه الجاحظ فانطلق الجاحظ لقد فكرت في سبب انخداع كثير من العامه بالنصارى وتقديمهم لهم على المجوس واليهود وقد حدثت صديقنا مسرجويه بذلك من قبل فالتفت مويس الى الجاحظ وماذا وجدت يا ابا عثمان وجدت ان المسلمين يحنون على النصارى اكثر من اليهود والمجوس لاسباب فاليهود كانوا جيران المسلمين في يثرب وعداوه الجيران كعداوه الاقارب في الشده والتمكن وثبات الحقد وانما يعادي الانسان من يعرف ويناقض من يشاكل وعلى قدر الحب والقرب يكون البغض والبعد عندها التفت ابو نواس الى مسر جويه محاولا التضارف لاثبات انه لم يغضب وقال وبهذا تكون دواعي البغض بينك وبين الجاحظ كثيره يا مسرجوي. ابتسم الجاحظ دون ان يستطيع اخفاء انزعاجه من قطع ابي نواس لحديثه وواصل. ثم لما راى اليهود جيرانهم من الانصار قد استقبلوا المهاجرين خير استقبال. حسدتهم اليهود على النعمه في الدين والاجتماع بعد الافتراق والتواصل بعد التقاطع. فمالاوا الاعداء والحسد ثم جاوزوا الى الطعن وادخال الشبه الى المناجزه والمنابذه والعداوه فجمع المسلمون كيدهم وبذلوا انفسهم واموالهم في اخراجهم من ديارهم فطال ذلك واستفاض فيهم وظهر كان النظام يستمع بانتباه وهو متكئا على وسادته ممسكا وسط جبته لا يكاد يتحرك ولا يزيد على التامل واغضاء نظراته المتامله دوما وترديد كلمته الاثيره شيء عجيب يمدها بهدوء ناظرا الى الارض سعيدا باتساع علم تلميذه الجاحظ وصل الجاحظ حديثه ثم ترادف ذلك الغيض وتضاعف ذلك البغض وتمكن ذلك الحقد كان يتحدث بصوت مسموع رغم ضوضاء تصادم الاواني وجلبه الخدم في بيت العمال وهم منكبون على تجهيز العشاء اما مويس فكان يفكر في سؤال يرميه او نكته يشارك بها فقبض بيده على يد الجاحظ قائلا سمعنا عن اليهود وماذا عن النصارى وهم موضوع الحديث التفت الجاحظ الى مويس مغيرا لهجته وضاغا على مخارج الحروف مبرزا جمال صوته واناقه الفاظه كانت النصارى لبعد ديارهم من مبعث النبي عليه الصلاه والسلام ومهاجره لا يتكلفون طعنا ولا يثيرون كيدا ولا يجمعون على حرب فكان هذا اول اسباب ما غلظ القلوب على اليهود ولينها على النصارى ثم كان من امر المهاجرين الى الحبشه ما حببهم الى عوام المسلمين وكلما لعنت القلوب لقوم غلضت على اعدائهم وبقدر ما نقص من بغض النصارى زاد في بغض اليهود ومن شان الناس حب من اصطنع اليهم خيرا تحرك مسر جويه مائلا بنصف جسمه الى الامام وقال بلهجه وثقه الا ترى يا ابا عثمان انك ابعدت النعجه وتكلفت الغائب واهملت الحاضر لما غافلت عن ان القران ناطق بحب النصارى والايه من سوره الانعام تقول لا تجدن اشد الناس عداوه للذين امنوا اليهود والذين اشركوا ولا تجدن اقربهم موده للذين امنوا الذين قالوا ان نصارى الى قوله وذلك جزاء المحسنين كان مسر جويه يتحدث وكانت عيون مجالسيه ترمقه بانتباه فهو منذ صبا يحضر مجالس المعتزله في المسجد فاكسبته مهاره في الجدل فلما سكت مسرج جويه قال الجاحظ وهو يوجه كلامه اليه صدقت وما كنت لاغفل عن ذلك لكني اخرت ذكرى الايه لبعض التدبير المنطقي فان من امتن اسباب ميل عوام المسلمين لعقيده النصارى تاويل هذه الايه التي غلطت فيها العامه حتى نازعت الخاصه وحفظتها النصارى واحتجت بها واستمالت قلوب الرعاع والسفله وفي نفس الايه اعظم الدليل على ان الله تعالى لم يعنلاء النصارى ولا اشباههم من الملكانيه واليعقوبيه وانما عنا امثال بحير الراهب والرهبان الذين كان يخدمهم سلمان الفارسي دخل الغلام الثقلبي ناظرا الى الارض حاملا سفره نظيفه جث على ركبتيه ليبسطها فتباعد الرجال حتى بسطت وسط المجلس وقبل ان ينصرف اشار اليه ويس بان يحكم اغلاق ستاره النافذه لان بعض الغبار بدا يتسلل خرج الغلام وعاد حاملا جفنه مملوءه ثريدا ووراءه غلام هندي يحمل قصعه وكوزا من الماء. اقترب الخادم الهندي من سهل ابن هارون ومد له قطعه صابون وبدا يفرغ الماء على يديه. نظر الجاحظ الى الماء القدر المنحدر بوضوح من يدي سهل تحت ضوء المصباح. متسائلا متى غسلهما بالصابون اخر مره. طرد الفكره عن ذهنه مواصلا حديثا. وان من اسباب عطف المسلمين على النصارى انه جاء الاسلام وملوك العرب رجلان غساني ولخمي وهما نصراني وقد كانت العرب تدين لهما وتؤدي العتاوه لهما فكان تعظيم قلوبهم لهما راجعا الى تعظيم دينهما وكانت التهامه وان كانت لقاحا لا تدين ولا تؤدي الاتاوه ولا تدين للملوك لا تمتنع من تعظيم عظيم ما عظم الناس وتصغير ما صغروا ونصرانيه النعمان وملوك غسان مشهوره في العرب معروفه عند الناس قال النظام وهو يفرك يديه بالصابون بعد ان وصل اليه الغلام الهندي بقصعته الواسعه لله انت يا ابا عثمان والله ما فكرت في هذا الامر من قبل شعر الجاحظ بنشوه من تزكيه النظام وهو الرجل المعروف بحده الذهن فوصل حديثه هو ابو نواس يرقب حركه فكيه المنعكسه على الجدار وقد كانت العرب تتجر الى الشام وينفذ رجالها الى ملوك الروم ولها رحله في الشتاء والصيف في تجاره مره الى اليمن ومره قبل الشام ومصيفها بالطائف فكانوا اصحاب نعمه وذلك مشهور مذكور في القران وعند اهل المعرفه وقد كانت تهاجر الى الحبشه وتاتي باب النجاشي وافده فيحبوهم بالج جزيل ويعرف لهم الاقدار ثم ان قيصر والنجاشي نصراني فكان ذلك ايضا للنصارى دون اليهود والاخر من الناس تبع للاول في تعظيم من عظم وتصغير من صغر ثم ان العرب كانت النصرانيه فيها فاشيه وعليها غالبه تحرك مويس من مكانه مقتربا من الخوان وقال بسم الله تقارب الرجال محدقين بالجفنه الواسعه المحشوه ثريده مملوءا سمنا وبدات الاصوات تخط بينما على صوت القضم واللقم واختلطت مخارج الحروف باستكاك الادراس حاول الجاحظ مواصله حديثه فلم يستطع مقاومه غوايه ثريد فهو لم ياكل طعاما منذ امس اراد مويس قطع الصمت الذي خيم فجاه فقال وهو يمضغ ومخارج حروفه مختلطه والله ما كنت اظن قبلك يا ابا عثمان ان كثيرا من العرب كانوا نصارى امسك الجاحظ يده قبل وصول اللقمه الى فيه وقال الا مضر فلم تغلب عليهم يهوديه ولا مجوسيه ولم تفشي فيهم النصرانيه الا ما كان من قوم منهم نزلوا الحيره يسمون العباد فانهم كانوا نصارى وهم مغمورون مع نبد يسير في بعض القبائل ولم تعرف مضر الا دين العرب ثم الاسلام كان النظام ينظر من طرف خفي الى الجاحظ ثم تذكر رقه حاله ومعاناته وحاجته الى ان يذوق ثريدا ولحما فخاف ان ظل مويس يساله ان يحرم من بقيه الطعام وهو مستحن فاخذ الكلام قائلا ثم ان النصرانيه غلبت على ملوك العرب وقبائلها على لخم وغسان والحارث بن كعب بنجران وقضاعه وطيئ في قبائل كثيره واحياء معروفه ثم ظهرت في ربيعه فغلبت على تغلب وعبد القيس وافناء بكر ثم في ال ذي الجدين خاصه وجاء الاسلام وليست اليهوديه بغالبه على قبيله الا ما كان من ناس من اليمانيه ونبد يسير من جميع اياد وربيع ومعظم اليهوديه انما كانت بيثرب وحمير وتيماء ووادي القره في ولد هارون دون العرب كان مسر جويه لا يزيد على تحريك راسه مومئا بالموافقه اما ابو نواس فكان مندفعا في القضم ثم تذكر انه لم يتحدث منذ بدايه الحديث وذاك قد يكون مثار تندر عليه فقال لسهل بن هارون مالك لا تتحدث يا سهل قال له سهل والطعام يكاد يتطاير من فيه مالي لا اتحدث كانك انت كنت قص ابن ساعده على منبره منذ وضع هذا الطعام دو الضحك في ارجاء المجلس ورفع الجميع اياديهم الى افواههم انتقاء لانفلات الطعام منها اما مويس بن عمران فالتفت الى سهل محاولا زياده التحريش بينه وبين ابي نواس لا تظلم ابا نواسا يا سهل فما منعه من الحديث الا الحرص على سماع الدرر التي كان ينثرها ابو عثمان فقال سهل وهو يجمع باطراف اصابعه لقمه والله ما اسكته حب العلم وانما خشع لسفره الطعام حاول النظام اعاده الحديث الى موضعه بقوله فعطف قلوب دهماء العرب على النصارى كما تقول يا ابا عثمان انما هو للملك الذي كان فيهم والقرابه التي كانت لهم ثم رات عوامنا ان فيهم ملكا قائما وان فيهم عربا كثيره وان بنات الروم ولدن لملوك الاسلام وان في النصارى متكلمين واطباء ومنجمين فصاروا بذلك عندهم عقلاء وفلاسفه وحكماء ولم يروا ذلك في اليهود قال الجاحظ بين لقمتين فكان الدهماء ظنوا انه اذا على شان قوم في الدنيا اقترب دينهم من الحق فجعلوا نظافه النصراني من نظافه دينه وقداره اليهودي من قداره دينه فاليهودي لا يكون الا قصابا او سباكا او نخاسا تظنوا قدارته وحقارته من قداره وحقاره دينه نفض مسر جويه يده من الطعام قائلا وهو يتجشا صدقت يا ابا عثمان قال النظام وهو يشيح بوجهه ليتخلص من رائحه تجشؤ جليسه وها هنا شيء اخر في باب الديانات وذلك ان الناس يخصون الدين باخطاء واغلاط لا يخصون بها غيره فترى الرجل عاقلا حازما يزن الامور بميزان العقل حتى اذا دخل في باب دين صار كانه مجنون يهدي اهتز الجاحظ لفكره النظام واضاف فاليونان مع عقولهم يعبدون الكواكب والهنود مع حذقهم في الحساب يعبدون البدده وكانت العرب مع رجاحه عقولها تعبد الاصنام عاد النظام وقال ولهذا انصرفت هذه الطائفه المباركه من المعتزله الى عرض امور الدين على العقل حتى تشكر الله على ما وهبه من قسطاص لتمييز الحق من الباطل تباعد الرجال عن القصعه ودخل الغلام الثقلبي لاخذ الاواني وعاد الغلام الهندي حاملا الصابون وكوز الماء كان الغلام الهندي يفرغ الماء على يدي النظام فوقف الجاحظ واقترب من النافذه وبسق خارجها ثم التفت الى مويس وقال لقد ابار الليل وحان وقت الانصراف قال ابو نواس بسخريه لما العجله يا ابا عثمان لكان جاريه طيبه الدل ملدوده الحديث تنتظرك انما هو كوخك الوسخ وكراريسك المتطايره ولحافك المغبر تساءل الجاحظ في نفسه هل وصل خبر عشقه لتماظر الى ابي نواس ثم التفت الى النظام فكانت نظراته خاليه لم يقرا فيها شيئا عادت اليه نفسه وقال من سمع حديثك يا ابا نواس يظن انك مك مكن كل ليله من ليالي هذا الشتاء من الكافات السته ضحكوا جميعا لكن مويسا ضحك ضحكه متكلفه لعدم فهمه لما يشير اليه الجاحظ فمال بجسمه المتقارب على الجاحظ وقال علمنا ما الكافات الست يا ابا عثمان امسك يد مويس وجعل يعد له على اصابعه القصيره الكافات التي يحارب بها الشتاء هي الكن والكيس والكافور وكاس الطلاء والكساء اما السادسه فاسال عنها شيخنا النظام التفت مويس جهه النظام فاغضى مبتسما متما بهدوء مشوب بحياه شيء عجيب شيء عجيب تحرك مويس في مكانه وضرب كف الجاحظ مؤكدا له فهمه للكاف السادسه اما النظام فكان لا يزيد على الابتسام والنظر الى الارض بينما ينعكس ظل جمجمته الكبيره على الجدار كان الجاحظ اول الواقفين فقام المجلس بقيامه وتقدم مويس الى باب بيته يتدحرج مرددا يا مغبا يا مغبا يكاد باب الحجره ينفتح بعصف الرياح الجنوبيه البصريه حتى تاتي زوبعه اخرى من زوابعها فتغلقه بقوه لكن الجاحظ لا يزال يغط في نوم عميق لقد احتاط قبل نومه لكتبه حتى لا تعبث بها الرياح فلف عليها الوطاء ورمى بعضها فوق بعض واضعا عليها لحافا كبيرا ووسائد ثم نام بعد ليله طويله من القراءه والكتابه دخل النظام من باب الحائط ماشيا مسرعا وفتح الباب بقوه وهو يقول بصوت ساخر ما بال العريس نائما؟ اهذه حال عريس. تحرك الجاحظ فوق سريره كانه في حلم ثم فتح عينيه فراعى النظام واقفا عند طرف السرير ضاحكا. جلس دفعه واحده متذكرا بحماس ما عليه فعله اليوم. حك عينيه بطرف يده وقال بتثؤب: علينا الذهاب للحمام. رجع النظام القهقره متجها الى اللحاف الذي يغطي الكتب كشفه وجلس بين الكتب وقال وهو يمد يده لاحدها ما كنت اظنك ستنام البارحه اصلا وهل ينام العشاق يا ابا عثمان لم انم تنام عيني ولا ينام قلبي يا ابا اسحاق اسرع فعلينا الذهاب لحمام مسعود قبل نوبه النساء نهض الجاحظ من فوق سريره ثائر الشعر مرتديا جبه لا يكاد لونها يعرف من تراكم الاوساخ عليها. رفع النظام عينه عن الكتاب الذي يتصفحه وردد بصره في قامه الجاحظ فبدى له اكثر دمامه مما عاهده ثم فكر في جدوى ذهابه للحمام لكنه دار كل ذلك مصانعه لصديقه وعاد نظره الى الكتاب فاتاه صوت صديقه متتما اصلي ركعتين ثم ننطلق وضع النظام الكتاب الذي بيده جانبا وخرج من الحجره ثم تبعه الجاحظ وجعل يحكم قفل بابه كعادته ابتسم النظام قائلا بلهجه ساخره احكم القفل يا ابا عثمان ففي الحجره اموال هارون الرشيد ونصف اموال بني برمك دعنا من هذا مشيا في الفناء الواسع ثم خرجا من باب الحائط فالتهمهما الشارع الضاج بالحركه المؤدي الى طرف سوق البصره يقع حمام مسعود في زقاق ضيق يقود الى سوق البقول وتتناثر على اطراف الزقاق المبلط بالحجاره دكاكين البقالين المختلفه الخاصه باصناف الحبوب والفواكه والخضروات المجلوبه من قرا سواد العراق ومدن خرسان كان الجاحظ والنظام يسيران وسط زحام الناس فيما تمتلئ مناخيرهما برواح العنبر الهندي وروائح الفواكه الطاز زجه والمتعفنه ظلا يسيران وسط الزحام ثم سمع الجاحظ صوت بقال يعنف عامله قائلا تعال يا وجع الضرس فرد عليه العامل بقوله انا قادم يا مؤخره البطن التفت الجاحظ الى النظام وهو يرفع طرف ازاره محاولا تجنب بعض القاذورات المرميه وقال بنبره ضاحكه لا ينقضي عجبي من كون كلام الدهماء اعلق بالاذن والق قلبي من الكلام الفصيح وكيف ذاك انا مثلا لا انسى عبارهين العاميين من حيت وساظل اذكر العباره كما هي مهما تطاولت السنون وتقلبت الايام لكني لو سمعت العلاف يقول كلاما مسبوكا لما حفظته الا بجهد ولما بقي في ذهني الا باحتياط وتهم سحب النظام يده من يد صديقه وهو يقول لعل السبب ان الفصاحه في حقنا تكلف اما اللحن فياتينا عفوا وذلك لملابساتنا الدهماء والسفله في هذا العالم المولد كان الزقاق مليئا بالحركه فاجساد البشر والحيوانات تتدافع بينما تختلط اصوات البقالين المنادين على بضائعهم مع قرع الحوافر على الطريق المبلط ومع ان النهار لما يرتفع فان روائح الروث والغبار وعرق الاجساد تكاد تزكم الانوف اقتربا من الباب الخشبي الكبير فتراء لهما مسعود واقفا على باب حمامه ومعه غلمانه. دخل الجاحظ اولا فلما راه مسعود التفت الى احد الغلمان وقال له لا تسمح لذلك المتسول بالدخول. دوت ضحكه النظام بينما كان الجاحظ غير منتبه غارقا في التفكير فيما ينتظره. التفت النظام الى صاحب الحمام وقال له لقد جنيت على صاحبه انه عريس وليس سائلا ابتسم الرجل الاصلع الممتلئ واعتذر قائلا لقد هجم علينا امس جماعه من متساويلي السوق وصرت لا ارى احدا الا تذكرتهم كان الحمام واسع المدخل كثير الحجر دخل الجاحظ والنظام وتبيعهما اربعه غلمان ابا اسحاق هل سبق احد من خلفاء المسلمين الى ما فعله الرشيد من بيعه لابنيه الامين والمامون في جوف الكعبه قبل اعوام قال جاحظوا وهو يتاوه من بروده الماء الذي افرغه عليه عامل بقوه كان النظام مستلقيا على مغسله عن يمين صديقه وقد بدا غلام اخر يغطي جسمه بالصابون فقال وهو يمسح الصابون عن شفته لا اذكر ان احدا فعلها قبله فقال الجاحظ مع اصرار الرشيد رحمه الله على اخذ العهود منهما داخل الكعبه وتعليق الاتفاق في جوف الكعبه على ان البيعه للامين ثم للمامون من بعده لم يعصمه ما ذلك من النزاع على الامر عندما جد الجد فقال النظام اي والله ما جديد خبرهما سمعت ان جيوش المامون دخلت الاهواز وما هي الاام حتى تقتحم البصره فسال النظام هل سيظل المنصور بن المهدي امير البصره على وقوفه مع الامين مع ان امره يتناقص كل يوم سمعت انه امر بتحصين المدينه استعدادا لاي طارئ او اقتحام من جيوش المامون ارتخت يد العامل الزنجي عن الفرك وصب الماء وهو يستمع بانتباه لما يدور بين الرجلين فانتهره النظام وما لك حتى في هلاك عمر ونجاح بكر صب وافرك يا ضحك العامل وقال بلكنه ما زال صاحبها يعاني من نطق بعض الحروف العربيه والله ما اعرف ايش لكن انا احب حديثكم ضحك الجاحظ وقال بتفاصح حتى لا يفهم العامل شيئا وفيكم سماعون لهم سمعت ان القوم غرزوا في كل سرادق اذنا واتخذوا من كل سوقي مقدم شرط كان النظام نصف جالس رافعا ذراعه الى الاعلى فيما ينهمك الغلام في فرك ابطه فقال بصوت متقطع شيء عجيب مد عجيب فجاءت متقطعه بسبب الفرك الشديد ثم وصل حديثه وعيناه نصف مغمضتين وعلى اطرافهما رداد صابون متناثر لا عليك يا ابا عثمان وماذا يعنيني انا انت نحن اصحاب ورق وحبر وكلام لا احلاس خيول وارباب سيوف وكتبه دواوين فاذا دخل الامين البصره او دخلها المامون فكلاهما من هذه الشجره العباسيه الزكيه وما نحن بمضارين في الحالين اجتهد الغلام الزنجي حتى قلب الجاحظ على ظهره وافرغ خليطا من الصابون المعقود بين كتفيه حتى غطت الرغوه اعضاءه الدقيقه ولم يبقى يبقى الا راسه الصغير مسندا على طرف المغسله فرفع راسه حتى بدا كفرخ في عشه وهو يقول وما الفرق بين ما ذكرت بكبير يا ابا اسحاق كان النظام يفكر في هوايه صاحبه في الربط بين المتناقضات والكشف عن العلاقات بين ما يبدو متباعدا وقبل ان يستفسر منه اندفع الجاحظ وهو يحك طرف راسه الانزع قائلا فاصحاب الخيول والنبال والسيو لا يطيب لهم عيش ولا يقر لهم قرار الا بمعاونه ارباب الورق والمحابر والاقلاب فنحن نندرج في جماعه الخاصه وننتظم في سلك العليه وان قعدت بنا الحرفه وجفانا الدهر وسكنا حيث تعلم لعله كذلك واصحاب الاقلام كثيرا ما يكونون مقدمه للجوش هنا قاطع الغلام الزنجي النظام تعالوا الى الحجره والله وسخ كثير كثير قمز الجاحظ النظام بعينه اليمنى قائلا لقد هجان الزنجي لا تنسى انهم حسبوك سائلا يا ابا عثمان ولم يعرفوا حد ما بين العريس والسائل مشيا بتؤد مؤتزرين بازر بيض ليجلسا في حجره التنشيف وكانت ابتسامه تماظر ماثله في ذهن الجاحظ عندما راها اخر مره وهما ما يخرجان من السوق جلس الجاحظ على طرف مسطبه مربعه وسط الحجره وجلس النظام على طرفها الاخر ثم ادخل الجاحظ يده في مخلات ليخرج الملابس التي يدخرها لمقابله تماظر بينما كان النظام جالسا على طرف المسطبه يتامل صديقه كان النظام ينظر الى صديقه مفكرا هل سينجح في الظفر بقلب تماظر ام لا فكر في ظرفه وعقله وعلمه وطيب معشره فما الذي يمنعه من سحر تلك الفتاه الغريره اذا ما استخرج لها ما شاءل الغوايه التي ما ينفك يستخرجها وقادها بالاعيب الحديث وجوده الخاطر وطيب اللفظ وحسن المخارج والمداخل وقف الجاحظ في زاويه من زوايا الحمام المعتمه واخرج ملابسه من مخلات مغبره لبس قميصا اخضر مزركش الصدر وازاره سنديا ملونا ووضع فوق ذلك كله دراعه رماديه ثم وضع قلنس وعمامته السوداء ثم درج الى مراه معلقه في طرف الغرفه مما يلي شعاع الشمس ونظر الى نفسه وقف امام المراه لكنه لم يرى نفسه بل راه راى تماظر بنت الخليل وهي ترتدي ملاءه مزركشه ودوائبها السود منسدله على كتفيها وهي تبتسم مرحبه به. صدم وهو ينظر في المراه مره اخرى مفكرا في انها احيانا ادق بكثير مما يظنه الناس والا لما لم يرى وجهه في المراه الان وانما راى وجه تماظر هل يعني هذا ان المراه تتغلغل الى اعماق النفوس البشريه فتعكس ما فيها تعرف ما في دواخلنا ام انه خداع العين فالمراه تعكس ما ترى غير ان العين الانسانيه لا ترى الا ما تريد رؤيته حتى ولو شخص امامها غيره ترك المراه وراءه وقال للنظام كيف ترى العريس الان الله انه البدر قد اطل وما ارى عواتق هذه المدينه الا على خطر عظيم فقال الجاحظ يقولون ان المؤمن مراه اخيه ولا تلك المراه المعلقه في حمام مسعود امس رحما بي منك واصدق تقدم الجاحظ ليدفع اجره الحمام وعاد النظام الى زاويه الحجره ليرتدي ملابسه وبعد ساعه كان الجاحظ يسير في الشارع المؤدي الى بيتضر والعطر يتوع من ملابسه لكنه لم يشعر الا وهو يهوي في بركه اسنه من مياه الحشوش خرج بصعوبه عائدا الى بيته كثيفا تعيسا كانه لم يدخل حم حما قط الدوحه عام 1439 للهجره كان الوقت قبل نشره المساء الرئيسيه فبدات غرفه الاخبار ضاجه بالحركه فالكل مندمج في انجاز الجزء الموكل به في النشر يركض صحفي قصير القامه الى غرفه المونتاج لتسجيل تقريره ويركض منتج اخبار فارع الطول للاشراف على منتجه العناوين فعناوين هذه النشره من اكثر العناوين التي يمنحها منتج النشرات وقتا كي يضبطوها متاكدين من وضوح عباراتها واشراق كلماتها كان القروي جالسا بمكتبه في طرف الغرفه فراى رئيس التحرير يخرج من مكتبه قصيرا كانه طفل وهو يقول من هذا الحمار الذي على الشاشه التفت الجميع فراوا مراسلا مطلا من مكان فيه حريق لكنه يرتدي بدله بيضاء انيقه ويتحدث عن الحريق مشى رئيس التحرير كانه يقفز واقترب من قسم المراسلين وقال اذا انهى حديثه فاعطنيه اكلمه هاتفيا بعد ثوان مد الشاب الجالس بقسم المراسلين الهاتف الى رئيس التحرير السلام عليكم رئيس التحرير معك اهلا ومرحبا يا اخي بالله كيف تطل من مكان حريق وانت ملتحف بدله بيضاء كانك في مهرجان كان للافلام السينمائيه والله انا كنت اشوف والله ايش هذا لا ينبغي وهو يجرح عين المشاهد واذا كان العرب قديما قالوا ان البلاغه مطابقه المقال لمقتضى الحال فان الامر كذلك في البلاغه البصريه هناك بلاغه بصريه وبلاغه لسانيه ثم ودع المراسل ورمى الهاتف وصاح باعلى صوته وهو يقف وسط غرفه الاخبار الناس ما بتفهم كان القروي يستمع بكل حواسه لرئيس التحرير يكاد يطير سعاده بتصرفه خلافا لكل من في غرفه الاخبار فمعظم الصحفيين يضيقون بجبروت رئيس التحرير واهتمامه بالتفاصيل وحرصه على اللغه العربيه وما يسميه الفصاحه البصريه مال القروي على كرسيه وهو يشعر بسعاده غامره انتزع نفسه من عالم الجاحظ الى عالم رئيس التحرير شاعرا بغبطه ثم وقف وتوجه الى صديقه مازن بقسم المقابلات فراه منهمكا في الاتصال غلات ايمكننا ان نشرب شايا في المقهى الا حبيبي محمد لا انا مشغول كثيرا نحتسيه بعد نهايه النشره عاد القروي ماشيا وسط غرفه الاخبار ملتفتا يمنه ويسره متاملا الهلع المستولي على الجميع عداه تخيل نفسه كالنبي ابراهيم يمشي وسط النار لكن لهبها لا يمسه كل هؤلاء يركضون ويلهثون عند كل نشره اما هو فيعيش ما بين البصره وبغداد قبل اكثر من 1200 عام يكتبون كلاما بلاستيكيا ميتا مترجما انتجته عقول محرري رويترز وغيرها من وكالات الانباء الغربيه اما هو فيكتب بلغه الجاحظ والنظام والعلاب كما شاء جلس على مكتبه ثم ادار شاشه التلفزه المثبته في طرف حاسوبه به ليشاهد النشره. جلس يتابع تقريرا لاحد المراسلين من شبه القاره الهنديه كان التقرير ضعيفا ومهلهلا فالصور تتقافز دون رابط منطقي والنص المكتوب لا علاقه بينه وبين تلك الصور. فكر في الوقوف وتقليد رئيس التحرير تقيل نفسه واقفا وسط غرفه الاخبار ممسكا بالهاتف متصلا بالمراسل. ايش هذا؟ ما هذا التقرير؟ ان اللغه مهلهله ومنسوجه بالاخطاء ولا رحم بين الصور والنص هل كتبت النص قبل ان ترى الصور؟ ان الصور والنص لابد ان ياخذ بعضهما برقاب بعض تماما كما قال الجاحظ عن الالفاظ والمعاني ثم تذكر وجه حصه قبل اسابيع تسخر منه قائله انت تعيش داخل قوقعه لغويه وتذكر كيف رد عليها وانت تعيشين في شراك عنكبوتي ومصابه بوسواس الكتروني وتذكر كيف سخرت من كتبه التي يقرا ومن ابطاله الذين ماتوا قبل مئات السنين ابتسم وهو يتذكر كيف رد عليها ساخرا اذا كان السلف الصالح عندي هم الجاحظ والنظام وعمرو بن عبيد فسلف انتهي ادوارد سنودن وجولين اسانج وتذكر كيف ضحك واخرجت من شنطتها كتابا بعنوان انقطع حبل الذكرى اذ سمع اشعارا برساله نصيه في هاتفه كانت رساله من حصه تقول كلمت اهلي الامر معقد جدا ولا بد من اللقيه لنتحدث ضروري انتبه الجاحظ الى انه تجاوز سوق الراسين حيث تجاوز كل تلك اللزقه دون ان يلاحظ ذلك انصرف ذهنه متاملا في ان حاله القلوب هي التي تطيل المسافات او تقصرها حسب حاله الانسان ففي لحظات انتظار ما يحبه الانسان ويتعجل الحصول عليه تبدو الساعات كانها ساعات سجين مقيد يمشي وايدا وفي لحظات الهناء يطير الوقت كانه حصان عربي ربي جموح ثم طافق يفكر في العلاقه بين العقل والقلب اذا كان العقل بالمكانه التي يضعه فيها المتكلمون فلماذا يغيب احيانا في لحظات تكاثف المشاعر واذا كانت المشاعر والعقل اخص خصائص الانسان فلماذا تطرد المشاعر العقل لما يغيب العقل اذا حضر الشعور القوي هل يختفي سلطان العقل كلماض الانسان عرقا شوقا الى محبوب ثم لماذا يتعرق الجسد اذا تسارعت دقات القلب او انشغل بامر ولا يتعرق الجسم مهما فكر الانسان بعقله واعمله في القضايا الكبرى شغلته الاسئله التي هجمت عليه عن الحذر من برك الحشوش التي في اطراف الشارع ثم وجد نفسه عند باب تماظر دق الباب ثم ابتعد عنه قليلا وهو يشد عليه جبته ويعدل عمامته السوداء ويمر يديه على جفنيه وشفتيه فتح غلام الباب قائلا من الجحظ صك الغلام الباب بقوه فقفز قلبه من مكانه تافف وهو يراوح بين رجليه قائلا في نفسه ما هذه العجرفه ليت الصكه كانت بين كتفيك ايها الغلام الاخر ظل واقفا يراقب الشارع الخالي الا من مكار يضرب بردونا بطيئ وصبيه يتراكضون ويترامون بالحجاره. سمع الغلام يقول لاهل المنزل: الجاحد يستاذن دق الجاحظ الباب وقال بانزعاج:يحك قل لهم الحدقي اذا كنت عاجزا عن نطق الضاء اعوذ بالله من الجحود. وسمع الجاحظ الغلام من وراء الباب ينادي الحلقي يستاذن فصاح الجاحظ ردني الى الجحود اخذك الله ثم امسك نفسه عن ان يصيح الحلقي وانا ات للخطبه تجعلني حلقيا مخنثا بعد هنيات من التوتر عاد الغلام وفتح الباب بوجه مربد مشيرا له بالدخول دخل فناء واسعا ودلف الغلام امامه ثم تبعه وهو لا يكاد يبصر اين يضع قدمه فالمنزل معتم ولا يكاد يرى ما بداخله قاده الغلام الى حجره وتركه اعتدل في جلسته وجعل يصور لنفسه لحظه دخول تماظر عليه ثم فكر في اسلحه الغوايه التي يملكها من حديث اخاذ ونكته شارده لكن انتظاره لم يطل فراعى خيالا قادما من دهليز الباب ثم دخلت رفع بصره وقد بدات عيناه تريان الاشياء بشكل اوضح داخل البيت فاذا بوالده تماظر مرحبا بكم يا اهلا وسهلا جلست امر في طرف الحجره ثم دخل غلام يحمل صينيه عليها ماء وفواكه اشارت الام له بتناول شيء فمد يده واخذ كوزا من الماء وعب منه عبتين فقد انساه التوتر ضماء خفيفا احس به قبل الدخول. بدات الام تتحدث وهي تنظر الى الارض. والله لقد انتظرناك يا ابا عثمان لكننا حسبناك ضربت صفحا عن الامر. انغرزت كلمات الام سهما مسموما في قلبه وفقد فجاه كل قدره على الكلام. لم ينبس ببنت شفا. رفعت ام تماظر بصرها على استحياء كانها تستحثه للحديد فرات عينيه الواسعتين وقد سكنتا اما راسه الدقيق المدفون تحت عمامته السوداء فكان ساكنا ايضا لا يتحرك مرت ثوان ثقيله صامطه واستعاد قوته وهو يشعر بخدر في اطرافه وقال بصوت بدل طاقته كي لا تسمع فيه رعده كيف يا امضر والله لقد انتظرتك تماظر لتراك وتتحدث معك فهي كما تعرف لم ترك من قبل هنا كاد الجاحظ يصرخ كيف لم ترني وقد التقينا وماشيتها من سوق العطارين الى باب منزلكم لكنه تحكم في مشاعره وقال بصوت مشحون بالعجز والفضول ثم ماذا كان احد الخطاب قد طلبها والح في طلبها وانت تعرف ضعف الفتيات الغريرات امام الكلمه الجميله يا ابا عثمان شعر بان كل كلمه تفوه بها الام تزيد الامه وحسراته فاذا كان ما تريده تماظر الكلمه الغزليه الجميله ومطارحه الغرام فمن يحسن ذلك غيره مد يده الى الوراء قليلا زاحفا جهه الجدار ليستند اليه ثم جاءه صوتها لقد وافقت الفتاه على الزواج من علي بن المديني كل ما يذكره بعد ذلك ان خياله ازدحم بصوره فتن في سوق الوراقين ينهى عن النظر الى فتاه تمشي في طرف السوق وان رجلا ابيض مشربا بحمره زحمه في الصلاه على جنازه الخليل بن احمد كما يتذكر صوت ام تماظر وهي تقول له هون عليك يا ابا عثمان فانت زين فتيان البصره وجد نفسه مستلقيا في مسجد صغير باحد احياء البصره غير بعيد من السوق الكبير كان في زاويه المسجد ولا يكاد ينزع عينيه عن السقف المصنوع من جريد النخل والقش والطين مفكرا هل يخرج من المسجد ام لا فالى اين يذهب وما قيمه ما هو ذاهب اليه يذهب ذهب الى بيته البائس المليء بالكتب والكراريس والاقلام والاوساخ وجاره العامي ذي البرادين والحمير ام يظل هنا ام يخرج من البصره كلها هائما ظل مضطجعا دون ان يشعر بحاجه الى طعام او شراب حتى جاء المؤذن ورفع الاذان وبدا الناس يتكاثرون في المسجد الضيق جلس متثاقلا ثم راى احد المصلين لا يكاد يرفع بصره فتذكر ان كثيرا من الطلاب يعرفونه ولا يليق به ان يظل مستلقيا في مسجد كالمجنون وقف متثاقلا وخرج من باب المسجد الصغير ليتوضا جلس مستقبلا القبله وهو يسكب الماء على اعضائه مكررا بلسان متثقل لا حول ولا قوه الا بالله وقف المؤذن واقام الصلاه لكنه هو لم يتعجل بل ظل يستلذ الوضوء ساكبا الماء على اعضائه اذ خيل اليه ان الماء يطفئ حراره ما به بعد انتهائه من غسل رجله اليسرى رفع بصره جهه باب المسجد فراى الناس ما زالوا يصلون لم يشعر باي رغبه في ادراك الصلاه معهم فما قيمه صلاه الانسان اذا كان مشغول القلب ملتاع الفؤاد واذا كان المؤمن منه عن الصلاه في حاله انشغال ذهنه بجوع او حاجه الى خلاء افلا يكون العذر ابلغ في انشغال القلب مما هو اهم واطم ثم خطر له ان العاشق الولهان قد لا يكون مخاطبا بالصلاه اصلا ما دام مدلها عاشقا وتذكر كيف حدثه شيخه عبد الوهاب بحديث لا صلاه بحضره الطعام ولا هو يدافعه الاخبثان فالاصل الذي عليه مناط الحكم انشغال القلب وعزوبه وانشغال القلب بخواطر الحب وتردد خطراته ما بين وصل وهجر وامل وياس وصعود وهبوط اشد من انشغال بامر اخر ظل جالسا حتى انقضت الصلاه وانصرف الناس من المسجد وقف بتثاقل ودخل المسجد وما كاد يرفع يديه حذو اذنيه ليكبر حتى ظهرت امامه كانت تلبس مرطا من القطن ويداها مخضوبتان بحناء قانئه ذكرته بالكف الخضيب الذي راه منها اول مره وغارت صورتها فظهر علي ابن المديني بقامته المعتدله وعمامته البيضاء والفاظه الفخمه استعاذ بالله وبدا يصلي وانتبه الى انه اطال السجود على حصباء المسجد غير المفروش وان ريح الجنوب الحاره تصر في اذنه اتيه من النافذه مر وقت لكنه لا يذكر كم ركعه صلى ولا بكم قرا ولا بما قرا في صلاته اكمل ركعه ثم سلم شعر بانه بدا يستعيد بعض عافيته فاقبل على نفسه موبخا لها اين العقل والكلام والخواطر الشارده وما ادراني ان الله ادخر لي افضل واحسن واعلق بالقلب من تلك الفتاه الغريره ما ان نطق كلمه الفتاه حتى احسب قفزه بين ضلوعه لكنه لاحظ ان عقله يفكر في عشرات الحجج المقنعه بانها لا تصلح له ولا يصلح لها وانها لا تستحق كل هذا الحب تنفس وهو يتامل المساحه الممتده الواسعه الفاصله بين راسه وقلبه ايعقل ان تكون المسافه الفاصله ما بين العقل والقلب بهذا الاتساع فقلبه لا يكاد يذكر تلك الفتاه الا الطرب اما عقله فقد بدا يرى عيوب الزواج منها ثم تساءل لمن تكون الغلبه في النهايه للعقل الذي يضرب ويطرح ويحسب العواقب بتبصر ام للقلب الذي يحس ويشعر ويستشرف ويبصر ويضطرب ويرقص ويتكدر وقف من مكانه مؤنبا نفسه على انه لم يستطع احصاء عدد ركعته ثم وجد ابتسامه تتسلل خفيه الى شفتيه وهو يتمتم بابيات سمعها من خلف الاحمر ينسبها لعروه ابن حزام اصلي فما ادري اذا ما ذكرتها بخمس قضيت العصر ام بثمان خرج من باب المسجد الصغير ليسلم قدميه الى الشارع وهو يوبخ نفسه نهايه مزاحمه العلماء بالركب ودراسه علم الكلام والمنطق وتصفح العلوم ومفاتشه الاذكياء يصبح المرء كمجنون بني عامر وعروه بن حزام اسرع في الشارع عائدا الى بيته وهو يتامل الغبار المتصاعد في الشارع الذي تثيره الحوافر والاقدام السائره فيه وخطرت له بغته خاطره لعل اهل التماضر سالوا عن نسبه ولعل بعض الحساد قالوا لهم زورا ما يقوله اهل المرم البدء من انه مولا لبني كنانه لا صليبه فيهم مرت ايام ثلاثه لم يرى فيها احدا من اصدقائه والادهى انه لم يقرا فيها كتابا واحدا فقد تعمد خلالها ان يقضي نهاره بمسجد مهجور وانلا ياتي حجرته الا وقت النوم لكنه الان اصبح واثقا من ان عقله انتصر على قلبه بل انه عاهد نفسه ان يظل عقله قائدا لقلبه ما تبقى من حياته ومع يقينه الظاهر بانه نجح في ذلك الا انه راى ان يزور اصدقائه المسجديين ثم سال نفسه لم اختار زياره المسجديين وهم جماعه من ضراف البخلاء يجتمعون بمسجدهم لمدارسه وسائل الاقتصاد في النفقه مع انه لم يزورم منذ اشهر فهل جاء خاطر الذهاب اليهم لان النفس موقنه بانها لم تسلو بعد وان قلبه ما زال يقود عقله وانما هي نفسه تبحث عما تستجم به لتتغافل عن الاحزان ثم تعود تزاحمت تلك الاسئله في ذهنه وهو يخرج من بيته لكن نهيق حمار ومطارده بغل لاخر افزعاته فانشغل عن اسئلته بالانزعاج من سكنه قرب هذا المكار الاهوج وعادت الاسئله تطارده وصل الى شارع ضيق كانه منحدر فالتفت يمينا فراى بابا مواربا فتذكر كيف كان هو والنظام يلومان ابا نواس على دوام الاتيان على هذه الحانه للشراب ثم خطر له ان يعرج فيعب من الصهباء علها تذهب بعض ما به ثم تذكر ان الوقت بعد العصر بقليل وان الحانه لا تفتح الا بعد المغيب توق وقف عن السير منزعجا مؤنبا نفسه اذ كيف تخطر له هذه الخواطر اصلا فهل وصل به الامر ان يفكر في معاطاه الخمر المحرمه فرارا من خيال فتاه غريره مشى بتثاقل حتى تراءى له المسجد الذي يجلس فيه اصحابه من المسجديين قدم رجله اليمنى ودخل كانوا متحلقين قرب المحراب وفيهم الجالس والمتكئ والمستلقي وكانوا نحو العشره ما بين شباب وكهول ما ان لمحوا الجاحظ داخلا من الباب حتى وقفوا لاستقباله ثم بادره كهل منهم ذو شعر اصهب قائلا اين انت يا ابا عثمان وما هذا الهجران اشغال وترحال ايها الاصحاب قالها الجاحظ وهو يهم بالجلوس في طرف الحلقه التي يتوسطها شيخ يرتدي جبه صوف لا يكاد لونها يتبين من تراكم الاوساخ عليها جلس الجاحظ وسط الحلقه ونزع عمامته ليضعها تحت فخده اليمنى قائلا بابتسام ايه ماذا كنتم فيه؟ تربع الشيخ الاصب وهو يروح بثوبه عن انفه حتى لا تخنقه رائحه دخان القمامه المحروقه قرب المسجد وقال بنبره مختنقه كنا في سيره الافاضل الصلحاء ممن سلف وراى الجاحظ ابتسامته وهو يضمر سعاده بانه جاء في وقت طاب فيه المجلس واطمان فاراد استزاده الشيخ فقال مستشي له جئتكم اليوم لتخففوا عني فقد شقيت باصحاب زهدوني في هذا الطريق لذا فكرت في من اتحدث اليه لعله يثبتني فلم اتذكر في هذه المدينه العامره الا هذه العصبه المعصومه والجماعه المباركه مد رجل متزر عار الصدر يده ولكز الجاحظ والله انك يا ابا عثمان لا تريد الا مصانعتنا ومقاربتنا ونحن نعلم انك لست من اهل هذا الفن فانت مسرف مبدر وما تاتينا الا لتحكي امورنا على اصحابك وتكتبها في صحائفك فنهره الشيخ الاصغب دحو يا عبد الله فهو مع من احب ونحن القوم لا يشقى بنا جليس فواصل الجاحظ حديثه متصنعا الجد وهو يشعر بسعاده غامره شاعرا ان حديث انتزعه انتزاعا مما كان فيه فقال انتم والله اصحابي الذين تنتحلون الاقتصاد في النفقه والتثمير للمال وقد اضحى هذا المذهب نادرا وهو كالنسب الذي يجمع بيننا على التحاب وكالحلف الذي يجمع على التناصر وانا صاحبكم سهل بن هارون تقاطعه الرجل العاري الصدر وقال ما اخر ما سمعتم يا احبتنا مما يثبت على الطريق مكد الرجل ينهي سؤاله حتى اندفع شيخ ادم البشره اشعه الراس يرتدي كساء مخرق الاسفل لقد علمتم ان ماء بئرنا مالح اجاج لا يقربه حمار ولا تسيغه ناقه ولا يصلح به زرع والنهر منا بعيد وفي تكلف الماء العذب علينا مؤنه كبيره فقاطعه الشيخ الاصب هزا راسه وقال نعلم ذلك يا ابا رقيه فما الذي فتح لك فعل ابو رقيه جلسته وهو يبرم خصله من راسه باصابعه فكنا نسقي الحمار من ماء بئرنا فمرض فصرنا نسقيه الماء العذب صرفا وكنا انا وام رقيه نغتسل بالماء العذب مخافه ان يصيب جلودنا منه مثل ما اصاب جوف الحمار وكان ذلك الماء العدب الصافي الذي نغتسل به يذهب باطلا وانا اعلم ان ذلك الغسل عباده وحاشى للعباده ان تؤدي الى اسراء فسرت ليله افكر حتى انفتح لي باب من الاصلاح فصاح الشيخ الاصب صيحه استرواح وطرب اح يا قلبي وماذا فتح لك يا ابا رقيه فضحك الجاحظ نازعا عمامته من تحت رجله وجعل يفركها بيديه طربا ثم خاف ان تحدث او سال ان يقطع ذلك الحديث فحبس ضحكه وجعل ينظر الى ابي رقيه بتلهف ووصل ابو رقيه حديثه مقطب الوجه فعمدت الى ذلك المتوضا الذي اغتسل فيه انا وام رقيه فجعلت في ناحيه منه حفره وصهرجتها وملستها حتى صارت كانها صخره منقوره وصوبت اليها المسيل فنحن الان اذا اغتسلنا بالماء العذب صار اليها صافيا ولم يخالطه شيء فنستخدم ذلك الماء لسقي الحمار والحمار لا تقزز له من ماء الجنابه وليس علينا حرج في سقيه منه فمد الجاحظ يده مستفسرا وما يدريك ان هذا يجوز ولما تسقي ذلك المخلوق بماء الجنابه فالتفت ابو رقيه غاضبا ومتى صار الحمار يميز بين ماء الجنابه وماء زمزم فقال الجاحظ وما ادراك ان الحميره لا تتاذى من ذلك الماء وانها لم تشربه الا ترخصا مخافه الهلاك من شده العطش كما يترخص احدنا في اكل الجيفه ولحم الخنزير فقال ابو رقيه بصوت منكر اوه ماذا وهل يحس الحمار اصلا بشعور او يميز عدل الجاحظ جلسته فبدل التربع ثنى ركبتيه وجلس على ساقيه كما يجلس الناس في حلقات العلم ثم تصنع الوقار والجد وقال ومن قال ان الحمير لا تحس ولا تعشق ولا تتعبد ففي القران ولله يسجد ما في السماوات وما في الارض من دابه ثم الم تسمع بقصه حمار بشار بن برد الذي قتله الحب كان الشيخ الاصب يستمع بهدوء لا يخلو من تصنع فقال حاث الجاحظ وهو يعرف انه قد اوقع ابا رقيه فيما يريد وما قصه حمار بشار ايدك الله وصل الجاحظ حديثه واضعا يديه على ركبتيه متصنعا الوقف قصته دليل على ان الحمير لا تشعر فقط بل تعشق وتقرض الشعر كذلك فقد حدثني سهل بن هارون قال اخبرني ابو شبل عاصم بن وهب البرجمي قال حدثني محمد بن الحجاج قال جانا بشار يوما فقلنا له مالك مغتما يا ابا معاذ فقال مات حماري فرايته في النوم فقلت له لما مت الم اكن احسن اليك فقال لقد قد قتلني عشق اتان والاتان انثى الحمير وقد قلت في ذلك شعرا سيدي خذ بي اتانا عند باب الاصبهان تيمتني ببنان وبدل قد شجاني تيمتني يوم رحنا بثناياها الحسان وبغنج ودلال سل جسمي وبراني ولها خد اسيل مثل خد الشيفران ضج المسجديون ضحكا فقال ابو رقيه والله ما علمت ان كتابا حرم ما فعلته بذلك الحمار ولا ان سنه نهت عنه وقد اسقطنا بتلك الحيله مؤنه كبيره عن النفس والمال فضج القوم قائلين باعجاب هذا والله توفيق الله ومنه شعر الجاحظ بخفه وسعاده وهو لا يكاد يتنفس ضحكا وجعل يفكر كيف حرم نفسه من مجالسه المسجديين اشهرا ثم كيف جلس الايام الماضيه محزونا ولم يدر بباله المرور عليهم فاقبل عليهم الشيخ ذو الصدر العاري وقال بنبره محزونه منكسا راسه هل شعرتم بموت المراه الصالحه مريم الصناع فانها كانت من ذوات الاقتصاد وصاحبه اصلاحا عظيما ومن اعلام هذا الطريق فحثه الجاحظ مغضنا ما بين عينيه كالمستفسر وقال لا نعرفها الله فهل حدثتنا عنها؟ مناقبها كثيره وحديثها طويل ولكني اخبركم عن واحده فيها كفايه تقارب القوم وشخصوا بابصارهم لعلمهم ان ذا الصدر العاري اذا تحدث اتى بالاوابد فقال رحمه الله لقد زوجت بنيه لها فحلتها الذهب والفضه وكستها الذهب والوشي والقز والخز ودقت لها الطيب وعظمت امرها في عين الخت ورفعت من قدرها عند الاحماء فقال لها زوجها انا لك هذا يا مريم قالت هو من عند الله فقال لها دعيني عنك وهاتي التفسير فوالله ما كنت ذا مال قديما ولا ورثته حديثا وما انت بخائنه في نفسك ولا في مال بعلك الا ان تكوني قد وقعت على كنز فقد قد اسقطت عني مؤونه عظيمه وكفيتني نائبه داهيه فقاطعه ابو رقيه قائلا بنبره اعجاب وتحسر مع نفس مرتفع لا والله ما كانت صاحبه خيانه ولا تبذئ وصلد الصدر العاري حديثه قالت اعلم اني منذ يوم ولدتها الى ان زوجتها كنت ارفع من دقيق كل عجنه حفنه وكنا كما تعلم نخبز في كل يوم مره فاذا اجتمع من ذلك مكوكب بعته فقال لها زوجها ثبت الله رايك وارشدك فقد اسعد الله من كنت له سكنا وبارك لمن جعلت له الفا انتفض شيخ يكنيه المسجديون الاباضي وحل حبوته طربا وقال والله اني لارجو ان يخرج الله من ولد هذه المراه من يحيي هذا الطريق بعد ان عم الاسراف وانتشر الانفاق وان قومي من الخوارج لاجد بهم الخروج للحجر على السفهاء والاخذ على ايدي المسرفين من الخروج على السلاطين مال الجاحظ على الشيخ الاباضي المعروف ببغضه للشيعه قائلا قيل لي انك تشيعت بعدي فهل الامر كما قيل انا اتشيع هذا ما قيل لي لن اتشيع حتى يتشيع معاويه بن ابي سفيان وما الذي بغضك في الشيعه بغضني فيهم اني لم اجد شين في اول كلمه قط الا وهي مسخوطه مثل شؤم وشر وشيطان وشغب وشح وشمال وشجن وشيب وشين وشين وشراسه وشنج وشك وشوكه وشبث وشرك وشارب وشطير وشطور وشعر وشانئ وشتم وشنعه وشناعه وشائمه وشوصى وشت دار الجاحض ضحكه مكتومه وهو يستمع الى الاباضي يعدد معائب بشين ثم ظللته سحابه حزن وهو يستدعي صوره تماظر مغموسه في الحناء والعطور مجلوه لابن المديني فظهرت على محياه سحابه غم وكابه ثم قال محاولا تدارك اصحابه قبل ملاحظه ما به والله اني لسعيد بلقياكم وانطلقت غمغمات مجاملات من اطراف الحلقه بينما دوى نهيق حمار خارج المسجد جدا بدات السفينه المثقله بالامال والاحلام تقترب رويدا رويدا من المرفا كانت الجاريه تتطلع الى المرفا بعين قرحتها الدموع وفؤاد اعياه نحيب لم ينقطع منذ اعوام كان سيدها ينظر الى المرفا نظره المنتصر الى الغنائم كان قلبهما من عالمين مختلفين رغم تجاورهما فما يتموج به خاطر الفتاه من خوف وياس وضيق لا يضاهيه الا ما يرقص به قلب سيدها من سعاده وتحفز وتفاؤل حتى كان جوار المتضاضين يزيد حده كل منهما اندفاعا في اتجاهه بدل ان يعدي احدهما الاخر استل النخاس مراه صغيره من صندوق خشبي بين يديه ثم بدا ينظر في وجهه الطويل ذي الانف الاقنى معدلا من وضع قلنسوته السوداء التائهه وسط صحراء راسه الاصلاع رمى مراته الصغيره داخل صندوقه الصغير وهو يتطلع الى تفاصيل الحياه التي بدات تظهر معالمها على مرفا البصره من بعيد التفتت الجاريه سائله المراه البدينه الجالسه الى جانبها وكانها تتوسل هل انت واثقه من اننا في العراق لم تجبها المراه وحدجها سيدها بنظره تانيب اما هي فاستيقظت داخلها ذكرى مرت عليها سنون كانت تجلس منزويه في ركن حجره في بغداد ترتعد خوفا فمع كونها الوحيده في الحجره فانها مع ذلك تجلس في زاويتها مشبكه ساعديها على فخديها ضامت ركبتيها الى صدرها حتى كانها مطويه طيا فالانسان ينطوي على نفسه اذا شعر بالخوف فتتقارب اعضاءه كانه يريد تحجيم مساحته عندما يشعر بالتهديد تتقلص المساحات التي يحتاجها جسده كانه يريد ان يذوب خوفا مما يهدده اما اذا كان في لحظه قوه فيتمدد جسمه ويرتفع راسه كان المساحه التي يحتل جسده لا تكفيه ويرتفع راسه كان المساحه التي يحتل جسده لا تكفيه الصوت الوحيد الذي تسمعه صوت قلبها الذي يدق قفص صدرها كانه سجين قرر الهرب فورا او الانتحار حالا مر وقت طويل والاصوات هادئه داخل المنزل الواسع ولا احد مستيقظ سواها فجاه سمعت قرع نعاله ماشيا في الدهليز الواسع يكاد وقع كل خطوه من خطواته يقرع طبله اذنها قبل ملامسه رجله للممر المبلط بالرخام والمؤدي الى حجرتها رفعت راسها فرات ظله تحت ضوء القمر ممتدا على البلاط مما يلي الباب دخل الحجره بهدوء فاحكمت شد يديها على ركبتيها فيما اصبحت عجيزتها الجزء الوحيد الملامسه للارض من جسمها المخروط دخل الرجل ورائحه العطر تفوح من اردانه ثم قال بصوت خافت مليء بالغضب المكبوت اين انت لما لا تقيدين مصباحا لم تزد الفتاه على ان قالت بصوت نحيل مرتعش انا هنا يا سيدي انا ثم سكتت حتى كان الحبل الواصل بين لسانها وعقلها قد انقطعها لعن فهي لا تعرف هل الافضل ان تسمعه صوتها فلعله يرق لها ام الافضل الصمت حتى لا يكون صوتها باعثا لغضبه وسببا لتذكر ما اقترفته تحرك الرجل صوب الصوت متلمسا الجدار بطرف يده اليمنى التي يلمع في وسطها خاتم حتى وصل الى حافه السرير الذي تجلس عليه جلس على طرف السرير وقال بصوت خافت لم تتوقعه لا تخافي اليها انها سمعت لا تخافي ثم شك في ذلك فخيالها الذي يسبح في عوالي واحتمالات تحصى كذب اذنيها فرفعت راسها من بين ركبتيها وقالت بصوت اكثر ارتعاشا من ذي قبل وهي تجد طعم دموعها بين شفتيها ماذا هل ماذا يا سيدي كانت لا تعرف ماذا اعد لها فلحظات انتظار العقاب عاده ما تكون افضع وانكى من العقاب ذاته ظلت تفكر منذ ساعات في كل الاحتمالات فهي تتذكر جيدا قصه صديقتها غنج وما جرى لها مع سيدها قبل اشهر حين اقسم ان يجلدها بالسيور وهي عاريه حتى يتقشر جلدها تتذكر المنظر الذي ما زال يسكن خيالها كانت صديقتها غنج قد عصت سيدها في امر تافه فاقسم ان يعاقبه جاء بالجاريه وصلبها على عمود قرب سلم المنزل ثم جردها من ثيابها ليجلدها فلما جردها من ملابسها اذا بجسمها غض طري مكتنز شديد النعومه فتحركت شهوته فامرها ان تلبس ملابسها وتتجمل ثم اعاد بعد قضاء وطاره ونصبها على السلم وجلدها بالسيور حتى تقشر ذلك الجسم اسم الغض الذي نزى عليه قبل ساعات كانت تفكر في كل ما راته وسمعته من عقوبات للجواري والخدم داخل بيوتات بغداد فكيف بمن اقترفت داهيه بحجم الداهيه التي اقترفتها هي طافت هذه القصص بخيالها في ثوان قلائل وهي ترفع حاجبيها منتظره جواب الرجل الذي كان يداري من امواج الغضب مقدار ما يجتاحها من حمم الخوف لكنه ضغط على طرف شفته في الظلام الدامس وقال بهدوء متصنع قلت لا تخافي فلان يمسك سوء وقعت كلمته على قلبها وقع المطر على البلد المحل تحول ظلام الغرفه الدامس الى ضياء عامر جوانح مزقتها زعازع الخوف واجتاحتها براكين الجزع اياما طوالا شعرت بحاجه ملحه الى الصراخ فرحا هذه المره لكن هل تصرخ لا فلعل في الامر مستورا لم يتبين بعد وما ادراها فقد يغير سيدها رايه في لمحه عين حاولت رفع حاجبيها من فوق ركبتيها قليلا لترى تعابير وجهه في الظلام ثم خطر لها الا تفعل فلعله يغير رايه اذا راى عينيها ولو من وراء حجب الظلام الكثيف فالعين رسول نافذ الى القلب ولا نافذه في جسد الانسان تفضحه وتكشف بواطنه للناس مثل العين ولعلها ان رفعت عينيها حتى من وراء الظلام يثور ثوره ويعود في كلامه ظل سيدها جالسا بق قربها في هدوء دون رفع بصره في الحجره المظلمه ثم حمحم قليلا وقال بصوت خافت ستواعين في السوق باي ثمن ولا اريد منك الا ثلاثه اشياء لا تذكري لاحد ابدا انك كنت جاريتي ولا تعودي للعراق ابدا مهما طوحت بك الايام وسمي نفسك باسم جديد لا يعرفه احد ثم وقف وخرج من الحجر المظلمه مسرعا مخلفا وراءه ريا عطر ذكي شعرت بخفه لم تذقها منذ ايام وانتابها امن ممزوج بخوف فقد ازيح عن كاهلها شبح انتظار عقاب ما كانت تدري طبيعته فسيدها كان يمكن ان يعاقبها على جرمها باي عقاب شاء ولا يستطيع احد منعه من ذلك قامت من مكانها وخطت خطوات جهه نافذه ازاحت الستار فترات لها بغداد وادعه هادئه ضج خيالها باسئله متشابكه هل ستودع هذه المدينه التي لم تعرف غيرها منذ عقلت هذه المدينه التي اتقنت فيها كل ما تحسنه الان كل ما تعرفه الان مما هو سبب سعادتها وشقائها ان علاقتها ببغداد علاقه ملتبسه فهي تكرهها وتحبها فتعلقها بها يشبه تعلق الجاريه المغتصبه بوالد اطفالها فهي تكرهه لانه اغتصبها ومع ذلك تحبه لانه الراعي الوحيد لاطفالها تكرهه لانه متسلط ومعتد على جسدها وتميل اليه لان فلاذات كبيدها يحبونه يسعدها لانه يسعد عيون اطفالها البريئه ويشقيها لانها كلما رات تذكرت الاكراه والعسب تلك هي بغداد بالنسبه لها هنا فتحت عينيها على الدنيا وهنا تعلمت ما تعلمت كانت تمسك بيمناها طرف الستاره بينما تركت طرفها الاخر يرف ليلامس جبينها وهي ترسل الى بغداد نظره وداع هبت ريح شماليه حامله رائحه الريحان العبق ارجعت الستاره الى مكانها وهي تستغرب كيف اتسعت حواسها للتمتع بالريح العطره رغم ضيق اللحظه وحرجها بدات الليله القمراء تنحسر عن المدينه الكبيره المليئه بتنهدات الالم واللذه المترعه بدموع الافراح والاتراح الماهوله بالاف الاسياد والعبيد والامراء والسجناء والتجار والمتسولين والنساك والفتاك افاقت الجاريه من تذكر تلك الليله البغداديه والسفينه تصطدم بحافه شاطئ البصره الصاخب بالصيادين والتجار والاطفال والبغال والحمير والسفن المحمله بالفواكه القادمه من مناطق مختلفه كانت تشعر بكل سهام الدنيا تتكسر داخل سويداء قلب ما كانت تحسب الايام ابقت فيه مكانا للجروح او مساحه للالام كانت كلما تكشفت لها تفاصيل الحياه على الشاطئ ازداد شعورها بعبثيه الحياه كانها في حلم لا يستحق اي اهتمام نعم ما الذي يضيرها ان تباع او تشترى او تسعد او تفرح او تعشق او تعشق ما دام كل هذا حلم نائم وخيال واسنان لو كانت الحياه حقيقيه لاستحق الامر الجزع او القلق او استحق الفرح والسعاده لكن كل هذا حلم من الاحلام فاين الساعات العذبه والضحكات المجلجله ومسح دموع السعاده من الماقي في الاماس البيض واين الالم واللذه والكره والبغض واين الاوجه التي ضاق الانسان طويلا بقربها منه ثم تبخرت حتى اصبحت كانها حلم كان الارهاق النفسي قد وصل بالفتاه لتلك المرحله التي تجعل الذهن يتارجح بين عالمين عالم واقعي يتعامل معه على حقيقته وعالم خيالي منفصل عن الواقع كانت حائره بين وجودها بين ذنك العالمين كانت تفكر في الصراخ والضحك بصوت عال لتحتفل مع ركاب السفينه بانها في حلم ولا داعي للتهمم والتجهم لكنها ما تلبث ان تراجع ذاتها لتقول انما هي فيه واقع فتهم بالبكاء والصراخ حزنا على ما فات وخوفا مما قد ياتي لكنها ما تلبث ايضا ان تعود للمرحله البرزخيه فتنكمش شفتها بعد ان استوفزت للصراخ او الضحك استرق اليها سيدها نظره مفعمه بالمشاعر المتناقضه فكلما صعد عينيه الحمراوين الدامتين دائما مع خريطه جسدها تتراءى له مدن من الذهب وقوافل من الجواري والغلمان ثم تغوص تلك المدن في الاف الاخيله فيرى فيها نفسه ابا لاطفال قد انعتقوا من دمامته ودمامه ابائه الى ابد الابدين بين تلك الخوا طر كان يتخيل عشرات التجار البصريين يتنافسون لشراء فتاته فما زالت كلمات النخاس الذي باعه اياها ترن في اذنه كانها هاتف سماوي يعد بالثراء الابدي لقد طوفت الدنيا ومخرت البحار والانهار وسلكت فجاج الانجاد والوهاد وعاشرت التجار والزهاد والنساك والفتاك وحلبت اشطر الدهر وربحت وخسرت وسررت وحزنت لكني لم اشتري ولم ابع اجمل من هذه الفتاه قاتلها الله لكانها مصنوعه صناعه او لكان الخالق استشار عاشقها قبل خلقها كان النخاس اليهودي ينظر الى جاريته التي بدت له في هذه اللحظه ابعد ما تكون عن الجمال فقد جردها التقلب الطويل بين ظهور الجمال ومتون الخيل وبطون السفن من كثير من اسلحه الغوايه التي كانت سبب شقائها وكثيرا ما يصبح سلاح المرء سلاحا بيد عدوه وكثيرا ما يضحى الجمال نقمه على حامله بدت عيناها الخضراوان الواسعتان بلا بريق اما شعرها الذهبي فتحول الى كومه من القش المهمل او كومه من الاثواب الباليه الداكنه اما حركاتها الخفيفه الموقعه التي كانت تلوي رؤوس عشاقها فغابت واسترخت اعضاؤها استرخاء المتعب المستسلم المقهور كان جمالها في هذه اللحظه جمالا منكسرا مرحوما يثير الشفقه للاعجاب قطعت افكار النخاس صيحات الناس على مرفا البصره لوهله ذهل اليهودي عن بضاعته فهذه اول مره يرى فيها مدينه البصره كان الوقت بعيد العصر بقليل والمرفا يضج بالحركه والنشاط تقافز المسافرون الذين اضناهم الجلوس في السفينه بينما ظل النخاس جاثما في مكانه متشبتا بيد فتاته في انتظار سكون الزحام بدا النخاس يقطع طريقه وسط زحام الناس سحنات شتى واوجه مختلفه التراكيب من هنود وثقالبه وزنج وعرب وروم يصيحون على بضائعهم المختلفه كانت رائحه البهارات والعطور والسمك الطازج وروث الخيول والحمير والابل تختلط برائحه الغبار والفاكهه لتشكل رائحه كثيفه غريبه عبر التاجر من امام بقال جالسا امام دكانه فصاحبه اين الخان واصل السير على هذا الطريق الواسع الى ان تخرج من سوق العطارين ثم سترى الخانه على يسارك كان الخان واسع الفناء تتوسط مدخله نخلات يربط المسافرون مطاياهم في جذوعها دخل التاجر فبادر قيم الخان بتحيته والترحاب ان ننوي المقام عندكم اياما ثلاثه نزلتم اهلا وحللتم سهلا خذ الامتعه وادخلها يا غلام قفز غلام رومي يرتدي قميصا احمر معترجا عمامه بيضاء اخذ الصندوقين الخشبيين فوضع احدهما على راسه وامسك الاخر بيده ثم وقف كانه جذع شجره خلف التاجر فجاه وقف رجلان على باب الخان وصاح احدهما قائلا لقد قطع خناق لسان هذا المسكين فعينه بما تيسر فوالله انه لشيخ زمن لا لسان له منذ ثلاثه اشهر التفتت الفتاه ناحيه الصوت ففتح السائل فمه واسعا كانه يتثائب فاذا هو بدون لسان رمى قيم الخان المفتاح الحصدي الذي كان بيده وخطا خطوتين تجاه السائلين صاعا والله ان لسانك للسان ثور خدعتني من قبل فانخدعت لك وان لم تخرج لاوجعنك ضربا يا ابن الفاعله توارى السائلان سريعا وقفز قيموم الخان وهو يغني وتبعه التاجر وفتاته صاعدين درج الخان ثم تحرك الغلام الرومي بخطوات الده متمايلا بالصندوقين الخشبيين ليلحق بهم كان قيم الخان منحنيا على دفتر ضخم بين يديه يكتب فيه ويمحو سمع وقع اقدام فحانت منه التفاته صوب السلالم فراى فتاه اذهلت كانت كلما نزلت درجه من درجات السلم ازدادت جمالا فكل كل درجه تفضح حركه من حركات انوثتها الفياضه كانت يداها ترفعان طرف ثوبها الاحمر مما يلي ركبتيها حتى لا تعثر وكان شعرها الذهبي يقفز فوق كتفيها كلما نزل درجه وكان قرطان ذهبيان يتشبثان بطرفي اذنيها متراقصين يخفقان كانهما قلب عاشق استغرب قيم الخان كيف دخلت هذه دون ان يراها ومن اذن لها بالدخول غير ان النخاس اليهودي الذي ظهر متدحرجا من ورائها ويده اليسرى على صلعته قال له صفلي اين سوق النخاسين؟ نحى قيم الخان دفتره الضخم الى اليمين ووقف قائلا تخرج من الباب ثم تمشي يمينا وتسال عن سوق الراسين وبعد عبورك سوق الراسين تسال عن سوق النخ خاس امسك النخاس اليهودي بيد جاريته وخرج من الباب اما قيم الخان فكان يفكر كيف لم ينتبه لجمال الجاريه عندما وقفت امامه قبل يومين ثم ابتسم وهو يفتح دفتره الضخم قائلا لنفسه من اراد ان يرى امراه ليتزوجها فليشترط رؤيتها وقت قدومها من سفر والله ان جمال النساء لخدع فما هو الا ثياب عطور دلف النخاس من الباب الشرقي لسوق النخاسين ومشى بخطوات قلقه ونظرات زائغه كان يقبض بيمينه على معصم جاريته الايسر فيما يرسل يسراه بين الفينه والاخرى لتعديل القلنسوه السوداء التدائهه على راسه الامنس مشى وسط الزحام السوق اخلاط من غلمان الاحباش والثقالبه ينادى عليهم كانت الجاريه تمشي خافضه راسها مكبه على وجهها لا ترفع بصرها عن الارض والنخاس يمشي مسرعا ممسكا بيدها حتى غدت كانها تقفز قفزا او تتدحرج وراءه كانت تتشبت بخمارها لتغطي جانبا من وجهها كانها لا تريد احدا ان يراها بخلاف نخاسها الذي يتمنى لو راتها الدنيا كلها تجاوز مكان عرض الغلمان قاصدا مكان عرض الجواري ما ان وصل اليه حتى نهر جاريته طالبا منها ازاحه خمارها خمارها الذي تدلى على وجهها فتركته منسدلا حتى ان طرفه لا يتميز بشيء عن شعرها المنسدل فجاه ظهر رجل عاجي الوجه قصير القامه عريض المنكبين قائلا يا اهلا وسهلا ما اسم الجاريه؟ اسمها عليه دار النخاس بالجاريه واضعا كفه اليسرى تحت دقنه مداعبا طرف لحيته بسبابته موجها حديثه للفتاه اتحسنين الغناء يا علي؟ غمغمت الجاريه بجمل غير مفهومه رافعه حاجبيها مشيحه بوجهها الى ارض لا انها من جلب جديد من الاندلس وعهدها بهذه الديار قريب لكنها عاقله وقابله للتعليم وهي على ما ترى حسنا وبهان عجيب عندما وقعت عيني عليها لم اشك في انها ممن يحسن الغناء والضرب بالعود بكم تبيعها كان النخاسان يتفاوضان وكانت الجاريه ترسل بصرها في اطراف السوق كانها تبحث عن شيء لكنها تنظر نظر المنكسر المسترق الخائف اذ لا تريد في ذات الوقت لفت اي انتباه كانت تنظر ثم تتحاشى نظرات الناس وكان النخاسون يطوفون حولها ناظرين اليها لكنهم ابعد ما يكونون اطلاعا على ما يدور داخل راسها من افكار اه كيف يمكن التحلل من هذا الذي يعدونه جمالا فما هو بجمال اذ لو كان جمالا لما جرعني الصاب والعلقم ولا كنت حيث الان في سوق غريبه بمدينه غريبه فهذا الجمال الملعون الذي لا يفارقها لحظه من العمر ليت الجمال تاجا يضعه المرء على راسه وقت ما شاء ليتزين به لحبيبه ثم ينزعه عن راسه ويرميه متى طاردته العيون الجائعه والذئاب المتطفله ذهب خيالها بعيدا ضاجا بصور متفاوته الوضوح كانت ترى نفسها وسط جمع من صويح باتها دخل فارس مقنع بالحديد وتامل جميعهن ثم عمد اليها وامسك بيمينها وجذبها ووضعها على فرسه وسط صرخاتها وصرخات صديقاتها لماذا لم ياخذ احدى صديقاتها كان وجه انطوانيت الاحمر وعيناها الضيقتان ودمامتها الباديه طريقها الى السعاده الابدي ليتني اشتري تلك الدمامه الحلوه التي تصد الناس بهذا الشعر المنسدر والجسم البض الجاذب لماس الحياه انتبه نخاس اخر كان منهمكا في الحديث مع مولاها فاقبل عليها سائلا مالك يا بنيه غمغمت الفتاه ولم تجب ببنت شفا اندفع النخاس مخاطبا سيدها بعد ان بصق عن يمينه انا لا انكر جمالها لكنها شارده الطرف كثيفه المنظر ولا شيء ادعى لله من الجاريه الحزينه فبيعها لي ب 200 دينار قلت لك لن ابيعها باقل من كانت الجاريه حائره الطرف تنظر على استحياء في جنبات السوق تمسح دمعه بين الفينه والاخرى من فوق خدها المتورد كانت تنظر ثم تتلفف ملابسها احيانا كانها تتستر عن احد المره ثم تبدو سارحه احيانا وبيدها عود تنكت به الارض فجاه وقعت رميه الى جانبها فالتفتت فرات جاريه غير بعيد منها تريد ان تكلمها اشارت اليها فاندفعت تتحدث اليها كانها تسالها عن امر غير ان سيد الجاريه نهرها وسحبها فتوارت وسط الزحام كان السوق ضاجا بالحركه فصفقات البيع والشراء لا تتوقف واحاديث الجواري والغلمان وبكاؤهم وضحكاتهم تملا الاذان ربما كانت عليه هي الصامطه الوحيده انفرج جانب السوق الشمالي فدخل رجل طويل نحيف الاطراف ممتلئ الوسط راكبا على بردون وبين يديه غلمان يفسحون له الطريق وقف عدد من النخاسين ينادون اهلا بعبود تفضل نزل من فوق بردونه وبدا يتمشى في الجانب بالمخصص للجواري كان كلما اقترب هو وغلمانه من عليه تحرزت وانكمشت داخل ملابسها كي لا يراها كانت تحكم قبضه يديها وتمسك انفاسها محاوله التضاؤل داخل ملابسها متخيله ان ذلك قد يعصم عين الناظر اليها من الافتتان بمنظرها الذي يبهج كل الناس الا هي نظرت اليه متسائله هل يا ترى ساخرج بعد هنيهات مع هذا الرجل لا ادري الى اين وما العيب في ذلك ما قيمه ان اضل مع هذا النخاس الجشع ذ الفم الابخر عدلت جلستها بينما كان عبود يقترب من سيدها السلام عليكم وقف النخاس الجشع حتى كاد يعثر وهو يمسح فمه بظهر يده قائلا بصوت متارجح بين الترحيب والطمع وعليكم السلام ورحمه الله. هل تحسن هذه الغناء والضرب على العود؟ لا لكنها لا غير انها حلوه ثقافه تتقن كل ما عملت وما ثمنها 1500 دينار هذا الثمن لا اعطيه في جاريه تخرجت على يد اسحاق الموصلي انها حسنه بهيه الطلعه حلوه الحديث و فقطعه عبود ولكن ماذا؟ هي لا تعزف ولا تحفظ الشعر كاني سانشئها نشاه كامله هل تبيعها ب 1000 دينار طال الاخذ والرد ثم قال اليهودي بتلكؤ نعم خذها في لمحه برق مال احد الغلمان على النخاس وناوله سره الدنانير كانت الجاريه مازالت جالسه وكان الحديث الدائره لا يعنيها التفت اليها سيدها الجديد وقال لك قفي وتعالي نظرت في عيني سيدها الجديد لحظه واحده تفصل بين عالمين لا تملك في اي منهما شيئا كانت قبل هنيه مملوكه لذلك التاجير اليهودي الجشع للفم الابخر يتصرف فيها كيفما شاء لا يسال ان ضربها او اغتصبها او باعها او اهانها او شتمها لكنها على الاقل قد عرفته كانت تعرف نقاط قوته وضعفه وذاك يمنحها هامش تصرف داخل دائره سيطرته المغلقه اما صاحب هاتين العينين العسليتين فما زال لغزا لا تعرف عنه شيئا لا تعرف من اي النوافذ تتسلل الى عالمه ومن اي زوايا يمكن اللعب بحدود دائره سيطرته نظرت اليه مره اخرى فرات عينيه العسليتين وشعره الذهبي المقتنز وبشرته الصافيه قومي وابشري فعبود يشهد له من في هذه العرصات بحسن الملكه تقدم اليها غلام رومي واركبها على ظهر بردون واندفع يهمج بها وسط زحام الرائحين بعد يوم طويل من ايام سوق النخاسين التفتت الجاريه وهي تخرج من الباب الشمالي على ظهر البردون فرات طرف الشمس قد غرب بينما طرفها الاخر بازغ ممتقع اللون تلفه الحمره القانيه التفتت يمينا فرات مجموعه من الجواري عائدات مع نخاسهن بعد يوم كامل قضينه يعرضن على كل قادم دون فائده ردت بصرها الحسير ناظره امامها فرات شعر سيدها الذهبي المقتنز واطرافه النحيله وبشرته الصافيه وغلاما معترجا عمامه وبردونا مرهقا يمضغ لجامه من الجوع لم يكن هناك فرق بينها وبين البردون فكلاهما يركض لا يدري الى اين بل لعل حاله احسن من حالها فقد مر قبل من هذه الناحيه ويعرف الطريق الذي يركض فيه. وقف البكاري صائحا على الباب يا هذا اخرج وادفع دانقين عن صاحبك. خرج النظام راكضا مرتديا جبه داكنه. حاسر الراس ماشيا كانه يتدحرج. اذ كان يجري منحنيا قليلا الى الامام. بدا مقطب الجبين مغضبا رفع راسه فراى المكاري يد الثوب الاصفر ممسكا بتلابيب الجاحظ بيده اليمنى واذن حماره بيده اليسرى ابتسم ابراهيم النظام وهو يرى الجاحظ يخرج دانقين من جيبه ويدسهما في يد المكاري وهو منحن ضاحكا ولى المكاري وهو يصفر بشدقيه فبادر النظام قائلا ما الخطب؟ حاولت التحريش به فقلت له اني لا املك دانقا وانك صديق بخيل ثم طلبت منه ان يترك الكراء لوجه الله تعالى وذكرت له احاديث ترغب في الاجر على طريقه القصاص لاعرف ما عنده فكان منه ما ترى. ضحك النظام وهو يفتح باب داره قائلا لقد ازعجني نداؤه لاني كنت قد بركت مبركا طيبا مقابل صومعه الحمام بحيث لا يراني وكنت ارقب بعض عاداته ومذاهبه وادونها حتى جاء الغلام واخبرني بنداء المكاري فقال الجاحظ ما اشد نكاره صوته واقل عقله لذلك كثيرا ما اقول لك اني ما رايت مكاريا عاقلا قط ولا رايت مكاريا في قريه الا شبيها بكل مكار اخر في اي بلد كان فالبعه والحماله والعجائز والحجامون والحاكه والنساء كانما ولدوا في عام واحد وكان عقولهم قدرت بمقدار واحد وصبت في قالب واحد كانا يتحادثان وقد تجاوزا فناء الدار ثم بلغا البيت المتواري خلفها كان مويس ابن عمران وبعض تجار المعتزله قد اكتروا هذا البيت ليضعوا فيه ما شاؤوا من الحيوانات ويراقبوها ويتاملوها عن قرب باشراف النظام كان فناء واسعا مليئا بالحيوانات المختلفه تقدم النظام وفتح الباب بهدوء محاولا الا يزعج الحمام رفع الجاحظ ازاره وهو يتجاوز العتبه فوضع النظام سبابته طالبا منه الصمت صعدا سلما طينيا بهدوء حتى كانهما لا يكادان يطعانه ثم قادهما السلم الى غرفه دائريه صغيره على ظهر الدار فيها نافذه مطله على باحه البيت الواسعه المليئه باصناف مختلفه من الحيوانات كانت داخل البيت كراريس ودوات واقلام من القصب وكرسي وحصير خلع الجاحظ طيلانه ورماه على الحصير ثم جلس تقدم ابراهيم جهه النافذه وهو يقول بصوت منخفض ما رايت اغزل من الحمام لم يزد الجاحظ على ان حرك راسه وهو يتامل القراطيس المصفوفه على الحصير تناول قرطاسا فوجد فيه رسوما لهيكل الفيل وتسميه لكل عظم من عظامه مكتوبه مقابل العظم المرسوم ثم تناول ورقه اخرى فوجد فيها كلاما يصف طبيعه الحمام ومحاسنه ومساوئه والفرق بين الحمام المعدل الزجل وغيره وضع الجاحظ الورقه ورفع راسه مخاطبا النظام بهمس لو راك احد العامه لقال انك تنوي التزوج بحمامه قاتلك الله لماذا لو اطلع عمي على هذه الكراريس المملوءه حديثا عن محاسن الحمام وكيف انه اغزل الحيوانات سيقول ما الذي يدفع رجلا من اهل الكلام والصناعه مثلك لمثل هذا الا اذا كان استخار ربه اجمع على ان يعرس بحمامه او بومه او قطاه اذا كان ذاك منطقهم فسيتهمونك بنيه الزواج من احدى بنات وردان الساكنات الكنف ابدا ضحك الجاحظ فلكزه النظام ليخفض صوته فرفع فيه عينيه قائلا وما الذي دعاك الى القول ان الحمام اغزل ما رايت لقد رايت الحمام اذا اراد قنط انثاه نفش ريشه وحسن مشيته وتفنن في لفت نظرها اليه باحابيل من الحسن عجيبه وتلاوين من الحيل غريبه فاردف الجاحظ قائلا ثم له ميزه اخرى الا ترى انه يتزوج ويكون وفيا لزوجه عكس الدجاج فالحمام قد يعيش عمره مع حمامه واحده لا يريد غيرها ولا تريد يد غيره اما الدجاجه فترحب بكل ديك والديك يقع على كل دجاجه بل من بلاده الديك انه يقع على الديكه ولا يعرفها نعم لقد كنت انا وجماعه من المتعلمين هنا نرقب ذلك فلاحظناه غير اننا لاحظنا مره انه قد يقع من الحمام ان يقوجه نعم لا انكر هذا لكن ما استقر عندي بعد طول مراقبه ان الحمامه الصوت الجميل يل كالنوائح والمغنيات مما يجري على رجلين اعف من غيرها ومع ذلك قد يفسق الحمام اذا احتاج الى غير حمامته لذلك رايته اشبه بالانسان في هذا ففي الناس العفيف والعفيفه وفيهم غير ذلك التفت اليه النظام بسرعه وهو يقول بصوت متعجب خافط وقد بدت قطيرات عرق على جبينه شيء عجيب ما دامت النوائح والمغنيات من الحمام اعف من غيرهن فلما اصبحت النوائح والمغنيات من الانس اقل عفه من غيرهن ما كاد النظام ينهي سؤاله حتى طار الحمام من الحائط فمد الجاحظ رجليه واسند ظهره الى الجدار اما النظام فجلس على قدميه مادا يديه امامه تململ الجاحظ وقال مشكله القينه انها تنشا بين العود والطنبور وبين المجان والفساق فعيشها مربوط بالتهتك ولا تستقيم صناعتها ومهنتها دونه فهي والعفه لا ياخذان طريقا شيء عجيب لذلك لعل من الافات التي قد تصيب الرجل الكريم ان يعشق قينه فالقينه تجمع من الملذات ما لا يجمعه غيرها على وجه الارض اعتدل النظام في جلسته واهمس كيف ذاك عثمان ان المطعوم والمشروب مثلا لا يوصل الى لذته الا بحاسه واحده ولو خبرته بحاسه غيرها لعافته فلو ذقت المسك بلسانك لعفته لانه من حظ حاسه الشم ولو وضعت كل لذيذ على اذنك لما وجدت له طعما وما وجه جمع القينه لكل ملاذ الدنيا لان متعه القينه تدخل اليك عن طريق حواس اربع فهي تمتع اذنك بالصوت المزلزل وعينك بالدل الذي يحل عقده العزم وملمسك باللمس باللمس الذي يقود الى الحنين للباه وشمك بالريح الطيبه ثم يعضد القلب ذلك بالتخيل فتمتعك من اربع حواس شيء عجيب مع ان الجاحظه هو الذي ما زال يتحدث الا انه خيل اليه انه سمع دقا خفيفا على طرف الباب فبادر قائلا كان الباب طرق طرقه خفيفه فانتبه النظام من شروده ومد جسمه جهه الباب وقال من فجاء صوت الخادم حدا متذبذبا كالعاده بين صوت المراه والرجل سيدي هناك جماعه من الاصحاب يستاذنون ادخلهم في المجلس وقل لهم اني قادم. وقف النظام بقامته الفارعه منحنيا لسقف الغرفه الواطئ حتى اخرج راسه من الباب وهو لا يزال منحنيا. ثم تبعه الجاحظ. نزلا من الدرج بهدوء وهما يرقبان عن يسارهما تلاوين الحيوانات المستانسه التي تروح وتغدو داخل الحديقه المصطنعه التي بناها النظام واصحابه قبل سنوات بتبرعات مويس بن عمران وبعض اصحابه من تجار المعتزله يوجد مجلس واسع في طرف الحديقه يجتمع فيه عشاق الحيوانات للحديث عنها وعن نتائج مراقبتها بين الفينه والاخرى تقدم الخادم وفتح الباب المؤدي الى الرده الداخليه للمنزل وهو يقول لقد اعددت المجلس والرجال فيه يا سيدي دخل النظام والجاظ الى المجلس الواسع فتقافز الرجال للسلام عليهما لكنه بادرهم قائلا اماكنكم اما سمعتم الاثر من احب ان يتمثل له الرجال قياما فليتبوا ما قعده من النار ضحك شاب اشقر اعور العين وهو يعود لمكان جلوسه قائلا ومتى كان المعتزله يستشهدون باحاديث ابي يوسف ومالك بن انس زم الجاحظ شفتيه متضايقا وهو يفكر في ان الرجل يستكمل حوارا ساخنا دار بينهما امس بالمسجد الجامع فقال اهل العدل والتوحيد ياخذون بالحديث لكنه اخذ صاحب العقل لاخذ راس النعجه واضرابه من وسوسي الحوشيه مثل ابن المديني تلامح رجل جالس في الركن مع اخر عندما ذكر الجاحظ ابن المديني لكن الجاحظ لم يلاحظ اشارتيهما دخل غلام الى المجلس المربع ذي الفرش المتواضعه ووضع جاما مملوءا بعصير الليمون المحلى بالسكر امام كل واحد منهما ثم توجه الى النافذتين المشرعتين لاحكام اغلاقهما اتقاء للغبار المتسلل للغرفه والمشبع برائحه رطوبه نهر دجله عدل النظام جلسته وهو يتوسط المجلس وقال والله لو علم امام حينا باجتماعكم عندي لطال تعجبه فقد استوقفني امس وانا خارج من المسجد ليسالني عن سبب اهتمامي بعادات الحيوانات ولما اصرف وقتا في فهمها وفهم تصرفاتها وقبل ان يكمل النظام كلامه قاطعه عبود من طرف المجلس وهو يقول دون رفع بصره عليك سؤاله لما سمى الله تعالى سوره باسم البقره واخرى باسم النمله وثالثه باسم الفيل ورابعه باسم النحل وخامسه باسم العنكبوت نطق عبد كلمه العنكبوت وكانه يرفع صوته بمده الباء اكثر مما ينبغي او كانه يحاول جعل على صوته اغلظ من حقيقته فاجابه الجاحظ ماسحا حبيبات حصن ظلت عالقه بانفه منذ اخر صلاه قائلا دون ان يلتفت اليه لا ان محاججه هؤلاء في مثل هذا تدخل في باب محاججه صبي الكتاب بقيمه التعلم ثم مد الجاحظ ذراعه النحيل في الهواء وهو ينظر اليها وقال لما اذا فكرت ان امد يدي مددتها لما تطاوعني ولما اذا حاول مفلوج مدها لم تطاوعه وانا لا اشك في ان الخاطر الذي يامر يدي ان تمتد فتمتد هو نفس الخاطر الذي يعتري المفلوج فلما تستجيب يد السليم ولا تستجيب يد المفلوج فكان معلم الصبيان يقول لي قاتلك الله من صبي سول والله لن تفلح ابدا لم تسال عما لا يسال عنه ولم تستغرب مما لا يست استغرب ضحك القوم وتحرك كل واحد منهم في مكان جلوسه فمنهم من تحامل اكثر على احدى الوسائد مغيرا جلسته ومنهم من مد عنقه مبديا الاهتمام الا ان النظام ظل ساكنا اذ كانت عيناه ذواتا الاهداب الخفيفه ترمقان الجاحظ وكانهما قد سكنتا وبدت عيناه الكبيرتان فوق انفه الافطس وجبهته الواسعه وكان الحياه قد فارقتهما لثباتهما وشرود ذانه فلما ضلل الصمت المجلس انتبه وازال يده من تحت دقنه فيما انشغلت يمناه باللعب بالجام الذي بين يديه فاستانف الجاحظ حديثه بعد ان رد يده اليمنى لينزع قلنسوته البيضاء من فوق راسه الصغير وهو يميل راسه حتى بدت عنوقه الدقيقه كانها منكسره وهو يقول ان العوام واشباه الاعوام لا يندهشون الا من الحديث الغريب كالمشي فوق الماء واكل النار او احاديث من ذلك الجنس اما اذا توقف المتامل سائلا عن سر غروب الشمس المحترقه وانبلاج الفجر الوضاح وتعاقب الليل والنهار فيتهمونه بالاندهاش مما لا يدعو للانددهاش قطع عبود الجاحب وهو يمرر يده اليسرى على دقنه المسقول كانه مراه مجلوه واسنانه الصفر القويه تقرقع لوزه بقي منها قليل وقال كنت كلما سالت اعرابيا عن شيء من اسرار الحيوان اظهر التعجب من انشغالي بمثل هذه الامور واستغرب كيف لرجل مثلي ثم ارتبك عبود قليلا واحمرت وجنته ثم استرق التفاته فراى حاجبي الرجل الجالس عن يمينه يلعبان وشفتي الجالس امامه تتارجحان قليلا فابتلع الحرج وعاد لحديثه كيف لمثلي من طلاب علم الكلام ان ينشغل بمثل هذه الامور تدخل النظام وهو ينظر في عيني عبود ليشعره بانه لم ينتبه لما وقع ولم يلحظ الحرج الذي بدا عليه وقال اما انا فلا تقع عيني على شيء الا كان ادعى للعجب من سالفه والله اني لاحار من ضحكات الحسنى ناوات وتلفتات الفتاه الحسنه الدل والغنج واتعجب لما ينخلع القلب اذا راى الوجه الصبوح ولما ينبهر اذا راى البدر الوضاح ولما يظل الرجل الزميت الركين ذو العمامه المكوره والرداء المحشاه والصوله العاتيه ماشيا في طريق فتظهر فتاه حسناء متلفه في ملابسها فتنحل تلك العقده وينفتح ذلك الحاجب المقطب وتبتل تلك العين الجامده وتتراقص تلك الاهداب المتصلبه وينعقد ذلك اللسان الجوال والله اني لحائر ويكون ذلك الرجل لمكانته تخافه الوحش وتتحاشاه المار ويتقيه اشداء الرجال ثم مال النظام الى الوراء متنحدا خاتما حديثه بعبارته الاثيره يمدها مدا طويلا شيء عجيب كان الجاحظ يستمع اليه وقد امال راسه الى الوراء ورفع رجله اليسرى بتشبيك راحتيه على ركبته ورفعها قليلا وهو يقول لكنك لو سالت احد هؤلاء الحشويه من قاده الرعاع وهو في مسجده وبين طلابه لما زادك على ان يقول ذاك تقدير الله ثم يلتفت وكانه اجال الفكر واستخرج الغامض وعثر على المستور لكني لم اعد اتعجب من الحشوه والنابته بدره عبود قائلا ولما لا تتعجب منهم يا ابا عثمان انا اعجب من ان العجب قد ذهب وكيف التعجب والامور كلها اصبحت عجبا كنت اتعجب من كل فعل خارج عن العقل او العاده فلما خرجت الافعال باسرها من العقل والعاده صارت باسرها عجبا فبدخولها كلها في باب العجب خرجت باجمعها من باب العجب عندي تنحنح النظام ثم قال موجها كلامه لعبود مستحضرا الحرج الاخير محاولا اشعاره بانه لم يلاحظ شيئا هاتي يا عبود ماذا عملت بعدنا وماذا فتح عليك من ابواب العلم اعتدل عبود في جلسته وهو يضم عليه اطراف جبته النظيفه وقال لقد ارسلت احد خدامي الى بعض الوراقين من اصحابنا فوجد عشره كتب من كتب الاوائل اثنان منها عن الفيل انزل الجاحظ رجله اليسرى واعتدل وهو يمد يده جهه النظام قائلا ابو اسحاق هذا صاحب الفيل فهو لا يعجب من حيوان اعجبه منه ولقد رايته يوما وهو يجري وراءه في الغياب ض شارد الذهن حتى لكانه عاشق وان توقف الجاحظ عن الحديث قليلا ويده اليمنى تدور في كمه باحثا عن ورقه ثم استخرجها قائلا ما دام حديثكم عن الفيل فدعوني احدثكم عن الجرد للمناسبه بينهما انفجر الجمع ضاحكين فواصل الجاحظ قائلا نعم فلا تناسب اقوى من التنافر فانت اذا ذكرت العظيم ذكرت الصغير صغير للتباعد بينهما ومن هذا الباب يصبح الكبير يشير للصغير والجميل للقبيح والدنيا الى الاخره فما عجائب الفيل كما تعلمون باغزر من عجائب الجرد ثم قرب الجاحظ الورقه ونظر اليها ثم ردها الى جيبه وقال لقد رايت عجبا رايت ان كل حيوان اذا خصي ضعف ونزلت درجته عن طبقته من الذكران الا الجرد فانه انه اذا خصي استاسد وخافه كل فحل من الجردان ثم اني انتبه الجاحظ الى ان عيني النظام تدوران بسرعه وجبينه يتقطب وعينه اليسرى تزور جانبا ثم خيم صمت مطبق فالتفت الجاحظ فراى حواجب تتقافز وضحكات تنحبس وشفاها تتصنع الوقار واطرافها ترتعد من اسفل اما عب عبود فازدادت حمره وجهه الثقيل وتجمعت حبيبات عرق على ارنبه انفه الاقناه بينما انشغلت اصابعه باللعب بطرف عمامته اندفع الجاحظ وجبينه يتفصد عرقا بعد ان احس بالحرج قائلا وقبل حديثي عن الجرد وما اطلعت عليه من عجائب خلق الله فيه ساحدثكم بما شهدته من امر الذباب مع القاضي بن سوار ضحك النظام محاول لا اعاده الحديث الى وتيرته قائلا ولن تعدم حجه لتقول ان الصله بين الفيل والذباب اوثق والحديث عنه بعده انسب كيف ولكل منها خرطوم ضحك عبود بصوت عال محاولا ايهام جلسائه انه لم ينتبه وان نفسه قد صفت من اي حرج فالتفت اليه الجاحظ مبتسما وعيناه تلمعان وتكاد قهقهه تند من صدره قال هل حدثتكم بما شهدت من قاضينا عبد الله بن سوار والدبابه؟ انحنى عبود الى الامام وقد برقت عيناه الناعستان بتصنع وقال ايهن يا ابا عثمان تزحزح الجاحظ في مكان جلوسه وعاد الى اعتدال جلسته وقال تعلمون ان اهل البصره لم يروا حاكما قط ولا زميتا ولا ركينا ولا وقورا ضبط من نفسه وملك من حركته مثل الذي ضبط القاضي عبد الله بن سوار اذ كان يصلي الغداه في منزله وهو قريب الدار من مسجده فياتي مجلسه فيحتبي ولا يتكئ فلا يزال منتصبا ولا يتحرك له عضو ولا يلتفت ولا يحل حبوته ولا يحول رجلا عن رجل ولا يعتمد على احد شقيه حتى كانه بناء مبني او صخره منصوبه او وتد مغروس ثم يظل على حاله ذلك لا يقوم الا صلاه حتى ينادى لصلاه المغرب اثناء حديث الجاحظ دخل خادم ووضع خوانا مملوءا فواكه ثم جعل يناوي كل واحد من الجلوس تفاحا او عنبا ثم امسك سفرجله ومدها للجاظ اخذها الجاحظ بيسراه دون النظر الى الخادم ووصل وكنا نتعجب منه فلم نرا قد تقام مع طول تلك المده والولايه مره واحده الى الوضوء ولا احتاج اليه ولا شرب ماء ولا غيره من الشراب كذلك كان شانه في طوال الايام وفي قصارها وفي صيفها وفي شتائها وكان مع ذلك لا يحرك يده ولا يشير براسه ولا يتكلم الا موجزا فيبلغ بالكلام اليسير المعاني الكثيره ضحك النظام ومد يده جهه الجاح ظ وهو يتكلم ويكاد الريق يخرج من فمه لمغالبته الضحك قائلا ليته وهب لامام حينا من ايجازه ومنحناه من حركاته ولعيبه على اعواد المنبر ابتسم الجاحظ ويده اليسرى تلعب بالسفرجله وعيناه تلمعان كعادته اذا حدث بحديث يطربه فبين هو على حاله ذات يوم وقد دخلت انا وسهل بن هارون الى مجلسه ضمن العامه لنرقب حاله تلك وهو جالس للقضاء اذ سقط على انفه ذباب فاطال المكث فجعلت اغمز لسهل تلهفا لما قد يقع اذا اطال الذباب المكث على ارنبه انفه وبعد مكث الذبابه دهرا على انفه لم يتحرك فتحولت الى مؤق عينه فرام الصبر في سقوطها على مؤق عينه وعلى عضها ونفاذ خرطومها كما صبر على سقوطها على انفه من غير ان يحرك ارنبته او يغضن وجهه او يدب باصبعه فلما طال عليه من الذباب وشغله اوجعه واحرقه قصد الى مكان لا يحتمل التغافل اطبق جفنه الاعلى على جفنه الاسفل فلم ينهض فدعاه ذلك الى ان بين الاطباق والفتح فتنحى الذباب ريثما سكن جفنه دوت ضحكه الجميع وجاء صوت عبود نحيلا قائلا مسكين انت يا ابن سوار وقعت بين ذبابه متسلطه وعيني ابي عثمان ثم ماذا؟ ثم عاد الى مؤقه باشد من مرته الاولى فغمس خرطومه في مكان كان قد اوهاه قبل ذلك فكان احتماله له اضعف وعجزه عن الصبر في الثانيه اقوى فحرك اجفانه وزاد في شده الحركه وفي فتح العين وفي تتابع الفتح والاطباق فتنحى عنه بقدر ما سكنت حركته ثم عاد الى موضعه فما زال يلح عليه حتى استفرغ صبره وبلغ مجهوده فلم يجد بدا من ان يذب عن عينيه بيده ففعل فلما حرك يده ذابا عن عينيه كدنا نخرج من جلودنا فرحا وكانت عيون القوم ترمقه وافواههم مفتوحه وعمائمهم مائله من هول الحالثه التفت الجاحظ فرع النظام يضع يده على بطنه من شده الضحك وبقيه القوم ما بين مبتسم وضاحك وراكل برجله فواصل حديثه مائلا براسه باسما وهو يقول فلما فعل ذلك تنحى عنه الذباب بقدر ما رد يده وسكنت حركته ثم عاد الى موضعه ثم الجاه ان دب عن وجهه بطرف كمه ثم الجاه ان تاب ع بين ذلك فلما رايته يتابع الذب بكمه كت ازغرد زغرده نساء الخناقين واهتف كما يهتف الرعاع عند مناطحه الكباش ومهارشه الديكه قرب المسجد الجامع قطع عبود الجاحظ قائلا والله انك وسهل ابن هارون لشر جليسين وصل الجاحظ حديثه ويده اليسرى تلعب بالسفرجله ويده اليمنى تذهب وتاتي بين ركبته اليمنى وقلون سوته وهو يقول فلما علم القاضي ان فعله كله مراقب ممن حضره من امنائه وجلسائه قال اشهد ان الذباب الحنفساء وازهى من الغراب واستغفر الله فما اكثر من اعجبته نفسه فاراد الله عز وجل ان يعرفه من ضعفه ما كان عنه مستورا وقد علمت اني عند الناس من ازمه الناس فقد غلبني وفضحني اضعف خلقه ثم تلى قوله تعالى وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذه منه ضعف الطالب والمطلوب انهى الجاحظ القصه ثم اسند ظهره الى الجدار دون ان يضحك لكن وجهه الخالي من اي ابتسامه في مثل هذا الظرف يستحث العارفين به على الضحك اكثر اسند راسه الى الحائط وراءه اما اصحابه فكانوا قد استنفذوا قواهم ضحكا فما بقي الا مسح الخدود من الدموع وعبارات التعجب والاستزاده ثم جاء صوت النظام شيء عجيب الدوحه عام 1439 للهجره جلس القروي ثلاثه ايام كالمجنون يحاول الاتصال بحصه دون نتيجه فهاتفها الوحيد مغلق ولا تملك اي تطبيق للمراسله مثل الواتساب او التلغرام يمكن التواصل معها عبره لتحرزها الشديد ووسواسها الالكتروني الدائم من انتهاك خصوصيتها يتقلب في جنبات غرفه الاخبار كانها خاويه ارام ضجيجها الذي لا ينقطع حتى زميله في قسم التدقيق اللغوي لاحظ تغير سلوكه فساله ما قصتك تبدو مهموما ابدا سهرت فقط لكن اي متامل يعلم ان سلوكه تغير حتى المظهر الانيق الذي يحرص عليه عاده قد غاب يقف عاده امام المراه ليوازن ما بين الالوان التي سيرتدي ويبالغ في اختيار عطره غاب كل ذلك عاد للمره الثالثه الى القسم التقني وقف عند مكتب بصديقتي حصه المدينه سائلا عنها فلم تزد على ان حدجته بنظره تشف قائله ما ادري اتصلت على المدير وطلبت اجازه اسبوع انزعج من نطقها المفخم لماه وتركها وراء ظهره متاكدا انها تستطيع مساعدته لو شاءت لكن الحزن الطافح من قلبه حال دون شعوره بالغضب فالقلب يضيق احيانا عن امت زاج المشاعر داخله عاد الى مكتبه في ركن غرفه الاخبار وذهنه مزدحم بالاسئله ما قصه هذه الفتاه لماذا ظهرت حتى اذا انشبت اظفارها في سويداء القلب اختفت كانها حلم ان المراه ظاهره متحوله لذلك تصبح المفاجاه اقوى اسلحتها دائما وهذا سر فتنتها فاوقات التحول اجمل اوقات اليوم فلا شيء اجمل من توزع الظلال وقت الغروب ووقت الشروق ولا لحظه ابهج للعيون والنفوس من سويعات السحر وانسام الغسق ولا ياسر الانسان شيء كاللحظات التي تاتي قبيل المطر وبعده فعدم اليقين وغياب الرتابه هو طابع تلك اللحظات المتحوله كلها والمراه كذلك مخلوق لا يمكن التنبؤ بتصرفاته واي مرصد في الدنيا يستطيع التنبؤ بتقلبات مزاج امراه المراه كائن متقلب بالفطره لكن ذلك التقلب هو سر قوته وضعفه وجماله وتعاسته ثم تذكر القروي معنى اخر وهو ان المتنبي كان يرى رايه هذا والا لماذا مدح لحظات التارجح والتحول شعر بخفه وحاجه الى الانشاد بصوت مسموع على طريقه الشناقطه في باديتهم فوقف عن كرسيه ووضع يديه على مكتبه وبدا ينشد على طريقه البدو وبين الرضا والسخط والقرب والنوى مجال لدمع المقله المترقرق واح احلى الهوى ما شك في الوصل ربه وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي سكنت ايدي كل من في غرفه الاخبار على حواسيبهم والتفتوا جهه الصوت بد القروي كائنا عجيبا دا قرنين هبط الارض بغته على ظهر مدنب شارد وجاء صوت صحفي من قسم الرياضه ايه ده عاوزين هدوء عشان نشتغل يا ناس وسمع بعده صوت سيده كانها تصرخ نحن وين ثم وقف صحفي سوداني طويل القامه من قسم المقابلات وقال والله بالغت لكن نحن مفخلوه يا اخينا وانطلقت تمتمامات وهمسات وعبارات انزعاج واحتجاج وضحكات قطعها رئيس التحرير خارجا من مكتبه كانه يتدحرج ثم صفق بيديه عاد الهدوء فاذا الصوت الوحيد المسموع في غرفه الاخبار صوت الشاشات المثبته في اطراف الغرفه الزرقاء المدوره في هذه اللحظه انتبه القروي لوجود الفتاه المدينه صاحبه حصه واقفه في طرف غرفه الاخبار تلفحه بنظراتها قيل اليه انها تتشفى فيه وهو يتحول الى كائن غريب ومصدر للازعاج والتسليه رجع الى نفسه خجلا وارتمى على كرسيه وهو يشعر يشعر بان جسمه قد تحول الى كتله من العرق. فتح ملف وورد وجهد نفسه لنسيان الحرج الذي وقع فيه ولنسيان خيال مطوعه بريده وكتب كانت الشمس تسرع الى المغيب كانها حسناء تفر من ملاحقه الاعين المتطلعه غاب حاجبها عن هذه المدينه التي تتخللها الانهار تخليل الحسناء شعرها باناملها الرخصه انعكست حمره المغيب في الانهر المحيطه فاضافت لونا ذهبيا على جنبات سوق الوراقين في طرف سوق البصره الكبير بدا الناس في طي امتعتهم ولف خيمهم واغلاق حوانيتهم يتدافع الماره والغلمان والدواب والمتسولون عند باب السوق ما بين متجه الى المسجد لصلاه المغرب ومتعجل متجها جهه ساحه الحمام تاركا السوق مسرعا الى اهله قبل حلول الظلام تختلط اصوات المكارين الباحثين عن من يحملون باصوات الاذان وجلبه اطفال الكتاب ونهيق الحمير ووقع حوافر المطايا لكن الجاحظ ما يزال جالسا في زاويه دكان مويس بن عمران رام الظلام الذي بدا يحول بينه وبين الكتاب الذي بين يديه فقد بدا الظلام يتكاثف خاصه داخل السوق نفض مويس جرابا كان معلقا في وسط الدكان ووضع فيه ارغفه وبقولا ثم قال للجاض وهو يناول جرابه للغلام الواقف الى جنبه لا تنسى ان الخناقين كثروا في البصره منذ غدر بالوالي العادل فاحضر لم ينتبه في حديث مويس الا لتتابع حرف الراء الذي يلث فغه مويس غينا مما حول الجمله في سمعه الى غمغمات رفع نظره عن الكتاب فاقترب منه مويس ونعله السندي يقرع بلاط الدكان يا ابا عثمان لقد خرج الغلمان وانا خارج فلا تنسى التحفظ واحذر الخناقين اذا خرجت لقضاء حاجه ابعد الجاحظ الكتاب عن وجهه رافعا حاجبيه الاغمين اللدين لا يكادان يظهران في الظلام المتكاث الخناقون يهجمون لسلب الذهب والفضه يا مويس وما اظنهم يهجمون لسلب اشعار العرب وعلوم الاوائل وترجمات السريان المستغلقه اخشى يظنوك موسرا مما يسير اهل البصره اقعد به عد الدراهم والدنانير عن ترك السوق ليلا فيقتحم عليك الدكان سكت مويس قليلا ثم قال كانه تذكر شيئا نسيه وما يدريك انهم علموا بجائزه الدنانير الالف التي بعث بها اليك الامير بعد قراءته رسالتك الاخيره لا لا وهل تظن خناقي البصره وفتاكها لا يعرفون ان هذا دكان يعرفون انهم لو هجموا علينا لعادوا بارسطو وابي عبيده مكبلين لا بالصفراء والحمراء قالها الجاحظ وهو يتذكر بغبطه كيف كان يدفع الدوانق للوراقين ليتركوه يبيت في دكاكينهم للمطالعه. نظر مويس الى الممر الضيق امام دكانه وقال بصوت فيه خوف: حسبك ان البلاء موكل بالمنطق لقد بدات الدروب تظلم. مشى مويس جهه الباب وحداؤه السندي يقرقع بينما كان غلمانه ينتظرون في نهايه الممر مما يلي الساحه المؤديه الى المسجد. وضع الجاحظ الكتاب جانبا ووقف ليحكم اغلاق الباب ثم مد يسراه وخلع عمامته وجبته وبقي في ازار اسود بدا في ازاره الاسود انحف جسما من ذي قبل اذ برز جسمه النحيل وصدره المحفور وعنقه الدقيقه وراسه الصغير في هذه اللحظه كانها اصغر واقصر من ذي قبل عاد الى زاويته وابعد بعض الكتب عن اطراف الحصر حصير وصلى صلاه المغرب ثم قام عن الحصير واوقد قنديلا كان الدكان واسع الجوانب وفيه دهليز يقود الى حجره النساخ عاد للجلوس في ركنه المفضل على حصير ووساده جلديه محشوه بالليف بين اطمار الكتب جلس ساعات يقرا في كتاب الحيوان لارستو ويدون ما يراها اخطاء وقع فيها المؤلف مرت ساعات وفي غمره انشغاله بالكتابه انطفا القنديل اصبح الظلام مطبقا انزعج اذ كيف اخذته المطالعه لدرجه عدم ملاحظته اقتراب انطفاء الفتيله وكيف سيوقد قنديلا اخر بدا يتحرك داخل الدكان باحثا عن جبته وعمامته وقف وبدا يتحرك ببطء باحثا بيديه في الظلام المتراكم عن جبته وعمامته فوقعت يده عليهما لبسهما ثم لف الكراريس التي كان يكتب فيها واندفع خارجا من السوق تمشى في ازقه السوق الحالكه الخاليه من اي صوت وبدا ذهنه يقارن بين حركه السوق وضوضائه في النهار ومواته المخيف بالليل حتى لا يخيل للواحد انه لن ينشر مره اخرى فها هو يمر من امام دكان حميد القصاب فهو لا يرى التزاحم والتصارخ والخيول والبغال والحمير وتساب العامه لا يسمع الا نفسه تلهث وقدميه تقرعان ارضيه السوق المبلطه سمع جلبه فقف شعره هل انكشفت حجب الغيب لمويس وسيهاجمني خناقون الان التفت فاختفى الصوت نهائيا وسمع ضحكات اطفال كانوا يعبرون سوق متسابقين فعاد اليه قلبه وجد نفسه خارج السوق مفكرا فيما عليه فعله فلا يوجد مكار يحمله الى بيته ولا يستطيع المشي طويلا خوفا من الخناقين كان يفكر في اصدقائه الذين يسكنون غير بعيد من سوق البصره وتذكر ان النظام يبيت مع امه بمنزلها القريب دق الباب فخرج له النظام متزرا بازر ملون وهو يقول ابا عثمان ماذا اتى بك في هذه كنت سابيت في دكان مويس لاكمال بعض القراءات ثم بد لي ان اخرج بعد انطفاء القنديل يا مرحبا واهلا دخلا الى الردهد الواسعه بين غرف المنزل وتقدم النظام الى غرفه على الجانب الايمن مناديا الجاحظ ان يتبعه دخل النظام اولا فيما تسمر الجاحظ عند الباب اوقد النظام فتيله ثم نادى الجاحظ فدخل وجلس على طرف الحصير خرج النظام ثم عاد بعد قليل حاملا لحافا ناعما ووسادتين وفراشا داكن اللون مهدب الاطراف قال النظام وهو يرتب الفراش اليس من العجب انك كنت سهران على كتاب الحيوان لارسطو واني كنت سهرانه انقد كتابه الاخر في المنطق عجيب قال الجاحظ فقال النظام لكني عانيت من الترجمه التي عندي حتى كان ارسطو كما كان يقول شيخنا الخليل يريد ما لا يقول او يقول ما لا يريد فقال الجاحظ ان الساخون الماسخون والتراجمه الجاهلون داء دوي اي وربي انتهى النظام من ترتيب فراش الجاحظ فاشار اليه ان يجلس بينما عاد هو وجلس على طرف فراشه المملوء بالكتب والكراريس المتنا ناثره ثم سال لقد ذهبت اليوم واشتريت غلاما سنديا بسبعه دنانير كيف بسبعه فقط نعم اما علمت ان اهل البصره لا يشترون رقيق السند هذه الايام كيف اما علمت بقصه المهلبي مع غلامه السندي وامراته لا لقد انشغلت الاسبوع الماضي بتدبير بعض الامور وذهبت للباديه كان النظام يتحدث حدث القنديل بينه وبين الجاحظ مرد النظر في ظل الجاحظ المنعكس على الجدار مغالبا اضحك لبشاعه المنظر فقد بدات جبهه الجاحظ الناتئه وراسه الصغير وعنقه الدقيق بشكل مضحك اذ انسلت الرقبه وطالت مع دقتها فيما ازدادت جمجمته صغرا وانفه تضاؤلا وجبهته نتواء قال النظام تعرف ان الوالي على السند من ال المهلب بن ابي صفره نعم ورد البريد بخبر مستطير وقع له مع غلامه السندي اذ دخل يوما وهو من هو شرفا فوجد غلامه وامراته في لحاف واحد وكان قد شاع بين الناس ان امراته علقت بغلامه لكنه لم يسمع بالخبر فلما راى زوجته في احضان العبد كاد عقله يذهب فقفز على الغلام ونادى بحديده فخصاه بها ثم ماذا؟ وصل النظام حديثه وهو يصلح طرف فتيله المصباح قائلا فعاش معه الغلام زمنا حتى نسي المهلبي الامر وكان للمهلبي ولدان من احسن ما يكون الولد فدخل يوما فوجد الغلام قد اوثقهما على حافه سقف البيت وجلس دونهما فلما راه الرجل توسل اليه ان يرسل الغلامين فيما زاده على ان قال انه لن يرسلهما الا اذا جلس وخصى نفسه امامه حالا او قطع عضوه منه قصاصا ثم طال الحديث بينهما فلما علم المهلبي ان الغلام عازم على قتل فلذتي كبده جلس وقطع ذلك العضو منه بيده والغلام ينظر فلما فعل ذلك قال له غلامه اما ما فعلت بنفسك فذاك قصاص واما انا فسادف الغلام ين زياده عقوبه من عندي ودفع الطفلين من الشاهق فماتا حالا وماذا بعد ثم اخذ الغلام وعذب وقتل ولهذا بدا الناس يزهدون في غلمان السنت حتى سمعت انهم بيعوا بخمسه دنانير ثم يلومونني انني لا انوي التزوج من الحرائر ابتسم النظام متنفسا قائلا وما زال في نبرته نفس حزين من القصص التي كان يرويها اوه لكن هذا امر لا يقاس عليه فهي قصه واحده في ركن قصي من اركان الدنيا لا اتثق بصلابه امراه في وجه الاغراء بالحب اعلم انهن ضعيفات اذا سمعت اذانهن الحب وكلام العشاق ابتسم الجاحظ وهو يميل بمرفقه على وسادته اسمع مني لا توجد امراه راه مهما بلغت من الجاه والتحصن والتصن والعلو والجمال ثم تكون من رجل مهما بلغ ضاعه وحقاره بحيث يتحدث لها عن كلفه بها وحبه لها وكيف انها اجمل نساء الدنيا ثم داوم على ذلك الا اجابته طال الزمان ام قصر ظل النظام يستمع واضعا كفه اليسرى تحت خده الايمن فواصل الجاحظ قائلا ان للكلمه على قلب المراه سلطانا لا يوصف فلو انفرد خادم بامراه الملك وحدثها عن جمالها الخلاب والتفاتها السخيه وعن تنهده وسهره واحتراقه في حبها ثم بكى لاجابته طائعه كانن النظام يسافر في اثناء حديث صديقه مستعضا صورا لا تنتهي مما سمعه وشاهد ده ومما افترضه وخشيه فضلت سحابه غم وجهه الاسمر الذي بدا تحت ضوء المصباح اكثر سمره من ذي قبل فبادر سائلا العمل اذا وطبيعه الدنيا لا تصح الا بالاتصال بين الرجال والنساء العمل ان نتزوج فقد اكرمنا الله بهذه الاسواق التي تجلب اليها حسان الروم والسند والهند والحبشه والفرنجه لنختار منها ما نشاء لكن الغيره على الحره كالغيره على الجاريه سواء بسواء اعتدل الجاحظ في جلسته وقال نعم هو ذاك لكن هنا امر اخر فالجاريه المملوكه اذا علمت باهتمام سيدها بها بقيت له عاده ولا تطمح عينها لغيره لعلو منزلته على منزلتها وحقارتها عند نفسها اما الحره فعين طامه وقلب خفاق وشهوه مشبوبه فهي منشاه على المنع من الخلوه بالرجال فلذا يشتد ولعها بهم وشوقها اليهم فهي في هذا الباب اكثر عرضه للفتنه من الجاريه ثم ان الجاريه ملك يمينك ان لحظت عليها ما لا تحب بعتها ونسيتها اما الحره فلها اهل وقبيل وارعاد وابوراق فهي غل مقيد ودين ثقيل خرج النظام من باب الغرفه ودخل بيت الخدم وصب ماء من قاروره فخار ثم عاد حاملا كوزا مملوءا بالماء مده للجاض قائلا انك لعليم بمكنوناتهن لقد عرفت ذلك من وزني لتصرفاتهن واخلاقهن الا ترى ان الحره المتعففه منهن تشبه الامير المخلوع من عرشه اذا زال جمالها فكلاهما مجرد من املاكه التي كان بها يصول لذلك لا يكره المخلوع رؤيه احد كرهه رؤيه من كان يعرفه وهو وراء الحجاب والحراس وواقفا بين الصماطين والحره تضيق بنظر الفتيان اذا نقص جمالها لانها فقدت مخالبها التي كانت بها تصول ونابها التي كانت بها تعض فاذا تدلى بطنها الاهف وانطفات عيناها النجلاوان او جف ماء الحياه في الاسلين كرهت ان يراها من كان يعرفها قبل ذلك فاذا كانت لا تريد الجمال الا لزوجها فلم تهتم بنظر الفتيان اليها على اي حال شيء عجيب لكن احدنا يود ان يكون حسن الهيئه نظيف الملبس جميل الطلعه وحتى انت يا ابا عثمان تحب ذلك وليس للامر صله بفسق او فجور فيك رفع الجاحظ حاجبيه وكان ملاحظه النظام فاجاته فقال ان الشعور سابق على العقل يا ابا اسحاق وشعوري انهن لا يفعلن ذلك الا لتعلقهن بالفتيان ولذا قلت لك مرارا ان العاقل لا يحتفل بالزواج ولا يهش للعرس لماذا يا ابا عثمان هل يسعد الاسير بوضع القيود في يديه وينظر اليهما كانهما معصمان ذهبيان ان الطلب لاق وحده ابا اسحاق هو الجدير بالتخليد والحفاوه مد النظام يده الى فتيله المصباح التي بدا زيتها ينحسر وهو يشعر بشيء من الشفقه على صديقه فقد تذكر تماظر وحبه لها وكيف انتهت تلك الفتاه في احضان علي بن المديني صب زيتا من جام صغير مدور وهو يقول مبتسما ابتسامه واضحه تحت ضوء المصباح اما انا يا ابا عثمان فلا انظر الى امراه حره مستوره جميله الا خفق قلبي ولن اترك الزواج من احداهن لجواريك وغيرتك فقال الجاحظ انا لا انكر تحرك النفس لهن والتعلق بهن قاتلهن الله تعالى خلق المراه لاسعاد الدنيا واقلاقها فالمراه الجميله اذا لمحتها فجاه داخله الى دكان او رمقت خمارها ساقطا وهي تمشي الهوينه ابهجتك وفرقت همك وجمعت فهي تنف البشر والجمال ان حلت كانها عطر فواح او خبر سار او تحفه قادم او شفاء مريض لكنها كذلك غل لمن اقترب وبهجه لمن ابتعد لحن النظام جهه المصباح وهو يقول بصوت متعب اما انا فاسال الله ان ييسر لي حره متعففه كريمه واساله ان ييسر لك من حسناوات الروم والفرنجه والسند والهند ما شئت من جوار لقد ابهار الليل ابا عثمان فادعنا ناخذ غفوه قبل الصبح انحنى الجاحظ على جنبه الايمن واستلقى النظام على فراشه غير بعيد وبدا الاثنان يسمعان بوضوح اصوات نباح كلاب متقطع من بعيد ونهيق حمير بين الوهله والاخرى جعل الجاحظ يتقلب في فراشه مفكرا في لؤم الحرائر وطباعهن فلم يملك الا ان تراءت له صوره تماظر تقلب في فراشه منزعجا بعد ان احس بخفقه في قلبه خالها دوت منذ حقبه تململ في فراشه بعض الوقت وهو يجهد لطرد خيالها من ذهنه وقف النظام بقامته الفارعه وبين يديه اناء كبير مملوء خمرا وقد كلف بعض صغار الطلاب بسقي مجموعه من الحيوانات زقا من الخمر ليراقب سلوكها كان يمشي بين الحيوانات فاقترب منه طالب وقال كيف نسقي العقرب رب فقال دون يلتفت اليه لقد صنع شيخنا العلاف محقنه كمحاق المارستان خاصه بالعقارب وفي طرف الحائط الواسع كان الجاحظ جالسا تحت ظلا يتحدث عن اخر ما توصل اليه من نتائج وحوله فتيان يعتجرون عمائم وبايديهم اوراق ان للكلب حصا دقيقا بالاوقات فقد لاحظت انه يميز يوم الجمعه عن غيره ففي يوم الجمعه وحده يرمي القصابون ما فضل عنهم وفي هذا اليوم وحده يخرج الى ذلك المكان وينتظر لحظه القاء اللحم لياكله كان الطلاب يستمعون اليه ويكتبون ثم وصل وقد راقبته اربعه اسابيع ولم يشتبه عليه يوم الجمعه مع اي يوم اخر قط مع اني اغلقت عليه وحبسته لاحجب عنه تعاقب الليل والنهار فلم يخطئ مره واحده فجاه جاء الخادم يركض هناك جندي على الباب خرج النظام بسرعه فبادره الجندي انا اسال عن الجاحظ يريده الامير خشعت الاصوات في جنبات المنزل المخصص لمراقبه الحيوانات فيما وقف الجاحظ وركبتاه لا تكادان تحملانه ركب خلف الجندي على فرسه وسار في الطريق المغبر متجهين جهه دار امير البصره اجهد نفسه في تفسير سلوك الجندي ومحاوله فهم جهه الجندي التي ينتمي اليها من ملابسه وطريقته في الحديث كان يخشى ان يكون من جنود السجن ثم خطر له انه لم يرتكب ما يساق به الى السجن والجندي مهذب ومتانق فلعله ممن يرسلهم الامير لاحضار من يكرمه كان الفرس الجامح يركض في الشوارع الضيقه المزدحمه والجاحد مشغول بمراجعه مسيرته لايجاد سبب لاستدعاء الامير له وجد نفسه يدخل ردهه واسعه ثم يتلقاه غلام يقوده الى مجلس عامر ما ان وقف حتى وقف الامير من مكانه اهلا وسهلا بابي عثمان كانت تلك العباره كافيه لحل لكل عقد الخوف التي تكاثفت على قلبه خلال الساعه الماضيه يجلس نحو خمسه رجال بعمائمهم الطويله يتوسطهم امير البصره فظهر الجاحظ بينهم كانه متسول فملابسه قدره وغير متسقه ويظهر على اطراف ثوبه غبار يشي بانه جلس طويلا على ارض مغبره تحرك الامير في مجلسه وقال لقد اسعد عدنا حضورك يا ابا عثمان ولقد تمنينا رؤيتك بمجلسنا منذ زمن قرات كتابك عن الكتب ووالله انه لرائق اغضى الجاحظ حياء لكن الامير صفق بيديه فجاء غلام يركض الي بكتاب الجاحظ عن الكتب ثم التفت الى الرجل الجالس عن يمينه وقال هل قراته كان الرجل الجالس عن يمين الجاح ظ شاعرا يرى ان اي مدح للنثر انتقاص من الشعر فقال كاذبا لا ما سمعت به لمحه الجاحظ بحنق ثم جاء صوت الامير وهو يقلب كتاب الجاحظ ما كتبت الانس ولا الجن كتابا عن الكتب افضل من هذا قال الجاحظ بزهو عقلاء الخليقه لا يحصون لكني كما قال الامير لم اطلع على كتاب في بابه بدا الامير يتحدث عن بعض الفقرات التي تعجبه في الكتاب فقرا بصوت مسموع الكتاب وعاء ملئ علما وظرف حشي ظرفا ان شئت كان اعيا من باقل وان شئت كان ابلغ من سحبان وائل وان شئت ضحكت من نوادره وان شئت بكيت من مواعظه ومن لك بواعظ مله وبناسك فاتك وناطق اخرس وما رايت بستانا يحمل في ردن وروضه تنقل في حجر ينطق عن الموتى ويترجم عن الاحياء غيره ومن لك بمؤنس لا ينام الا بنومك ولا ينطق الا بما تهوى امنوا من في الارض واكتم للسر من صاحب السر واحفظ للوديعه من ارباب الوديعه وضع الامير الكتاب عن يمينه فيما كان احد الغلمان يضع حساء ورغيفا ساخنا امام كل واحد من الجالسين. بدا الجاحظ يغالب ريقه حتى لا يسيل لكنه لم يستطع. رفع كمه وتظاهر بحك انفه حتى افرغ ريقه في كمه فهو لم ياكل طعاما مطبوخا منذ اسبوع. قال الامير وهو يقلب الكتاب سمعت كثيرا عن حبك للكتب. اصلح الله الامير. كلما سمعتموه صحيح فانا لا اعلم جارا ابر ولا خليطا انصف ولا رفيقا اطوع ولا معلما اخضع ولا صاحبا اظهر كفايه ولا عنايه ولا اقل املا وابراما ولا ابعد عن مراء ولا اترك لشغب ولا ازهد في جدال ولا اكف عن قتال من كتاب ولا اعم بيانا ولا احسن مؤاتاه ولا اعجل مكافاه ولا شجره اطول عمرا ولا اطيب ثمرا ولا اقرب مجتنا ولا اسرع ادراكا ولا اوجد في كل ابان من كتاب كان خمسه ينظرون اليه متعجبين من الفاظه الضخمه وذهنه الحاضر لكنه كان يغالب ريقه حتى لا يسيل فرائحه الحساء المملوء بالبهارات تداهم انفه وهو يغالب نفسه حياء فلا يعرف هل عليه ان يات كل والامير ما زال مقبلا عليه ام يمكنه اخذ ما يمنع به سيلانريقه فهذه اول مره يدخل فيها على امير وقد سمع كثيرا عن طرق المحادثه والمؤاكله مع الامراء ابتلى عريقه بمضد ملتفتا الى الشاعر الجالس عن يمين الامير فلاحظ انه لم يلمس الرغيف ولا الحساء مد يده الى الخبز المدهون بالزيت وامسك طرف الرغيف ثم تركه انتبه الامير الى ارتباكه كما لاحظ حياءه من البدء في الاكل فقال بسم الله وبدا الامير برشف الحساء الساخن امسك الجاحظ الاناء ورشف بصوت مسموع لمح في وجه الشاعر انزعاجا منه التفت الامير اليه قائلا سمعت انك بعت المنزل الوحيد الذي وردته من الوالده لتشتري به كتبا هو كذلك لكن شيخنا النظام باع كل ما يملكه يوما وما هو بكثير لشراء اصباغ لرسم صوره الارض على صخره سمعت انه من عقلاء الخليقه هو كذلك ايا يا ابا عثمان ان الكتب ايها الامير هي اثار العقول الصحيحه وثمره الادهان اللطيفه ولولا الكتب لغلب سلطان النسيان سلطان الذكر ولا ما كان للناس مفزع الى موضع استذكار ولو لم يتم ذلك لحرمنا اكثر النفع تحرك الشاعر في مكانه لاعبا بطرف عمامته وقال لكن العرب لم تخلد ايامها وامجادها الا في القصيد اما النثر فتكلف اعجمي الجات اليه العجمه قال الجاحظ مفكرا في ان الشاعر يسعى لانتقاصه امام الامير صدقت في ان العرب لم تخلد ايامها الا في الشعر ولا احد ينقص من قيمه الشعر لكن الاعتراف بفضيله الشعر لا يستلزم الانتقاص من فضيله النثر اما سبب صدود العرب عن النثر فلانهم كانوا امه اميه لا تقرا ولا تكتب فلما جاء الاسلام بالدين تعلموا فكتبوا وانتهت اليهم محاسن الامم وتجمعت فيهم ومن تلك المحاسن النثر ثم الا ترى ان القران ليس بشعر وصل الجاحظ حديثه ناسيا الحساء الساخن الذي بين يديه حمي الدم في عروقه وهو ينظر بغيض الى نظرات الشاعر وصله وتكبره فواصل قائلا واذا كان المرء يطرب للبيت والبيتين فان الكتاب صديق خفيف لا يبتدئك في حال شغلك ولا في اوقات عدم نشاطك ولا يحوجك الى التجمل والتدمم ومن لك بزائر اذا شئت جعلت زيارته غبا وورده خمسا وان شئت لزمك لزوم ظلك ثم ان الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك والصديق الذي لا يقليك والرفيق الذي لا يملك والمستميح الذي لا يؤديك والجار الذي لا يستطيعك والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق ولا يعامل عاملك بالمكر ولا يخدعك بالنفاق. ابتسم الامير مفكرا في ان الجاحظ يتهم شاعره بالنفاق منبهرا من حلاوه حديثه وفصاحه مخارجه مع دمامته التي تزداد اتضاحا كلما امتد المجلس. ثم قال لكن الشعر يرفع صاحبه لمنادمه الامراء والخلفاء وفيه الحكم والمواعظ وبه يسترضى المحبوب. هو كذلك ايها الامير والكتاب هو الذي اذا نظرت فيه اطال امتاعك وشحد طباعك وبسط لسانك وجود بيانك وفخم الفاظك وعمر صدرك وحباك تعظيم الاقوام ومنحك صداقه الملوك يطيعك في الليل طاعته بالنهار وفي السفر طاعته في الحضر وهو المعلم الذي ان افتقرت اليه لم يحقرك وان قطعت عنه الماده لم يقطع عنك الفائده وان عزلت لم يدع طاعتك وان هبت عليك ريح اعدائك لم ينقلب عليك تقافزت حواجب الرجلين الذين كانا جالسين في طرف المجلس وضللت سحابه خجل وجه الشاعر وتشاغل الامير بغمس قطعه خبز في الحساء الذي بين يديه فقد كان الشاعر صديقا لامير البصره السابق فلما عزل تنكر له والتحق بباب الامير الجديد قال الامير ملتفتا الى الرجل البدين الجالس في طرف المجلس محاولا تغيير الموضوع ما اخبار الناس يا بهلول تحرك الرجل المعروف بقدرته على سرد القصص وتتبع تفاصيل القصور في بغداد قائلا لا حديث الان في بغداد الا عن الحشوه واصحاب الحديث وكثره اتباعهم قال الجاحب متهللاست بهلو بن قيس فقال الرجل بهدوء بلى لقد كنت ابحث عنك منذ زمن فانا كما تعلم رجل من اهل صناعه الكلام مولع بتوثيق الاقاصيص ولقد سمعت انك كنت حاضرا عندما قضى هارون الرشيد على البرامكه ضحك الامير بصوت عال وقال لا يا ابا عثمان لا بد ان يدفع لكال فهو لا يمل من سرد تلك القصه. ضحك بول ضحكه بدون صوت بل ظهرت على اهتزاز بطنه الضخم. فقال الجاحظ: ان اذن الامير سمعناها فلا بد لي من توثيق الامر. اشار الامير بيده لبهلول فاعتدل في جلسته وبدا يقص. وكان اذا تحدث عن نكبه البرامكه يعيشها باحاسيسه وكانها تتكشف امامه للمره الاولى لقد حدثني بالقصه مسرور خادم امير المؤمنين الرشيد وسيافه اياما بعد وقوعها سنه 87 ووم ومسرور هو الذي قام بقطع راس جعفر البرمكي مال الجاحظ بصدره الى الامام واضعا يده تحت دقنه منصطا بتطلع شديد لسماع التفاصيل كان جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي رضيع رشيد اذ ولدا في يوم واحد وفي بيت واحد وكان ال برمكه من صنائع الخلافه ومن اعمدتها ومنذ تولى الرشيد الخلافه اصبحوا يديرون شؤون الدوله لا يغيب عنهم منها شيء فقاطعه الامير قائلا لقد سمعت ان الرشيد كان يطلب بعض المال فلا يجده الا عن طريق البرامكه. وصل البهلول سرد تفاصيل القصه التي ظلت حديث الناس اعواما وكان اذا حدث بها تخيل المشهد كما هو ليله الواقعه. كان ال برمكه في قصورهم ببغداد يعينون حكام الولايات ويديرون شؤون البلاد مدلين بعلاقاتهم بالرشيد. وكان الرشيد جالسا وسط قصره ببغداد ينكت بقضيب في الارض لا يزيد على ان يردد لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علم الانسان الا ليعلمه ثم وقف من مكانه ونادى غلامه مسرورا فلباه راكضا اذهب الى قصر جعفر واتني براسه جزم مسرور بانه لم يفهم ما قال الرشيد فقال قال بتلعتم ماذا يا امير المؤمنين؟ قلت تني حالا براس جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ورمى العصا التي كانت بيده على الارض تجمد الجندي في مكانه وعجز عن تخيل نفسه وهو يضرب راس جعفر بن يحيى لم يتحرك دار الرشيد بهدوء ورفع بصره في وجه مسرور قائلا ان لم تاتني به ناديت من يقطع راسك اولا وراسه ثانيا استدار الجندي كالمخمور ومشى فتردد صدى وقع حدائيه العسكريين في الردهه الواسعه التي تتسلل اليها رياح بارده اتيه من جهه دجله كان جعفر بن يحيى جالسا في قصره وبين يديه مبخره وعن يساره جاريه تغني فلا تبعد فكل فتى سياتي عليه الموت يطرق او يغادي وقف الجندي ممتقع اللون ولم يتكلم رفع جعفر وجهه اليه وقد خطر بباله ان امرا خطيرا حدث في الخلافه ماذا عندك يا مسرور يا ابا الفضل لقد كان جعفر مستلقيا على وساده ضخمه فوقف وتقدم قائلا ما الامر لقد امرني امير المؤمنين ان اتيه براسك تكلف جعفر ضحكه وقال لعله يمازحك يا مسرور عد اليه وقل له انك فعلتها انه لا يمازح يا ابا الفضل فاكتب وصيتك ان كانت لك وصيه وقفز جعفر مصدوما مشدوها معلقا بين حياه رغده ملذوذه فكهه وموت كالح فاغر فاه سيفترسه ردد بصره في القصر المنيف والجوار الحسان ثم ترامى الى سمعه صراخ لعب اطفاله من وراء الستائر في احدى الغرف تذكر تغير سلوك الرشيد معه خلال الايام الماضيه وكيف قرعه اذ دخل عليه فجاه دون استئذان كعادته ايدخل علينا في بيوتنا دون استئذان وكيف اعتذر له مذكرا اياه بانه هو الذي اذن له في ذلك رفع بصره الى مسرور متذكرا ساعات الانس والصفاء مع الرشيد على شواطئ دجله وكيف كان مسرور خادما طيعا له اعاد النظر فراى دموع مسرور تتحدر فقال له بصوت متهدج لعل امير المؤمنين يمازحنا لقد كان مغضبا وهددني بالقتل ان لم اتي ب قفز جعفر وقبل رجل مسرور متوسلا اتوسل اليك ان ترجع اليه فلعله يمزح. انتزع الخادم قدمه من يدي الوزير والقى نظره على الجاريه التي كانت تغني فراها تركض خائفه لتختفي في احدى الغرف المجاوره. مشى وسط رده واسعه بين جدران مزينه بالستائر المزركشه وارضيه مفروشه بالسجاد الاحمر. ما كانت رائحه البخور والعطور والخوف تملا المكان. كان الرشيد واقفا حيث هو والقضيب لا يفارق يده سمع وقع اقدام مسرور قادما ثم راه مشى من مكانه قائلا بهدوء اين راسه لقد طلب ثم وقع القضيب على راس مسرور وتردد صدى صوت الرشيد اقسم بقرابتي من المهدي ان لم تاتي به لاقطعن راسك بيدي كان جعفر ساجدا يصلي عندما عاد مسرور سلم من صلاته وقال بصوت قادم من عالم الاموات ماذا قال؟ هو الموت يا ابا الفضل قام من فوق مصلاه ومشى خطوات وقال بصوت هادئ لقد اوصيت يا مسرور وهذا راسي اخرج جعفر منديلا وشده على عينيه ومد رقبته كان ذهنه ضاجا بالاف الصور والاخيله والاسئله والاماني والمخاوف ثم سمع صوت السيف يخرج من غمده وتردد صوت وقعه في المكان وسمع الرشيد وقع اقدام مسرور قادما ثم لمح راس صديقه ورضيعه جعفر عض على شفتيه محاولا كبح دموع تتدافع للنزول ثم خطر له ان الخادم مسرور قد ينقل ذلك للناس فعض على شفتيه قال صدق الاعرابي ونبكي حين نقتلكم عليكم ونقتلكم كانا لا نبالي رفع وجهه في مسرور الذي يبكي بكاء مرا ان الملك عقيم لا رحم له يا مسرور قض ذلك الكتاب ووجه الى الامصار بمصادره واستصفاء اموال كل ال برمك لقد ارسلت من قبض على يحيى وخالد ابني برمك انهى بهلول حديثه كعادته وهو ينظر الى امير البصره قائلا ولله الامر من قبل ومن بعد فقال الجاحظ وذهنه مسكون بالاف الاسئله هذا هو ما تقتضيه تجارب الامم فالملك شجره لا تنبت الا بالدم بعد وقت اشار الامير لجلسائه بالانصراف وللجاحظ بالبقاء ثم جاء غلام يحمل سره مملوءه دنانير ووضعها بين يدي الجاحظ وجاء صوت الامير هذه صلتنا لك 5000 دينار ومعها غلام يخدمك لم يكد الجاحظ يصدق ما يسمع غير ان الخدر الذي تركته قصه البرامكه في ركبتيه وقف حاجزا دون سروره بالمبلغ فذهنه مملوء بصوره المال والسلطان الذي كان يسبح فيه البرامكه ثم تراعت له صوره صوره بشار بن بردن تحت وقع الصياط تزاحمت في ذهنه تلك الافكار وهو يرى نفسه جالسا في بيت امير البصره وقف من مكانه وقلبه موزع بين سرور طاغ بهذا المال الوفير الذي ما كان يحلم به وتلك الصور والاخيله التي تطارده خوفا من الاقتراب من السلطان حتى لا ينقلب عليه يوما بعد ساعه كان الجندي يوصل الجاحظ وخادمه الى منزله بحي العلافين قرب حمير وبغال حميد لكن صره الدنانير التي ينوء بها جيبه تشي بانه لم يعد ينتمي لهذا الحي البائس كان درب الوراقين بسوق البصره غاصا كالعاده في مثل هذه الساعه من كل جمعه اذ يخصص تجار الكتب والاوراق والجلود القادمون من المدن الاخرى عصر الجمعه لعرض بضائعهم الجديده دخل الجاحظ من جهه ساحه الحمام فاحس باختلاط روائح متنافره في الدرب الضيق فرائحه الجلود المصبوغه والكاغد السمرقندي وعرق الاجساد المختلط بالعطور والاصباغ شكلت مزيجا غريبا في انفه رغم الفه الطويل للمكان مكان ومع نكاره مزيج الروائح في انفه فقد شعر براحه غامره وهو يرى اضاميم الكتب وعمائم الوراقين الغاديين الرائحين فلا يوجد مكان يسحره سحر هذه الدكاكين الغاصه بالناس وتلك الكتب المتناثره وهذا الجو المكتوم قليلا بروائح الجلد والحبر الكاغد فكر في ان هذه اول مره يدخل فيها السوق وجيبه مملوء دنانير ثم تذكر ان هذه الجبه الزرقاء والطيلسان والقميص الفاخر لم ترى عليه قبل اليوم في درب الوراقين لاحظ الانبساط والنشاط الذي خلفته هذه الفكره في راسه وهو ينزوي في زاويه ليفسح الطريق لرجل محدود بالظهر انبته نفسه كيف يسعد كل هذه السعاده وتزداد ثقته بنفسه بسبب قبضه من الدنانير وخرق من القماش فاذا كانت قبضه الدنانير تعمل كل هذا العمل فلم لم ينشغل بجمع المال ويترك كتبه من اول يوم ظل يسير وسط زحام الناس وتترامى الى سمعه المرهف عبارات من الفارسيه والسريانيه وكلام النبط ما ان اقترب من دكان سهل بن هارون حتى تراءى له كتبي من سمر قند وبين يديه حاويه كتب كبيره كان التاجر واقفا في طرف الدرب مما يلي باب دكان سهل ويتجمع عليه عشرات من النضاره يفتشون بضاعته كان سهل واقفا على باب دكانه منزعجا فقد سبق ان حذر التاجر من فتح حاويته امام دكانه لان ذلك يحجب مدخل دكانه عن المشترين غير ان التاجر ذهب الى اهل الحسبه المسؤولين عن تنظيم السوق فاذنوا له ظل سهل يتردد امام دكانه ذهابا وايابا لا يكاد يستقر من شده الغضب اندس الجاحظ وسط المتجمعين على التاجر سمرقندي لتصفح الكتب ناظرا بطرف خفي الى سهل الذي لم يلاحظ وجوده ثم مشى تاركا حاويه التاجر وذهب الى جهه الدرب الاخرى ثم جاء الى دكان سهل متظاهرا بانه قدم حالا دخل الدكان والتفت الى سهل قائلا ما بال هذا التاجر يضيق عليك رزقك فتقدم اليه سهل ووجهه يكاد ينفطر غضبا والله ما ادري لم يدخل علي مشتر المنحوس يا له من سمر قندي هلع لكان القائل عناه حين قال كان بلاد الله وهي فسيحه على التاجر للوع كفه حابلي هل تاكلت اطراف الارض وانحسرت البسيطه تحت قدميه حتى لم يبقى منها الا عتبه دكانك؟ رمى الجاحظ العباره ثم استنفر كل طاقاته تلهفا لما قد ياتي به سهل وكان سهل يعلم ان الجاحظ يسخر منه لكنه كان منزعجا مغضبا لدرجه انه لم يضحك من تحريف الجاحظ لبيت الشعر فاخرج راسه من باب دكانه والتفت الى التاجر وقال بصوت منكر والله والله مط كلمه والله مطا شديدا واضعا سبابته على ارنبه انفه ثم سكت قليلا وخرج فجاه من باب الدكان وصاح والله والله لئن لم تترك عتبه دكاني لاضربنك ضرب غرائب الابل او ضرب هبيره لجاريتها في سوق البصره او ضرب المعلم البليد لتلميذه الابله او ضرب الحجاج لاهل العراق ارتبك التاجر وانحنى على بضاعته يجمعها وهو يقول بنبره مشحونه خوفا واستسلاما خيرا يا اخي سانصرف انهمك التاجر في لف اطراف حاويته فيما كان الجاحظ يضع طرف طيلسانه الانيق على فيه مخفيا ضحكه عاد سهل الى دكانه فتلقاه الجاحظ قائلا قاتل الله اهل سمر قند انهم قوم سوء جلسا على حصير انيق مصنوع من جريد النخل على اطرافه طنافس انيقه فيما كانت اطمار الكتب المرتبه باتقان تحيط بهما كان سهل لا يزال مغضبا فلم يجاري الجاحظ في حديثه بل جلس الى جانبه فارتخت عمامته المهترئه فبدا شعر راسه ملبدا متسخا كانه لم يغسل منذ شهر التفت سهل الى صديقه وعيناه العميقتان تدوران متاملتين ملابسه الفاخره دون ان يتكلم لاحظ الجاحظ انشغال عيني سهل بالنظر الى ملابسه الفاخره كانتا تدوران بسرعه وهما نصف دامعتين ونصف محمرتين نظر الجاحظ اليهما فلما التقت عيونهما اغضى سهل متشاغلا بمناداه احد عماله كان الجاحظ يعرف المشاعر المختلطه في نفس صديقه فهو نصف سعيد بما سمع قبل ايام منح امير البصره مالا وافرا له لكنه في ذات الوقت مستشيط الفؤاد حنقا لان الوالي كان ينبغي ان يعطيه هو ايضا فما يجتاحه ليس حسدا صرفا وليس غبطه ايضا فهي مشاعر مختلطه فيها من الغبطه ومن الحسد ومن الغيره ومن الرضا ومن الغضب من الياس جاء احد الغلمان بحساء ساخن وتمر وزبيب ثم بدا في الحديث عن الكتب غير ان كلا منهما كان يعلم ان ما يتحدثان فيه ما هو الا مقدمات لما يريدان الحديث عنه لذلك كان كل منهما يرمي الكلام على عواهنه دون اكتراب فلا يلاحظ جليسه ولو لاحظ لما اهتم لان النفوس مشغوله بالتفكير في حديث اخر يود كل منهما ان يبداه صديقه قبله جعل الجاحظ يرمي في فيه تمره ثم يتبعها بجرعه حساء وهو يتحدث بهدوء فجاه دخل عبود الى الدكان كان عبود يلبس جبه حريريه ملونه ويمشي وراءه غلام التفت عبود الى الجاحظ قائلا بصوت ساخر تبغددت يا ابا عثمان رمى سهل كتابا كان بيده ملتفتا بكل حواسه الا ترى ملابسه التي يتيه فيها كانه طاووس من طواويس خرسان انفرجت اسارير الجاحظ ملاحظا ان وجود عبود جعل حديثه مع صديقه اسهل مع ان العلاقه بينه وبين سهل امتن من علاقته بعبود لكن الانفس مهما تقاربت تظل بها مساحات شائكه لا يدخلها الصديق دون استئذان او وسيط. ابتسم الجاحظ وهو يقول لم اتبغد بل ما زلت في البصره وان تركت حي العلافين وما زلت اعرف مكان حميد المكاري. ازاح عبود عمامته وهو يهم بالجلوس الى جانب الجاحظ. دعك من هذا يا ابا عثمان لكن قل لي كم كانت الجائزه فقد سمعت انها 10000 دينار وسمعت 3000 المقلل اصدق يا عبود وقف سهل وتناول كتابا من فوق الرف وصكه بيده لينفض عنه الغبار وقال جزى الله عنك هذا الكتاب خيرا يا ابا عثمان 3000 لكتابتك هذه الرساله التي استطيع كتابتها بين الظهر والعصر عصر ضرب عبود فخذ الجاحظ وهو يقول حدثنا عن قصه مجالستك للامير عندما دعاك قبل ان يجيب الجاحظ التفت خلسه لتامل وجه صديقه سهل فراه مستنفرا لسماع الخبر يكاد يخرج من جلده واهداب عينيه الكثيفه تتراقص فاراد ان يعبث به قليلا فقال كيف اصف للدهماء مجالسه الامراء لكن سهلا كان يعرف صديقه فقال له بنصف ابتسامه الم تقل انك لم تتبغدد؟ نعم يا ابن هارون لكن كيف يمكن وصف الخمر للناس ولذه النصر للجبان القاعد وكيف يمكنني وصف لذه المضاجعه للحصور ثم ابتلع الجاحظ لسانه خجلا فقد نسي انه يتحدث الى عبود لاحظ سهل ذلك فقطع الحديث قائلا لا تطل الدلاله وهاتي المقاله يا ابا عثمان. احس عبود بطعنه في قلبه تعود على تحمل مثيلاتها منذ مراهقته فاعتدل في جلسته ومال على الجاحض قائلا بهمس وصوت اسنانه وهو يقضم تمره يخفي بعض ما يقوله لقد وجدت لك الجاريه التي تنسك ايام الحرمان بين حي العلافين ودرب الطويل شم الجاحظ رائحه خمر قويه من انفاس صديقه فاجابه مشيحا عنه بو وجهه متظاهرا باخذ تمره من الصحن هذا امر طيب لكن عبودا اقترب منه اكثر فازدادت حده رائحه الصهباء وهو يهمس لكنك اذا كنت تريدها ستعطيني كل ما اعطاك امير البصره كان سهل ينشغل ما بين الفينه واختها بالنقاش مع احد عماله فالتفت اليهما وقال بما تتهابسان عرضت على ابي عثمان شراع جاريه لي كالقمر. اعتدل سهل في جلسته وهو يطوي طرف الحصير ليزيل حجاره صغيره تجمعت تحته. وقال ابو عثمان لن يشتري جاريه بل سينتقي من بيوتات البصره من تحلو له. فقال ابو عثمان بسرعه بنبره غاضبه لا والله انا لن اتزوج حرا ولما انا رجل اعيش كما تعلمون على صناعه الكلام فاذا تزوجت حره قيدتني باخوالها وعمامها ونكدت خاطري بالذهاب الى الاعراس والولائم اما الجاريه فخادمتك متى اردت خادمه ومتعتك متى اردت متعه واذا نكدت عليك عيشك رميتها بين يدي اول نخاس يهودي تراه في طريقك ضحك سهل فاهتز جسمه النحيل كاملا وهو يشد عليه طرف جبته المتسخه وقال والحره تطلب من المال بحجم ما تزعم انها تكن من الحب والمال كما تعلمون معدود حاضر والحب دين ونسيئه التفت عبود باحثا بعينيه الناعستين عن غلامه فراه امام الباب واقفا يتحدث مع احد الغلمان ثم لمح الشمس تدنو للغروب وحركه الناس تتكاثف في الدرب خارجين من السوق التفت الى الجاحظ وقال بهمس ما رايك ان تاتي معي لترى الجاريه وتسمع وتطرب بعد قليل كان الرجلان يشقان الدرب الضيق وسط امواج الناس المسرعين العائدين الى بيوتهم بدا الظلام يغزو جنبات السوق وهبت رياح شماليه بارده ظهرت حدتها في تلف بعض الراجلين في ملابسهم وتقنع بعضهم بعمائمهم وسط الرائحين كانت عمامه الجاحظ تعلو وتهبط وهو راكب على بغل اشهب فيما يمسك غلام عبود بزمام فرس سيده ماشيا وسط الضوضاء وتصاعد الغبار ونهيق الحمير ورغاء الشاء الدوحه عام 1439 للهجره كان القروي جالسا يكتب في طرف غرفه الاخبار رن هاتفه فراى شاشته تقول مطوعه بوريده تتصل قفز ممسكا الهاتف علو تعرف كوستال الكورنيش طبعا نلتقي هناك بعد ربع ساعه طار من مكانه ولم يكتمل ربع الساعه حتى كان هناك بدت حصه شاحبه ومنهكه كانت ترتدي عباءه تحتها قميص زهري اللون بما كانت عباءتها تنحسر بين الفينه والاخرى عن بنطال جنز ازرق خيرا تبدين مرهقه ما الامر ما الذي جمعت اطراف اصابعها واشارت بها قائله حبه حبه جلسا في ركن المقهى رمت نظره على مياه الخليج الهادئه ثم شغلت بالنظر الى عده رجال يركضون ووراءهم اطفال على دراجاتهم الهوائيه بدت هادئه البال بعيده من التوتر مع انها المره الاولى التي يجلس فيها معا في مكان عام كان القروي يحاول الجام فمه عن السؤال فذهنه مترع بالاسئله الحائره ثم ان هدوءها استفزه ايضا هل هو هدوء الياس ام هدوء الظفر هل هو هدوء من شعر بالراحه لانقطاع الامل ام هدوء الظفر ونيل المبتغى لم يستطع الصبر ولا انتظار حديثها فقال ما الخبر اين كنت ان شاء الله صحتك طيبه ادخلت يدها في حقيبتها الصغيره واخرجت هاتف ايفون جديدا ثم ضبطته على نمط الطيران ووضعته تحت فخدها خطر له ان يمازحها قائلا الله اكبر امتلكت ايفون هل قررت اخيرا العبور الى عالم الحضاره لكن اللحظه كانت كثيفه عن ذلك المزاح فابتلع كلماته وسمعها تقول القصه طويله ايوه المهم من الاخر ايوه كلمت امي وكلمت والدي فغضب كان نصف غضبه عائدا الى اننا تعرفنا دون ان يعلم والنصف الاخر لانه لا يريدني ان اتزوج الا من الناس الذين يعرفهم طيب المهم اني تعبت كثيرا ودخلت المستشفى قلت لهم اني لن اتزوج الا من ارضاه او لن اتزوج كانت قصه طويله عريضه ثم جلست في المستشفى ثلاثه ايام شعر القروي بنياط قلبه تتقطع رحمها وهي تتحدث نظر الى وجهها الطفولي وعينيها الداويتين العميقتين وتخيلها طريحه في المستشفى والممرضات من حولها كل هذا بسببه هو شعر بالموبات حلوه المه ان تكون عانت بسبب لكنه طرب لفكره دخول فتاه المستشفى بسبب الميل اليه ثم خطر له كم هو حقير ان يجتمع ذانك الشعوران في قلبه كيف يزهو بجراح الاخرين وكيف يطرب لشقاء محبوبته كانت قد توقفت عن الكلام منذ الثوان لكنه لم ينتبه فقد غرق في افكاره المتناقضه رمى نظره على مياه الخليج الهادئه وعلى فندق شيرتون ثم قال بتلعثم وكيف انتهت القصه لم تجبه فقد شعرت انه متطلع لنتائج اكثر من تطلعه للوقوف على معاناتها خلال الايام الماضيه التفت الى الطاوله التي بجانبها فراى سيده ضخمه الجثه جالسه مع رجل يكاد الهزال يفنيه وكانت المراه الضخمه لا تكف عن الحديث والضحك بصوت عال اما الرجل فلا يرفع بصره عن هاتفه اشاحت بوجهها وهي تتساءل هل ستصبح يوما من الايام في هذه الحاله وقالت المهم انني صممت على رايي وطلب والدي مهله للتفكير واستشاره اخي الكبير الموجود ببريطانيا الان خيرا ان شاء الله ردد بصره في اطراف المقهى بعد افاقته من الصدمه قائلا او متاكده انت ان مكان هنا مناسب تحركت في كرسيها وقالت بتنهد ما يهمني شيء حاولت مداراتهم والسير على طريقتهم ومع ذلك لم يقدروا ذلك الان لا ابالي ثم خطر له السؤال ماذا لو دخل ابوها واخوها ووجداه معها كيف سيتصرفان ثم تخيل المقاعد تتطاير في المقهى والصراخ يرتفع والمعركه حاميه بينه وبين والدها او اخيها حاول تخفيف جو الحزن والتوتر المخيم مبروك الهاتف الذكي اخيرا عرفت ان مخابرات العالم لا تطاردك لا لم اضع عليه اي تطبيق من هذه التطبيقات اشتريته للتبرك مثلا لا هناك برامج امنه من الاوبن سورس سانزلها هي برامج مثل البرامج التي عندكم لكنها ليست تابعه للشركات الكبرى او الحكومات فهي تطبيق تطبيقات يصممها الناشطون المؤمنون بالحريه والخصوصيه الفرديه كان يستمع اليها مفكرا في خوفها المرضي من التجسس والمراقبه والله انك قيقه خطيره ماذا تقصد قيقه من جيكس وهم عباد التكنولوجيا ونواردها وايش النوارد النوارد جمع نرد وهو الغارق في بحور الكمبيوتر او الكتب هؤلاء الشبان والفتيات جالسون في زوايا العالم بنظاراتهم وبحوثهم في التقنيه وقد ولوا ظهورهم لمباهج الدنيا ضحكت رافعه الايفون قائله انا مطوعه بوريده ويقه ايضا ازهر قلبه عندما راها تضحك بعد اسبوع من الحزن والتوتر وانتظار المجهول وكان ضحكتها تثير في نفسه العميقه شجودا وعوالم لا ضفاف لها فعندما تضحك يستدير الهلال بدرا وترجع الطيور المهاجره الى اوطانها وتشرق الشمس على القطبين بعد شتاءات من لفح الزمهرير وتتفتق ورود ويتضوع الكون عطرا فواحا مالت على الطاوله ورشفت حسوه من قهوتها وقالت انت تعرب كل شيء نوارد ها ان الاشياء تزداد حلاوه اذا عربت اليست كلمه نوارد احلى من نيردس الانجليزيه لكنك تدخل اللغه في كل شيء بمبالغه احيانا وقبل ان يجيبها خطر له خاطر لكنه لم يستطع التصريح لها به وهو انه ايضا لا يتذوق جمال المراه الا بحاسه اللغه يذكر جيدا ايام مراهقته انه كان اذا راى فتاه جميله لا يعرف كيف يحكم على جمالها الا اذا تخيلها لغويا ثم يحاكمها الى مخزونه اللغوي للجمال ثم يستطيع بعد ذلك الحكم وكم كان اصحابه يضحكون عندما يقول لهم واصفا فتاه جبال ووهاد منحنيات ومنعرجات وسيول ووديان عنبر وعود اماس ورديه نديه وسقيع دافئ طرد خواطره وقال لها قلت لك ان اهلي وافقوا اخرجت جهاز حاسوب من حقيبتها وفتحت ثم قالت بسخريه اهلك وافقوا نعم ما شاء الله ماذا تقصدين هل سمعت قصه زواج السائل من بنت الملك ما هي كان ابن احد السائلين يقول لاصدقائه انه سيتزوج بنت الملك فسالوه كيف فقال ان 50% من الامر تم فوالدي وامي وافقا وانا موافق ولم يبقى الا ان توافق بنت الملك وابوها وامها ثم ضحكت لكن القروي لم يضحك شعر بانزعاج فانقطعت ضحكتها وهي تلاحظ ان المزحه قد تكون اكبر مما ينبغي نظرت اليه فاذا وجهه محمر واذا جبهته الغماء تزداد ضيقا وارنبه انفه تكتنز احمرا نظرت اليه فتحول في عينها الى اعرابي يطلب ثارا قديما فانتابتها موجه ندم على المزاح الثقيل قائله والله ما قصدي يعني انا الشحات ابن الشحات لا لا مو قصدي حاشاكم بس قصدي ان العقد والتخلف في مجتمعنا اكثر فانتم اكثر علما وانفتاحا من مجتمعنا وساد صمت وكان يعلم انها لم تكن تعي ما قالت كما كانت تعرف انه لن يصدق ذلك الاستدراك البارد ارادت تلط لطيف الجو فرعمقت السيده الضخمه لتتاكد من انها ما زالت تتحدث بصوت مرتفع حتى لا تسمع كلامها ثم قالت وهي تشير لحاسوبها لاحظت شيئا في جهازي هذا وفهم هو انها تهدف لتغيير موضوع الحديث لاستعاده الدفء نظر الى الجهاز فلاحظ وجود لاصق مثبت على مكان الكاميرا في الجهاز نعم ما هذا اللاصق هذا لتغطيه العدسه حتى يمنع الجهاز من التصوير ان الاجهزه كلها مزوده بعدسات وكل شركه تستطيع تصويرك حتى ولو كان الجهاز مطفا لذا انا اضع اللاصق على مكان الكاميرا ستقول اني مجنونه بالخوف من الاجهزه وان بي وسواسا الكترونيا انت ضحيه تخصصك ان التخصص دائما يطارد صاحبه وانت ما شاء الله لست ضحيه تخصصك ابتسم ونظر جهه المياه الزرقاء الهادئه فتراء له المتحف الاسلامي من بعيد سابحا على صفحه الخليج ذكرى من زمن انقضى فقال متصنعا الحكمه كلنا ضحيه للتخصص وللماضي ولاشياء كثيره ولم تجب بل تشاغلت بتنظيف حافه حاسوبها تذكر كيف يستدعي اهتمامها فقال لقد رايت امسي بمكتبه جرير كتابا بعنوان الحرب الالكترونيه بجد ذاك كتاب ممتاز مؤلفه جامي بارتلت هل قراته تصفحته على عجل لكني لست مقتنعا بالمبالغه في الخوف من الانترنت والاختراق الالكتروني رفعت بصرها عن حاسوبها وقالت بجديه شوف ان الانترنت يظهر الجانب الاسود من البشر انظر مثلا الى التعليقات بالاسماء المستعاره في يوتيوب وستلحظ بعد اصحابها من اللباقه واستعدادهم الكامل للقذف والسب وكل الموبقات لان النت يحررنا من الاقنعه الاجتماعيه المزيفه التي نرتدي طيب ولذا فان المخترقين الذين يتسللون الى الاجهزه امنون من الملاحقه ويمكنهم ان يقوموا باي شيء قطر له انه اذا وصل الحديث معها فسيتحول الموضوع الى نقاش فلسفي فيه لعلها لا تفهمه او لا تستسيغه فسكت قليلا ثم غلبته شهوه التفلسف اختلف مع هذه النظره التي عندك مع انها نظريه للمتنبي وهو شاعر احبه فالمتنبي يقول وظلم من شيم النفوس فان تجد ذا عفه فلعله لا يظلم رفعت وجهها فيه لتريه الاهتمام فوصل الفكره التي عندك مبنيه على سوء الظن بالبشر اما انا فمؤمن بان الاصل في البشر هو الخيريه والا لماذا يقوم اشياخك سنودن واسانج بما يقومون به من دفاع عن خصوصيات الناس وتضحيه في سبيله رفع بصره فجاه جهه الباب تراى رجلا خمسينيا داخلا من باب المقهى يحدجه بنظرات بدويه حاده فمد يده هامسا هل هذا ابوك؟ بغداد عام 198 للهجره كان الشاب النحيف الوسيم يسير في الظلام فتتعثر قدمه بجثه احيانا وتصطدم احاين اخرى بفاكهه متعفنه او بجسد متسول يغط في نوم عميق اما اذناه فتتداخل فيهما اصوات ضحكات اللصوص السكاره ونهيق الحمير ونباح الكلاب ومواء القطط بصراخ استغاثه بين الفينه والاخرى كلما هجم للصن على احد الماره ومع ذلك ظل يسير فالشارع الكبير المؤدي الى الجسر المار فوق نهر دجله والرابط بين شرق بغداد وغربها مليء باخلاط الناس وامش شاجهم فالشارع رغم اعتكار الليل مليء باللصوص والباعه والمومسات والعساكر والامرين بالمعروف والناهين عن المنكر فمذ اجتداد الحرب بين الامين واخيه المامون بسبب خلع الامين للمامون من ولايه العهد ليصرفها الى ابنه الصغير دخلت بغداد في فوضى عاديه ففقدت محاسنها من هدوء وامن ورواج في الاسواق وحركه في التجاره حتى لا يخيل للمر بها ممن لا يعرفها انها مارستان كبير يطوف فيه المجانين مطلقين دون رادع عبر الشاب الجسر من جانبه الشرقي الى الغربي ليدخل حي الكرخ فالتهمه زقاق ضيق قاده الى دار قصيره تنغرز في الارض انغرازا يشي بان ما بني منها في الارض اكثر مما شيد فوقها وقف امام الباب ثم دفعه فاذا هو محكم الاغلاق دق الباب دقا خفيفا وهو يقرب اذنه منه فخيل اليه انه سمع رنه تعود بعد لحظات انتظار فتح الباب فظهر غلام سندي وسال بادلال اقول له من قل له محمد بن عبد الملك الزياد صك الغلام الباب التفت الشاب الى الزقاق الضيق الخالي فراى قناديل تتراءى من نوافذ البيوت المطله على الشارع الساكن بينما ما زالت اصداء صخب الشارع تتردد في جوانحه تحسس سيفه المتواري في غمده تحت دراعته الواسعه فسمع صوت فرهود يرحب من وراء الباب فتح فرهود الباب فتراء وجهه المدفون في شعر لحيته الكثيف مع راسه الاصلع وهو يقول يا مرحبا يا مرحبا تقدم فرهود وقاد ابن الزيه الى درج انزلهما الى حجره واسعه مضاءه اضاءه كبيره كانت الحجره واسعه ومليئه بالشموع المعلقه على اركانها الاربعه ويتوسطها قنديل كبير اشار فرود لابن الزيات بتبوء مقعده حيث تعود الجلوس هناك في الركن الايمن على سجاده حمراء تتناثر عليها نماق تجلس ثلاث قينات في الجانب اخر من الحجره وبايديهن اعواد انحنى ابن الزيات مائلا بمرفقه على الوساده وهو لا يرفع عينه عن الجاريه الجالسه في الوسط وقف فرهود في الوسط ما بين ابن الزيات والجواري ثم مال براسه ورفع كفه اليمنى ووضعها في كفه اليسرى وقال موجها حديثه للوسطى من الجواري ظلوم اقسم عليك انت وصاحبتيك ان تدخرن صوتا من الاصوات المطربه والالحان المونقه عن ابن زياد ثم انحنى براسه اكثر ملتفتا عن يمينه وقال بابتسامه مترعه طمعا وانا موقن ان سيدنا لا يدخر عنكن شيئا تمحمح معتذرا بانشغاله ببعض الامور وادبر يتسلق الدرج محدثا قرقعه بحذائه على السلم وذيل ازاره ينجر وراه كانت الفتاه المتوسطه ترتدي قميص ضيقا احمر مزركشا وتلف ملاءه على الجزء الاسفل من جسمها لكن الملاءه لا تغطي الا ركبتيها ومكان جلستها اما ما فوق ذلك فيكاد يشف من تحت القميص الاحمر الضيق اما دوائبها الذهبيه فمزينه بخيوط معقوده بين كل ظفيره واختها تنعكس معاقدها تحت ضوء الشموع المدلات في اطراف الحجره رفعت القينه بصرها الى ابن الزيات فالفت وجهه كما عهدته خلال الاشهر الماضيه عينان سوداوان واسعتان مترعتان ببريق قوي يكاد يخترق الجليس فوقهما حاجبان قويان مقوسان وجبهه واسعه وشعر اصبط فاحم اما الفم فذو شفتين رقيقتين تخفيان اسنان اسانا صغيره ينتصب فوق ذلك انف دقيق قصير اما عمامته السوداء ودراعته الداكنه الواسعه وسيفه الذي لا يفارقه في حمائله فتخلع عليه مهابه تنسي الناظر اليه انه لم يتجاوز الخمسه من العمر نظرت اليه قائله بغنج متصنع بحدق افديك بروحي كيف انت وكيف الناس فانا لم اخرج من هذا الباب المواري ب منذ التقينا افديك بروحي انا بخير ما رايتك والله انك لظالم كيف تتغيب جمعتين كاملتين لا تتكحل فيهما عيناي بمراك الظلوم من ذلك اسمه لقد تنبا لك من سماك به فقد فطرت كبدي واحرقت قلبي ولقد جئت مرتين فلم اجدك ضحك الظلوم ضحكه حين علمت انه جاء ولم يجدها مع زعمها انها لم تبرح البيت فرفعت يدها اليمنى جهته وكانها تكذب ما يقول ثم تحركت في مكانها كانها تريد اشغال عاشقها باهتزاز جسمها عن التفكير في كذبها عليه ليت قدمي قطعت حين خرجت قبل قدومك قالتها وهي تغمز بعينها اليمنى وتعض شفتها السفلى ثم قالت بتثاقل مغر ماذا تحب ان تسمع اليوم فديتك؟ كل ما تنطقين به فهو تحفه قادم وشفاء مريض وفكاك سجين وان صوتك وانت تتحدثين لا يدخل جسمي فلا يصل الى عرق الا نبض به ولا يتغلغل الى عصب الا هش له وبش فغني ما شئتي كان الشاب يتحدث بحرقه وكانت ظلوم التي تكبره بعام تجاريه سمع قرع نعال على الدرج فالتفت الكل واذا الغلام الزنجي قادم وبيده جام مترع نبيدا فالتفتت الجاريه الجالسه عن يمين ظلوم الى الاخرى الجالسه عن يسارها واشارت لها اشاره فوقفتا وصعدتا الدرج نزل الغلام الزنجي وهو يصفر ووضع جامد على سفره خشبيه بين ابن الزيات وظلوم ثم خرج مسرعا دون ان يتكلم او يرفع بصره كان ابن الزيات متكئا فجلس وامسك الوساده التي كانت تحت مرفقه وزحف جهه القصارت على بعد ذراع منها واتكا على وسادته فصاركم درعته الواسعه المفتوحه من الوسط ملامسا لطرف ملاتها اما جامبيذ فاصبح على بعد تناول اليد منه ومن المغنيه بدات ظلوم تلاعب الاوتار باصابعها الرخصه وهي تهينم فمد ابن الزيات يده الى الجام وعب منه ثم اغمض عينيه وجعل يحرك قدمه طربا لدى حركه كل وتر من الاوتار التي تان تحت اصابع ظلوم تناوحت ظلوم وتضاجرت فتذكرت شجوا قديما لها في اصفهان حيث تربت وحذقت العود وحيث شجوها الذي اضناها وحبها الذي انتزع قلبها منها فتسارع لعب اصابعها بالاوتار وتسارعت دقات قلبها وهي تتذكر وجه فتاها في مروج اصفهان حيث كانت تغنيه وعلقتها غراء ذات ذوائب ولم يبدو للاتراب من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم يا ليت اننا الى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم ما انتدوى بالبيتين حتى كاد كاد قلب ابن الزيات ينزو من بين اضلاعه وكاد قلبها هي يطير شوقا الى اصفهان فقد رددت عباره يا ليت اننا ترديدا متانيا مترعا بالاحزان وافرغت في تلك العباره كل ما فاتها من مؤمل وما عجزت عنه من تحرر من ايادي اسيادها وما ضاع لها من حب فهي تضمر فيها تمنيات مثل يا ليت انني لم اسرق في طفولتي من اهلي ولم اتحول الى جاريه ليت الدنيا ارحم مما هي عليه وليت المظلوم ينتصف من ظالمه وقد تعلمت من صنعتها انها لا تطرب جليسها الا اذا تذكرت شجوها وتمثلته بين يديها كانها تخاطبه فعند ذلك تطيب اوتارها ويسهل حلقها وتنفرج مخارج نطقها ويحلو النغم في فيها ما انت شدو حتى التفتت الى ابن الزيات وقالت بتنهد فديتك ثم نظرت الى عينيه فرات بريقهما المتوهج قد انطفا وهما ممتقعتان دموعا مال الفتى اكثر على وسادته مبتعدا قليلا ثم اخذ طرف عمامته ووضعه على عينيه وهو بين البكاء والضحك متذكرا قصه حدثه بها صديقه قبل ايام عن هذين البيتين فقد كان مؤذن مكه المعروف بابن مليكه يؤذن فسمع مغنيا يغني من دار العاص بن وائل بهذين البيتين فطرب لهما طربا شديدا حتى اراد ان يقول حي على الصلاه فقال حي على البهم وسمعه اهل مكه فغدا يعتذر اليهم في السوق فكر في القصه وهو يقول كيف اذا سمع سمعها المؤذن من هذه الجاريه الروميه الحاذقه ظل مستلقيا على قفاه يعب احيانا من الدن ويعب احايين اخرى من الاقتراب من الجاريه ومطارحتها ايات الغرام التفتت اليه مره بعد صمت وقالت بدلال لما لا تشتريني من سيدي قاتله الله ما اجشعه لقد عرضت عليه لكنه يطلب ما لا املك مالت عليه الجاريه واضعه يدها على طرف ركبته وقالت كيف لا تملكه انت ابن عبد الملك اشهر تجار الكرخ ببغداد ثم ابتعدت عنه مرسله احدى دوائبها مداعبه اياها بيدها وقالت وهي تغمز بطرف عينها التي تزداد جمالا تحت ضوء المصباح ام انني لا اساوي عندك الا دريه ابتسم ابتسامه مفعمه بشوق الى مزيد من القرب وهو يقول بصوت هامس لا تقولي هذا يا ظلوم والله لنعم وسيله ابليس انت في الارض ضحكت الجاريه وقبل ان تميل عليه لتمسك طرف قميصه سمعت قرع نعال سيدها على الدرج فتظاهرت بالتحرج مبتعده من ابن الزيات دخل فرهود مبتسما وقال سامحني يا ابن الزيات ان كنت عجلت عليكما لكن وقت النوم قد حان وديك الصباح يكاد يزقو تراجعت الفتاه حتى كاد ظهرها يلامس قاعده القنديل الكبير المنصوب وسط الحجره اما ابن الزيات فجلس بتثقل وهو يبحث في جيبه عن سره دنانيره وقف وهو يقول لا عليك يا فرهود فقد انتصف الليل والطريق غير مامون وبغداد نهب للشطار والعيارين ثم مال على السف فره الخشبيه وطرح سره محشوه دنانير وكانه لا يريد فرهود ان يراه وهو في ذات الوقت لابد له من ان يراه فنظر فرهود الى السره وقال لا تباعد بين الزيارات يا سيدي صعد ابن الزيات الدرج ممسكا بطرفي دراعته وغمد سيفه يكاد يلامس طرف السلم ثم التفت الى ظلوم قبل ان يتوارى فلوحت له بقبله فتح فرهود الباب مودعا ابن الزيات وقال بصوت فيه خوف احترس يا محمد لا تخف يا فرهود فسيفي بتار بدا الطريق مظلما وخاليا من الناس ما ترامت الى سمع الفتى ضحكات شبان من البيوت المطله على الزقاق قاده الزقاق الضيق الى الشارع الواسع المؤدي للجسر ظلت يمينه على مقبض سيفه حتى وصل الى مدخل دار ابيه الكبيره عبر الجسر حتى انحدر الى الجانب الشرقي وما ان اقترب من المنزل الاحمر للباب المستطيل الضخم حتى تلقاه احد الحراس مهرولا سيدي لما لم تامرني لاتي معك فالطريق غير امن اشار اليه ابن الزيات بيده قائلا لا عليك دخل الباب الواسع الذي اسلمه الى فناء فسيح مزين بالاشجار على طرفيه ثم وقف ملتفتا الى الحارس وقال بصوت هادئ لا تخبر ابي لم يزد الحارس على ان انحنى قليلا براسه متما امرك يا مولاي البصره عام 199 للهجره كان منزل عبود ضاجا بالحركه كالعاده في مساءات الجمع ففي الجانب الخلفي للمنزل ارتفعت ضوضاء جماعه من الغلمان في غرفه مربعه واسعه حاملين زرابي فاخره وحصرا وطنابير وعيدان موسيقى رمى غلام رومي زربيه حمراء عن كاهله وهو يقول لغلام قصير عن يمينه ضع هذه مما يلي الزاويه حيث يجلس مولاك يا اصنع واندفع فع خادم عجوز يسرج المصابيح في الزوايا الاربع للغرفه فيما امسك اخر بطرف الزربيه الفارسيه المطرزه ليحكم بسطها دون انثناء رتب المجلس بشكل مربع ثم وضع سرير مرتفع في جانبه فوق السجاده الحمراء وفي المقابل وضعت طنافس خضر مطرزه وفي الوسط بسطت الحصر المصنوعه من جريد النخل مغطاه بفرش ناعمه دخلت جاريتان الى الغرفه وهما تتضاحكان بغنج كانتا تلبسان ملابس ذات لون واحد تجمع بين الصفاقه والضيق فكل منهما تلبس ملاءه خضراء مطرزه الجيب والاطراف تحتها اتب يكاد يرى كاملا من تحت الملاءه وتحت ذلك ازار ملفوف مشدود الوسط سابغ الى الكعب مع فتحتين في طرفيه من الركبه حتى الكعبين دخلت عليه تمشي وراءهما غير انها لم تتزين كما تزينتا اذ كانت متلفه في قميص احمر فوقه جبه واسعه فيما تنسدل ذوائبها الطويله التي تكاد تخفي قرطيها جلسنا ثلاثهن وكانت عليه في الطرف الابعد مما يلي الزاويه ثم وضعت كبرى الجواري عودها في حجرها واندف تعزف اناملها الغليظه تذهب وتاتي على الاوتار الاربعه للعود متفننه في ضربه وتوقيعه وكانت كلما اطابت النغمه واحكمت الاوتار ادات اصوات الغلمان والخدم بل ان اصوات صبيان الحي اللاعبين في الشارع تبدا في الانحسار بعد هنيهات قبضت كبرى الجاريتين يدها عن عودها تاركه اياه في حجرها دون تغيير جلستها ثم اشارت براسها الى الجاريه الاخرى فانطلق عودها يان بعزف شجي كان الجاريه الاولى كانت تفتح الطريق لهذا اللحن الشجي بالذات فاندفعت كبرى الجواري وقد رفعت يسراها عن العود ووضعت يدها على خدها وانشدت بصوت مطرب مشجن لو ان ما تبتليني الحادثات به يرمى على الماء لم يشرب من الكدر في هذه اللحظه دخل عبود ماشيا بتؤده مرتديا جبه حريريه واسعه الاكمام تفوح منها رائحه العنبر ووراءه الجاحظ متعثرا في جبه قشيبه خفضت الجاريه صوتها انتظارا لجلوس سيدها وضيفه جلس عبود على حافه السرير مشيرا للجاظ بالجلوس قربه على طرفه الثاني وما ان جلس عبود حتى مال على مرفقه الايمن ليستلقي نصف استلقاء فبادر غلام كان يتبعه وامسك رجله لينزع خفه سحب عبود رجله بسرعه من يد الخادم قائلا اخدم ابا عثمان اولا ثم تدحرج عبود قليلا ليسند وسادته الى الجدار اشار بيده دون ان يتحدث الى الجاريتين لتستانفا الغناء جلس الجاحد ظ متربعا مسندا ضاره للجدار ووضع عمامته عن راسه فبدا اصغر من ذي قبل كان جو الغرفه معتما قليلا رغم المصابيح الاربعه المنصوبه في اركانها رفع الجاحظ عينيه ليتامل الجواري محاولا معرفه تلك الفتاه التي حدثه عنها عبود لم تدر عيناه طويلا حتى جسم لانها تلك الفتاه التي في الزاويه ذلك الضبي العاطل من كل زينه لكن زينته تسكنه ولا يستطيع منها فرارا لسعاها بعينيه الحادتين فالتقت عيونهما لاول مره نظرت اليه لكنها لم تبادله النظر بالنظر فعيناه اللتان تكادان تقعان في حجره وراسه الدقيق واذناه الصغيرتان وقامته القصيره جعلته في عينها اشبه بدميه منه بانسان نظرت الى سيدها ثم اغضت جفنيها وقد غشيتها موجه طرب وهي تستمع للحن الشجي الذي ينبعث من يد صاحبتها مال الجاحظ على عبود وهمس في اذنه اعتدل عبود واشار الى ان تجلس قرب السرير مما يلي الجاحظ قامت ودارت من خلف الجاريتين وجاءت كانها تتعثر فجلست عن يمينه مال عليها ما اسمك عليه رفع راسه كان نارا لسعت لقد تذكر رؤيا راها قبل ايام راى انه نزل ضيفا على الخليفه في بغداد وانه كان يتسلل الى حرمه ليلا ويبيت مع زوجه للخليفه تدعى عليه وان الخليفه اطلع عليه من نافذه وهو جالس مع عليه فهرب رب فارسل الخليفه كل جنود الخلافه يبحثون عنه تفاجات عليه بالصدمه التي اصابته فالتفتت جهه الباب فاذا الخادم الاصلع قادم يحمل سكرجه فيها لوز وجاما مملوءا من عصير البطيخ واباريق نبيد وضع الاصلع السكرجه والنبيد على خوان فوق السرير بما كان الجاحظ يستعيد توازنه متذكرا كيف سخ من تلك الرؤيه قائلا لصديقه النظام انا رجل من اهل الاعتزال والاحلام والمراء لا يعب بها الا العوام ومن في حكمهم استعاد من الشيطان الرجيم وما لعل عليه قائلا بهمس اي حديقه مباركه انبتتك تلعثمت ثم قالت انا من اصفهان تلك مدينه جميله لا تنبت الا الزهر والشعر لم تكن تعرف اي شيء عن اصفهان ولم ترها قط لكنها شعرت بسعاده حين لاحظت فصاحه الجاحظ والطلاعه وهي تقارن في ذهنها بينه وبين سيدها فعيرت مجرى الحديث حتى لا يسالها سؤالا محددا عن اصفهان قائله وانتم يا سيدي انا من علقم البصره قالها وقد اختنق قليلا من رائحه البخور المتصاعد بين يديه من المبخر خره المنصوبه خلفه وجدت نفسها تبتسم من اجابته وطريقته التي نطقها بها حيث قالها وهو يغمض نصف عينيه متضارفا ثم اختنق فتحول في عينها من الدمامه المقيته الى الدمامه المستضرفه ثم وصل قائلا هذه المدينه ليست كاصفهان فهي لا تنبت من الاشجار الا ما فيه شو ولا من النبات الا المر ولا يربى فيها من الكلاب الا المكلوب اما نساؤها فيضربن رجالهن ابتسمت وهي تنظر اليه وقد مد يده لاخذ حلوى من فوق الخوان وقالت انها تنبت الرياحين والنارنج والتفاح لا تدري كيف نطقت كلمه التفاح فهي ابعد ما تكون عن جو التغزل احرى لرجل غريب دميم لكنه لم يمهلها لتغير حديثها فقال هذه النباتات وان نبتت هنا الا انها غريبه في هذه التربه فقد انتزعت من منبتها ونبتت مكره لذلك ستجدين طعم تفاح اصفهان اذكى واحلى من تفاح البصره فكانه هناك ينبت راضيا وهنا كارها فينعكس ذلك في الطعم انتبه الى انه تعود الحديث الجاد المحشو بالمنطق حتى مع الجواري وعلى كؤوس النبيذ فغير حديثه بسرعه هل تتقنين الغناء؟ لا كانت الجاريه الكبرى تواصل الغناء والعود في حجرها وكانت تنظر بطرف عينيها باستغراب الى اندماج عليه في الحديث مع هذا الرجل الغريب كانت تنظر اليهما تحت ضوء المصباح المثبت وراءهما فيما يمر خيط دخان من البخور بينهما كانه يرسم حدودا بين الجمال والدمامه ظلت الجاريه تتامل باستغراب ابتسامات علي لهذا الرجل الدميم الغريب فمنذ وصولها الى هذا البيت لم ترها قط بهذا الاندماج والاستئناس في الحديث بعد مضي وقت اعتدل الجاحظ في جلسته مائلا الى الجدار قليلا وهو يمضغ حلوى ويعب عليها من النبيذ المعتق بدا يحرك قدمه طربا وهو يستمع الى الجاريه تغني صوتا بدويا قديما لكنها اخطات في ادائه اعتدل وقال لها اول من غنى هذا الصوت هو مغني اهل مكه الغريض لكنك اخطات في توقيعه ثم جعل يشرح لها ويعيده حتى اتقنته بدا جبينه يتعرق رغم الجو المعتدل في الخارج وجعل يحرك راسه طربا وكانت عليه تنظر اليه من طرف خفي بعد سماعها لملاحظاته على المغنيه اما عبود فكان لا يتحدث في مثل هذه الساعه عاده بل يترك حلقه للنبيذ واذنه للغناء وبطنه للحلوى ويظل يحدق في السقف فعاده ما يبيت في نفس المكان انطفات فتيله احد المصابيح فخف فتت الاضاءه في الغرفه وضعت كبرى الجواري العود من يدها وهي ترفض عرقا بعد ساعات من الغناء اما الجاحظ فمال عبود متتما وقف عبود بتثاقل بينما كان الجاحظ يرتب قلنسوته وعمامته فانعكس ظل راسه الصغير على الجدار مشيا في فناء البيت حتى وصل الى باب الدار مشى عبود بتثاقل فقد افرغ في بطنه اربعه ارطال من النبيذ المعتق وكثيرا من الحلوى اما الجاحظ فكان يمشي بخفه فقد تعود الا يزيد على رطل واحد من النبيذ وصلا عتبه الباب فالتفت الى عبود مودعا قائلا اريد الفتاه لكن اتمنى الا تغلي في سعرها لن يكون الا ما تريد يا ابا عثمان قالها وصك الباب شاعرا كان خنجرا دفن في صدره رمى بجسمه في طرف الغرفه عاجزا ذاهلا جلس متاملا عليه مشدوها بجمالها الاخ عاجزا نظر اليها نظر الادرد الى التفاح الجني لسعها بعينين عسليتين هما نافذتاه المشرعتين دائما على الشقاء والعذاب ارسل بصره مع داره الواسعه فراى الخدم يقبلون ويدبرون والافرشه المبثوثه والاطعمه المشتهاد واستعاد رنات العود التي تعبث بنياط قلبه ازدادت حسرته امر يده على خده الثقيل متسائلا كيف كان طعم الدنيا لو سلم من تلك العاه تموج ذهنه بالاف الاسئله الكثيفه المتزاحمه والخواطر الجارحه وتذكر تلك الواقعه التي حددت مسار حياه لا يستطيع منها انفكاكا تذكر رجالا يرتدون ملابس داكنه يقودونه الى بيت واسع اقترب منه رجل اشقر قصير بيده سكاكين وادويه لا يذكر ما حدث بعد ذلك كل ما يعرفه ان ذلك وقع بارض الروم وانهم خصوه وباعوه تنفس بعمق ومسح دمعه شارده على خده وعزم عزيمه لا تنقض سيخصص ما بقي من عمره للجهاد مرابطا قرب طرطوس لمجالده الروم وقف متثاقلا متذكرا قول امام حيه في خطبه الجمعه عجبا للنصارى يدعون الرحمه وهم من سن سنه خصاء بني ادم وكل مخصي في الدنيا فمن ارضهم جاء ترك الجاحظ منزل عبود وراء راه بينما كان الظلام يخيم على الازقه الضيقه الموحشه التي لا يصلها في هذه الساعه الا نبحه كلب شارده او بكاء رضيع من بعيد او مواء قط فكر في عليه مستعيدا صوره جسمها البض وشعرها المنسدل وانوثتها الفياضه ثم خرجت تلك الصوره من ذهنه متاملا ليل البصره الاسود سواد عيون بدويات سوق المربد ليل مظلم مليء بتنهدات الالم واللذه لكنها لذه لا يصل اليها الفقير ليل مليء بوسوسه الخلاخل في المخادع العطره وتنهدات العبيد الكادحين في الاقبيه والسباخ وانات الشكوى في السجون وصرخات اللذه في المخادع والضحكات الحزينه للجوار المجلوبات من بلاد بعيده غريبه طردت تلك الافكار عن ذهنه لكنه لم يستطع طرد صوره ابتسام عاليه وتاج الجمال الذي يضلل كل حركه من حركاتها السخيه وذلك الشيء الغامض الفاتن ما بين فمها وعينيها يضج دكان سهلا بعشاق الكتب في مثل هذه الساعه من النهار يتربى ع الجاحظ داخل الدكان على فرو جلدي بني اللون وعيناه تبحثان بنهام في عناوين الكتب الكثيره المصفوفه باناقه على رفوف الدكان وقف احد المجاذب بباب الدكان وقال بصوت واعض متاع الغرور ثم تجاوز الى الدكان الموالي رفع الجاحظ وجهه عن الكتب منزعجا وقال لسهل من اين جاء هذا؟ هذا احد اصحاب راس النعجه من دويره الصوفيه الواقعه بطرف السوق. انا لا ارى الزهد المنقطع عن الدنيا وملاذها الا ضربا من الجبن عن مقارعه خطوبها ونوعا من الافتتان بدين البراهمه. فرد سهل اذا لم تكن من العباد والزهاد وكنت منهمكا في شراء الجواري واكتراء الدور الواسعه فاترك الناس لزهدهم وعبادتهم خطر للجاحد ان في تضعيف حديث صاحبه نوعا من الحسد فدار مشاعره وقال لا ما عنيته ان الدين لا يامر بالزهد كما يفعل هؤلاء فانا لا اعلم احدا من اصحاب النبي بنى خيمه على باب السوق لصد الناس عن اهوائهم وحاجاتهم التي تقوم بها دنياهم فقد كان اصحاب محمد يجرون ويغزون ويعشقون ويتزوجون ويلعبون فقال سهل اعلم ذلك لكن اصحاب محمد كانوا في زمن فيه امثال ابي بكر وعمر وهذا زمان فيه امثالك انت ابتسم الجاحظ وهو يسحب كتابا انيقا وقال فما كان لك متسع مبالغه في مجان البصره وفتاكها دوني مجان البصره وفتاكها مقرون بمجونهم وفتكهم اما انا وانت فشيوخ قوم وجله نحله كان شيوخها معروفين بالزهاده والعباده ففي سلفنا من المعتزله عمرو بن عبيد الذي لو وزعت عبادته على اهل البصره لكفتهم وفي سلفنا بشير الرحال والحسن البصري ومع ذلك اراك تنهى عن الزهاده والعباده ثم التفت سهل لاحد غلمانه قائلا ات الماء البارد وكسره خبز يا غلام قلب الجاحظ الكتاب الانيق التجليد وقال لا شك في ان هذا الكتاب من تاليف الزنديق فرد عليه سهل وهو يتناول من خادمه طسطا صينيا مزين الحواشي قائلا وكيف عرفت ذلك ان عنايه الزنادقه بكتبهم لا تضاهيها عنايه فلا تكاد ترى كتابا من كتبهم الا مجلدا احسن تجليد مخطوطا بخط انيق في ورق ناعم كانه عروس تجلى لعاشق الله ان هذا لشرف لهم فهو من عنايتهم بالعلم ليت الامر كما ظننت بل ان انفاق الزنادقه على كتبهم كانفاق النصارى على كنوسهم وصوامعهم وليس من العنايه بالعلم في شيء فلو كانت كتبهم مثل كتبنا وتبحث فيما ينفع الناس من رياضيات وهندسه او علم واداب لكان داعي التانق فيها يدخل في باب حب العلم قطع سهل حديث الجاحظ بمناداه احد عماله لياتي بمسودات الكتب التي نسخت خلال الايام الماضيه ثم قال وماذا في كتب الزنادقه اذا كنت اخليتها من الرياضيات والحساب والاداب وما ينفع الناس كان الجاحظ يتحدث وهو يقلب ورق الكتاب العنابي الانيق فوضعه جانبا ورفع وجهه الى صديقه وقال ان كتبهم ادخلوا في باب الديانه لذلك لا ارى الانفاق على تزويقها الا كانفاق المجوسي على بيت النار والنصراني على صليب الذهب او كانفاق الهنود على سدنه البدده فكتبهم دينيه لا علاقه لها بالدنيا وهم يجملونها لتروج لعلمهم بضعف منطقها وتهافت حججها فيحاولون تعويض نقص ما في بنيتها باكمال جلودها وحروفها وشياتها كان الجاحظ يواصل حديثه وصوته الندي ومخارجه الفخمه تزداد اناقه كلما تكشفت امامه حجه اثناء حديثه وكان سهل ينظر اليه بانتباه غير ان احد النساخين وقف في وجهه وكاهله ينوء عده مجلدات ولم يضعها عنه خيفه مقاطعه الجاحظ توقف الجاحظ عن الحديث فاشار سهل للنسخ ان يضع الكتب على الطاوله ذات القوائم الثلاث المنتصبه بينه وبين الجاحظ وضع النساخ الكتب غير ان يده الصغيره اليمنى المتسخه من سواد المحبره تركت اثرا على طرف احد الكتب فرفع فيه سهل وجهه قائلا الم احذرك مرارا من هذا ارتبك النساخ فتحولت سفره وجهه الصافيه وعيناه الصغيرتان الغائصتان في وجهه المدور الى حمره وهو يقول والله لقد نفد الصابون الذي نزيل به سواد الحبر البصري كما نفد الاشنان فقال سهل هذا الحبر تمكن ازالته بالماء ولا يحتاج لصابون فلا تكثر المعاذير ام ان مياه انهر البصره قد نضبت ام ابتلعت الارض ماها وجفت غدرانها كان الجاحظ واضعا طرف عمامته السوداء على فمه وعيناه تدوران بين صديقه والنساخ وكانت اذناه الصغيرتان تشرابان لالتقاط كل حرف من الحوار يا سيدي لقد نفد الصابون ونفد كل شيء ولم ناكل طعاما منذ امس و فقاطعه سهل قائلا قد ادخلت موضوعا في موضوع وخرجت من الاعتذار الى الاستجداء ام ستقول انك تنظف يديك من الحبر بالرغيف وتغسل الدواه بالكباب والكاس؟ لا يا سيدي ما قصدته هو تذكيرك فقط باننا لم ناكل طعاما منذ يومين التفت سهل الى الجاحظ فراه متشاغلا بالنظر في احد الكتب ليوه انه منهمك في تامل الكتاب حتى لا يشعر بالحرج او يغير من نبره الحوار وهي عاده عنده اذا كان شديد الحرص على سماع الحديث الجاري ويخاف اذا اظهر الانتباه ان يتحرج المتحدث فيقطع الحديث لكن سهلا كان يعرف صديقه ويعرف حيلته تلك بل يعرف حرصه على سماع معاذيره دون دراهمه ودنانيره لكي يقصها عند اول مجلس من مجالس الاصحاب كان سهل قد غير جلسته فاصبح جالسا على قدميه ويداه معتمدتان على ركبتيه تدوران وهو يكلم غلامه خذ هذا الدانق والفلس واشتري ثلاثه ارغيفه بينك وبين اصحابك ولا تدخل امرا في امر مره اخرى قم فاشتري خبزا لتغسل به الدواه والحبر عن يديك خرج النساخ من باب الدكان متجها صوب الفران بينما التفت سهل فوجد عما مامه الجاحظ قد استرخت من الضحك وتضحك انت فقال الجاحظ انت رجل غني فلماذا التشديد على غلمانك في النفقه يا سهل والله ليس احد افقر من غنيا امن الفقر فهم الجاحظ ان صديقه لا يريد الاسترسال في الحديث الان فما دام قد رمى بتلك الجمله التي يقولها عاده عند نهايه الحديث فذاك يعني ان نفسه غير منشرحه للاخذ والرد في موضوع النفقه والتدبير فاغضى بصره واندفع يقلب ورق المجلد الضخم الذي بيده بينما كان سهل يمسك بقلمه مراجعا كتبه المنسوخه حديثا دخل احد المشترين الى الدكان شاب غرناق شديد الاسر فخم الصوت عليه سيما طلبه الحديث وقف ثم سال هل عندكم شيء من كتب بالسنن فالتفت اليه سهل مرحبا وقال نعم تفضل وماذا تريد منها هل عندك من كتب اسماعيل بن علي مرر سهل يده تحت دقنه وقال بصوت هادئ ذاك ليست عندي كتبه فولى الشاب خارجا ثم وقف والتفت وقال فهل عندك كتاب السنن لسعيد بن ابي عروبه؟ نعم ذاك عندي وقف سهل واخذ الكتاب وناوله اياه امسك الشاب الكتاب مقلبا صفحاته ثم اخرج دراهم ودسها في يد سهل وخرج وقف الجاحظ وبسق خارج الدكان حتى كادت بسقته تقع على خمار فتاه في الشارع نظرت اليه الفتاه بتافف وشتمته قائله اي قرد في صوره شيطان وصل صوت الفتاه الى سهل وهو منهمك في تصحيح كتاب بين يديه فقال بلهجه غنائيه وقل ربي اعوذ بك من همزات الشياطين عاد الجاحظ خجلا وجلس وهو يغير الموضوع سائلا بنبره تطلع هل من اخبار عن ابي نواس رفع سهل راسه عن المجلد الذي بين يديه تاركا طرفيه بين رجليه وقال اخبرني محمود الوراق انه قتل في بغداد بعد خلع الامين وقتله شعر الجاحظ بسخ خونه تتصاعد مع عروق راسه وهو يذكر الخبر هل عرفتم كيف قتل ولماذا انت تعلم انه كان ملازما للامين المخلوع وانه كان شاعره حتى ان انصار المامون كانوا يعيرون الامين بقرب ابي نواس منه فلما كثرت الفوضى في بغداد وانتشر السلب والنهب اضطر للاختفاء ثم انقطعت اخباره زمنا لعل الحشويه قتلوه فقد اشتد باسهم في بغداد ولا شك ان اصحاب ابن المديني هم من قتله الاقل عن استهتاره بالخمر قبل موته يموت المرء على ما عاش عليه كيف حدثني محمود الوراق انهم سمعوا مره انه تاب وعزم على دخول دار الصوفيه فخرجوا من المسجد ودخلوا عليه ليهنئوه فلما علم انهم قادمون اليه وضع بين يديه باطيه كبيره وجعل لا يدخل عليه احد يهنئه الا امسك الباطيه وشرب منها ثم انشد قالوا نزعت ولما يعلم وطري في كل اغيد ساج الطرف مياسي كيف النزوع وقلبي قد تقاسمه لحظ العيون وقرع السن بالكاس فخجل جله الشيوخ الذين جاؤوا لتهنئته وانصرفوا ولم يعودوا لمثلها الى ان سمعوا بمقتله في الفوضى شعر الجاحظ ببخار يصاعد الى دماغه مفكرا في ان العلاقه بين السلطان كثيرا ما تاتي بقتل او سحل في النهايه والبعد من السلطان يقود الى العوز والفقر المدقع انشغل ذهنه بتذكر مجالسته الاخيره لامير البصره وذلك المال الذي مكنه من اكتراء بيت جميل واسع وشراء فتاه حسناء ستزف له هذا المساء ثم شبك يديه وجعلهما بين ركبتيه وقال لسهل محاولا طرد تلك الافكار بصوت كانه تنهد سمعت ان الامور بدات تستقر منذ دخول المامون فالحشوه والعامه والمطوعه بدا هياجهم يخبو لما ترك المامون بغداد هذه السنوات ست فالمخلوع قتل عام 98 ووم لكن المامون ظل بخرسان تارك مدينه اجداده للرعاء التفت سهل قائلا بحماس المامون رجل مله وامه وعلم فهو يفهم ان القوه والمنعه والسياسه في فارس لا في بغداد حيث يتراءى منزل الخليفه مع منازل الاعراب شعر الجاحظ بضيق فاعتدل قائلا بحده وهل الاعراب الا فوارس وصناع دول وضع سهل عمامته فبدا ثائر الشعر ثم حدج الجاحظ بعينيه الحادتين لابد ان تعرف فرق ما بين ملكه الشجاعه وملكه الحرب وبين القدره على الهدم والمقدره على البناء فاذا كان العربي فارسا وهذا ما لا ينفيه احد لان معظم قاده الجيوش عرب فانه لا يعرف السياسه ولا التدبير واهل فارس اصحاب راي وفكر وسياسه وتدبير ثم ان ام المامون منهم فما العيب في جلوس الرجل بين اخواله؟ لم اقل ان في ذلك عيبا لكني تعجبت من اهماله لبغداد وهي دار الخلافه عقبهم لمناصرتهم المخلوع وتقريبهم له لان امه قرشيه انت يا ابا هارون تؤول كل امر تاويلا شعوبيا وهل بغداد الا فارس العراق بما فيها من الفرس اكثر مما في فارس وانت يا ابا عثمان لا تقر بفضائل العجم لتعصبك للعرب ولا عليك فالمامون خليفه من اهل العلم وهو ممن يحب هذه الجماعه المباركه من المعتزله وقد سمعت انه بدا يقربهم من مجلسه عج ذهن الجاحظ بصور مختلطه فيها البيوت الفاخره والجوار الحسان والرجال الاشداء والسحل والسجن والجلد مع طيف من صوره الجاريه فخفق قلبه وهو يفكر فيها لكن ما لم يدر بخلده ان ذلك العالم كان اقرب اليه مما يظن لم تشعر عليه بشعور الامان الذي يسكنها هذا المساء منذ سنوات كانت جالسه وسط بهو الدار على سجاده خرسانيه فاخره والجاحد ظ مستلق قربها يكتب كتابا رفعت عينيها الواسعتين فلاحت لها العصافير تزقزق خارج المنزل والافق تلبده غيوم تشارف الامطار اعادت عينيها وهي تشد طرفي ملاتها ناظره الى الجاحظ منهمكا في الكتابه استغربت انه لم يمر على شرائه لها الا وقت قصير لكنها تشعر معه بامان لم تشعر به منذ زمن طويل كانت تتامله فشعر بعينيها تخترقانه فانتبه التفت اليها فقرا في عينيها حنانا وولها وحزنا واستعدادا للحديث اعاد عينيه الى كتابه سائلا وكانه لا يهتم بالجواب فيما تفكرين يا علي افكر فيك رمى القلم وكان كلماتها لامست جوانب من روحه لم المسقط فقال لها بصوت هادئ وما وجه تفكيرك فيه انا يا ابا عثمان ثم انحدر دمعها فسكتت معضله الرجل مع المراه انها تظل ضعيفه امامه الى ان تستدعي ذلك الماء السحري من ماقيها فتسقط جدران وتنهار سدود وتمحي حدود فالرجل يعرض احيانا عن المراه وما ان تسبل الدمع حتى تفرض الاهتمام واقدر الاقوياء على هزيمه خصمه من تظهر قوته في اللحظه التي يظنه فيها الخصم ضعيفا وسلاح المراه السحري ينبجس في لحظات ضعفها وهي لحظه يكون فيها الخصم مسترخيا ومستريحا وبلا سلاح لذلك لم يهزم دمع امراه قط منذ فجر التاريخ قفز من مكانه وجلس الى جنبها ممسكا يدها لا تبكي يا علي لا تبكي يا كان مترددا في نطق تلك الكلمه فقد سمع كثيرا من اصحابه يتحدثون عن ان افه الجاريه ان تفهم عشق سيدها لها وهو يعلم انه عاشق ولهان لكنه يتجلد مضى وقت وهو ممسك بيدها دون ان يتكلم لكنه فوجئ بشفته السفلى ترتعد ارسل يدها بسرعه متظاهرا بانه سيبسق ثم مشى الى باب البيت فسمعت صوته يحاول ان يبصق شعر بعرق خفيف يتجمع على ناصيته وهو يسائل نفسه مندهشا هل فعلا عشقت هذه الجاريه قالها وهو يتذكر الاف الخواطر التي مرت به والاف المرات التي عزم فيها الا يتعلق بامراه قط بعد تمار ولا يدري كيف تذكر في هذه اللحظه نقاشه قبل ايام مع اصحاب الحديث عن قدره الانسان على خلق افعاله فهو مؤمن بان الانسان مخلوق مختار يصنع ما يشاء بارادته دون تدخل للمشيئه الالهيه فهو يملك بين جوانحه مساحه حره يقرر فيها ما يشاء ثم فكر كيف يمكنه ان يحتج بهذه الحجه بعد الان اذا كان لا يريد ان يعشق هذه الجاريه لكن قلبه يخفق وجبينه يتفصد وشفته السفلى ترتعد عندما راها تبكي عاد وقد استجمع اقواه جلس الى جانبها فالتقت عيونهما تبع فارقت العيون الاربع ولن يستطيع اي منهما اخفاء في تلك العيون ولها وحبا وتوترا واخيله واسئله التقت عينان من در وعسجد وعينان من ثر وطين دارت عيناه بسرعه فكثر ماؤهما فجاه وتسارعت حركات اهدابهما وتحركت عيناها اللتان جفتا وان كانت وجنتاها النديتان تحبسان دمعا سفح قبل قليل قليل تساءل في نفسه هل هي دموع صادقه ام دموع جاريه تتقن فن اللعب بالقلوب فدموع البشر لا تختلف عن احاديثهم في شيء فمعظمها كذب وتصنع بعضها مجاملات ونادرا ما يتدفق الدمع خارجا من معين القلب عنقها بحراره دون ان يتكلم ثم هم بالوقوف فجذبت طرف كمه اتمنى ان تبع بعث نفيسا الى السوق لياتي بعود يا ابا عثمان لاسمعك ما لم تسمع قط جلس دفعه واحده محدقا فيها وهو يقول بصوت مترع بالمفاجاه هل تحسنين الغناء فقالت بغنج مشوب بلهجه متوعده احسن منه ما لا يحسنه الغريض ولا معبد ولا زرياب فقال لها وهو يفكر في دمعها الذي جف فجاه هو من علمك الغناء اشاحت بنظراتها عنه متصنعه التشاغل بازاله بقعه عن السجاده تعلمته انا صغيره في اصفهان لكن اتقان الصنعه يحتاج ميرانا ومعلمين حذاقا لا احد في اصفهان الا يتقن الغناء ثم وتذكرت عدم معرفتها باصفهان فهي لم تزرها قط فخافته ان يسالها سؤالا محددا ففاجاته سائله هل زرت اصفهان نعم وجلست شعرائها وكتابها ودخلت بيوت الغناء فيها فقالت ساتيك بحساء فاليوم بارد كان جالسا وظهره الى الجدار متاملا شعرها المنسدل وملاءتها الداكنه متسائلا هل لديها سر تخبئه داخل ذلك الصدر الفت ان وقفت ومرت من امامه متعمده ان يلامس ثوبها العطر ارنبه انفه وهي تدندن بابيات ابي قطيفه في شوقه الى المدينه المنوره الا ليت شعري هل تغير بعدنا قباء وهل زال العقيق وحاضره وهل برحت بطحاء قبر محمد ارهاط غر من قريش تباكره مشت في البهو بتانن ودخلت المطبخ وهي تغني الابيات بلحن شجي فترا ما الى سمعه صوتها الموقع باتقان بين اصوات قرع الاواني بعضها ببعض وقف في مكانه متجها الى غرفه كتبه وهو ممزق الوجدان فلا يدري هل يطير سعاده بهذا الجمال الاسر والصوت الشجي واحكام صنعه الغناء ام ينقبض خوفا من ان يك يكون وراء هذه الجاريه شر مستطير لم تفصح عنه جلس على طرف سريره ومد يده بتثاقل وامسك كتابا ليقراه وهبت الرياح البارده القادمه من مدخل الدار مع صوتها الشجي مره اخرى وهي تدندن لهم منتهى حبي وصفوا مودتي ومحض الهوى مني وللناس سائره الدوحه عام 1439 للهجره قفز رئيس التحرير الى قسم الانتاج حيث يجلس المنتجون الذين ينفذون النشرات على الهواء جاء يركض لاهتا هل تاكد الخبر لا ما زلنا ننتظر وقف منتج قصير ضخم البطن ومد يده الى الاعلى انظر الى الشاشه ان البي بي سي بثت يمكننا ان ننقله عنهم حدجه رئيس التحرير بنظره تانيب كيف ننقل عن البي بي سي خبرا في العالم العربي هذا ملعبنا نحن وما لم نؤكده نحن فلن يتاكد والخبر الذي لا نبثه نحن لم يقع وظهر على شاشه البي بي سي بعد قليل تنويهم بالاعتذار عن نشر خبر وفاه زعيم دوله عربيه فصفق منتج النشره الرئيسي الذي ظل يتقلب على جمر الحيره بين الخوف من الوقوع في نشر خبر كاذب او فوات خبر بهذه الاهميه وظهر بالاحمر اسفل الشاشه خبر يقول طبيب الملك الخاص لازال الملك يرقد في المستشفى وصحته تتحسن احس الكل بالارتياح وجاء صوت القروي خطا رجع رئيس التحرير مهرولا من مكتبه وامتدت اعناق من مكتب الانتاج مستفسره فقال القروي وهو يدس يده في جيب بن طاله هناك فرق بين لازال وما زال فالاولى للدعاء في الاغلب كقول الشاعر الا يا اسلمي يا دار مي على البلا ولا زال منهلا بجرعائك القطر فالامثل ان لازال للدعاء دوات غم غمغمات مفاجئه في اطراف غرفه الاخبار وعاد الاطمئنان لمنتجي نشره وتدخل رئيس التحرير قائلا وشفتاه تنفرجان عن اسنانه الطفوليه يا محمد خوفتنا وكلامك صح غيروها الى ما زال ونظر القروي نظره استفسار لزميله المدقق الجالس بجانبه فنزع نظاراته الكثيفه ومال عليه هم كانوا متوترين فظنوا انك تنبه على صياغه خاطئه في الخبر تعطي معنى مغايرا لما ارادوه وتذكر القروي ان لا ناقه له ولا جمل في التدقيق وبدل ان يجلس ليواصل الكتابه رن هاتفه وكانت امه على الطرف الاخر لا اسمعك جيدا وصعد السلم الى الكافيتيريا بحثا عن جو اهدا فاصبح الصوت اوضح ابوك اشتد مرضه كيف ما باله وكان يحلم بان يراك تتزوج من احدى بنات عمه ممن ترفع الراس يكون اهلها خؤوله لابنائك لكنك وشعر بدوار في راسه وتسارع في نبضات قلبه وتماسك طيب ماذا افعل وانقطع الاتصال وجلس على احد الكراسي مسرحا نظاره من النافذه المطله على الشارع فراى طوابير السيارات ابديه يه لا نهايه لها ولمح عمالا اسيويين يتراكضون لادراك باص يتوقف غير بعيد منهم ثم لمح طرف القمر يطل من ناحيه الكورنيش هزيلا حزينا ملبدا بغيمه تائهه شعر بعبثيه كل ما هو فيه وتحولت المذيعه المطله من الشاشه المغروزه في طرف الكافيتيريا الى طفله عابثه في عينيه فما قيمه هذا العالم الكاذب الذي نتراكض فيه كالمجانين لم يعرف هل يكلم والده الان ام يكلم امه لتوصل اليه رساله فالعادات تمنعه من فتح قصه الزواج مع ابيه ولا يدري كيف خطر له ان يكلم حصه ليخبرها الخبر ويسمع رايها فامسك هاتفه واتصل ايوه كيف الحال لا تكلمني مره ثانيه ايش ما تكلمني مره ثانيه لو سمحت مفهوم وسمع صوت وقوع هاتفه على الرخام الابيض بين رجليه وتخيل نفسه وقد عاد الى موريتانيا جاء ليلا الى مضارب قبيلته حيث تكفي اشاره منه لنيل ود اجمل فتاه انجبتها القبيله فهو الفتى المتعلم ابن الحسب والنسب وليس في قبيلته فتاه متعلمه او جاهله الا وتتمناه لكنه عندما تخيل نفسه مع فتاه غيرها وجد قلبه لا يطاوعه هي فقط التي يريد بابتسامتها الحائره وجنونها الابدي وقصصها واحابيلها وهاتفها القديم ووسواسها الالكتروني لا يتخيل نفسه مع فتاه غيرها لا يتخيل الحياه مع اي فتاه اخرى الا حياه مواهته لا روح فيها حياه لا حركيه للزمن فيها ما الذي اغضبها ماذا فعل حتى يغضبها وتطلب منه قطع حبل الود ابدا مشى خطوات الى البائعه الفلبينيه وطلب قنينه من الماء وعاد وجلس وسط القاعه ما الذي اغضب تلك الحمقاء يا ترى وبدا محاسبه نفسه ما الذي دفع بي الى كل هذا ثم فكر في غباء احد اصدقائه حين قال له يوما لا سعاده الا لعاشق ثم تذكر غباءه هو وكيف عمق له الفكره بان العاشق لا تراه الا ضاحك السن مشرق الوجه كانما الدنيا بين يديه ثم خطر له ان اتعس الناس هم العشاق وذلك لانهم يظنون السعاده في قرب المحبوب ويغفلون عن ان مجرد وجود المحبوب بدايه العذاب لان مفتاح سعاده الانسان حينها يصبح بيد شخص اخر يغلق قلبك وقت ما شاء ويفتح لك ابواب السرور متى شاء ودخل احد الصحفيين ورمى التحيه كيفك يا محمد بخير وعاد الى الاسئله الحارقه كيف رمى فجاه في غفله من عقله بمفاتيح قلبه الى تلك الفتاه لتعبث به كيف شاءت تفتح له ابواب السعاده فتنفرج اسارير وجهه وتطيب عشرته للناس وما ان تقرر اغلاق قلبه حتى تتحول الحياه في عينيه موكبا عبثيا لا معنى له عمال يتراكضون الى باص وطابور من السيارات لا ينتهي وقمر كئيب واشباح بشريه تتقافز على شاشه مثبته في طرف حجره بارده قام من فوق مقعده فسمع اشعارا برساله نصيه في هاتفه لمحها فوجدها من حصه لم تزد على سطر كذبت علي رحت زوج زينب بنت الامين وشعر بكيانه يهتز كيف عرفت تلك الشيطانه هذا الاسم ومن اخبرها به وفي غمره المفاجاه راح يستعرض احتمالات وصول الاسم لتلك الشيطانه ثم تذكر كيف امسكت هاتفه للحظه وتذكر قولها له مره انها تستطيع الدخول الى اي هاتف انشاءات وتراءت له ضحكتها المستفزه قائله النفاثات في العقد وتخيل روحه عاريه امامها تقرا خلجات قلبه كلها متامله كل صوره في الماضي والحاضر وكل حالاته نائما ومستيقظا وتذكر وجه زينب بنت الامين وضحكتها الدائمه وبراءتها وكونها لا تكاد تتهج الحروف فكيف بالسطو على اخص الخصوصيات وانتابه شعور بالعجز شعور طائر في قفص او سجين هارب كبل فجاه باغلاله من جديد تراخ على كرسيه وشبك ساعديه ووضعهما على الطاوله ورمى راسه بينهما ثم جاءه صوت مازن هلا محمد كيفك ورفع وجهه بين ذراعيه بتثاقل محاولا مداراه اكوام الهموم التي يحمل فوق كتفيه بخير وغمزه مازن بطرف سيجاره ممازحا مالك يا اخي احدثك لاحقا ومشى بتثقل كانه يقتلع رجليه من الارض اقتلاعا ونظرات مازن المتسائله تشيعه حتى توارى وراء باب الكافيتيريا نزل من السلم وهو يطرد من ذهنه عباره قراها قديما لنيتش واستيقظت من ذاكرته فجاه اذا كان قلب الرجل مكمنا للقسوه فقلب المراه مكمن للشر البصره عام 200 للهجره مر يومان كاملان على الجاحظ لم يترك خلالهما بيته حتى الى المسجد سقطت كل هموم الدنيا على هامته ومما زاد في همه ان عليه لم تستطع التخفيف عنه بل زادت همهوما نزل عن سريره واخذ كتابا عن الخيل عند العرب وعاد الى السرير ليقراه استلقى على قفاه واضعا الكتاب الجلدي على صدره وبدا يقرا قرا صفحات ثم لاحظ انه لم يفهم كلمه كان موضوع الكتاب عن السفر الى بغداد داد وجاريته عليه وتاريخ الصراع بين المامون واخيه الامين الذي قتل قبل سنين وحقيقه ابن الزيات وضع الكتاب منزعجا مفكرا في خداع عقولنا حتى مع الكتب فهل الكتب لا تعطينا الا ما في ادهاننا اصلا والا كيف قرا صفحات لا يذكر منها الا انه سيدخل بغداد وينادى باسمه عند باب اثرى اثرياء بغداد ابن الزياد مع ان الصفحات تتحدث عن الخيل جلس منزلا رجله من فوق السرير متسائلا هل يعني هذا انني لا اجد في الكتب الا ما كان مطمورا في ذهني قبل قراءتها فلا اجد فيها الا ما اريد ان اجده فيها وهل هذا علاقه بقول حكيم اليونان ان العلم ما هو الا تذكر والجهل ليس الا نسيانا فحتى حتى هذه الكتب التي افنيت العمر في جمعها ومعاشرتها لا تعطيني ماهيتها فلا تمنحني الا ما كان مطمورا في دهاليز نفسي قام من فوق سريره ملقيا نظره علىيه التي بدت قمرا وهي ما بين اليقضه والنوم نظر اليها وهو يفكر هل في العراق جاريه احسن منها لكن ذهنه ذهب الى الرساله التي اتته امس وغيرت عالمه اذ كان جالسا وسط حلقه المسجد يناظر بعض اصحابه في الفلسفه كان هو يدافع عن الادله على وجود الله وامكان النبوءه وكان احد اصدقائه يحشد الادله على استحاله النبوءه عقلا فدخل عليهم فجاه جندي وقف الجندي قرب الساريه في ملابسه السوداء وعمامته المقببه وذراعاه المفتولتان تغطيهما جلود واق انسحبت الانفاس انتظارا لما يقوله قال الجندي الذي يبدو عليه الارهاق اين ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ما انى الجندي كلمته حتى التفت الناس بعضهم الى بعض خوفا من ان تكون في الامر وشايه عند سلطان اعاد الجندي سؤاله بحزم مغيرا صيغته ايكم الجاحظ فالتفت الجالسون هذه المره الى الجاحظ دون ان ينبسوا ببنت شفه اما الجاحظ فمرت بذهنه الاف الاحتمالات في ثوان فكر في ان الجندي ربما يدعوه لمنادمه السلطان بعد ان سمع او قرا احد كتبه او لعله جاء بعد ان وشى به احد طلاب الحديث متهما اياه بالاستخفاف بالحديث والمبالغه في مكانه العقل وسط تلك الاحتمالات والاخيله سمع صرخات بشار بن برد حسا حسا رفع يده قائلا انا الجاحظ ثم تقلصت شفتاه رعبا فلا يدري هل عرف بنفسه عن شجاعه او خوف فكثيرا ما اولت تصرفات نابعه من الشجاعه على انها جبن واخرى نابعه من الخوف على انها شجاعه فعندما يقفز الانسان من عل ليقتل نفسه الم يملك قدرا من الشجاعه مكنه من القيام بتلك الخطوه المهوله ومع ذلك اليس الجبن عن مواجهه اعباء الحياه الدافع وراء تلك الخطوه الرهيبه ضج خياله بتلك الاسئله حتى في هذه اللحظه فذهنه لا يتوقف عن المقارنات اثناء ذلك تقدم الجندي وناوله كتابا تناول الكتاب محتارا ايفتحه هنا بين رفاقه ام ينتظر حتى يخرج فلعل ما يستحق الكتبان فالتفت الى جلاسائه فراى الوجوه واجمه والشفاه قد تقلصت وبعض العيون تغضي الى الارض مخافه الشماته واخرى فيها بريق وتلهف واسئله محبوسه تكاد تفر من عقال شفاهها اما الجندي فلم ينتظر وولى ماشيا خارجا من باب المسجد التفت احد الجلساء اليه قائلا مدام دام الرسول قد ولى فالامر امر خير ابتسم الجاحظ وهو يرفع يسراه الى وجهه خلصه ليمسح حبيبات عرق تجمعا على جبهته متمنيا الا يكون جلساؤه لاحظوا وجودها ثم التفت اليهم متصنعا الابتسامه ملمحا الى اخر فكره كان خصمه يدافع عنها فقال وما الفرق عند الحكماء بين رسول البشر وندير الاسر فاحوال هذا العالم قائمه على الوهم سارت ضحكه متفاوته مفعمه بالتوتر والانتظار امسك الجاحظ الكتاب بيسراه وبدا يحل الخيط الجلدي الذي يطوقه بيمناه لكن اضطراب ابهامه كان كاشفا عن من تابه بوضوح كانت الرساله من بغداد تطالبه بالحضور حالا بغداد ما بين 200 و28 للهجره كان خان الورد في بغداد ضاجا بحركه الزبائن من مقيمين ومغادرين في ساعات الصباح الاولى فوقوعه قرب باب الطاق يجعله الخانه المفضله للتجار والمتصوفه والمتسولين الذين لا يخلو منهم مدخله خرج الجاحظ من غرفته بعد ان اغتسل وتطيب فسمع تاجرا اجش الصوت يصيح بغلمانه الصباح رباح اسرعوا مر على مشرف الخان ودس دراهم في يديه ثم خرج الى الشارع اخترقت سمعه اصوات مختلطه حناجر الباعه المنادين على بضائعهم ومماسكه بين مشت ر وبائع وضحكات جوار جالسات قرب عتبه دكان تجاوز الجواري مفكرا في غرابه اصوات المدن الكبيره التي لم يالفها المرء متسائلا هل كان يسمع نفس الاصوات في البصره لكن الالفه حالت دون ملاحظتها ام ان المدن التي لا نعرفها تتلقانا بتجهم وتوجس نظر الى الورقه التي بيده مراجعا عنوان المكان الذي يقصده ارجع الورقه الى جيبه وهو يستنشق رائحه قويه يختلط فيها عبير العطور بنكهه البهارات والسمك المجفف سمع صوتا اتيا من اعلى يقول هو والله نذير الشؤم رفع بصره فراى سيده بخمار اسود تتحدث الى جارتها من شرفه منزلها وبيدها قطه شائهه الخلق شعر بانزعاج وتطير وهو يفكر في ان اول كلمه يسمعها في طريقه الى منزل ابن الزيات هي كلمه نذير الشؤ لكنه لم يلبث راجع نفسه الا ضار ولا نافع الا الله ثم عاتب نفسه اذا كان اهل العدل والتوحيد يتطيرون فماذا تركنا للعامه والدهماء طرد التطير من ذهنه متذكرا صوره عليه واقفه تودعه حائره بين البكاء والوداع متارجحه بين عالمين صورتها وهي واقفه امام منزله ملوحه بيدها تكاد تختنق بعبرتها غير ان ما جعلها لا تغيب عن ذهنه ليس شوقه اليها فحسب بل ذلك السر الغامض الذي تخفيه وذلك الخوف الذي يستبد به كلما فكر في ذلك الامر الذي تخفيه لم تحكي له القصه كامله فلو حكتها له لاستراح اعطته انصاف حقائق وانصاف جمل وانصاف خلاصات وانصاف الحقائق اخطر من غياب الحقائق بالكليه كما ان الغياب الكامل للحديث اكثر افهاما وافصاحا من الحديث المتقطع الملتوي فهم منها قبل سفره حزنا وخوفا عليه وعليها وعندما الح سمع منها كلمات مات بغداد كنت جاريه ولا استطيع وهو الموت تذكر ما قاله لصديقه النظام من ان الادب واحكام الصنعه الذي عندها لا يكون الا لجاريه خليفه او اخذ من حاشيه الخليفه كانت هذه الافكار تتقافز في ذهنه وهو يقف امام الحارس قائلا قل له عمرو بن بحر بالباب بعد قليل عاد الحارس ليقوده ده الى غرفه واسعه مؤثثه بفرش الصوف احسن ما يكون الاثاث جلس متاملا الغرفه وهو يقارن بين هذا الاثاث واثاث بيت امير البصره ملاحظا تواضع مجلس الامير مقارنه بهذه الغرفه رفع نظره متاملا السقف المزين بالفسيفساء الدقيقه التي تميل الوانها وزركشاتها الى الاخضر والذهبي ثم ردده في زواياها فراى فهودا ذهبيه كان الحياه تدب فيها وعلى مقربه منها طاوله دائريه قصيره القوائم عليها كتب وقراطيس واقلام ثم سمع صوتا قادما في الرده دخل ابن الزيات مرتديا ملابسه متشحا سيفه وهو يقول بضحكه واسعه اخيرا رايناك وقف الجاحظ مرتبكا حتى كاد يعثر وهو يقول شرفكم الله تعانق ثم اشار ابن الزيات الى ركن الزاويه تفضل تفضل كان قلب الجاحظ ممزقا بين السعاده والخشيه وبين الطمع في السلامه والطمع في المغنم كان ينظر الى الابتسامه الواسعه على محي الزيات فيرجح انه ما اتى به الا ليقتبس من علمه وادبه لكنه ما يلبث ان يراجع نفسه متذكرا انصاف الجمل التي قالتها له عليه وهي ترتعد انتشله ابن الزيات من تلك الافكار قائلا والله ان كتبك اشهى من الراح بايدي الملاح يا ابا عثمان شكر الله لكم قالها وشعور بالامان يجتاحه بتدرج طاردا عنه صوره عليه دخل غلامان يحملان صينيه كبيره عليها اوان مختلفه مغطاه بقماش من الحرير وضعاها ثم انصرفها دخل غلام اخر وازاح الغطاء فبهرت مائده ملونه لا تكاد تخلو من صنف من اصناف الطعام بذل الجاحظ جهده حتى لا ينشغل بالنظر الى خوان الطعام عن النظر في عيني جليسه بادره ابن زيه قائلا تفضل يا ابا عثمان ثم قل لي كيف انت وكيف حال البصره وكيف رايت بغداد اقترب رب الجاحظ من الخوان وقد اطمان به المجلس فابتسم نصف ابتسامه وهو يقول والله يا ابا جعفر ان البصره بخير وانها لاحسن مدن الدنيا وما الذي يجعلها احسن مدن الدنيا ان البصره عالم صغير ينطوي في تلافيفه العالم الاكبر ففي اي مدن هذا العالم تجد النسطوريه والمعنويه والعاميه والشيعيه والصوفيه والاعرابي فالخراسانيه والبنويه والزنجيه في صعيد واحد الا في البصره صحيح قالها ابن الزيات ولم يزد عليها وكانه يحث الجاحظ على مواصله حديثه فانت اذا سرت في شارع واحد من شوارع البصره سترى عابد البدده الهندي وماسح الصليب النصراني ومؤذن المسلمين والمجوسي والماناوي ولا احسب مدينه من مدن العالم غير البصره تحوي ذلك كله مد ابن الزيات يده لقطعه من البطيخ ثم قطعها باناقه وناولها للجاظ وهو يقول لكن بغداد تكاد تساويها في ذلك ولولا الفتنه التي خربتها خلال الاعوام الماضيه لكانت انفت عليها ان للبصره ما ليس لغيرها من المدن فالسعر فيها ارخص فهو على النصف من سعر بلاد الشام وغيرها فلو اردت مثلا ان تبني دارا في الكوفه او بغداد او الشام لكلفك بناؤها 100000 درهم فقال ابن الزيات سمعت ذلك اما لو ابتنيتها في البصره فلن تكلفك الا نصف ذلك وما سبب ذلك يا ابا عثمان لان الدار انما تبنى بالاجر والطين والجص واجداع الاشجار والحديد والخشب والصناع وكل هذا بسعر النصف بالبصره لكثره سكانها مع وفره الدرهم والدينار صحيح ثم ان خراج البصره وحدها يساوي اضعاف خراج مدن العراق مجتمعه فعدد السفن التي تدخل البصره ولا تبيت بها في اليوم الواحد الفا سفينه ومع ذلك يفاخركم الكوفيون ا ثم ان للبصره ميزه اخرى يا ابا محمد وانت ادرى وما هي هذه الميزه ان خراج البصره من اكثر الخراج فخراج العراق كله 100000 الف ال الف و1000 الف الف وخراج البصره وحدها من ذلك هو 60 الف الف رفع ابن الزيات راسه مبتسما وقال وكانه يتنه اه اراك اشتقت الى البصره وانت ما تركتها الا امسي ضحك الجاحظ ثم عدل جلسته فبادره ابن زيات قائلا هل تدري لماذا دعوتك يا ابا عثمان دعوتموني لكرمكم وحبكم العلم والادب لقد قرات كتابك عن حيل اللصوص وكنت اضحك طول الليل فيظن الجواري والغلمان ان بي مسا من جنون كما قرات لك نتفا متفرقه اخرى فرايت ادبا مشوبا بعقل وتخيلا ممزوجا بضرافه ما رايت مثلها عند الكتاب ولا الشعراء شعر الجاحظ كان جبلا زيح عن كاهله فمد يده لاخذ سفرجله من فوق الصينيه وقال ما ذاك الا من ادبكم وطيب منبتكم رفع اليه ابن زيات وجهه فلاحظ للمره الاولى درجه دمامته وهو يتامل راسه الدقيق ورقبته القصيره فبادره قائلا ساشترط عليك يا ابا عثمان اشترط ما بدلك يا ابا جعفر اشترط ان تحادثني كما تحادث اقرب اصدقائك اليه وانلا تستعمل الكن الا استعمال الصديق لها لك ذلك ثم قال ابن الزيات وكانه تذكر امرا نسيه دعوتك يا ابا عثمان لاقتبس من علمك وادبك فانا رجل ولدت في بيت تاجر الا ان قلبي قلب شاعر فتجاره والدي هذا لا يعنيني منها الا ما اقضي به حاجاتي واشتري به كتبي متعك الله بمباهج الحياه لقد امرت الغلمان بتجهيز مسكنك كما امرتهم بالسهر على خدمتك وسياتيك احدهم غدا لنلتقي في بيت الحكمه مال ابن الزيات جهه الباب وصفق بيديه فاقبل اربعه غلمان يتسابقون اشار لاحدهم برفع المائده وهو يقول لقد بدا امير المؤمنين المامون في احياء بيت الحكمه الذي اسسه اباؤه وقد ملاه بتراجمه لسبع لغات هي السريانيه والهنديه والعبريه واليونانيه والقبطيه والفارسيه والحبشيه شعر الجاحظ بغيره دفعته الى التساؤل وهو يحك رقبته اوهل اجرى عليهم اجورا نعم 500 دينار في الشهر للمترجم ثم استعجل حتى يعرف طبيعه ما يخبئ له الرجل لكني يا ابا جعفر لا اعرف من اللغات الا نتفا من الفارسيه قليله وهي ليست لغه علم ولم يكتب بها شيء ذو بال فهم ابن الزيات استفسار صاحبه فقال مبتسما لكني ما اتيت بك للترجمه بل لاقتبس من علمك واعينك على التفرغ للتاليف ما ان سمع الجاحظ العباره حتى شعر بسعاده غامره تجتاحه شعر برعده في ركبتيه لا تنتابه الا عند الخوف الشديد او السعاده الفائضه فهل وجد اخيرا ما كان يحلم به طيله حياته هل وجد رجلا ثريا يتولى عنه شؤون الدنيا ليتفرغ تفرغا تاما للتاليف دون حاجه الى التفكير في المعاش لكن ابن الزيات لم يمهل فقال وقد تذكر ما حدثه به المامون البارحه كيف صاحبكم سهل بن هارون وقع السؤال وقعا غير مري ريح اذ خطر ببال الجاحظ ان ابن الزيات قد يسال عنه ليش معه في المهمات التي سيكلفه بها فقال هو بخير وما زال شديد التعصب على العرب يكاد قلبه يحترق غيضا عليهم وحبا للفرس ابتسم ابن الزيات وهو يريد ان يقف لياخذ كراسه من فوق الطاوله المستديره ثم قال وهو يقلب الكراسه لقد اطلعت على رسالتي هذه في دم العرب ووالله انها لظريفه ومحشوه ادبا وظرفا لا شك انه رجل من اهل البلاغه والترسل لكن دم العرب وتتبع عوراتهم ليس من شيم الاكارم وهو مع ذلك صديق ودود ولقد كنت معه يوم كتب هذه الاوراق التي بيدك ثم روى الجاحظ كيف كانوا مع المسجديين وجرت مناظره حاميه بين من يتعصب للعرب ومن يتعصب للفرس اذ كان سهل بن هارون واو نواس يتعصبان للفرس فيما كان الجاحظ يدافع عن العرب ثم ابتسم الجاحظ وقال وبعد انقضاء المناظره في المسجد عاد سهل الى بيته وكتب هذه الوراقات في دم العرب غير ان الناس لم تلهج في ذلك اليوم الا بابيات ابي نواس في دم الشعراء العرب ووقوفهم على الاطلال ماذا قال قتله الله ما اضرفه وتربع الجاحظ وقال بصوت فخم ومخارج واضحه عاج الشقي على ربع يسائله وعجت اسائل عن خماره البلد يبكي على طلل الثاوين من اسد لدر درك قل لي من بنو اسدي ومن تيم ومن قيس ولفهما ليس الاعارب عند الله من احد لا يرق قئ الله عيني من بكى حجرا ولا شفى وجد من يصبو الى وتدي دوت ضحكه الزيات وضرب رجله طربا على الارض وقال وابو نواس مع ذلك عربي يماني نسب ولعل الظرف هو ما حمله على هذا القول فلا تهتم يا ابا عثمان فالعرب هامه الناس وموضع الغره من الفرس والقلاده من الحسناء ومقبض السيف فلا يضرهم شتم ولا يزيدهم ثناء ثم وقف الزيات كانه تذكر امرا نسيه فصفق بيديه فدخل غلام رومي شديد البياض ومال عليه فهمس في اذنه خرج الغلام مسرعا والتفت ابن الزيات الى الجاحظ وقال ابا عثمان ان الله منزلك فوالله اني بقدومك لسعيد والحديث ذو شجون ولعلي ارعك الليله ان شاء الله عاد الغلام وبيده سره اخذها ابن الزيات ووضعها بين يدي الجاحب وقال وقد تجمع الدم في وجهه هذه 5000 دينار صله لك يا ابا عثمان فتقبلها مني واتمنى ان تاتي باهلك الى بغداد فهم اهلنا تزاحم شعور السعاده والخجل والغبطه في نفس الجاحظ فقال بتلعثم احسن الله اليك وجازاك وقفا من مكانهما فيما اقترب غلام يقود بغله لياخذ الجاحظ الى مكان اقامته الجديد الدوحه عام 1439 للهجره تغير جو غرفه الاخبار وفقدت التوتر البهيج الذي كان يحس به ساريا في اطرافها فمنذ هجرته حصه اصبحت الممرات الضيقه للقناه موحشه وتحول الزملاء الذين يتراكضون فيها الى اشباح بلا وجوه ولا اسماء صاروا كتلا بشريه بلا هويات وسحنا بلا ملامح ووجوها بلا تقاسيم غدا تراكضهم الابدي لملاحقه الاخبار عبث اطفال وبات لا يستطيع فهم الطاقه التي تدفع المنتجين لمطارده الاخبار فهل في الدنيا خبر يستحق كل هذه الجديه وذاك التشمير اصبحت ساعاته موزعه بين التثاؤب على كرسيه والانشغال بهوايته في تصحيح اخطاء ترجمه جوجل ع ذلك يساعد في تحريك كتل الزمن الجاثمه على كتفيه اصبح الزمن باهتا خاليا من الحركه تثابب وهو يردد بيت العربي القديم عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر اهمل الملف الموجود على سطح حاسبه بعنوان الجاحظ ولم يكتب منه حرفا منذ بدات مشكلته مع حصه فما قيمه الانشغال بالكتابه عن كاتب بصري شائه الخلقه كان يعيش قبل 1200 عام تحاشى الذهاب للكافيتيريا رغم تفكيره الدائم فيها وصار يكلف صديقه مازنا باعطائه المعلومات كامله عن جوها فما ينزل مازن حتى يتلقاه عند نهايه السلم الخشبي كانه طفل كبير هل رايتها جالسه هناك مع من تتحدث هل صاحبتها المدينه معها هل سلمت عليك ينصط انساط الرهبان لاجو مازن وينتهز صديقه الفرصه لاصطناع بعض القصص المزعجه ثم ينفجر ضاحكا امزح معك يا اخي انت تصدق كل شيء ويرد القروي يده الى جبهته الغماء ليلمسها قائلا بارتباك بدون مزح الله يخليك يرفع مازن عينيه الى سقف غرفه الاخبار ثم يعيدهما لوجه صديقه متاملا شفتيه الغليظتين يا اخي عندي فكره ما ادراك انها تتمنى لقياك كما تتمنى لقياها لماذا لا تذهب وتكلمها هي الان في الكافيتيريا اخشى من غوائل العادات الخليجيه فلو كان المجتمع معافا في وعيه حسن الظن بالناس لفعلت فالعلاقات بين الجنسين ليست طبيعيه هنا واخشى ان تنزعج فتشكو مني لا ما اظن هي تحبك في النهايه تذكر القروي قصه سمعها من احد ابناء قريته ممن عمل في سلك الشرطه باحدى دول الخليج قبل 20 سنه كان يحرس مفوضيه للشرطه وفي الصباح دخل الضابط المسؤول ليجد منشورات معارضه للسلطه عند مدخل المفوضيه فغضب وطلب احضار الحرس المناوب فجاءه الشاب الموريتاني في صاحبه لقد اصبحت المفوضيه غارقه بالمنشورات هل كنت نائما؟ فرد الشاب بكل بروده لا كنت مستيقظا ورايت من يوزعها كيف؟ لكنها كانت امراه وضعتها امام عيني ولم احرك ساكنا ولما خفت ان امسكتها وتعرضت لها ان تسفروني غدا وتضع على جوازي ختما يقول طرد من البلاد بتهمه المغازله افاق من تذكر القصه وهو يقول لمازن اخشى ان تحملها الغير غيره على تصرف ما فمال عليه مازن قائلا بنبره غنائيه فالعذاره قلوبهن هواء كما قال شوقي هي تحبك في النهايه اذهب وكلمها واستاذن منك فعندي نشره بعد قليل مشى مازن الى قسم المقابلات فيما ظل القروي واقفا عند مدخل غرفه الاخبار حائرا معلقا بين الخوف والرجاء بين العوده الى كرسيه وبين بين تسلق السلم المؤدي الى الكافيتيريا حيث تجلس معشوقته نظر الى السلم الخشبي المؤدي الى الكافيتيريا كانه دهليز سحري يقود الى الفراديس ثم فكر في تقلب مزاجها وصعوبه التنبؤ بتصرفاتها في اوقات الرخاء والرضا فكيف باوقات الغضب وبين السنه لهيب الغيره وما ان بدا يتذكر مزاجها المتقلب حتى ازداد تعلقا بها وشوقا لرؤيتها كانه يتذكر المحاسن التي تجذبه اليها وحس باندفاع شديد للحديث معها وباستهتار بكل الحواجز والعوائد والعواقب ووجد نفسه يضع رجله على السلم ليسمه الى مدخل الكافيتيريا فترات له جالسه في طرفها وهاتف نوكيا الازرق القديم على الطاوله امامها كانت وحيده ونظرت اليه كانها كانت على موعد معه دون ان تتكلم ودون ان يفكر مشى اليها لم ترفع بصرها عن هاتفها كيفك؟ الحمد لله جلس على الكرسي المقابل كانه يمسك بحافه جبل شاهق متارجحا بين الهاويه والوصول للقمه ورفعت بصرها فقال كل ما اريده منك ان تتركيني اشرح لك قصه تلك الفتاه زينب بنت الامين ورفعت اليه بصرها دون ان تنبس وامتلا خيالها بصوره تلك الفتاه ذات الابتسامه الاسره والملابس الملونه والحناء القانيه وقرا في عينيها الما وصبابه واذنا بالحديث فانطلق يتحدث بكل حواسه كانه محام بارع يدافع عن اعدل قضيه في الدنيا وازدحمت الكافيتيريا بالداخلين والخارجين لكنه كان غائبا عن ذلك الزحام تماما يتحدث كانه يخطب في الدنيا والدنيا كلها منصطه لحديثه وما الباقي من الدنيا اذا كان الحبيب يستمع اليك بكل حواسه واسترخت حصه في مقعدها وارتخت يدها عن الهاتف واصبحت اكثر قدره على النظر في عينيه ولم يمر وقت طويل حتى كانا يضحكان ويتحدثان وخطر له ان شيء يشبه معارك الاطفال كمعارك المحبين تبلغ ذروه البطش والعنف لاتفه الاسباب وتنحل وتختفي لاتفهها كذلك. دخل مازن من باب الكافيتيريا فراى صاحبه مندمجا في الحديث وفتاته ترقبه بكل حواسها بابتسامه عريضه. اخذ قهوه وعاد من باب الكافيتيريا وهو يلعب بطرف سيجاره قائلا في نفسه ان اغبى شخص ما يهتم بمعارك المتحابين. بغداد كانت شخوص الداخلين والخارجين تنعكس على صفحه البركه المائيه المستطيله وسط بيت الحكمه فالممرات الاربعه المحيطه بالبركه لا تخلو من العلماء والكتاب الغادين والرائحين على اطراف البركه تنتصب شجيرات البرتقال المصفوفه بعنايه مما يجعل رائحته الطريه الممتزجه بالريحان والغبار تتلقى الداخل. في كل زاويه من زوايا البركه يجلس اربعه رجال بايديهم كتب واقلام وقراطيس. كان احدهم يقرا نصا بلغه غريبه وبصوت عال فيما يندفع الاخر في كتابه ذلك النص باللغه العربيه. اما الاخران فيراجعان ما يكتبه الثاني. اثناء ذلك ينتقل غلام سندي وبيده جام الفخار يصب منه ماء الورد المثلج لكل حلقه من تلك الحلقات. كان معظم الداخلين الى الدار يتجهون الى ديوان امين بيت الحكمه الذي عينه المامون قبل ايام. اما ديوانه يقف شيخ ادرد يراوح بين الحديث باليونانيه والسريانيه والعربيه بزهو فيما يتجاوزه الجاحظ مشمرا جبته. مشغولا بترتيب عمامته كان الجاحظ عاده لا يتجاوز اول حجره عن يمين الداخل حيث تقع مكتبه ضخمه تحتوي الاف الكتب فقد ظل طوال الاشهر السته الماضيه يقضي فيها سحابه نهاره غير ان تعيين المامون لصديقه سهل بن هارون غير برنامج هذا اليوم فقد عين المامون سهلا امينا لمكتبه اتت من جزيره قبرص دخل الجاحظ فتر تراءى له سهل جالسا على كرسي في حجره واسعه تحيط به الكتب من كل جانب كما يجلس اربعه رجال عن يمينه واربعه عن يساره منكبين على كتبهم ودفاترهم بدا سهل في قلنسوته الحمراء المحدده الراس وعمامته الملفوفه فوقها ودراعته البيضاء شاخصا مختلفا في عين الجاحظ اذ كان اخر مره راه فيها في دكانه بالبصره بين غلمانه وسط ضوضاء سوق الوراقين السلام عليكم ورحمه الله وقف سهل من مكانه فاتحا ذراعيه وعليكم السلام حي الله ابا عثمان تعانقاه غير ان رائحه غبار الكتب حبست انفاس الجاحظ فالحت عليه كحه حاول مداراتها قائلا بنفس متقطع بارك الله لك في القرب من امير المؤمنين يا اهلا وسهلا وبارك لك في القرب من ابن الزيات تساءل في نفسه هل يقصد سهل التعالي عليه بتلك المقارنه ام هي مجرد تهنئه لكن سهلا قطع عليه فكره يا غلام تعال بماء الورد والفواكه وما تيسر نظر الجاحظ بطرف عينه جهه الباب حيث يقف الغلام ثم قال بسخريه اما الان فيمكنك ان تضيف الناس بكرا كرم الاعراب لان المال ليس من خزائنك بل من خزائن قوم اخرين لا شيء الذفاق على الناس من جيب غير جيبك هذا هو سر كرم الامراء دخل الغلام ووضع صينيه مملوءه فواكه يتوسطها جام مملوء بماء الورد المثلج مد سهل يده المغبره الى كاس من ماء الورد ورشف منه صفيرا ثم قال كيف مقام ك مع ابن الزيات يا ابا عثمان والله لنعم المقام هل انساك ايام حي العلافين ومجاوره حميد البغال ومصاقبه الدهماء اعوذ بالله لا اعادها الله من ايام ضحك سهل لكن الجاحظ لم يمهله وهو يغضن خده ويغمز وهلا انصدك مجالسه امير المؤمنين درب الوراقين واستلاف الخبز من الفران الذي قرب بيتك لا والله فما فيه انا وانت الان ما هو الا نتيجه لتلك الايام وذلك الجوع والصبر فلولا اختفاء الحبه في بطن الارض ما كان الثمر ولولا غوص الغواص في لجج البحار ما عاد بالدرر لاحظ الجاحظ ان بعض مساعدي سهل توقفوا عن اعمالهم وانشغلوا بالاستماع لحديثه مع صديقه فقال بنبره اعتذاريه كاني شغلتكم عما كنتم فيه لا عليك فهذه الحجرات الثلاث بها مئات الكتب التي جاء بها امير المؤمنين من قبرص فقد اشترط على حاكمها الا يقبل منه صلحا الا اذا ارسل اليه ما في بلاده من كتب وهؤلاء الرجال يقومون بتصنيفها وفهرستها لكنها بلغه الروم فقال سهل وهو يشير بيده نحو الباب وجبينه يتفصد عرقا فيما تظهر حبيبات غبار على اهداب عينيه بعد انتهاء تصنيفها وفهرستها سنحولها الى اولئك الحمقى ليترجموها سمعت انكم تجرون على المترجم 500 دينار هذا للمترجم الشادي اما المترجم المتمكن فقد يصل 1000 دينار لقد اطلعت على ترجمه كتاب المجسطي لبطليموس فرايت عيا وتهاويم وتخاليط مع صعوبه في العباره عبارات تلك ترجمه الحجاج بن مطر ومع ذلك ها هو في تلك الحجره يمشي كانه طاوس ابتسم الجاحظ ممرا عمامته لمسح العرق عن وجهه وقال اطلعني ابن الزيات على وراقات من كتاب الصوت الذي يترجمه له حنين بن اسحاق ولم تعجبني الترجمه ايضا وقف سهل من فوق كرسيه ملتفتا الى مساعديه وقال واصلوا النسخ والتصنيف وانا ساخرج قليلا قاما من مكانهما والتفت الجاحظ فلمح قطعه جلديه فيها كتابه عربيه عرف من نمط الخط انها قديمه مد اليها يده ما هذه يا ابا هارون ذلك خط عبد المطلب بن هشام جد النبي رفع الجاحظ الجلد برفق كما يرفع الطفل الوليد ثم بدا يقرا بصوت هامس هذا حق عبد المطلب بن هشام من اهل مكه على لبيد الحميري من اهل صنعاء عليه درهم فضه كيلا بالحديده ومتى دعاه بها اجابه شهد الله والملكان ثم رفع بصره وقال كانه خط النساء كان سهل قد وصل الى باب الحجره فوضع الجاحظ الجلد برفق وتبيعه الى الباب فقال سهل وهو يعدل وضع عمامته لقد قد نهب الكثير من الكتب والخزائن ايام انفراد المخلوع بن زبيده بحكم بغداد لذلك قرر امير المؤمنين حفظ كل الكتب النادره في خزانه حتى لا تضيع مشيا على حافه البركه المائيه فترات لهما على الطرف الاخر جماعه من التراجمه فيهم حنين بن اسحاق والحجاج بن مطر وقف سهل في الزاويه وقال لصديقه بصوت هامس لقد قد سمعت امير المؤمنين يذكرك فلقد قرا بعض رسائلك واعجبه ما فيها فلعله يطلبك لتاديب ولده او لتكون نديمه فوجئ بالخبر لكنه بدل جهده حتى لا يظهر درجه المفاجاه امام صاحبه فما دام صاحبه قد نال حظوه عند المامون فمن الطبيعي ان ينال هو ذات الحضوه لكن سهلا بادره قبل ان يتكلم قد تصبح ابا عثمان من خاصه امير المؤمنين ما ان نطق سهل العباره حتى شخصت صور كثيره متناقضه في ذهن الجاحظ راى سياطا حاميه تقع على ظهر بشار بن برد كما راى رؤوس البرامكه تتطاير بسيف هارون الرشيد لاحظ سهل ارتباك صاحبه فبادره قائلا ما بك يا ابا عثمان رد الجاحظ وهو يشعر برعده في ركبتيه لا يدري اهي من سعاده ام من خوف؟ لا شيء لقد فاجاتني بخبر امير المؤمنين وبعد نطقه لكلمه المفاجاه تنبه لتناقض المشاعر التي اراد الايحاء بها لصاحبه فبادره ليصرف ذهنه عن التفكير انا خادم امير المؤمنين وخاتم في يده هو يامر وانا اطيع انتبه سهل الى ارتباك صديقه ففكر في انه ربما خطر له الا يذهب الى المامون الا عن طريق ولي نعمته ابن الزيات والا فان ابن الزيات قد يغضب منه فمع ان ابن الزيات لا يتولى منصبا الا ان علاقه والده التاجر الثري بالمامون تسمح له بان يقترح عليه ما شاء فجاه خيم الصمت وظل واقفين هنيهات دون كلام وانقطع الصمت حين جاء احد مساعدي سهل يركض على طرف البركه وهو يقول سيدي لقد انهينا القائمه الف فهل نبدا في القائمه باء اشار سهل بالموافقه دون ان يتحدث ثم التفت الى الجاحظ وقال لعلي ازورك الليله في بيتك ان شاء الله لنكمل الحديث مشى سهل على حافه البركه عائدا الى ديوانه وسار الجاحظ في الاتجاه الاخر متجها الى المكتبه اقترب ثلاثتهم من مدخل بغداد وقت الغروب بدت المدينه المدوره في عيني علي اشبه بسجن ضخم وهي تدخل من احد ابوابها الواسعه يحث نفيسون البغل الذي تركبه استعجالا لدخول بغداد التي تمثل في ذهنه شيئا اشبه بالسحر حرك راسه افقيا هذه هي بغداد لم تجبه عليه فقد كانت ممزقه القلب ملتاعه الفؤاد خوفا لكن الرجل الاخر ابن اخت الجاحظ الذي يقود البغل التفت اليه قائلا نعم وصلنا وهذه هي بغداد القت عليه نظره على الحراس الواقفين عند مدخل باب بغداد فتلقتها رائحه السوق المختلطه واصوات الناس خارجين من السوق واذان المغرب يتردد في افاق مدينه عرفتها جيدا وانكرتها كانت عيناها الواسعتان تتاملان كل زاويه وقلبها الحي يرقص بين اضلاعها كجنين حانت ولادته عبرت من فوق الجسر فتذكرت المواكب التي كانت تسير وراءها اذا ركبت والحراس الذين كانوا يمشون خلفها مخطعين رؤوسهم كما شخصت صورته في ذهنها تذكرت اخر مره دخل عليها في تلك الغرفه فجرا قبل سنوات وخاتمه الذي يلمع في يده وكلمته لا تخافي كانت عليه جالسه وهي تستعيد في اندهاش لحظه دخولها البارحه بغداد فيما خرج الجاحظ من غرفه كتبه فلمحها غارقه في افكارها القان نظره على الحديقه الخضراء الباديه من نافذه منزله ثم التفت اليها وهو ينشف يديه بمنديل كيف وجدت بغداد وهل اعجبك المنزل يا علي لم تسمع سؤاله فما زالت غير مصدقه ان الجراه واتتها لتدخل بغداد مالك يا علي انتبهت فانتفضت وقالت لا شيء لا تبدين مشدوهه كان بك مسا من جنون لا اريد اريد ان احدثك حديثا مهما. رمى الجاحظ المنديل مقتربا منها. وقفت بسرعه مشيره اليه ان يتحدثا داخل احدى الغرف حتى لا يسمعهما الخادم نفيس او احد العمال. مشيا في الرده الواسعه وتواريا داخل احدى الغرف. ثم احكم الجاحظ اغلاق الباب وراءهما فتحولا الى شبحين في ظلام الغرفه. قالت بنبره مفعمه بالخوف والارتباك وهي تجلس على اريكا اريد ان اقص عليك القصه كامله انا كنت جاريه لامير المؤمنين المامون عندما كان وليا للعهد تربيت في قصر هارون الرشيد وكنت من الجوار اللواتي اشرف على تربيتهن وتعليمهن الغناء امهر المغنين مع توقع الجاحظ لامر شبيه بهذا الا ان انفاسه توقفت فجاه ثم قال بصوت فيه من الضعف ما فيه من الاستطلاع ثم ماذا؟ والدي ملك افرنجي اسمه جود فري في بلاد بعيده شمال الاندلس تربيت مع المامون والامين ومع الزبيده وهارون وفي سن الخامسه 15 عشق شابا اسمه محمد حامد من خدام القصر ثم طلبني المامون فتمنعت عليه ادى الجاحظ يده في عتمه الغرفه يريد شيئا يستند اليه فرارا من الحمم الحارقه التي تخرج من فم جاريته وخياله الخصب يضج بصوره والد عليه الملك ومربيها الملك وعشيقها الملك لم ينبس بل ظل فاغرا فاه منصطا ظل المامون يحاول ان اميل اليه اشهرا لكني كنت مجنونه بذلك الفتى فلما ايقن اني لا اطيعه امر بي فحبست في كنيف مليء بالقاذورات كيف حبست في الكنيف شهرا كاملا ما مسني فيه ماء ولا صابون كان كنيفا معتما لا ارى فيه النور ولا اكلم احدا بل ياتي خبز وملح مره في يوم وفي احد الايام امر باخراجي واصلاح هيئتي ثم سالني فلم اجب بل اني تجاسرت وسالته عن الفتى الذي كنت اتعشقه فاخبرني انه ارسله للجهاد في ارض الروم وقتل ثم ماذا؟ ثم ثم كان التوتر قد بلغ مداه بالجاض فركبتاه لا تكادان تستقران من الرعده ووجهه يميل يل الى السفره في جو الغرفه المعتم قال كانه يتوسل ثم ماذا لم اشعر بشيء الا ويدي على خد المامون لطلته قالتها ثم انفجرت باكيه مرتميه على الاريكه ايش دوت صرخه الجاحظ في جنبات المنزل الفسيح فاختلطت مع فحيح احتكاك الستائر التي تعبث بها الرياح القادمه من جهه حديقه بد الاثنان في تلك الغرفه المعتمه اشبه بسجينين تسلم فجاه خبر الحكم بالاعدام ساد صمت ثقيل كان يقطعه صوت بكائها المكتوم وصهيل فرس اتم من بعيد انطلق خيالهما في اتجاهين مختلفين خطرت للجاض الاف الخواطر الجاده والسخيفه والمريحه والمخيفه راى نفسه ذاهبا ليجد من يوصل الخبر الى المامون حتى يبرئ ذمته فلو فعل فلربما اكبره المامون لذلك وغفر له تملكه لجاريته ومن يدري فقد يخلع عليه او يعينه في ولايه او منصب ثم تخيل نفسه في عالم لا عليه فيه فوجد قلبه يكاد يسيل دما راى نفسه تعيسا يسير في شوارع بغداد يسال عنها العجائز الجالسات على عتبات بيوته والركبان الخارجين من بغداد وربابنه السفن الوارده من كل طريق راى نفسه يطارد الحمام الزاجله ظانا ان بين مخالبه خبرا عنها كيف يعيش دون هذه الفتاه التي جعلت قلبه يخفق في اليوم الف خفقه هذه الفتاه التي جعلت ضحكه عميقا لذيذا وطعامه سائغا مريئا وصباحاته ورديه جميله محمله بعبير الفراديس كيف يستطيع التمتع بامساك القلم والاندفاع في الكتابه اذا خلى المكان من علي وترددت الرياح في جنبات منزل لا يسمع فيه تلك النغمه ويرى فيه ذلك الوجه العتيق ثم استيقظ فجاه على نظراتها الحاده تنهشه فبدت له اضعف من ذي قبل واجمل من ذي قبل كانت جالسه لا يكاد يلامس الارض منها الا عجيزتها ذراعها تطوقان ركبتيها وشعرها منسدل على وجهها والدموع تسيل على اطراف وجهها وبين تلك الدموع نظرات فاتنه تخترق فؤاده بدت اجمل من ذي قبل ردد نظره الحائر اليها فراها طفله غريره ضعيفه متوسله وقف ليخرج لكنه لم يكن يعرف وجهته ولا ماذا يريد فهو يعرف ما يخشى ومن يخشى اكثر مما يعرف اي امر اخر عاد وجلس الى جانبها تمتمت قائله ثم ان علي ليس اسمي فهو اسم سماني به الجندي الذي بعثه المامون وباعني في سوق النخاسين انا عريب قفز الجاحظ وفتح الباب خوفا من ان يكون احد قد سمع حديثهما فما في البصره وبغداد احد الا سمع الناس يتهامسون قبل سنوات طويله بقصه عريب الجاريه تذكر الجاحظ كيف حكى له ابو نواس قصته وكيف كانوا يتندرون بالقصه زاعمين ان الجاريه لا تحب هذا القدر من الحب وان القصه مختلفه اما الان فها هو ذا واقف في غرفه معتمه معاريب جاريه المامون وسط وسط مدينه بغداد مسح العرق عن جبينه وهو يفتح الباب متذكرا حلما راه قبل فتره جلس في الرده الواسعه وهو ينادي خادمه نفيس اجابه نفيس من جهه باب الخدم فقال الي بماء بارد مع كثره الحراس الداخلين والخارجين من باب القصر فان الصنط يخيم على مكان فلعل الصوت الوحيد الذي يصل الاذان صوت حركه الباب الطويل المقوس الذي فتحه حارسان تكاد حلق الحديد تغطي كل موضع من جسديهما عن يمين الباب الذي انفتح يجلس جمع من الرجال وقد لبسوا ابهاى حللهم واعتجروا عمائمهم شاخصين بابصارهم جهه الباب خرج اليهم رجل متوسط القامه يمشي بشكل الي مباعدا بين خطواته وكانه يتعمد قرع البلاط بقوه ثم قال عمرو بن بحر الجاحظ تمامه بن اشرس سهل بن هارون ابا العتاهيه تفضلوا وتوقفوا جميعا ووقف الجاحظ وهو ينفي بطرف اصبعه القذا عن عينيه وانفه اذ كان الوحيد الذي سيدخل على الخليفه مامون اول مره كانت نوازع الخوف والرهبه والرغبه تعصف بجوانحه وكان ذهنه الحاد القادر على توليد الاف الاخيله والاحتمالات في لحظه واحده يضج بخواطر الطمع والخوف والرغبه والرهبه ويسافر في شطقان غريبه من الامل والتشاؤم تتوسطها صوره جاريته عليه دخلوا بانحناء مطرقين من الباب الواسع بينما عاد الحارسان اليا ليحكما اغلاق الباب الضخم فسمع له حركه خفيفه مختلطه بصوت قرع نعال الحراس تملكه شعور الرهبه وهو يرفع عينيه في المجلس الواسع المفروش بالصوف الملون والطنافس الخضر والتصاوير المعلقه على الجدران والنحوتات الذهبيه على شكل حيوانات مفترسه منصوبه في اطرافه على طاولات اخذ كل منهم مجلسه فيما انصرفت عين الجاحض متامله الكرسي المذهب الضخم وسط المجلس ما ان جلسوا في المجلس حتى شعروا باطمئنان فالخليفه لم يدخل مجلسه بعد التفت كل منهم متاملا صاحبه في جو المجلس المعتم قليلا اذ ان الضوء القادم من اطراف الجدران واعال سقوف يضفي على المكان جوا باهتا يشبه وقت الغروب رغم ان الوقت عصر لكز سهل للجاحد بطرف منك ومال عليه هذا يومك يا ابا عثمان لتخرج كل ما عندك لامير المؤمنين كان الجاحظ مشدوه الخاطر مشتت النفس يرن في اذنه قولها اذا فهمت انه علم بالامر صارح بكل شيء فهو حليم كان قلبه يقفز بين ضلوعه قفزا لا يعرف اهو من السعاده ام من الخوف يفكر احيانا في المواضيع التي سيناقشها مع المامون مستعضا فيها علمه وادبه واحيانا يتذكر بطش الملوك وكون الانسان كلما اقترب منهم اقترب من السعاده والشقاء وغالبا لا تاتي السعاده الا في تضعيف الشقاء قطع عليه تمامه تفكيره قائلا سمعت ان الحشوه تكاد تملك البصره يا ابا عثمان وان اتباع علي بن المديني هناك اكثر من اتباع الشيطان هل هذا صحيح مال الجاحظ ليجيبه فدوت صيحه قادمه من جهه باب داخلي امير المؤمنين عبد الله بن هارون المامون تقافز الجمع واقفين فدخل المامون ماشيا بهدوء ثم قال السلام عليكم ورحمه الله اندفع كل منهم مسلما ومقبلا يده ثم مشى خطوات وجلس على الكرسي فيما عاد كل واحد منهم الى كرسيه في طرف المجلس رفع الجاحظ عينيه متاملا المامون للمره الاولى نظر الى جبته الناصعه البياض ومن تحتها قميص اخضر وفوق ذلك عمامه سوداء بدت له لحيته المائله للحمره الخاصيه الوحيده التي ورثها من امه الفارسيه اما عيناه السوداوان الواسعتان وانفه الحاد وشفتاه فتشبه ما وصف له عن والده هارون الرشيد مسح المامون طرف انفه الحاد كانه راس سهم وحدج الجاحظ بنظره قائلا اهلا وسهلا بك يا ابا عثمان قالها المامون وهو يستغرب دمامه الجاحظ فرغم انه سمع عنها كثيرا ووصفت له غير ما مره فانه لم يتوقعها بهذه الدرجه شعر الجاحظ براحه وخفه وهو يقول بصوت فخم جميل واضح التجاويف حفظ الله امير المؤمنين وحياه وسهل له كان سهل بن هارون والجاض اقرب الجالسين الى الخليفه يسارا اما ثمامه وابو العتاهيه فجلسا على اليمين جهه تمثال الكره الارضيه المنصوب فوق الطاوله المسامته لكرسي المامون دخل غلام ووضع فواكه وحساء بين يدي كل واحد فيما تنحنح المامون قال لقد ساهرت البارحه افكر في مساله القضاء والقدر وكان معي يحيى بن اكثم فتناقشنا طويلا ولم نتفق على رايي وسلك كل منا طريقا تحرك ثمامه من فوق كرسيه وامر نظره سريعا على وجوه رفاقه ثم توجه الى المامون وقال مبتسما انا ابين لامير المؤمنين القضاء والقدر في جمله تين وازيد جمله ثالثه للضعيف ابتسم المامون مائلا من فوق كرسيه قائلا بلهجه مستطلعه ساخره ومن الضعيف ايها النميري الضعيف قاضي القضاه يحيى بن اكتم ترددت في المجلس ضحكات موزونه ومزمومه بوقار المجلس ثم وصلما ان افعال العباد يستحيل ان تخرج عن ثلاثه اوجه فهي اما ان تكون كلها من تقدير الله ولا دخل للعباد فيها فهم بذلك لا يستحقون عليها ثوابا ولا عقابا ولا مدحا ولا دما واما ان تكون الافعال منهم ومن الله فيجب المدح والذم لهما معا او تكون الافعال من العباد وحدهم وبمشيئتهم وارادتهم وحدهم فلهم المدح والثواب وعليهم الذم والعقاب نزع المامون كفه من تحت دقنه ونظر الى السقف المزركش المرتفع وقال صدقت يا ابن اشرس كان ابو العتاهيه جالسا بجانب ثمامه فرفع بصره الى المامون انا استطيع ان اقطع لك يا ثمامه وارد حجته هذه يا امير المؤمنين التفت ثمامه فاغرافه فهو الى ابي العتاهيه فجاء صوت المامون دعك في شعرك وقوفك يا ابا العتاهيه فانا اخشى عليك منه فقال ابو العتاهيه دعني اساله يا امير المؤمنين في القضاء والقدر وساقطعه لك تفضل كان ابو العتاهيه قصير القامه يجلس على كرسي مرتفع فبدت رجلاه لا تكادان تلامسان الارض كما كانت عمامته مكو تكويرا كبيرا فبدت صورته مثيره للسخريه وهو يرفع يده في الهواء سائلا تماما من حرك يدي هذه فقال تمامه بلهجه ساخره مرخيا طرف شفته السفلى حركها من امه زانيه فانتفض ابو العتاهيه وقال لقد شتمني يا امير المؤمنين فقال امامه وهو يحبس ضحكه لقد ترك مذهبه يا امير المؤمنين فلو كان يؤمن حقا بالجبر لما غضب منها فالعبد لا فعل له ولا يحرك ولا يسكن وبذلك لم اشتمه ما دام يؤمن بمذهبه سكت ابو العتاهيه ووجهه محمر فبادر المامون قائلا الم اقل لك التفت ابو العتاهيه الى تمامه وقال بابتسامه مصطنعه وصوت خاف فت اما كانت لك مندوحه عن السفه ان خير الجواب ما جمع بين الحجه والانتقام اثناء ذلك سمع قرعني عالي الحاجب قادما مباعدا بين رجليه اقترب من المامون وحدثه بحديث خافت ثم انصرف رفع المامون عينيه وقال كنا قد كلفنا سند ابن علي المنجم ببناء مرصدين احدهما في العباسيه هنا ببغداد والاخر في جبل قاسيون بدمشق وقد اخبرني هذا انهما اكتملا فجاء صوت الجميع حمدا لله يا امير المؤمنين كان الجاحظ يترقب فرصه للحديث فالمامون لم يساله وهو غير مطمئن ان يبدا الحديث دون سؤال من المامون حتى لا يخالف ما تسميه الحاشيه هنا الايين اي العادات المعمول بها في البلاط وبعد تردد قرر ان يتحدث في موضوع المراصد واهميتها لكن سهل بن هارون سبقه قائلا يا امير المؤمنين ان المراصد وعلم الفلك يدخلان في باب العباده والدين وهما لصقان بكل شيء ولعل من بركات هذه اللغه العربيه ان حروفها 28 على عدد منازل القمر شعر الجاحظ بغيض اذ ان سهل بن هارون لا يشتهر بشيء اشتاره بانتقاص العرب وميله للفرس فلمن ينافح عن العربيه الان لكن ابن هارون واصل حديثه وغايه ما تبلغ الكلمه من الكلمات العربيه في الزيادات سبعه احرف وتلك على عدد النجوم السبعه برقت عينا المامون استعدابا فوصل سهل بحماس ثمين حروف الزوائد 12 حرفا على عدد البروج الاث ومن الحروف ما يدغم مع لام التعريف وهي 14 حرفا مثل منازل القمر المستتره تحت الارض و 14 حرفا ظاهرا لا تضغم مثل بقيه المنازل الظاهره ثم ان الله تعالى جعل الاعراب في العربيه ثلاث حركات هي الرفع والنصب والخفض لان الحركات الطبيعيه ثلاث حركات حركه من الوسط كحركه النار وحركه الى الوسط كحركه الارض وحركه على الوسط كحركه الفلك كان الكل ينظرون الى سهل بانساط وتامل فيما يقوله غير ان الجاحظ لم يسمع ما قاله لانشغاله بالتفكير فيما عليه ان يقوله ليبهر المامون ويثبت استحقاقه هذا المجلس وهذا المقام لكن حرصه على عدم مخالفه الايين جعله لا يتجرا على فتح موضوع بنفسه بل قرر ان ينتظر حتى يساله المامون او تعن فرصه مقنعه للحديث بدا جو المجلس يميل للبروده فقد بدات الشمس تتوارى خلف جدران هذه المدينه المدوره التي يشقها نهر دجله كما اختفت الانوار التي كانت تدخل من الفتحات العلويه في السقف فازدادت العتمه داخل المجلس وانخفضت الحراره دخل خادم واوقد قناديل جعلت المجلس اكثر اضاءه فاتضحت الوجوه اكثر وظهرت الالوان الدقيقه لفراش الصوف والزراب المرميه وسط المجلس التفت المامون الى الجاحظ وقال لقد قرات بعض كتبك يا ابا عتبان ولقد وصفت لي بالجوده قبل ان اقرا اقراها وعندما قراتها وجدت الخبر اربى على الخبر ووجدتها تستحق ثناء اكثر مما سمعت تلعتم الجاحظ على غير عادته وهو يسمع اطراء كتبه من اقوى رجل على ظهر الارض رفع عينيه وحركات اجفانه الغليظه تتسارع وقال هذا من كرم نحيزتكم وطيب ارومتكم يا امير المؤمنين ابتسم المامون وهو يتذكر فقره من اخر ما قرا للجاحد فقال غير انك يا ابا عثمان شديد على العم والملك كما تعلم انما يستقر على اكتافها والسوق انما يروج بسواعدها كان المامون يتحدث فيما انصرفت ابصار ثمامه وابي العتاهيه وسهل الى الجاحظ مترقبين رده فقال انما لقيته العامه من الله اشد يا امير المؤمنين. فالله تعالى جعل عقولها تحت عقول الانعام حين قال: ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيله. فقال المامون: وكيف ذاك؟ ان العامه سواعد وجوارح والات للخاصه فهي تبتدلها للمهن وتدبر لها الامور وتغزو بها العدو وتسد بها الثغور. فالخاصه مثل روح الانسان وعقله والعامه مثل يده وبقيه جوارحه فكما ان الجوارح لا تعرف ما تنطوي عليه النفس من فكر ورويه وتامل فكذلك الدهماء لا يفهمون شان الخاصه وتدبيرها ولذا فصلاح العالم قائم على حسن تدبير الخاصه وتمام طاعه العامه وطاعه العامه ناتجه عن حسن سياسه الخاصه انصط المامون بتامل واعجبه تشبيه الخاصه بالعقل والروح فما زاد على تشجيع الجاحظ على مواصله الحديث ايه ابا عثمان لاحظ سهل استعداب المامون لحديث الجاحظ فقال بخبثينيه لكن بعض العامه في بغداد ممن يسمون المطوعه يشغبون احيانا فهل ذلك ناتج عن نقص في التدبير انتبه الجاحظ لمحاولات صديقه الايقاع به فتدارك ومع ان تدبير العامه للخاصه كتدبير العقل للجوارح فان العامه قد يعرض لها المرض كما يحدث للجوارح فقد تصاب اليد بالفالج ويصاب اللسان بالخرس فلا يقدر العقل على توجيه الجوارح وتسديدها لخلل ذاتي في الجوارح لا في العقل المدبر وكذلك الشان في الدهماء فقد يكون الامير مدبرا حسن التدبير لكن العامه تنتقض لخلل فيها كان الجاحظ اذا تحدث تمثال عليه الافكار والتشبيهات متزاحمه في دهنه وكان يعبر عن تلك الافكار بلسان درب اخاذ وصوت فصيح ومخارج نديه تطرب وتعجب فابتسم المامون وقال ماذا لقيت العامه منك ومن ثمامه ابن اشرس ثم جاء صوت قرع نعال الحاجب مباع واعدا بين خطواته اقترب من المامون وهمس فوقف المامون وقال حان موعد صلاه المغرب نزل من فوق الكرسي فقام الجمع مودعا ومسلما فيما سمعت قعقعه الباب الواسع وقد امسك الحارسان بطرفيه اشعارا بان موعد الخروج قد حان وقف الجاحظ في طرف غرفه كتبه لا يعرف ما يفعل حائرا اي قرار سيتخذ كان يبغض لحظات الانتظار لانها حياه مؤجله معلقه بلحظه لم تتكشف قسماتها بعد اذ يخطر له ان اوقات الانتظار برزخ بين الماضي والمستقبل والحاضر فلا هي تنتمي للحاضر لان صاحبها معلق بانتظار ما سيسفر عنه المستقبل غير راض باللحظه الحاضره ولا هي جزء من المستقبل فالمنتظر يقف في الحاضر بقدمين متارجحتين ونفس مشرعبه لمستقبل لما يتكشف ما تخبئه احشائه القى نظره على مكتبته العامره بتافف فاقدا الشهيد في القراءه والكتابه فماذا تغني عنه في النهايه خطر له خاطر سيطلب لقاء المامون ويخبره بان جاريته عريب في بيته الاشتياق الى جاريه روميه اهون من بطش الخلفاء شعر براحه غامره تجتاحه فبدا في قميصه الواسع وقلنسوته اللاصقه على راسه دون عمامه مسكينا وضعيفا سمع صوت نفيس قادما في الردها حانيا راسه ينادي مولاي رسول امير المؤمنين بالباب بعد وقت قصير كان الجاحظ يدخل الى مجلس المامون في احدى حجرات احد قصوره في طرف بغداد لم يفق على الطريق الذي قطع فقد ظل طول الطريق يقدر كل شيء الوشا احد الناس به واخبر بره بوجود عريب في بيته كيف ذلك ولا احد يعرف عنها شيئا وحتى هو نفسه لم يكتشف سرها الا قبل ايام لم ينتظر على الباب كالعاده بل جاء الحاجب صاحب الخطوات الواسعه وادخله فتح عينيه متاملا اطراف المجلس فوقعت عينه على سهل بن هارون وثمامه بن اشرس وجماعه اخرى من اصحابه من المعتزله شعر بطمانينه وهو يكاد يعثر في جبته الانيقه قائلا بنفس متقطع السلام على اصحابنا ورحمه الله كان المامون في حجره صغيره متواريه غير بعيده من المجلس حيث يستمع الى اخر تقرير من واليه على بغداد ابراهيم بن اسحاق كان يجلسان وبينهما مصباح واوراق كثيره ومنذ اشهر وابراهيم يرفع التقارير محذرا من تنام نفوذ علماء الحديث في العراق كلها وفي بغداد خاصه واصبح المامون مقتنعا بانهم في طريقهم الى زعزعه دولته جاء الحاجب ماشيا بطريقته الموقعه ووقف على باب الحجره وهمس القوم في المجلس يا امير المؤمنين مشى المامون خطوه ثم دخل المجلس مسلما ضج المجلس الواسع وعلى امير المؤمنين السلام ورحمه الله جلس المامون على سجاده حمراء فوق سرير بطرف المجلس شبك بين اصابعه ومال على وساده ضخمه وقال قد علمتم ان المطوعه من نبته وحشويه يعيثون فسادا في بغداد فبعض اتباعهم يملكون السلاح ويتولون امورهم في احيائهم من قضاء وفصل بين الخصوم واخذ على ايدي اللصوص فمنذ ايام المخلوع صارت له مقوه ومنعه حتى ان الشيخ من شيوخهم الان اذا تحدث في مسجد يتحلق عليه الاف الطغام ولقد مررت قبل ايام باحد شوارع بغداد فرايت خلقا لا يحصى قيل لي انهم متحلق على احمد بن حنبل كان المامون يتحدث وذهن الجاحظ يقفز بين الاف الاحتمالات اخرها ان المامون اصطفاه من بين كثيرين ليكون من حلقه مستشاريه ثم تذكر ان هذا الاختيار وهذا القرب قد يضره اكثر اذا تكشف خبر للجاريه ثم افاق من افكاره على اصوات احتكاك الاواني الفاخره وتوزيع الحلوى والاشربه في اطراف المجل جلس رفع عينيه فراى المامون ساكتا رافعا عينيه الى السقف ثم وصل فماذا ترون؟ تنحنح تمامه بن اشرس وقال ان علماء الحشوه خطر عظيم على الخلافه فقد عمروا المساجد والاسواق ولهم سلطان على قلوب الدهماء لا يدانيه سلطان مسح المامون لحيته وقال ما سبب اقبال العامه عليهم واعراض عن هذه الجماعه من المعتزله السبب المشاكله بينهم وبين الدهماء فحديثهم قريب الماخذ يعقله كل حمال اثغر وسباك اكدر وكل فران ابخر وكل مكار بليد الطبع وكل اعرابي متقشر الجلد فلا يحتاج الى غوص على المعاني ولا الى ادامه فكر ولا رويه انما هي احاديث واوامر ونواه واقاصيص لا حدود فيها ولا تقسيم وماذا ترى يا ابن هارون لقد افتتن كثير من العامه بدعوه النصارى في بغداد فهم كما تعلم يدعون الى ديانتهم في المساجد بالمناظرات وقد استملوا عقول كثير من عوام المسلمين وسبب ذلك هو الحشوه وعلماء الدين وكيف ذلك لان النصارى اصبحوا اهل جدل وتفكير بسبب قراءتهم لكتبنا فياتون ويلبسون على العامي باسئله فيلجا العامي لاصحاب الحديث مستفتيا فلا يجيبونه بشيء لانعدام صلتهم بالمعقولات فيظن العامي ان ذلك الضعف الاتي من الحشوي ضعف في ذات الدين وما رايك يا ابا عثمان اذا اذن امير المؤمنين خذوا مثلا قصه كلام الله لقد لبس النصارى على كثير من الاعوام بكون عيسى كلمه الله كما ورد في التنزيل ثم قالوا لهم ان عيسى ما دام كلمه الله فهو كالقران الكريم فاذا كان القران كلام الله وعيسى كلمه الله فهما معا قديمان لان صفه الله قديمه وهي القران كلام الله وعيسى كذلك قديم لانه كلمه الله ثم يبنون لهم على ذلك انه ابن الله لقدمه كما ان القران قديم لانه صادر عن الله تعالى عما يقولون علوا كبيرا وماذا يمنع علماء الحشويه من تعلم الجدل حتى يناضلوا عن حججهم تنحنح الجاحظ وهو يطرد عن ذهنه فكره خطرت له وقال يمنعهم من ذلك ان ديانتهم قائمه على نبذ الجدل كله واعتبار الحجج والبراهين مضلله وطارئه على المله لذلك لا يجوز عندهم التوغل في المعقولات لانه نظر عقلي حادث ومع ذلك فقد صار لبعضهم عقل بقراءه بعض كتب هذه الجماعه انا اعلم رايهم ووقوفهم عند ظاهر الاثار ولكن ما يحيرني هو انهم لم يتفطنوا للامر قالها المامون ثم سكت فلم ينبس احد في المجلس بل ظلت الابصار شاخصه اليه اصدر طريقه وقال والله لقد حير يرني امرهم فهم يدعون الاقتداء بهدي السلف وما وجدت لهم سلفا فقد تاملت مذاهب المله الان فوجدتها ترجع الى اربعه مذاهب فالخوارج لا سند لهم ولا سلف لان مذهبهم حدث ايام علي بن ابي طالب فخطاهم وقاتلهم فهم بذلك طارئون على المله لا يوثق بدينهم واما الروافض فظهر مذهبهم بعد انقضاء الصدر الاول فلم يرد عن اي من الصحابه ان النص على امامه علي جلي واضح بل اجتهادات وتاويلات ولا ورد ذلك في كون الائمه 12 اماما وان زعموا ان سلمان الفارسي وعمار بن ياسر كانا سلفا لهم كذبهم الواقع فكلاهما كان واليا لعمر بن الخطاب اعتدل المامون في جلسته وردد بصره في اطراف المجلس ثم والمجبره القائلون بكون كل شيء بقدر الله فظهروا ايام بني اميه وفي ظل ملوك بني مروان فهو قول حادث لا سند له اما هؤلاء الحشويه الذين ملوا شوارع بغداد فلا سلف لهم البته وهم الهج الناس بكلمه السلف بل هم قوم تعلقوا باديال النصوص واهملوا العقل وذاك ما يجمعهم والقسم الرابع من اقسام المله هو هذه الجماعه المباركه فهي اصح الامه سندا واوثقها سلفا لانها تروي عن عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء عن محمد بن علي بن ابي طالب وهذا سند ظاهر جلي ومتواتر سكت المامون ثم رفع عينيه في السقف وقال ما التدبير الذي ترونه مع علماء الحشوه كان الوالي ابراهيم بن اسحاق جالسا في طرف المجلس وكانت له صله بثمامه ابن اشرس فنظر اليه بطرف عينه فقال تماما ارى يا امير المؤمنين ان تمتحن علماء الحشوه فردا فردا حتى يعلنوا خضوعهم لك فالعامه انما هم تبع وصدن لا غير وكيف ذاك ارى ان تمتحنهم في خلق القران فهم هم قد جعلوا الموقف منه ميزه العالم المتصدر بينهم فهم لا يقبلون ان يقولوا انه مخلوق في سياق الزمن بل يرونه كلاما قديما ذاتيا لله عز وجل وهذا محال كما ترون فكيف يكون كذلك وقد قال الله تعالى واذا بدلنا ايه مكان ايه كان ثمامه ابن اشر سيتحدث وكان اقوى المعتزله حجه حتى انه اتقن لعلم الكلام والحجه المنطقيه من النجم الصاعد احمد بن ابي دؤاد كان ثمامه منشغلا بحشد الحجه فدخل الحاجب طالبا الاذن لقاضي القضاه يحيى بن اكتم دخل يحيى يرفل في اثواب القضاه فناداه المامون واجلسه بقربه ولما انهى ثمامه حديثه طلب المامون راي يحيى فالتفت يمنه ويسره وشد عليه طرف جبته قال انا ارى يا امير المؤمنين ان تؤجل هذا الامر فان حملت العامه على ما تكره فانني اخشى ان تنفر نفره لا تعلم عاقبتها فقال ثمامه بسخريه العامه ومن ذا الذي يقيم وزنا للدهماء والله يا امير المؤمنين لو بعثت رجلا على عاتقه طيلسان اسود وبيده عصا لساق لك منها 100 الا ناعق مد القاضي يده مستاذنا يا امير المؤمنين ما دام رجل من امثال يزيد بن هارون في العراق فلا ارى امتحان احد او حمل العامه على امر تكرهه وهذا راي من باب السياسه لا من باب الديانه فاهل خرسان من الفرس لا يطيقون الاساءه للحشويه وعلمائهم مثل ابن حنبله وابن المديني ويزيد بن هارون كان المامون ينظر الى القاضي بجبته الفخمه ولحيته الكثه وبطنه المدور وهو يتذكر كلاما سمعه من ابيه هارون الرشيد عن ان صلاح الملك في سكون العامه وخرابه في نفورها لم يعطي المامون اي اشاره عما اضمره بل اشار بطرف يده فدخل جماعه من الخدم ليقودوا من في المجلس الى غرفه العشاء وقف الجميع وكل منهم يتفقد عمامته ويشد عليه طرف جبته ومال الجاحظ على سهل ابن هارون هامسا زرني غدا في البيت لاستشيرك في امر مهم لم يفق الجاحظ في نهايه العشاء الا على صوت المامون ابقى يا ابا عثمان اريد ان اتحدث معك في امر لم يذكر ماذا حدث قبل ذلك فلا يدري هل امتنع عن تناول الطعام من الاطباق التي كانت بين يديه ام انه اكل اكلا لما كاكل الصبيان وهو لا يعقل ولا يدري هل تحدث عن جاريته بين يدي المامون وحدجه الجميع فاغرين افواههم مستغربين جرته ام انه ظل ساكتا واجما لكنه لا يشك في صوت المامون ابقى يا ابا عثمان اريد ان احدثك في امر كانت الغرفه خاليه لا ضوء فيها بعد انفضاض المجلس. قال المامون وهو ينظر الى الارض على غير عادته علمت من عيوننا ان جاريتنا عريب في منزلكم. كانت تلك العباره اخر ما افاق عليه. كل ما يذكره بعد ذلك صور ومشاعر مختلطه تتخللها ضحكتها الموقعه كانها صوت ات من مدائن بعيده تراءت له في مرطها الابيض الناصع وشعرها الذهبي المنسدل على كتفيها والحراس يسوقونها لتحبس في كنيف خطر له كيف يملك المامون الحق في سؤاله عن جاريته حتى ولو كان خليفه من منحه وحق التجرؤ على حرمه والسؤال عن من يعيش في مخادعه لا يعرف كيف سوغ موقفه ولا كيف قص على المامون قصه وصول الجاريه اليه في البصره كل ما يذكره انه خرج من الباب يرفض عرقا والمامون يقول باسما لقد وهبناها لك يا ابا عثمان الدوحه عام 1440 للهجره انقضت ايام ثلاثه لا حديث فيها داخل القناه الا عن ترقيه نائب رئيس التحرير بسام الى منصب رئيس التحرير انقسم الصحفيون ما بين معج جب شديد الاعجاب به ومحتقر شديد الاحتقار له ولكل ما يقوله دخل القروي فراه يتراس اجتماع التحرير الصباحي كان الاجتماع يعقد وسط غرفه الاخبار ويتوزع الصحفيون ما بين جالس على مقعد وواقف مستند الى طاوله يتوسطهم رئيس التحرير الجديد بجسمه الضخم وقامته القصيره وصلعته الواسعه حك صلعته وقال بلهجه كثيفه بصوا حضرتكم من الان فصاعدا نريد بعض النشرات الخفيفه ان تكون باللهجه قطعه صحفي مغربي باي لهجه الجزائريه مثلا او يعني لا اقول باللهجه فذاك يستلزم اختيار لهجه معينه ونحن قناه عربيه اقصد ان تكون النشره ملحونه وليست فصحى حتى يشعر الناس بق قرب المحطه منهم وجم الجميع ولم يسمع غير صوت مذيعه قادم من جهه الاستوديو الرئيسي تقرا نشره التاسعه صباحا كان القروي غير مصدق لما يسمعه لم يتكلم بل ظل واجما يلعب باطراف اصابعه لاجما نفسه حتى يتاكد من جديه الحديث قال صحفي تونسي هذا نزول للقاعه ووق وقوع في شراك العاميه وتمزيق لوجدان العرب وكان كلمات الصحفي فتحت الافواه المغلقه فقال اخر اذا جعلنا احدى نشراتنا باللهجه فسنفقد التعابير الفنيه فالفصحى لغه متطوره مليئه بكل مصطلح نحتاجه اما اللهجات ففقيره بائسه لا تسعفك باللفظ كلما بعدت في المعاني وتوغلت في مضايق المصطلحات مرر رئيس التحرير يده على هامته الضخمه وقال بنفس متقطع فاهم فاهم يا ريس لكن هناك محطات ببعض الدول تتحدث بشيء اقرب الى اللهجه ولها مشاهدوها ثم ان اللغه ليست كل شيء المهم الماده البصريه وانما التلفزيون صوره كان القروي مستندا على طرف مكتبه فشعر ببخار يتصاعد الى دماغه وفوره غضب خطا خطوه وجلس على اقرب كرسي لرئيس التحرير وقال كيف تقول ان اللغه ليست كل شيء بل هي كل شيء فالكون انما خرج من العدم بكلمه واحده هي كن وهذه الامه الفاخره التي يجمعنا الانتماء لها انما ولدت من كلمه واحده في غار حراء اقرا ان الوجود البشري لا ماهيه له خارج اسوار اللغه فغر رئيس التحرير فاه ولم يعرف كيف يرد فهو رجل عركته غرف الاخبار غير ان خبرته لا تتجاوز الجانب التقني وفنيات بناء النشارات وترتيب الاخبار وملاحقتها ولكن تكوينه الثقافي ضعيف فهو لا يستطيع الابانه عن حجه ولا الدفاع عنها بمنطق غمغم قائلا لازم تفهم حضرتك ان التلفزيون صوره اولا قاطعه القروي وكلمه ايضا والكلمه كل شيء فبالكلمات نحب وبها نعبر عن لواعج الشوق ومنها نغضب وبها نصادق ونحارب وبالكلمات يتعبد النساك داخل المساجد والمحاريب والكنائس والصوامع وبها نهدهد اطفالنا قبل النوم وبالكلمه وحدها نترضى المحبوب الغاضب وبالكلمات نصف المشاعر المختلجه في صدورنا وندعب البدر الضحوك في سمائنا وبها نصف الغابات والازهار والامطار والاماس الماتعه والصباحات الوضاءه فعلاقتنا بالكون كله انما هي عبر الكلمات يا سيدي رئيس التحرير والتفت الجميع الى رئيس التحرير منتظرين رده فبدا في اعينهم سمي نا قصيرا اصلع طفلا في عامه الثالث يبحث عن كلمات ورفع هامته وجال بصره في وجه القروي فبد له جادا مغضبا قوي الحجه وتساءل في نفسه باي حيله ساروض هذا الجمل الهائج ثم تصنع الابتسامه دعونا نرى جدنت الاخبار اليوم وسنتحدث في هذه الجزئيه لاحقا واحس القروي بغضب يكاد يخنقه فهو يغار على اللغه العربيه كما يغار البدوي على زوجته الحسناء وتخيل نفسه جالسا مستمعا لنشرات باللهجه على قناه العروبه تلك القناه التي يؤمن ايمانا عميقا بانها ساهمت في النهوض بالفسح وتوحيد اهتمامات الانسان العربي اعتذر لينصرف قبل نهايه اجتماع التحرير ثم تخيل رده فعل الجاحظ اذا اخبر بر بعض العرب يميل الى اللهجات المترعه باللحن اكثر من ميله للغه مضر وحس برغبه عارمه في غسل سليقته بعد هذا النقاش ووجد نفسه يتذكر كلاما للجاحظ فقرر طباعته على ورقه وتعليقه على طرف مكتبه حتى يقراه كل من في غرفه الاخبار وقبل انتهاء الاجتماع قدفت الطابعه ورقه تلقفها القروي والصقها على طرف مكتبه وكان مكتوبا فيها ولو جالست الجهال والنوكا والسخفاء شهرا فقط لم تنقى من اوضار كلامهم وخبال معانيهم بمجالسه اهل البيان والعقل دهرا لان الفساد اسرع الى الناس واشد التحاما بالطبائع والانسان بالتعلم والتكلف وبطول الاختلاف الى العلماء ومدارسه الكتب يجود لفظه ويحسن ادبه وهو لا يحتاج في الجهل الى اكثر من ترك التعلم وفي فساد البيان الى اكثر من ترك التخير وتملكه شعور مناضل وزع منشورا سياسيا في دوله بوليسيه وامسك قلما وخط تحت عباره وفي فساد البيان الى اكثر من ترك التخير وحانت منه التفاته فلمح رئيس التحرير يرمقه بحنق من زجاج مكتبه به فرمى بجسمه على كرسي مكتبه غير مكترث وبدا يكتب بغداد ما بين 219 و235 للهجره على مر السنوات وتلاحق الايام تعود الجاحظ على جلسات المساء في شرفه من شرفات منزله الواسع في بغداد بدا يتعلق بالعزله مع كتبه وجريته اكثر من تعلقه بمجالسه الامراء والخلفاء والوجهاء فقد حصل من الهبه التي تتالت عليه بعد كتابته كتبا للمامون وابن الزيات وغيرهما مالا عريضا مع شهره طبقت الافاق جلس يكتب مديرا ظهره لسحر بغداد وما تضطرب به من احداث مستمتعا بصير اقلامه على الورق ورنات عود جاريته عليه ومع وقوع احداث انجسام في السنوات الماضيه كوفاه المامون وامتحانه لرجال الحديث بخلق القران فانه ظل منكفئا لا يهمه الا الكتابه والقراءه فقد احس بان العمر يتقدم وهو لم يحقق حلمه الذي بدا يكبر بين جنبيه اصبح يشعر دائما بانه مستعجل حتى ولو لم يعرف وجهته القادمه هل الاحساس بتقدم العمر يدفع الانسان للركض كي يعب من الدنيا قبل ان تخطف من بين يديه او يستل منها لا يدري لكنه اصبح يستيقظ وينام على حلم اكمال كتب جديده تجمع ثقافه العرب تقلبت دول وتغيرت احوال خلال السنوات المتطاوله لكن ذلك كله شجعه على العزله بين كتبه يستمع الى صرير قلمه على الورق ثم يستل الدوي الذي ياتيه من خلف الابواب عن كتبه ورسائله خرج من غرفه كتبه ووقف في الشرفه عينيه بالنظر الى نهر دجل البادي في الافق وكانت عليه جالسه في طرفها وبيدها عود تستعد للغناء كما تفعل عاده كل جمعه شدت وترا من الاوتار وقالت بتدلل الا تمل من الكتب والكتابه لم يجبها فقد كان ذهنه مشغولا بما سمعه امس من قصص البلاط والحرب الدائره بين المقربين من الخليفه وكانت عينه قد استقرت على حراقه مليئه بالجنود يعبرون دجله ثم التفت اليها بكامل جسمه وقال تعالي وضعت العود من حجرها واقتربت منه فمد يده في الافق مشيرا الى مدينه بغداد الساحره المتراميه وقال هل ترين هذه المدينه بلى قالتها بتنهد وهي تفكر في علاقتها المتناقضه في هذه المدينه الغافيه في مثل هذه الساعه لم يمهلها لتفكر في طبيعه علاقتها ببغداد وقال ان كل ما ترينه لن يبقى منه للتاريخ الا ما يخلده قلم مبين او يفتكه شاعر بليغ من بين انياب الزمن فهمت ما يرمي اليه ثم سحبت يدها من يده عائده الى عودها وهي تفكر في اسباب حبها لهذا الخلق الغريب فلا هو وسيم الطلعه ولا صاحب سلطان حيث نشات هي بين الرشيد والمامون لكنها لا تشك في زياده تعلقها به كلما مرت الايام السبب تعلقها به شعورها انه اول رجل تلاحظ كون علاقته بها ليست متمحوره حول اشباع الرغبات الحسيه فلا هو ممن يتوق الى ذلك الجانب منها الا نادرا بخلاف في من عرفتهم قبله كانوا لا ينظرون اليها الا على انها انثى اما هو فقد شعرت معه بانها امراه يتعلق بغنائها وجمالها والتفاتها وغنجها وصدقها وكذبها ودموعها وقوتها وضعفها يتعلق بتلك الجوانب التي تجعلها امراه لا بتلك الاعضاء التي تجعلها انثى اما هي فقد علمتها الايام ان تكره كل ما يجعلها انثى تكره ذلك الجمال الجسدي الذي اغلق عليها زنازين الشقاء اكثر مما فتح لها بساتين السعاده كانت تنظر اليه ثم تذكرت ما سمعته خلصه البارحه اثناء حديث له مع احد زواره فبادرته سائله هل صحيح ان المعتصم يقدم وزيره ابن الزيات على القاضي احمد بن ابي دؤاد وان الحرب بينهما مشتعله رفع القلم عن الورقه التي كان يكتب فيها وقال بلهجه فيها تافف وتضايق وما ادراك فقالت بتلعثم اخبرتني جارتي و هل كنت تتلقطين حديثنا البارحه لا لكن ماذا اسمعي ان قصص الملك والوزارات اخطر من ان تتحملها صدور المراضع لا تتسمعي لحديثنا ابدا وضحكت عليه ضحكه متارجحه بين الاعتذار والغوايه ووقف هو واصبعه وسط الكتاب الذي كان يكتبه خرج من الشرفه مغلقا الباب الخشبي وراءه ومفكرا في ان موعد وصول بعض زواره قد اقترب وما كادت الشمس تغيب عن نهر دجله حتى كان المجلس يضج بزوار منهم مسر جويه والنظام وابو محمد الفارسي اخذ كل منهم مجلسه بينما كان الجاحظ يبالغ في الترحيب ممازحا النظام قائلا انت عندما تدخل مدينه غير البصره تشعر شعور عاشق يغازل غير معشوقته تردد الضحكات الجميع وجلس النظام مرددا نظره في جنبات المجلس راى طنافس جميله وسجادا فاخرا فشعر بغبطه تجتاحه وهو يتذكر الغرفه التي كان يسكنها صاحبه في حي العلافين بالبصره دخل غلام حاملا خوانا ووضعه وسط المجلس جاء صوت رجل ضخم الجثه شديد البياض يعمل في قصر الخليفه يسمى ابا محمد الفارسي سمعت ان امير المؤمنين المعتصم سيمتحن اهل الحديث اكثر مما فعل المامون رحمه رحمه الله فاجابه الجاحظ اذا لم يفعل فاخشى ان تنتقض عليه الخلافه فاصحاب الحديث الان يملكون المدن بطاعه الدهماء لهم قالها الجاحظ وهو لا يرفع عينيه مراقبا نفيسا وهو يضع بعض الاشربه على الخوان ثم رفع عينيه الى النظام وقال كيف حال مويس بن عمران رد النظام بلكنه مشفقه لقد اصابه مرض وهو الان بين الحياه والموت عافاه الله امين وماذا عن عبود صاحب القيان جمع النظام يديه وفاركهما وهو يتامل جدران الغرفه المزركشه بصور الطواويس وقال سبحان الله من يهدي الله فهو المهتدي عبود نذر نفسه للجهاد برقت اسارير الجاحظ وتفرس وجوه جلسائه قبل الحديث وقال هل تعرفون سبب اختيار عبود للجهاد فقال النظام ارى انه فكر في الاعمال ثم وجد اشدها على النفس واكثرها اجرا سنام الاسلام الجهاد دوت ضحكه الجاحظ الساخره ومال الى الوراء في كرسيه وهو يعدل قلنسوته وقال ارى والله اعلم انه اختار الجهاد لان له ثارا مع الروم فهم الذين خصوه لما كان صغيرا وباعوه لذلك لا يكاد الخصي يتدين وينصرف للزهد حتى يترك كل العبادات القريبه والبعيده ويفضل عليها الجهاد بارض الروم رفع النظام وجهه مقطبا جبينه وقال عفى الله عنك ابا عثمان ما هذه الخواطر هذا ما اراه ولعله هو في دخيله نفسه لا يدرك ذلك ولا تعجب ولقد رايت ان لكل طائفه من الناس مسلكا في التدين والتعبد فتدين الفارسي اذا تاب ان يحج وتدين عمال الدوله ان يتركوا العمل للسلطان وتدين المغني ان يكثر الهذرمه بالتسبيح والصلاه على النبي والصلاه في الجماعه مع شرب النبي وتدين الشيعي اظهار ترك النبي وتدين المتكلم التسرع الى اكفار اهل المعاصي ورمي الناس بالجبر او بالتعطيل او بالزندقه كان الفارسي يستمع شاعرا بالملل من حديث الجاحظ وغوصه في اعماق النفوس وكان ذهنه مشغولا بالتفكير في كثره الاتراك في بغداد وتفضيل المعتصم لهم على الفرس فقال محاولا تغيير مجرى الحديث لقد اصبحت بغداد ترتن بلكنه الترك ما رايكم في اعتماد امير المؤمنين المعتص تصم على الاتراك وجلبه الالوف منهم قال النظام وهو يملا يده من الزبيب الذي على الخوان اليسوا اخواله بلى لكن الخؤوله لا تخول اداره الدول لكني ما سمعتك تتضايق من اعتماد المامون على الفرس لانهم اخواله نحن لسنا كالترك فاعتماد المامون على الفرس ليس لانهم اخواله بل لانهم اخوال الاداره واعمام السياسه وابناء كسرى فهم اعرف بالسياسه والايين والحدود والرسوم همراث دول وصناع ملك تربع الجاحظ على اريكته وسط المجلس ونزع القلنسوه فبدا راسه الصغير الذي بدا الشيب يغزوه اصغر من حجمه المعتاد انتم تعلمون ان دوله بني مروان كانت عربيه اعربيه ودوله له بني العباس هذه قرسانيه فارسيه فلو عددت الوزراء من لدن السفاح الى المامون لوجدت معظمهم من الخرسانيه مع ان قاده الجند على الثغور من العرب قطعه الفارسي لا غروا فنحن من شفى الله بنا صدور بني العباس ونحن من فتحنا البلاد وقتلنا العباد ونحن اصحاب هذه الدوله ومنبت هذه الشجره ومن ارضنا هبت هذه الريح كان الكل ينظرون الى الفارسي مندفعا في الحديث محركا يديه كما كانوا ينظرون الى حبيبات العرق التي تتجمع على جبين الجاحب فقد كان لا ينزعج من شيء انزعاجه من تنقص العرب فانطلق قائلا ليس للعجم ان يتكلموا عن هذه الدوله مع وجود العرب فهل اكثر النقباء الا من صميم العرب كابي عبد الحميد الطاي وابي محمد سليمان الخزاعي وابي نصر مالك بن الهيثم الخزاعي ثم من الذي قتل اخر ملوك بني مروان ومن هزم ابن هبيره ومن قتل ابن ضباره ومن فتح السند الا موسى بن كعب ومن فتح افريقيه الا محمد بن الاشعد ومن قاده جيوش الثغور الان الا العرب كان الرجل الفارسي يعبث بطرف لحيته الصهباء مستمتعا ثم ارخى يده وقال اوتذكر ما قاله محمد بن علي والد سفاح وماذا قال ان البصره وسوادها غلب عليه عثمان وصنائع عثمان فليس من شيعه بني العباس فيها الا القليل قطعه الجاحظ مشيرا الى النظام انا الان من اهل بغداد لكن لا تتحدث عن البصره والنظام ينظر اليك انفرجت شفتان الظام الغليظتان عن ابتسامه فواصل الفارسي روايه كلام السفاح واما الجزيره العربيه فخارجه مارقه ولكن عليكم بهذا الشرق فان فيه صدورا سليمه وقلوبا باسله لم تفسدها الاهواء ولم تعتقبها البدع وهم مغيضون موتورون فكيف لا نكون اصحاب الدوله واحق بها من العرب فكيف باعراب الترك الاجلاب رفع الجاحظ بصره في السقف وقال ان كلام محمد بن علي كلام صاحب السياسه لصاحب كلام وفلسفه لقد كان الفرس اصحاب ديانه سابقه وملك قائم لذلك لم يستسيغوا الدين كما استساغه العربي والتركي فالعربي والتركي امتزج الاسلام بشغافهما وخدم هذه الدوله مخلصين لانه لم يكن لهما سلطان بين الامم الا بهذه الدوله وسندها النابت في الدين اما الفرس فكانت فيهم المجوسيه والكسرويه وجاء العرب فهدموا دولتهم وفلوا حدهم فهم موتورون مغيضون وحانقون محزون دائما شعر الفارسي بدوار في راسه وهو يقول ما مهاد قواعد العلم غير الفرس وما الدين ان لم يقم على قواعد كان النظام منشغلا بق قضم حبات من اللوز فابتلعها بهدوء وتنحنح فشخصت اليه الابصار مسح طرف شفته وقال شيء عجيب ها هنا باب اخر لا اراكم فطنتم له ان هذه المله قلبت الامم المختلفه امه واحده فمزجت الالوان وادخلت الفضائل والردائل بعضها ببعض فاصبح الخرساني عربيا بالتنشئه وتوحد القصد واصبح العربي فارسيا لتقارب السكن ووحده التعلم والديانه والسعي وتشابه المقاصد فانا لا اعلم اعرق في الاعرابيه منك يا ابا محمد اذا كتبت وتحدثت في الشعر والمديح وقصص العرب ولا اعلم اكثر خرسانيه منك يا ابا عثمان اذا تحدثت عن اهل مروه وحكيت قصصهم فانتما متفقان بالقوه وانما اختلفتما بالفعل تثابب مسرجويه وقال ان الخلفاء في هذه المله لا يقربون الرجل لجنسه ولا قبيله ولا ديانته بل لعلمه وفضله والا لما جمعت مجالس الخلفاء بين الفارسي والرافضي والعربي والمحدث والمتفلسف والطبيب والنصراني رفع الجاحظ عينيه الى الستائر المزركشه التي تغطي النوافذ ثم تذكر امرا فقال وكانه يريد انهاء الحديث نحن متفقون على هذا لكن الشعوبيه احدثت ضربا مستحدثا من القول في مثالب العرب فقاد ذلك الى هذا الحجاج واللجاج ساد صمت قطعه صوت الفارسي ما اخبار التنافس بين ابن ابي دؤ وابن الزيات فقال رجل في طرف المجلس ظل صامتا المعتصم اصبح يقدم ابن الزيات حتى انه امر كل من راه في القصر ان يقوم تكريما له اذا دخل قال الفارسي وهو يلعب بلحيته الصهباء هل تعلمون ماذا فعل ابن ابي دؤاد كلف احد معاونيه ان يخبره اذا دخل ابن الزيات فاذا اعلمه بدخوله قام وبدا يصلي حتى لا يقف له قال الجاحظ كنت معه امسي فلما دخلنا راينا ابن ابي دؤاد يصلي فقلت له ايها الوزير ما بال هذا يصلي في وقت ليس وقت صلاه فقال لي صلى الضحى لما استفاد عداوتي واراه ينسك بعدها ويصوم لا تعدمن عداوه مسمومه تركتك تقعد تاره وتقوم فقال الفارسي سمعت ان ابن الزيات نظم 90 بيتا في هجاء ابن ابي دؤاد جاء صوت مسرجويه لكن ابن ابي دؤاد رد عليه ببيتين يعدلانها كلها حين قال احسن من 90 بيتا سدا جمعك معناهن في بيتي ما احوج الملك الى مطره تغسل عنه وضر الزيت تضايق الجاحظ من التعرض لصديقه ابن الزيات فلاحظ ذلك جلساؤه وخيم صمت قطعه صوت الجاحظ متظاهرا بعدم الانزعاج لكن ابن الزياتي رد على هذين البيتين وقال يا ايها الطامع في هجونا نفسك قد عرضت للموت الزيت لا يزري باحسابنا احسابنا معروفه البيت ضحك الجميع فقال النظام ملتفتا الى الجاحظ وما الذي جعل المعتصم يقدم ابن الزيات على ابن ابي دؤاد رغم علمه وبلاغته ونسبه في بني اياد ساد صمت مطبق فتلاحظ النظام ومسرجويه بينما ظهر ظل جمجمه الجاحظ منعكسا على الجدار يخضم حبات من اللوز ابعد الفارسي المصباح عن وسادته قليلا وقال ان ابن الزيات اصبح يدر على الخليفه مالا طائلا ثم توقف عن الحديث والتفت فرعاه اجفانا تتراقص مع صمط متوتر لكن النظام قال كيف ذلك؟ لم يكن احد جاهزا للجواب فخيم الصمت فليس في بغداد احد الا سمع عن تنور العذاب الذي اعده ابن الزيات للمخالفين والمصادرين اذ اصبح ياتي بالتاجر الذي تصادر امواله ويضعه فيه حتى يقر بكل ما عنده او يتمزق اشلاء بالكلابيب جاء صوت النظام حادا هذه المره كيف يقع هذا وانتم جماعه العدل والتوحيد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وقع السؤال على رؤوس الحاضرين كانه صخره متدحرجه قادمه من قعر نار جهنم ساد صمت مطبق فرغم التقارب العقلي بين الجالسين فان الحياه في بغداد وفي اكناف الخلفاء عودتهم الا يامن احد جليسه كان السؤال قاسيا فسبب الموده والتقارب بينهم وانتمائهم الى الاعتزال القائم على مبادئ اهمها العدل والتوحيد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن لبغداد منطقها كان النظام بعيدا عن عالم بغداد هذا مشغولا بالتنظير والتفكير والعيش في عالم المناظرات العقليه في البصره خطف الجاحظ الحديث ومن قال ان العدل ليس في استخراج المال المغصوب بغير وجهه من ارباب الربا فقال النظام باستغراب ومن قال ان من يعذبهم الوزير مراب ومن اباح ظلم المرابين ومن اباح التعذيب في المله اذا كان الظالم لا ينزجر عن ظلمه الا بالتعذيب الا يجوز تعذيبه لم يثبت عن النبي ولا عن اصحابه انهم عذبوا احدا وما كان النبي ولا عمر ولا ابو بكر يسجنون احدا فكيف بتعذيبه؟ ثم ان التعذيب يتعارض مع تكريم الله لبني ادم وتسخير الكون لهم احتدم الجدل بين الجاحظ والنظام ثم ساد صمت قطعه صوت الخادم نفيس يدعوهم للانتقال الى مجلس العشاء تغيرت نبره الحديث على مائده العشاء وانصب الحديث على كراسه كتبها الجاحظ عن عادات البخلاء واخلاقهم فتذكر الجميع المسجديين بالبصره وقصصهم امتلات اطراف المجلس باصوات القضم واللقم واحتكاك الاواني واختلاف الايدي فوق الطعام بعد العشاء ودع الجاحظ ضيوفه وصعد السلم الى غرفه كتبه كان معتدل المزاج يكاد يقفز حيويه وسعاده دخل الغرفه وجلس بين كتبه فيما كانت رائحه العطور الفواحه تداعب خيالاته من غرفه علي القريبه نفض التراب عن احد كتبه وهو يغالب نفسه بين سحر عليه وسلطان الكتاب وبين الحالتين شعر بغبطه وسعاده لكن ما لم يدر بخلده تلك اللحظه ان هذا العالم سيتهاوى امام عينيه في لمحه البرق وقف نفيس مشدوها في حديقه المنزل من تصرفات سيده كان الجاحظ يمشي ويجلس ثم يقف يحوقل احيانا ويحسبل اخرى يجلس واضعا يديه على راسه ثم يقف ويسال نفيسا من جديد متوسلا بنبره طفل ارايتها كيف ذهبت كيف لكن اجابه نفيس لا تكشف شيئا عن اللغز المحير اعاد عليه نفيس العباره الف مره طلبت مني ان اذهب الى السوق وعندما عدت لم اعت لها على اثر بصعوبه عاد الى داخل المنزل يجر قدميه ولا يدري كيف حملته اهو مستلق على ظهره في غرفه كتبه ينظر الى السقف بعينين منطفيتين الصدمه ليست في اختفاء عاليه فقط بل في اعجبه من حجم الحب الذي يكنه لها دون ان يدري هل هناك اشياء نعشقها دون اي معرفه منها بالامر اهناك ك عشق مؤجل يتوقف على لحظه فقدانه تماما كما الطفل الذي يظل مستلقيا بين حضن ابويه لا يلقي بالا لحضورهما في حياته ثم يتم فجاه فيلتفت الى زوايا الكون فيراها خاليه موحشه ومخيفه ويستيقظ على ماقيه تسيل انهارا من الدموع الاحبه عاليه لهذه الدرجه ادار عينيه في جنبات الكتب راى كتب الاوائل والاواخر من ادب وتاريخ ولغه وفلسفه كل هذه الطوامير فقدت رونقها بعد خروج عليه من هذا المنزل عجز عن تخيل عالمه بدونها تخيل نفسه حافيا في شوارع بغداد يسائل عنها الدراويش والمتسولين والصيادين والتجار وقطاع الطرق الفيكم من راها من هي هي عليه هي عريب ومن منكم لا يعرفها هي بملاءتها البيضاء وشعرها المنسدل ووجهها الوضاح كانت اذناه مترعتين بلحن اصابعها تتراقص على العود وبتمتمات شفتيها في اماس بغداد الوادعه وكانت عيناه مسكونتين بوجهها الصبوح وهي تقول له فديتك اغمض عينيه على صورتهات تلك ووقف بتثاقل متسائلا في نفسه عن هذا الحب الذي لا يشتد ضرامه الا بعد فقدانه كيف يعشق هذا العشق الحارق ما وخطه الشيب ونيف على ال0 بل كيف يعشق من لم يتجاوز ال ان الحب الطف وادق واخطر من ان يترك لعبه لطيش الشباب فما يقع فيه الشباب ليس حبا بل صخب حواس فقط انما يعشق العجائز فلا يمكن لبرعم الحب ان يترعرع الا بين يدي من ادبته الايام ورباه تعاقب الليل والنهار مرت عليه ايام لم يخرج من عتبه غرفه كتبه وقلبه مترع بحزن دفين وشعور بعبثيه الحياه ثم قضت اسابيع كان يعود فيها كل مساء فلا يطلب طعاما ولا شرابا يسعد يصعد الى غرفه كتبه ويمر وقته بين كتابه ونوم وتفكير سمع مره نفيسا يقول لخادم جاره منذ اختفائها اهمل سيدي كل شيء اصبح لا يسال عن سقي الحديقه ولا يهتم بنوع الطعام ولا الشراب ادار ظهره للنافذه ونظر الى الجاحظ واكمل من سره ان يرى ميت الهوى دنفا فلي ليستدل على الزيات واليقف. التفت الجاحظ الى فتيله السراج وهي تكاد تنطفئ. ورفع بصره فراى خيال ابن الزيات على الجدار ضعيفا هزيلا مسكينا رغم ان مجرد ذكر اسمه يخيف اشداء الرجال في بغداد. جلسا صامتين لكن قلب كل منهما كان مليئا بالصخب. ثم استاذن الجاحظ وخرج من باب المنزل الكبير وبعد ساعه كان ابن الزيات يدخل الى باب السجن الكبير ببغداد فهذه الساعه المتاخره من الليل هي الوقت المحبب عنده للقيام بعمله جلس على كرسيه ونادى باول سجين دخل الرجل يرسف في اغلاله ووقف بين يديه غطى ابن الزيات انفه بكمه وقال اما ان لك ان تقر بكل ما تملكه من ضياع واموال؟ والله لقد احصيت لك كل ما املكه يا مولاي. خذوه الى التنور. كانت تلك الكلمه هي كل ما فكر فيه هذا السجين طيله الايام الخمسه الماضيه. فرغم انطباق حلق القيد على رجليه الداميتين فانه كان ينظر اليهما كانهما معصمان من الحرير بالقياس الى ما سيلقاه في التنور. فما اكثر ما سمع رفاق السجن يتحدثون برعب عن التنور وكان وصفهم لعذابه لا يفارق اذنيه دخل عبد الله لصوف اندلقت احشاؤه كانت كلابيب الحديد تنزع مصارينه ما دخله احد قط وخرج منه عاقلا ان خرج حيا قفز الجنود على السجين وحملوه الى التنور كان تنورا كبيرا مصنوعا من الحديد تتوسطه كلاليب وحسك ومقعد من خشب يجلس السجين على الخشبه وتحيط به الكلاليب والحسك من كل جهه دون ان تلمسه لكنه لا يتحرك حركه الا خدشته فانما خدشه مسمار وان تقلب تناوشته مسامير يجلس على اطراف التنور حارس مكلف بايداء من يدخله ما ان استقر السجين داخل التنور حتى صاح باستعطاء والله يا مولاي لو ملكت شيئا في هذه الدنيا ما اخبرتك به لاقررت به ارحمني رحمك الله لا يزيد بن الزيات على تكرار جملته التي غدت تتردد في كل بيت ببغداد الرحمه خور في الطبيعه ارحمني يرحمك الرحمن الرحمه خور في الطبيعه ثم يتلاشى صوت المعذب في غياهب التنور وبعد ليله مليئه بالصراخ والعويل والاسترحام والقصص ولحظات انكسار الرجال المستورين يخرج ابن الزيات لتداعب وجهه نسائم نهر دجله وفي ساعات الصباح الاولى يعود الى باب قصره وخيال جاريته الهمدانيه يداعبه وهو ينشد الاشعار الرقيقه في رثاء زوجته الدوحه عام 1440 للهجره مرت ايام ثلاثه وهو يتصور لحظه دخوله منزل اهلها لطلب يدها وكان اكثر ما ازعجه اشتراط والدها الا ياتي وحيدا فكيف ياتي رجل وحده لخطبه ابنته فكان عليه ان يجد اصدقاء ومعارف ينتحلون هويه اعمامه واقاربه وانتخب بعد طول تفكير اربعه اصدقاء التحفوا دراريعهم الموريتانيه البيضاء المزركشه وقفت سيارتهم امام المنزل الواسع الواقع بمنطقه الدفنه حيث تنام غابه من الابراج الشهيقه على مياه الخليج الهادئه نزل القر ي ملقيا نظره على الابراج العاليه الباديه في الافق وقت الغروب ثم اعاد نظره لهاتفه وهو يبتسم فقد لاحظ ان رفاقه يمشون متجهين للباب عكس هبوب الريح فدخل الهواء في اطراف دراريعيهم الواسعه فبدا كل واحد منهم كانه منطاد يستعد للاقلاع اعاد بصره للهاتف فهو مشغول بالتواصل مع حصه الحريصه على ان يرتكب اي كارثه بروتوكوليه تخالف الاعراف والتقاليد كي يرفض تناول القهوه مثلا واصفا اياها بانها مره لا تستساغ كما اخبرها انه فعل يوما باحد المجالس او ان يستلقي على ظهره كما يفعل احيانا متعللا بان الموريتاني الاصيل هو الانسان الوحيد الذي يولد دون عمود فقري ما ان دخلوا من الباب الواسع حتى تلقاهم اخوها بملابسه الناصعه البياض مندفعا يرتب عقاله فوق راسه قائلا يا هلا ومرحبا اهلا بكم انقبض القروي ملاحظا غياب ابي حصه عن الاستقبال وعزى نفسه بان العادات ربما لا تستلزم حضور الوالد لحظه دخول الخطه بالمنزل دلف القروي واصحابه من الباب الواسع واصوات احتكاك دراريعهم تملا المكان ما اندلف الجميع الى المجلس حتى خرج والد حصه من طرف المنزل متاملا الخطاب الاغراب نظر الى دراريعهم المزركشه ملاحظا اطرافها الواسعه وزركشاتها اللافته جلسوا داخل المجلس المستطيل الفسيح الذي تغطي الارائك الفارهه الغامقه جنباته ويزين السجاد الرمادي الفاخر ارضيته وامام كل اريكه من الارائك وضعت طاوله صغيره عليها مكسرات وشاي وقهوه دخل اخوها الاصغر وصب فناجين القهوه بعد السلام انتهى الكلام وساد الصمت واتفق كل يحفر في ذهنه عن كلمه لينكشف الصمت الثقيل بعد هنيهات صامته لم يسمع فيها الا منبه سياره في الشارع تحرك القروي في مكانه وقال هذه المنطقه جميله ما شاء الله وقريبه من الكورنيش وبادله اخوها الكبير النظره قائلا صحيح انا اتمرن هناك في الصباحات واقترب اخوها الاصغر فصب فنجان القهوه الخامسه خلال دقيقتين للرجل الجالس عن يمين القروي وكانت اول مره يجلس فيها مجلسا خليجيا ولا يعرف شيئا عن عادات القوم في شرب القهوه وصب له الفنجان السادس فرماه في جوفه وبدا يشعر بلهب في معيدته يصعد الى حلقه فمعيدته لم تتعود الا الشاي الاخضر المحلى ولم تعرف قط طعم القهوه فكيف بقهوه عربيه مره وظل الشاب واقفا يترع الفنجان تلو الاخر للضيف وظن الضيف ان الادب يقضي بازدراد كل ما اعطي له من قهوه ثم تصاعد الالم واللهب اكثر فمال القروي وهو بالكاد يتكلم اسالهم اين الحمام واشير الى حمام قريب من المجلس ووقف الرجل بدراعته المزركشه فانفتح طرفاها فعلق دل القهوه بكمها فطارت الدله في الهواء شعر القروي بحرج شديد لاحظه والد حصه فقال عادي عادي تعال يا وجاء عامل هندي يركض وجف القهوه المتناثره على الارض واخذ المواعين وذهب بها وعد القروي الى مكان جلوسه متوترا رفع ابو حصه وجهه ليتامل القروي فشعر بالارتياح لمنظره واعجبته طريقته في الحديث واناقته اللافته فبادره قائلا اين درست؟ درست في موريتانيا ما شاء الله بس سمعت انك تتحدث لغات كثيره صحيح ودرست كذلك في المانيا تتكلم الماني؟ طبعا واتكلم الفرنسيه والانجليزيه وتامل والد حصه راسه المتوسط وشعره الناعم وانفه الحائر بين ان يكون افطس واقنى وشفتيه الافريقيتين الغليظتين رغم بياضه اللافت فقال من اي القبائل العربيه انتم؟ يقول اهلنا اننا حميريون وانا لا ثم تذكر ان هذه ليست لحظه حدقه وتحقيق في الانساب وان الافضل له ان يكون حميريا ولو كذب فسكت ورفع والد حصه وجهه وقال لكنك ماذا؟ ابدا كنت ساقول لكنني لست عارفا بالروابط النسبيه بين القبائل بشكل دقيق وعاد صاحب القروي الى المجلس يجر دراعته بعد ان تقي في الحمام كل القهوه التي ابتلعها وراى شقيق حصه صغيره متحفزا ليصب له فناجين اخرى فرفع كلت يديه وقال دون مواربه بالفصحى يكفيني والله يكفيني ولا تصب لي ابدا جزاك الله خيرا وتحادج الاخوه وابوهم النظرات ثم اشار القروي الى صديقه الاكبر سنا ليبدا الحديث فشمر قمه دراعته وعدل عمامته وبدا يتحدث كان الجاحظ مستلقيا على ظهره في غرفه الكتب بعد ان كتب عده ساعات في كتابه البيان والتبيين كان راضيا عما كتب لكنه لم يكن سعيدا فالبيت خالم من علي ولم يعثر لها على خبر ولا اثر ثم انه يشعر بان الزمن يتسرب من بين اصابعه دون ان يخرج الكتب التي عزم على اخراجها كتب تحفظ اداب العرب وتفل حد الشعوبيه رمى القلم جانبا وهو يشعر بوخز في نفسه مستدعيا مجلس المستعصم يوم امس فقد دخل من الباب الواسع المقوس الذي يقود الى الديوان وما ان دخل حتى امتلا رعبا راى مجلسا كبيرا دائريا يجلس الوزراء والعلماء في اطرافه اما الوسط غير المسقوف من المكان فيقف فيه جنود بايديهم سيوف وحراب كما يقف جنود اخرون بملابس مغايره بايديهم الصياط واغلال الحديد نظر الجاحظ الى صدر المجلس فراى الوزير ابن الزيات والقاضي بن ابي دؤاد اراد الجلوس حيث انتهى به المجلس لكن ابن الزيات اشار اليه بالتقدم جلس بين ابن الزيات وابن ابي دؤاد وهو يتامل الوجوه مال على ابن الزيات وقال هذه جلسه امتحان بخلق القران نعم ومن الممتحن اليوم احمد بن حنبل امازال مصرا على مقالته رافضا القول بخلق القران نعم ثم جاءت صيحه جندي امير المؤمنين المعتصم وقف الجميع فدخل المعتصم في ملابسه الحربيه ينبض حياه وقوه شديد البياض ذهبي الشعر تدور داخل عينيه حدقتان كانهما حدقتا نمر جلس فساد صط مطبق حتى قعقعه سيوف الجنود خارست بعد لحظات صمت اشار المعتصم بيده فسمع صوت سلاسل الحديد في طرف المجلس التفت الجميع صوب باب داخلي فخرج احمد بن حنبل يرسف في قيوده جمعت رجلاه ويداه بقيد ثم ربطت القيود كلها بسلسله كان يمشي بصعوبه حتى لا يظن الناظر اليه انه سيسقط عند كل خطوه اقترب السجان وهو ممسك بذراع احمد فجاءه صوت المعتصم وعيناه الزائغتان تدوران بسرعه فكوا قيوده واجلسوه على ذلك الكرسي كان احمد قد تعود على القيود فقد مر عليه عام كامل وهو في السجن يلبس جبه لا يتبين لونها من تراكم الاوساخ مع شعر كت منسدل على كتفيه ومع الارهاق الظاهر عليه فانه ما ان وقف وسدد نظراته الى الجالسين امامه حتى بهرتهم نظراته الراسيه كانت عيناه غائرتين تحت جفنين مقوسين عينان حادتان لامعتان فيهما ثبات ورسوخ وهدوء كانتا عيني ام تنظر الى ولدها او عيني سلطان يرقب جنوده يتدربون بين يديه رفع عينيه في وجه المعتصم فالتقت عيونهما اول مره عينا سلطان يملك معظم الارض وعينا انسان يملك روحه عينا خليفه ممتلئ غرورا بقوته وجيوشه وعينا عالم يملك ايمان نا راسخا وروحا ابيه اشاح المعتصم ببصره فتامله احمد بنظره ثابته بد له شديد البياض قوي البنيه متماسك الاعضاء يجري ماء الصحه والعافيه في اطرافه ردد النظر اليه ثم مرت بذهنه الاف الصور المختلطه راى نفسه فيها كانه يقف موقف موسى امام فرعون او عمار بن ياسر بين يدي ابي جهل ثم تردد في اذنه صوت احد المساجين في سجن بغداد قبل ايام يودعه اثبت يا امام فانت لست مثلنا انت يقتدى بك واذا ضعفت ضعف الناس ثم التفت يمنه ويسره فراى احمد بن ابي دؤاد يلعب بدقنه وراى الجاحظ يملا عينيه الواسعتين منه ثم ردد البصر في الجنود الواقفين على راسه وبايديهم السيوف والصياط والحراب رفع بصره في الفضاء المفتوح فانسدل شعره الكاث على اطراف وجهه المرهق متاملا الجدران الصلبه والصور الكثيره المنقوشه عليها اعاد نظرته الهادئه الى عيني المعتصم حرك المعتصم حربه ذهبيه بيده وقال اهلا وسهلا بابي عبد الله والله لولا اني وجدتك سجينا عند من كان قبلي ما عرضت لك واني لاكره ان اثقل عليك. رفع ابن حنبل حاجبيه وقال لكنك مع ذلك امتحنتني من بين جميع الناس وانت تعرف ما في المحنه من الفتنه. فقال المعتصم والله لئن اجبتني لاطلقنك ولاحسنن اليك ولاركبن الى بيتك لزيارتك. فقال احمد بن حنبل: اعطوني شيئا من كتاب الله يثبت مقالتكم فقال المعتصم: ناظروه قالها فتحرك ابن ابي دؤاد وقال ما تقول في القران امخلوق هو وما تقول في علم الله فقال ابن حنبل وما تقول في علم الله اليس الله قد قال الله خالق كل شيء والقران اليس بشيء قال الله تعالى تدمر كل شيء بامر ربها فدمرت الا ما شاء الله لكن الله يصف القران بانه محدث والمحدث مخلوق الم تقرا قوله ما ياتيهم من ذكر من ربهم محدث الا استمعوا وهم يلعبون قال الله تعالى صاد والقران ذي الذكر فالذكر بالتعريف هو القران اما الذكر المنكر الذي تشير اليه فهو ذكر المعرفه وليس بقران اشتدت المناظره بين ابن حنبل وابن ابي دؤاد وكان ابن ابي دؤاد احيانا اذا جاء بسؤال جدلي يرد عليه ابن حنبل انا لست صاحب كلام وهل كان النبي واصحابه يقولون بهذا بدا الضجر والتضاي يظهر على حركه يدي المعتصم فلم يكن مثل المامون الذي كان ضليعا بالفلسفه وعلم الكلام بل لم يكن المعتصم يفهم دلالات الحديث بين الرجلين فوقف متبرما مالا وصاح اسمع يا احمد الا يكفي اني قلت ان عليك ان تقول هذا فانا امير المؤمنين فقال ابن حنبل لا طاعه لمخلوق في معصيه الخالق والتفت المعتصم جهه ابن ابي دؤاد كانه يستغيث فقال بسرعه موجها كلامه لاحمد يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم نعم منكم ولم يقل واولي الامر بالاطلاق ثم ماذا ابقيت لاجر انكار المنكر وجهاد الظالم الم يساوي النبي عليه الصلاه والسلام بين عمه حمزه وبين وقف في وجه الحاكم الظالم فقال سيد الشهداء حمزه بن عبد المطلب ورجل قام الى امام جائر فامره ونهاه فقتله نظر المعتصم اليه بغضب ثم قال اخلعوه قفز جندي وامسكه ثم جاء اخر وامسك بمنكبه وجاء ثالث بخشبه فاثبتوه عليها وبدات الصياط تنهال على ظهره اختفى صوت الجدل وتعالى صوت الصياط المسحوب بانين مكبوت وقف المعتصم ثم مال على ابن ابي دؤاد وقال اذا لم يجب فليخلعوا كتفيه فهذه المره الثالثه وقد ضجرت منه خرج المعتصم من المجلس وتعالت صيحات من طرف المجلس اضربوه حتى يقر راغما انه شيخ سوء يفضل رضى الدهماء عنه على رضا امير المؤمنين يريد ان يجلس في صحن مسجده ببغداد ويقول غلبت امير المؤمنين لكن ابن ابي دؤاد اشار بيده بانزعاج طالبا السكوت بدات قوى الشيخ ابن حنبل تنهار فتدلى راسه على صدره بينما كانت الرياح تعبت بشعره الطويل الذي لم يحلقه منذ دخول السجن قبل عام صاحدي لقد اغمي عليه فاجابه اخر اطعمه سويقا مرت لحظات ثم فتح عينيه قرب اليه الجندي السويق فتمتم والدم يسيل من فيه اليس اليوم من رمضان ثم عاد الى غيبوبته شعر الجاحظ وهو يستعيد صوره وقع الصياط على جسد ابن حنبل بوخز في اعماق نفسه جلس بتثقل وهو يلوم نفسه على مساهمته في التحريض على امتحانه ثم خطر له ان ما قام به انما هو لصالح الاسلام والمسلمين فلو ساد ما يدعو اليه ابن حنبل لتعطل العقل وبطلت الشريعه طرد فكره الندم عن ذهنه وهو ينظر من نافذه مكتبته الى الحديقه المرصوصه باناقه في فناء منزله الفسيح عاد وجلس وهو يشعر بضيق وخوف وتذكر نظرات القاضي احمد بن ابي دؤ قبل ايام وحديثه الجافي معه فقبل ايام قال له ابن ابي دؤاد انصح صاحبك ابن الزيات ان يكف عن تعذيب المسلمين وما ادراك انه يعذبهم ان اهل بغداد الان لا يتحدثون الا عن ثلاثه عن شجاعه الخليفه المعتصم وكثره الاتراك في الشوارع وتنور بن الزيات فقال الجحب لا تنسى قول ابن مروان الملك شجره لا تنمو الا اذا سقيت بالدم واين انت من العدل والتوحيد والامر بالمعروف ام ان الكلام صناعه حدها اللسان ولا طريق لها الا الجنان فقال الجاحظ انت القاضي انت القاضي وصاحب الكلمه المسموعه كلم امير المؤمنين ليثنيه عن افعاله اما انا فخادم وصانع كلام انت تفعل وانا اصف انا اتمنى وانت تستولي وشتن بين من يملك القدره على الفعل ومن يملك القدره على الوصف ثم تذكر كيف وقف ابن ابي دؤاد غاضبا ناظرا اليه بحنق وذكر له بعد ذلك انه يتهمه بالتسبب في العداوه بينه وبين ابن الزيات ثم خطر له ان ابن ابي دؤاد قد يقع بينه وبين المعتصم اعدت صوره الدم السائل من فم ابن حنبله الى دهنه والصياط الواقعه على ظهره مع صدى صرخات بشار بن بردن قبل عشرات السنين كان نفيس منهمكا في تنظيف المجلس فسمع طرقا مزلزلا على الباب ورع وفتح الباب فاذا بعشره جنود على خيولهم نهره احدهم اين مولاك لم ياتي منذ امس ولا ادري اين هو اين مولاك قلت لك قالها الجني بصوت جهوري مترع بالتهديد فقال نفيس بلكنه هنديه وهو يكاد يخرج من جلده خوفا والله انا ما عارف قفز جندي من فوق حصانه ودخل الدار فتشوا المنزل غرفه غرفه ثم التفت احدهم الى الاخر وهو يشير للكتب ايش هذا كله كتب نزل الجنود وقبل خروج احدهم من الباب التفت الى نفيس وقال ان عثرت لنا على سيدك اعتقناك خفض نفيس راسه وطافت بذهنه خواطر مختلفه ومتناقضه في الوقت ذاته كان عشرون جنديا يسوقون ابن الزيات في قيوده الى السجن دخل السجن وقت المغرب فتح الباب فنظر اليه الجندي الذي فتح الباب فصرخ رعبا ثم استعاد جاشه ومال على زميله قائلا اليس هذا ابن الزيات بلاه لقد غضب عليه امير المؤمنين المتوكل كان ابن الزيات مشغولا بنفسه حائر الطرف مشوش الخاطر كانه مجنون يستمع الى احاديث الجنود لكنه لا يليها اهتماما لانشغاله بنفسه يضج ذهنه بالاف الاخيله والاسئله الملحه والاحتمالات والجوابات التفت يمينا فراى المساجين في اغلالهم وبؤسهم وملابسهم المتس وسدت انفه روائحهم الكريهه نفس الروائح التي كانت تدخل انفه كلما جاء هنا للتحقيق مع مساجينه لكنها اليوم ابشع واوقع هل كان السجناء تعساء لهذه الدرجه رفع عينيه وانزلهما فراعى قيود الحديد والدماء والملابس المتسخه والاوجه المرهقه الفزعه والاسنان الجافه الصفراء والضحكات المتارجحه بين العقل والجنون ضحكات حائره بين تعاسه العقل وسعاده المجنون ظل واجما لا يتكلم ينظر الى معصميه وقد احاطت به ما حلق الحديد ثم يرفع بصره الى ذات الزنازين والبهو الى ردوهات نفسها التي كان يسلكها ليلا للتحقيق مع مضطه يرى نفس الاوجه التي كان يراها قبل اقترب منه قيم السجن وقال بلهجه متسائله محمد بن عبد الملك الزياد نعم قالها بصوت ضعيف متوسل وكانت اول مره يخرج صوته هزيلا وضعيفا بين هذه الجدران التي تعرفه اشار مسير السجن براسه للجندي ان يتقدم ثم ولى ويداه وراء ظهره متمتما لا اله الا الله ومرت الايام على ابن الزيه في السجن غير عجله ولا راحمه وكان الجندي الغليظ المسمى الدنداني موكلا بمراقبته وحراسته والتضييق عليه يقضي يومه وليله جالسا على الخشبه ومسامير الحديد تحيط به من كل جانب شغلته نفسه عن جسده في الايام الاولى فكان يهدي متحدثا مع نفسه كالمجنون يا ابن الزي ما الذي دعاك لكل هذا ابوك تاجر بغداد الاول فلم تطمح للسلطان والنفود الم تسعك المراكب الفارهه والملابس الفاخره والجوار الحصان حتى رضيت بمجالسه الخلفاء ومنازعتهم السلطان لما لم تعتبر بما جرى لبني برمك ثم يفيق على صوت الدنداني قائلا اسكت يا ابن الزي كان يتالم الما مضاعفا فحلق الحديد تضغط على قدميه حتى لا يخيل اليه ان الانسان يتنفس من قدميه ثم تغمزه الكلاليب من كل جانب واثناء امواج العذاب تلك يستجمع قواه لتجنب النطق بكلمه واحده شعر بالنعاس يلعب بجفونه ثم خيل اليه وسط امواج النعاس السو انه يستطيع فعل كل شيء يستطيع الخروج من التنور بل يستطيع النوم على سكك الحديد بين هذه التهاويم جذبه النعاس فدخلت حسكه في كتفه فاستيقض حاول ان ينطق تلك الجمله التي نازع نفسه طويلا حتى لا ينطقها ودخر كل جهده حتى لا يقولها لكن امواج النعاس والالم والندم دفعته فقال قال بصوت ضعيف ارحموني ارحموني تردد النداء في جنبات السجن ثم ظهر وجه الدنداني مطلا من حافه التنور الرحمه خور في الطبيعه شخصت في خياله صور رجال بايديهم رماح يغمزونه بها من كل جانب ثم سمع صرخات معذبيه الذين كان يعذبهم ارحمنا يا ابن الزيات ارحمنا يا ابن الزيات. مرتان فيها حيا ام ميتا. ثم افاق ونادى الدنداني فاطل عليه من حافه التنور. ماذا تريد ايها الوزير؟ ليك حاجه. ما هي؟ اكتب هذه الابيات وابعث بها للمتوكل فان عفى عني كنت لك عبدا ما حيت. بعد تردد مشى الدنداني في الرده المظلمه وعاد وبيده دواه وقرطاس ثم املى عليه ابن الزيات من له عهد بنوم يرشد الصب اليه رحم الله رحيما دل عيني عليه سهرت عيني ونامت عين من هنت لديه مرت اسابيع على الجاحظ وهو مختف في منزل قرب الطاق عند احد معارفه البصريين لا يبرح البيت ليلا ولا نهارا ولا يفكر الا في صوره احمد بن ابي دؤاد مرت الايام الاولى وهو مجدوه الخاطر لشده فزع لكنه بدا يتعود على الاختفاء واصبح اذا جاع يمازح مستضيفه قائلا انني جائع يا ابا عبد الله ولا تنسى ان الله تعالى امتن بالاطعام من الجوع قبل المن بالامن من الخوف فقال الذي اطعمهم من جوع وامنهم من خوف حتى انه بدا يقرا ويكتب في الساعات الطويله التي يقضيها داخل غرفته الضيقه المتواريه في حي الطاق كان البيت قريبا من المارستان فاصبح يستمتع بالنظر من الكوه الى الداخلين والخارجين من المارستان. قال له مضيفه مره احذر يا ابا عثمان فان في المجانين عقلاء وهل الجنون الا مقام من مقامات العقل لكنه لم يسمع نصيحه مضيفه وظل يطل متاملا وفي احد الصباحات خيل اليه وهو ينظر باب المارستان انه راى عليه داخله قفز كالملسوع واخرج راسه من النافذه وصاح عليه عريب ولم يفق الا وهو يخرج مسرعا الى مدخل المارستان دخل فناءه فراى مجانين من كل لون راى اسود يقف على رجل واحده الى ان تتعب ثم يراوحها بالاخرى وبقربه مجنون اخر يصفق له سال عن قيم المارستان فادخله حارس الى جهه النساء لكنه لم يرى عليه عاد الى غرفته وهو يتلفت يمنه ويسره مؤنبا نفسه ومتسائلا عن قيمه هذا العقل الذي لا يعود الا بعد انقضاء لحظه الامتحان لماذا تطيش العقول وتختفي في اللحظات التي نحتاجها فيها اكثر لما يقفز العقل كالفارس المغوار في تلك اللحظه ليقود فيما يتوارى العقل هزيلا مهزوما جبانا وبعد الهزيمه المنكر كره يعود العقل ليلوم ويحسب ويطرح ان العقل يشبه العي الذي يشتم امام الناس فلا يجد ما يرد به ثم اذا انقضت اللحظه وعاد الى بيته وجلس بين ابنائه وخدمه انثالت عليه الجمل والعبارات والجوابات كان مستلقيا على ظهره يؤنب نفسه فسمع طرقا مخيفا على الباب قفزت زوجه المضيف لتفتح الباب فجاء صوت جندي قولي له ان يخرج من هو الجاحظ والله ما في بيتنا الا محمد فقال العسكري بلغه تهديد قولي له ان يخرج او سندخل البيت لم تكن المراه تعرف انها تخفي في بيتها مطلوبا قال لها زوجها انه تاجر من اهل خرسان اسمه محمد عادت المراه متلف لففه في ملابسها وقالت بتلعثم هناك جنود بالباب يعرف ما قال ولا ما قالت لكنه يذكر جيدا ان ركبتيه كانتا خدرتين وان قفص صدره لم يتسع لقلبه الذي كان يقفز كانه صوفي في حاله وجد افاق على نفسه وهو يعبر الجسر المنصوب فوق نهر دجله والجنود صامتون كانهم في موكب جنائزي بينما يمسك اثنان منهم ذراعيه باحكام وحلق القيد في رجليه كان الصوت الوحيد في اذنيه صوت قلبه يدق وتشاتم بين بائعين على حافه النهر مضت اللحظات ثقيله الوطء وكان السؤال الملح عليه هو كيف سيعاقبه ابن ابي دؤاد ذلك القاضي الذي جعل الخليفه خاتما في اصبعه يصرفه كيف يشاء ثم خطر له انه سيرمي به في التنور مع ابن الزيات فتح الباب الواسع ودخل الجاحظ ملتاعا خائفا باذلا كلما اوتي ليستجمع خواطره ولبه ومع تشتت خاطره فقد لاحظ اتساع المجلس وكثره الستائر الخرسانيه الفاخره في زواياه بد المجلس واسعا مرتفع السق وسط المجلس راى احمد بن ابي دؤاد جالسا في جبته الانيقه وعمامته المتوسطه الحجم الناصعه البياض وعن يمينه ويساره بعض معاونيه تقدم الجنديان ممسكين بذراعي الجاحظ بينما كان صوت القيد يقرع البلاط وقف امام ابن ابي دؤاد حاسر الراس ضعيفا كانه حمامه في قفص صياد ساد صمت خانق حتى سمع كل من في المجلس صوت حمامه تغرد عند احدى النوافذ اتجهت الابصار الى ابن ابي دؤاد الذي كان يسرح لحيته باصابعه بهدوء بعد وقت اعتدل وقال بحزم اتركوه ثم التقت عيونهما في هذه اللحظه تذكر ابن ابي دؤاد كلما قال له الوشاه عن الجاحب فهو الذي كان يكتب الرسائل المقنعه بطلب من ابن زيات حتى يعطيه للواثق حاثا اياه على تعيين ابنه الرضيع وليا للعهد بدل المتوكل ويحثه فيها على عزل بن ابي دؤاد لكنه ما يلبث ان يشفق عليه متذكرا ادبه وتبحره في العلوم والفنون وكتبه النافعه القاطعه لدعاوى الشعوبيه والمنافحه عن الاعتزال وراى ابن ابي دؤاد الصراع الذي يعيشه وقال الحمد لله الذي امكن منك يا عدو الله شخصت ابصار الحاضرين الى الجاحظ فقال بصوت واضح ومخارج قويه والله لا ان تخطئ في العفو لهو اشرف من ان تصيب في العقوبه سكت ابن ابي دؤاد وخطر بباله شرف العفو وكونه شيمه من شيم الكرام ثم تذكر قرب الجاحظ من ابن الزيات مال على وسادته الضخمه وقال هل علمت بوفاه صاحبك ابن زيات في تنو نوره وجم قليلا منزلا وجهه الى الارض وصوره ابن الزيات متقلبا في ظلمات التنور شاخصه في دهنه شعر بخدر في ركبتيه ثم غمغم بكلمات فجاءه صوت ابن ابي دؤاد ما تاويل قول الله تعالى وكذلك اخذ ربك اذا اخذ القرى وهي ظالمه ان اخذه اليم شديد اعز الله القاضي تاويلها تلاوتها اعلم انك منافق مجادل والله ان استبقيتني فلساني وجدالي لك وذلك خير من ان تسكته بضربه سيف فيكون لا لك ولا عليك ما الذي دعاك الى الفرار والاختباء اظننت ان عيوننا ستعجز عن اخراجك من جحرك خفت ان اكون ثاني اثنين اذ هما في التنور والله ما علمتك الا متناسيا للنعمه كفورا بها والله لان يكون الامر لك علي خير من ان يكون لي عليك ولان اسيء وتحسن خير من ان احسن وتسيء ولان تعفو عني في حال قدرتك اجمل من الانتقام مني قبحك الله ما علمتك الا كثير تزويق الكلام ثم التفت ابن ابي دؤاد الى معاونيه تعالوا بالحداد انتابت الجاحظ موجه شعور بالامل والياس متسائلا هل سياتي الحداد ليفك القيد ام ليضيف قيودا اخرى بقي لحظات معلقا بين الامل والياس بين خفه الحريه وثقل السجن ولم يستطع الصبر فقال بتضارف مصطنع وقلبه يرجف اعز الله القاضي الحداد ليفك عني ام ليزيدني بل ليفك عنك ثم دخل رجل بدين اصلع بيده حديد واقترب وجلس عند ساقي الجاحظ لكنه ما كاد يبدا في فك القيد حتى غمزه ابن ابي دؤاد ان يطيل الفك ويغرز الحديد في ساقه حتى يستثيره وعند اول غمزه لساقه لطمه الجاحظ قائلا ويلك اعمل عمل شهر في يوم وعمل يوم في ساعه وعمل ساعه في لحظه فان الالم بساق وليس بجذع نخله ولا بحائط ضج المجلس ضحكا ثم قال ابن ابي دؤ وفي صوته بقيه ضحك اني اثق بظرفك ولا اثق بدينك عفونا عنك وسنزين مجلسنا باحاديثك يا ابا عثمان طلب الجاحظ من ابن ابي دؤ ان يرسل معه من يوصله الى بيته في الطريق بدا يتذكر ان بيته قد يكون من الاموال التي صادرها المتوكل فقد صادر كل مال ابن زيات فما الذي يمنعه من مصادره بيت الجاحظ ثم اين الخادم نفيس وهل هرب من ربقه الرق ام اخذ فيما صدر تزاحمت خواطر كثيفه في ذهنه وهو يقف امام بيته دخل فتلقاه نفيس يركض وماء السعاده يتهاطل من عينيه ولم يفقي الجاحظ الا وهو يحتضنه ودموعه تسيل مدرارا ثم ارتخت يداه وابتعد عن نفيسا متسائلا هل اخذت الحياه منه كل شيء حتى انه لم يجد من يحتضنه لحظه عودته الا خادما هنديا تذكر امه فراى نفسه طفلا غريرا يركض قادما من الكتاب ثم شخصت اخر صوره لها امام عينيه وهي تجود بنفسها في بيت وسخ مهمل بحي بني كنانه في البصره اجل بصره في المنزل الفسيح والحديقه الواسعه وتمنى لو عاشت حتى تستمتع بالثراء معه فما قيمه طرف لا يشارك فيه احباؤك؟ ثم اطلت صوره تماظر باسمه وجميله كانها امل هارب ثم تخيلها تستقبله عند مدخل البيت لتضمه وتفديه لكن عليه كانت تنظر اليه بانزعاج بقدها الجميل متلفه في ملائتها البيضاء دوما رفع عينيه الى الحديقه فلاحظ للمره الاولى ان البيت اوسع مما ينبغي حتى كانه اتسع بعده وامتد وتصاعد صوت الريح داخله ثم جاءه صوت نفيس سيدي هذه رساله لك فتح الرساله وبدا يقرا وكلما قرا غامت الاحرف امامه سيدي لقد ارسل اخي الملك جواسيس وخطفوني من بغداد وانا الان اعيش معهم في قصر والدي لكني سجينه فانا لا اعرف لغتهم ولا افهم عاداتهم انا اشبههم في جسدي وسحنتي فقط احن اليك والى مراتع الصبا والى اهل بغداد سقاك الله وسقى ايامك ولن ال وجهدا في العوده والسلام وفي نهايه الرساله وضعت كلمه كانها تذكرتها بعد كتابه الرساله كانت عباره حده لكنها كانت اوقع على قلبه من الرساله كلها كتبت لا انسى يوم الطاق استنفذت العباره الاخيره كل قواه جلس واضعا يديه على راسه فتلك العباره الاخيره التائهه كانت اكثر وقعا من كل ذكرى وما يوم الطاق لم يكن الا يوما خرج فيه وجلسا على حافه دجله وقضايا يومهما كاملا هناك كانت تغني وكان يستمع ويقرا ويكتب لكن ذاكرت مولعه بتقديس لحظات ونسيان اخرى دون سبب مفهوم فقد تخزن الذاكره موقفا عاديا لتبني منه عالما من الخيال الجميل وان لم يكن بذلك الجمال قد يمر بالانسان يوما يشعر فيه بالتعاسه لكنه اذا مر وانقضى تزخرفه الذاكره جاعله منه يوما لا كالايام ظل جالسا واضعا يديه على راسه ثم فاضت ذاكرته رنه عود وعشبا اخضر ولحظات انس جفله وانحدرت على خده دمعه شارده دمعه عجوز عاشق ويتيم وقع ذلك الحادث المزلزل قبل فتره فتح عينيه فراى جماعه فيهم مسرجويه الطبيب يحيطون به وهو ممدد على فراشه في غرفه كتبه فتح عينيه فلم يحس باي الم اما بالجلوس باندهاش لكنه فوجئ بانه لا يملك سلطانا على شقه الايسر نظر الى مسرجويه الطبيب وهو يجس نبضه ثم جاءه صوته انه الفالج ساد صمت ثم همس ابن ابي دؤاد وما العمل وجم الجميع فيما كانت نظرات الجاحظ المتوسله تقفز بين وجهيهما وهبت رياح قادمه من جهه الحديقه تحمل انساما ورائحه عشب مبلل حملق في وجهيهما كانه طفل عاجز كان الشيب قد غطى كل شعره في جسمه لكن الدموع التي كانت تتحدر من اطراف عينيه الذااويتين دموع شوق الى اشياء كثيره شوق الى جاريته التي طارت من بين يديه وشوق الى نيل الامنيات التي يضطرب بها قلبه كبير وشوق الى العافيه وشوق الى اشياء وعوالم تضيق اللغه عن قنصها في احرف ميته رددوا ابصارهم فراوه يداري دموعه فلا يضاهي فداحه بيضاض راس الطفل شيبا من الهموم الا انهمار الدموع من عيني عجوز مشتاق ومضت اشهر لا يرى فيها الا قليلا من الزوار فلا يكاد يرى الا الخادم نفيس الذي بدا يكثر الصلاه والاستشهاد بالقران والاحاديث كما بدا زواره من العبيد يكثرون او بنت اخته مريم التي جاءته من البصره للاعتناء به تعود سريعا على حياته الجديده فقد قرر ان يعيش داخل غرفه كتبه لا يبرحها وصارت جملته التي يرددها انا دفين الكتب اصب له سرير مرتفع ووضعت له مخدات تحت قدميه تحيط به الكتب من كل جانب وعن يمينه دفاتره التي يكتب فيها بياض النهار وسواد الليل تتوالى مريم خدمته فيما لا بد منه اما نفيس فيتولى طعامه وشرابه مرت اشهر لا يزوره فيها الا العواد ثم بدا الناس في بغداد يتناقلون متعه مجالسته حتى مع مرضه ثم كثر زواره حتى اشترط الا يزوره احد الى بين العصر والمغرب تنوع زواره ما بين الوزراء والكتاب والمتادبين وحتى الشباب العشاق الذين يريدون الاستشاره في شؤون الحب كان مستلقيا ناظرا الى السقف بعد ان كتب فصلا كاملا من البيان والتبيين فجاءه صوت بنت اخته هل تريد شيئا فانا ساخرج قليلا لا عليك يا ابنتي قالها ولم ينظر صعبها فذهنه مشغول بما دار بينه وبين الشاب الذي زاره امس تذكر وجهه المتورده وعينيه الناظرتين الى الاسفل دائما دخل عليه وهو مستلق فبادره ماذا تريد يا فتى اريد ان اسال في امر اهمني ادخل جلس الشاب وادار بصره في رفوف في الكتب ثم نظر الى الجسد النحيل الصريع فندم لحظه على قدومه ثم جاءه صوت الجاحظ هل انت عاشق تمتم الفتى فكانه اخذه على غره ولم تتضح الكلمات التي نطق بها فقال الجاحظ بتثاقل ايه نعم هل تعرف الفرق بين المحب والعاشق وما الفرق الفرق بين المقامين اسمع يا ابن اخي ان العشق اسم لما زاد عن الحب كما ان الاسراف اسم لما زاد عن الجود والبخل اسم لما نقص عن درجه الاقتصاد فهل انت محب ام عاشق؟ انا عاشق اذا لكن والدي يعنفني لذا جئتك اعشق يا بني ولا تلتفت لوالدك فالعشق من اهم اسباب الخير في هذه الدنيا كما ان البغض من اعظم اسباب الشر في هذا العالم كيف ان العشق اصدق تعبير في النفس البشريه الا ترى ان الرجل قد يصل الحد الاقصى من الغضب ثم اذا تمكن من عدوه عفى عنه لرجائه ان يوصف بالنبل والحلم وكذلك الانسان مهما بلغ من حب المال فانه قد يمنحه لغيره ويخرج من كل ماله لكن العاشق لا يظفر بمعشوقه ثم يتنازل عنه او تسخو نفسه بان يتركه لوالد او ولد لكننا ايضا نحب والدينا حبا متناهيا رغم حبنا لاهلينا ووالدينا وابنائنا الا اننا لم نرى قطم مات عشقا لوالديه والدنيا لا تخلو ممن مات عشقا لكن ما الذي يجعل العشق بابا من ابواب الخير ما دام العشق اصيلا في الفطره البشريه اكثر من غيره فذاك يعني انه خير لاندراجه في قوله تعالى فطره الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله فهو اكثر صفه التصاشريه لكنهم علمونا ان المراه شر كلها. انتفض الجاحظ فرفع ساقه السليمه عن الوساده ورفع يده اليمنى ودارت بذهنه الاف الصور. ثم قال نصف ساخر ومن قال ذلك يا بني؟ لا تلتفت لكلام الحشوه فكلامهم على قدر عقولهم. ثم سكت قليلا وشخصت في ذهنه تماظر فقال ان المراه كلها خير فكل ما يسعى له الرجال من مجد وسؤدد وتجمل انما ينتهي للمراه ولولا المراه ما تجمل رجل ولا تعطر ولا تنظف ولا تجمر اما هي فتتجمل وتتعطر فطره فطرها الله عليها ترى ذلك في خلقه البنت الصغيره التي لم يدر بخلدها الميل الى الرجال برقت عينا الشاب وخف الخجل الذي كان يعقد لسانه فقال لكن الرجل ارفع قدرا عند الناس تعك من هذا ان المراه فوق الرجل بامور فهي التي تخطب وتعشق وتفدى وتحمى ثم ان الرجل العاقل يستحلف بالايمان المغلظه من مشي الى البيت الحرام ومن عتق لرقيقه وخروج من ماله فلا يجد حرجا في ذلك لكن ما ان تستحلفه بالطلاق حتى يتربد وجهه وتنتفخ اوداجه ويتحرج من ذلك وان كانت زوجه قبيحه المنظر سيئه المخبر خفيفه المهر رقيقه النسب فدل هذا على ان المراه امكن من الرجل شعر الشاب بخفه وانبساط فصاح اي الله وهنا باب اخر يا ولدي وهو ان الرجل والمراه اذا جلسا وبينهما تعاشق وكا من ابلد خلق الله فانما ياتي من اطايب الحديث وتفانين الغزل بينهما يكون ارق من شعر عمر بن ابي ربيع فان الغزل رقيق بطبيعته حتى ولو كان بين رجل عيي وفتاه بليده فاي كلام يخرج مخرج الغزل يرق ويسمو ويحلو قال الشاب وهو يرفع بصره في رفوف الكتب اذا كان هذا هو موقع المراه في هذه الدنيا وفي نفوس الرجال فلما لا يصرحون بهذا انهم يتسترون على الامر ويدارونه لعلمهم انهم لا يريدون شيئا في الدنيا الا لهن فانت لو خرجت الان الى الشارع وخيرت اي رجل تلقاه بين ان يعيش طيله حياته فقيرا ممكنا من التمتع بالنساء وبين ان يعيش طيله حياته غنيا محروما من التمتع بهن لما تردد لحظه في اختيار الفقر انا اعشق بنت عمي وعمها لا يمكنني من رؤيتها رفع الجاحظ رجله السليمه وانفجر هاد جمل هائج الجاريه افضل يا بني ولا خير في الحرائر فالجاريه تراها قبل ان تملكها فتعرف محاسن جسمها ومحاسن روحها وتهجم منها على ما يسرك ويسوءك فتقدم على ابتياعها وانت عارف بمكنوناتها اما الحره فصفقه غرر فانت لا تعرف عنها شيئا الا بعد ان تتزوجها فتكون كالمغبون لكن امي وصفتها التفت جهه الشاب ثم سال ريق مسحه بمنديل ويده ترتعد وهو يقول ان النساء لا يعرفن ما يعجب الرجال في النساء فالمراه لا تعرف من المراه الا الصفه الظاهره اما الخصائص التي تعجب الرجل فلا تنتبه لها بل تاتيك احداهن وتقول كان انفها سيف وكان ساقها جمار وكان شعرها العناقيد وهذا لا فائده منه فهي لا تدرك ما يريد الرجل كان الجاحظ غارقا في استعاده حواره مع الشاب العاشق الذي زاره فافاق على صوت نفيس يقول سيدي لقد حان وقت طعامك كان استعاده حديثه مع الشاب قد فتحت له بابا من التفكير فضج خياله بصور تناظر وعليه وتذكر كل ما سمعه من انتقاص للجوار والنساء عامه ثم تذكر حواراته في ليل البصره مع اترابه من النساء شعر بعدم الرغبه في الطعام وانتابته موجه صبابه وشوق الى عليه التفت الى نفيس وقال بصوت حزين اخر الطعام حتى ادعوك ثم مال على شقه السليم وامسك قلمه وكتب رساله في مدح النساء كاد الرجل الاسمر النحيل يطير فرحا وهو يستمع للجاحظ ويتامله فمذو اشترى رسائله قبل سنوات من وراق بمدينه من بجب الشام وهو يتمنى لقاءه جلس في طرف الغرفه ومال على الجاحظ ليقبل جبينه وقال السلام على ابي عثمان ورحمه الله وبركاته. رفع عينيه متاملا الرجل الاسمر الذي يراه اول مره وتمتم. من انت ايها الزائر؟ انا ابو عباده البحتري الشاعر. انفرجت اساريره وقال يا اهلا وسهلا لقد سمعت كثيرا من شعرك واعجبني. شكر الله لكم ابا عثمان والله ان هذا ليزيد شعري في عينيه. دارت عده مقطوعات بذهن الجاحظ من شعر البحتري لكن الابيات التي قالها في وصف مقتل المتوكل كادت تقفز على شفتيه فبادره البحتري كيف صحتك يا ابا عثمان هي كما ترى تسر العدو وتبكي الصديق لا باس ان شاء الله رفع وجهه الى السقف واعاده متفرسا وجه البحري وعمامته الخضراء راء والسرور يبرق في عينيه فقال لقد قلت لبعض الاصحاب انك وابا تمام اشعر اهل زماننا غير اني سمعت احدهم ذكر لك قصيده في وصف ايوان كسرى اي نعم كسرى اما عندك شعر في محامد قيس بن زهير او الاحنف بن قيس قيم الصمت وشعر البحتري بالضيق وجعل يمسح لحيته بهدوء مذكرا نفسه بان الجاحظ طعن في السن ولا تؤخذ دلالات كلامه كلها وخطر له انه ربما لو سمع القصيده لاعجبته فوضع يده على يد الجاحظ وقال هل لك ان تسمع مني بعضها حتى تحكم يا ابا عثمان لم يجب وتذكر الجاحظ ان البحتوري كان حاضرا لحظه مقتل الخليفه المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان فاحب ان يسمع منه القصه كما وقعت سكت قليلا وقال ابا عباده علمت انك كنت حاضرا قتل علوج الاتراك للمتوكل فهلا رويت لي الامر حتى احققه منك وجم البحتوري قليلا وهو ينظر الى ارض الغرفه المفروشه بالسجاد الفاخر جعل ينكت السجاد باصبعه واجما متذكرا تاليف الجاحظ لكتاب في مدح الجنود الاتراك اعاد نظره للجاض الذي بدا في عينيه هيكلا عظميا مدفونا منذ الاف السنوات تامل جسمه النحيل الذي لا يكاد يتحرك منه الا تلك العينين الحادتين التين تخترقانه انتظارا للحديد طال صمت البحتري وطالت نظرات الجاحظ اليه فهو لا يضيق بشيء ضيقه باستعاده تلك اللحظه التي قتل فيها المتوكل امامه رفع راسه متنهدا وخياله شارد الى تلك الليله التي لم تشهد العراق مثلها من قبل ليله قتل خليفه المسلمين بملاه بين الجنود الاتراك وابنه المنتصر كان المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان والبحتوري جالسين في بهو واسع بقصر الجعفري بحي القاطول تحيط بهم اربعه مصابيح كبيره مثبته في زوايا البهو الواسع كان المتوكل مستندا الى وساده ضخمه وبين يديه اشربه وكتب وبخور بد المتوكل مسرورا مقبلا على الحديث والاستزاده من انشاد الشعر وقصص ايام العرب وكان الفتح بن خاقان وزيره الاديب لا يدخر نادره الا رواها ولا ملحه الا حكاها اما البحتور فظلي لا يراوح بين انشاد الشعر وروايه الحكايات في اثناء ذلك كان القائد التركي بغاي يغلق ابواب القصر دون ان يشعر به احد ترك بابا واحدا يسمى باب الشط مشرعا ليدخل منه مع مجموعه من الجنود الملتمين وبينما المتوكل يرمق الفتح منصطا له اذ سمعا قرعا ععالي الجنود وقعقعه السيوف وصوت احد الحاشيه من بعيد يقول ما هذا يا سفل وقف المتوكل مذعورا فراى قائده بغى فصاحبه ما هذا يا بغى ارتبك بغى عندما راى المتوكل امامه فتلعتم هؤلاء رجال النوبه الذين يبيتون يحرسون باب سيدي امير المؤمنين لحظ الجنود تلعثم بغى فتدافعوا راجعين لكن بغى استعاد تماسكه وصح بهم يا سفل انتم مقتولون لا محاله فارجعوا وموتوا كراما عندها رجع الجنود وقفز جندي تركي اسمه بغلون وضرب المتوكل بالسيف على كتفه ثم ارجعه اليه فطارت اذنه صح الفتح ابن خاقان ويلكم امير المؤمنين فقال بغا يا حلقي الا تسكت كت قفز الفتح ورمى بجسمه فوق المتوكل ليحميه فبجعوه بسيوفهم وقام بغا حتى غرز طرف السيف في بطن كل واحد منهما سالت دماؤهما حتى لطخت كتبا في طرف المجلس وسمعت صيحات وبكاء من جهه بيوت النساء في اطراف القصر انهى البحتوري الحديث وجعل يفرق يديه صامتا ساله الجاحظ دون ان يلتفت اليه وكيف نجوت انت؟ علمت ان جهدي لن ينفع فعندما بدا الجنود في القتل ابتعدت ووجدت لي مختبا وكنت اردد في ذهني قول الفارس الحارث بن هشام حين فر من المعركه يوم بدر وعلمت اني ان اقاتل واحدا اقتل ولا يضرر عدوي مشهدي وسكت البحتري وشعر بضيق وهو يلمح في وجه الجاحظ سخريه مشوبه بحزن وتساءل في نفسه كيف كان سيتصرف الجاحظ لو شهد القتل وبعد صمت ثقيل مال الجاحظ على شقه السليم وقال متناهدا انشدني القصيده التي قلت في رثاء المتوكل وذكر هذه الليله الليلاء غير البحتوري جلسته وقال مرتبكا محل على القاطول اخلق داثره وعادت صروف الدهر جيشا تغاوره كان الصبا توفي نذورا اذا انبرت تراوحه اذيالها وتباكره ورب زمان ناعم ثم عهده ترق حواشيه ويونق ناظره تغير حسن الجعفري وانسه وقو وضباد الجعفري وحاضره تحمل عنه ساكنوه فجاءه فعادت سواء دوره ومقابره اذا نحن زرناه اجد لنا الاساء وقد كان قبل اليوم يبهج زائره برقت عينا الجاحظ طربا واشار للبحتري بالتوقف وقال من حق الادب علي الا اسمع هذا الشعر وانا مستلقن نادي نفيسا ليجلسني شعر البحتوري بغبطه عارمه وقال لا عليك يا ابا عثمان فصاح الجاحظ باعلى صوته نفيس اجلسني يا نفيس جاء نفيس يركض وامسك بمنكبي الجاحظ واجلسه ثم وضع وسائد بين كتفيه والجدار اعتدل وهو يمسح لعابا سائلا بطرف ثوبه به اما الان فانشد يا ابا عباده نظر البحتري الى الارض كانه يتذكر من اين يعاود الانشاد ولم انسى وحش القصر اذ ريع سربه واذعرت اطلائه وجاذره واذا صيح فيه بالرحيل فهتكت على عجل استاره وستائره ووحشته حتى كان لم يقس ولم تحسن لعين مناظره كان لم تبت فيه الخلافه طلقه بشاشتها والملك يشرق زاهره ولم تجمع الدنيا اليه بهائها وبهجتها والعيش غض مكاسره امسك يا ابا عباده يا الله رفع الجحض يده النحيله الشاحبه بهدوءه وهي تختلج وضعها على جبهته وردد بصوت مليء بالعبره والحسرات كان لم تب فيه الخلافه طلقه بشاشتها والملك يشرق زاهره لله ابوك يا ابا عباده ايه صريع تقاضاه السيوف حشاشه يجود بها والموت حمر اظافره ادافع عنه باليدين ين ولم يكن ليثني الاعادي اعزل الليل حاسره ولو كان سيفي ساعه القتل في يدي درى القاتل العجلان كيف اساوره حرام علي الراح بعدك او ارى دما يجري على الارض مائره وهل ارتجي ان يطلب الدم واترا يد الدهر والموتور بالدم واتره اكان ولي العهد اضمر غدره فمن عجب ان ولي العهد غادره فلا ملي الباقي تراث الذي مضى ولا حملت ذاك الدعاء منابره لنعم الدم المسفوح ليله جعفر هرقتم وجنح الليل سود دياجره رفع الجاحظ يده ووضعها على راسه وهو يقول يا الله درك يا ابا عباده وضع يده عن راسه ونظر في عيني البحتري وانشد ادافع عنه باليدين ولم يكن ليثني الاعادي اعزل الليل حاسره وسكت وشعر البحتري بضيق فقد فهم ان الجاحظ توقف عند البيت مشككا في تصور البحتري لنفسه فارسا مدافعا عن المتوكل وهو يعلم انه اختبا كما اخبره وخيم صوت لم يقطعه الا صوت اذان من بعيد اتم من نافذه الغرفه حرك الجاحظ فكه السفلي فظهر درده بوضوح وهو يقول احسنت هذا والله الشعر جزيت خيرا على ان غسلت اذني من شيء سمعته امس من احد الادعياء جاءني هنا وانشدني ما زعم انه شعر فزاد علتي ولم انمي البارحه غيضا منه ولولا ان ادخل في الحكم بعض الفتك لقضيت بان ذريته لا يخرج منها شاعر ابدا قاتله الله هذا اجرا من خاص الاسد كيف يعرض رديء الشعر على ابي عثمان وشعر البحتري بانه تجاوز اللحظه الحرجه التي كان يخشى فيها ان يغلض له ابو عثمان القول وتذكر الجاحظ ان نفيسا لم ياتي باي شراب للزائر فقال انتم تزورون لعابا سائلا وشقا مائلا هذا الخادم لم يسقكم فقال البحتري والله لقد شربنا افضل شراب واكلنا الذ طعام بمحادثتكم حرك الجاحظ كتفه فتحركت الوساده المثبته بينه وبين الجدار وكانه يسترخي وعج خياله بصوره صديقه الوزير الفتح بن خاقان وهو صريع مدرج بدمائه وتذكر نبله والاشعار التي يحفظها وادبه وكياسته وتخيل الجنود الاتراك الاميين يركلونه بارجلهم وهو يموت ميته الاكارم فاديا الخليفه بنفسه ظللته سحابه حزن فقلل الحديث وشعر البحتوري بان الجاحظ يريد ان يخلو بنفسه سكتا برهه ثم قال البحتري استاذن يا ابا عثمان ورفع الجاحظ جفنيه موافقا حفظك الله ابا عباده ونزل البحري متدحرجا من الدرج بخفه وقبل ان يصل الى الباب كان نفيس يركض ليستاذن لرسول من الخليفه خرج البحتور مرخيا طرف عمامته على وجهه ودخل رسول امير المؤمنين جلس عند راس الجاحظ ومال عليه لقد عرفنا كيف خطفت جاريتكم تحول الجسد النحيل المعاق الى كتله من الحيويه والدم المتدفق كانت يد الجاحظ في الطريق الى فمه لمسح لعابه فوقفت حائره في الهواء بين فمه وركبته ثم هوت على ركبته ادار عينيه في وجه الرسول وتحول شابا مولها كيف لقد امسكنا غلاما كان يتجسس وعلمنا منه كيف جاء فرسان متنكرون في زي تجار وكيف دلهم على بيتك فجاؤوا واخذوا الجاريه قفز سؤال حارق الى ذهنه لكنه تردد في النطق به خوفا من نتيجته ثم غلبته نفسه فقال قال هل وافقتهم عليه على الخروج ام ارهبوها؟ لا قال الغلام انهم اخذوها مكرهه وزعم الجاسوس انها بنت ملك من ملوكهم ظل يبحث عنها طيله حياته وان اخاه خلفه في البحث عنها وزعم انها بنت ملك من ملوك شمال الاندلس نعم لقد اخبرتني بذلك لاحظ الرسول ان الجاحظه وكفت رجله السليمه بسهوله دون جهد منه وان جسده النحيل يزداد تعرقا كما لاحظ انتعاشا في حركه عينيه ذاويتين ثم لاحظ انه يجاهد نفسه حتى لا يتكلم فنظرات التائهه تقفز وجانب شفته السفلى يتحرك حركه دائبه مرت ثوان فوقف الرسول مودعا خرج من غرفه الكتب ونزل من الدرج وما وصل الى الباب حتى سمع صوت نفيس سيدي يدعوك للرجوع اليه جلس الرسول بهدوء فقال الجاحظ وفي صوته راده اريد ان تجهز لي راحله ورفقه لاعود للبصره مع اشراقه الشمس على جسر الرجله كان الجاحظ مستندا على وسائد في مقدمه سفينه يحيط به نفيس وبنت اخته مريم ومجموعه عه من الجنود دفع جندي السفينه عن حافه اليابسه بينما كانت اذن الجاحظ اللقاطه تنصط لجاريه تغسل ثوبا على طرف النهر وهي تغني صفى العيش في بغداد واخضر عوده وعيش سواها غير خفض ولا غضي تطول بها الاعمار ان غذائها مريء وبعض الارض امرا من بعض امر يده على خده المتغضن ومسح دمعه شارده وتامل الجاريه بطرف عينيه وهي تفرك الثوب الذي بين يديها وتواصل الغناء الدوحه عام 1440 للهجره صب شقيق حصه فنجان قهوه اخر للقروي فرشفه رشفه واحده لانشغال ذهنه بالاستماع الى صديقه الذي بدا الحنيف بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبيه الكريم الحمد لله الذي احل النكاح وحرم السفاح وجعل المصاهره نسبا موصولا ورحما معلقا وصل الرجل حديثه بلغه فيها من الفصاحه قدر ما فيها من التكلف والسجع فجعل اهل المنزل يحدجونه بعيونهم وراح اخرون يتلفتون ويتثائبون وبعد دقائق وصل المتحدث الى قوله اما بعد فحرك طرف عمامته ومسحفاه وقال اما بعد فقد جئنا لنتشرف بمصاهرتكم فمحمد شاب من افضل الشباب علما وفهما واخلاقا ثم هو ذو حسب ونسب في قومه فهو من احدى القبائل الحميريه ذات الصوله بالقلم والسيب وهو الفحل لا يجدع انفه دوت الضحكه طفلا كان في طرف المجلس وولى هاربا ساد صمت ثم استعاد الرجل اتزانه وشد عليه طرف دراعته المزركشه ووصل فهو الفحل لا يجدع انفه ولا تضيع عنده الحرم ثم خفض نبرته وصلى سلم على النبي وسكت خيم صمت مطبق في انتظار ما يقوله والد الفتاه الذي بدا غير متعجل بل تشاغل بنفض نقطه سوداء باديه على طرف قميصه الناصع البياض ثم رفع راسه وقال وصوته يكاد لا يسمع نشكر لكم حضوركم وحسن الظن لكننا نرى ان ليس للاخ محمد نصيب في هذا الزواج ولعل الله ادخر له الافضل كان القروي ينظر الى ابي حصه نظرا متواصلا بتركيز حتى كانه لا يحرك حداقتيه فلما انتهى من الكلام قال له بلغه لا مباليه وهو ينظر الى باب المجلس هل يمكنني السؤال عن سبب الرفض شعر الاب بغرابه السؤال معتبرا اياه جراه وصفاقه فقال لا يهمك كيف لا يهمني اذا لم يكن يهمني فمن يهم؟ لا يهمك معرفه السبب المهم اننا رافضون واكثر وسكت القروي قليلا وهو يتلمض وساد جو كثيف حتى كان الهواء انحبس ولم يبقى الا صوت المكيف الهادر في طرف المجلس ادار القروي عينيه في السقف وقال انا لا ارى وجها لرفضكم فان كنتم تنطلقون من تقاليد العصر الذي نعيش فيه فانا واياها اتفقنا على الزواج وكلانا يعمل في نفس المؤسسه ولا سببا للرفض طيب وان كنتم تنطلقون من عادات البدو فنحن واياكم منحدرون من قبائل عربيه بدويه طيب والفرق الوحيد بيننا وبينكم اننا بدو متعلمون وانتم بدو كانت لكم اهتمامات اخرى وقف والد حصه دفعه واحده كان كهرباء لسعت فوق توقف الجميع بوقوفه وتوقف الزمن للحظات بد المجلس المستطيل ساحه حرب بين قبيلتين من قبائل العرب قبل الاف السنين صفان متقاربان للنزال رماح مشرعه وسيوف تبرق ولم يبقى الا ان تنطلق حناجر النساء بالزغاريد الحماسيه والاهازيج الحربيه ثم رفع والد حصه يده متوعدا اي صفاقه وجه هذا كان عليك ان تتربى اولا قبل الطمع في خطبه بنات الناس التربيه هي ان نعرف اقدار الرجال ومنازل الناس انت الذي لا تعرف اقدار الناس استمر الكلام للحظات والقوم وقوف فقال القروي وهو يتجه للخروج من باب المجلس بصوت جهوري واضح الفرق الوحيد هو انني بدوي متعلم وانك بدوي من نوع اخر انا احصي سبعه من ابائي كلهم عالم ولعلك تحصي نفس العدد من اجدادك قطاع طرق مشى ابو حصه وراءهم قائلا بصوت مرتفع فيه رعده لا مرحبا ولا اهلا ثم وقف واشار لابنائه بالسكوت وهم يرقبون الخطاب يخرجون الى مواقف السيارات ودوى صك الباب مغلقا وراءهم بازدراء وارتم القروي في المقعد الخلفي للسياره ومد مفتاحها لاحد مرافقيه دون ان يتكلم ساد صمت لم يقطعه الا رنين هاتف القروي الذي لا ينقطع وكانت شاشه هاتفه تلمع مطوعه بوريدا تتصل وقف ابو حصه وسط المنزل يصرخ كانه ثور مقيد سمعته حصه فقطعت الاتصال متواريه من الرده التي سيمر منها حتى لا يراها رمى غطاء راسه وجلس دفعه واحده في مجلس داخلي وقال لابنه الكبير كيف يتطاول علي في بيتي ان لم اخرج ذلك الوغد من هذه البلاد فانا لست اباكم وضعت حصه يدها على صدرها وتخيلت القروي يقاد الى مخافر الترحيل بين مئات الهنود والافغان من اصحاب الجنح وسارعت الى غرفتها وصقت الباب وراءها وارتمت فوق السرير الفاخر الذي تحول الى شوك في تلك اللحظات كيف تفقده هكذا دفعه واحده وضج ذهنها باسئله ابديه كيف يتحكم والدي في مستقبلي لهذه الدرجه كيف لا يسمح لي بان اقرر وانا العاقله البالغه الراشده وتخيلت نفسها وهي تخرج من مطار الدوحه لتلقاه في جزر موريش وتخيلتهما خارجين من مسجد وقد عقد قرانهما معمم افريقي يراهما للمره الاولى والاخيره حلالا على سنه الله ورسوله متسائله كيف يعقد هؤلاء حياتنا لهذه الدرجه وسمعت طرقا قويا على باب حجرتها وقامت كالسكرانه لتفتح فصاونها صوت والدها ان قال لي اي شخص انك تحدثت مع ذلك الندل فلن تريني ولن اراك محيت وسوف وسوف ثم ابتلع العباره التي كانت على لسانه واغلق الباب بعنف وولى يهدر كانه جمل هائج فصل عن قطيعه بين رمال نجد اظلمت الدنيا في عينيها ووقفت حائره بين ابيها ومعشوقها والدها الذي لا تخرج دموع العطف والابوه من عينيه الا نادرا تذكرته وهو يحملها ويلاعبها صغيره ياخذها الى القارات الاربع يطمئن على دراستها وعلى مستقبلها حتى صنع منها من هي الان كيف تؤذيه في شيبته وحبيبها الذي عرفت معه معنى التوتر الممتع في الحياه عرفها معنى ان يتحول يومها الى يوم مليء بتوتر السعاده وكيف تستيقض وهي تتحفز الاستق اقبال يوم جديد ستقابله فيه وعرفها كيف تهب من نومها لتنظر هاتفها عل به رساله جديده تعلمت معه تلك المعاني التي تجعل الحياه لذيذه شيقه مفعمه بالتوتر والجديد والمفاجات والشد والجذب والرضا والغضب الذين يعطيان معنى للحياه لاذلك الرضا الابديه الشبيهه برضا اهل المقابر ذلك السكون الثقيل الذي يخيم على المقابر والسجون زارت قلبها لتعرف في اي الاتجاهين يميل فوجدته حائرا عاجزا عن الميل في اي من الجهتين هل تمسك حقيبتها وتهرب ليتزوج في مكان بعيد ام تنساه وكيف لها ان تنساه وقفزت فوق سريرها صائحه والعجز يكبلها حسبي الله ونعم الوكيل ومر اخوها قرب الباب فسمع الصرخه تدوي وتردد صداها في جنبات المنزل الفاخر وسط غيض اخوتها وحنق والدها الذي يكاد يخرج من جلده غضبا البصره عام 255 للهجره يتكوم الجسد النحيل ممددا بين الاف الكتب داخل غرفه معزوله في زوايا من زوايا البصره تدور عيناه في سقف الغرفه فلا يرى الا اكداس الكتب نظر الى كتاب مهترئ الجلد فبرقت عيناه من الشوق تامله كانه صديق قديم فقد اشتراه من دمشق قبل 40 عاما يمد يده لياخذه لكنها لا تصل اليه اخذت الايام من قوه جسمه وابدلته حده وقوه في العقل والشعور كلما تقدم به العمر مد يده مره اخرى لياخذ الكتاب فلم يستطع فقال بصوت متهدج نفيس لكن صوته الضعيف لم يتجاوز غرفته الموحشه المنزويه في الضيعه الواسعه بعد مضي وقت ندى بنت اخته بصوت اضعف من الاول يا مريم لكنه لم يسمع الا تناوح الريح قرب نافذته مرت احتاج فيها الى من يساعده لقضاء حاجته فبنت اخته ذهبت لبعض اوتارها وتاخرت كثيرا اما نفيس فقد هرب الى سباخ البصره والتحق بثوار الزنج الزاحفين على البصره ردد ناظريه في السقف والكتب سرح خاطره مع عمره الطويل وهو يغوص في الروائح النتنه. ثم افاق على بنت اخته واقفه على الباب ممسكه انفها كيف؟ لماذا فعلت هذا قبل عودتي؟ لم ينبس ببنت شفه وغاص عقله الحاد على الاف الاسئله والمشاعر وهو ينظر اليها وجفناه يتراقصان بسرعه. ردد النظر في بنت اخته وفي السقف وفي الكتب المبثوثه في اطراف الغرفه اقتربت منه وفيما كانت تنزع الاذى من ازاره رات دمعه شارده من عينه اليسرى فامال راسه على الوساده حتى لا تراها شعرت بضيق مؤنبه نفسها على تاخرها عنه فقالت له بلهجه اعتذاريه لابد من ان تغتسل اليوم وتتعطر فقد ياتيك بعض طلاب بك لكنه لم يجبها كانت المشاعر السائبه المتمنعه على اللغه تشعره بعبثيه الحديث وقبيل الغروب بقليل طلب منها ان تضع له وسائد وراء ظهره فاسندته على وساده ضخمه وهو نصف مستقيم استند موليا وجهه جهه الباب حيث تبدو الشمس صفراء اذاويه جافله الى الغروب رفع حاجبيه المتهدلين فبدت له الشمس كئيبه متشبته بالافق رغم غروبها الوشيك. كانت جنبات البصره تضج بالهرج والمرج بعد ساعات من استباحه الزنجلها. غير ان رجلا يقود حصانا عليه امراه كان يقترب من هذه الضيعه المنعزله. رام الهرج في اطراف المدينه. فاجاحظ صوت في الخارج مسح اللعاب السائل من فيه ونظر جهه الشمس مره اخرى فبدا الباقي منها اشبه بحاجب ميت يجود بنفسه فتح الباب فرفع حاجبيه متاملا فراى خيال امراه يقترب تامل وجه المراه الشابه وهي تدخل راسها في باب الغرفه المعتمه في هذه اللحظه نسي انه مشلول منذ سنين طويله حاول القفز من مكانه لكن شقه الايسر خانه فلم يتحرك من مكانه صرخت ثم ارتمت فوق جسده اسندته الى صدرها كانه طفل رضيع فيما سال على صدرها ماء كان مزيجا من لعابه ومن دموعها وهو يردد عليه عدت يا الدوحه عام 1440 للهجره مرت ايام ثلاثه لم ياتي خلالها القروي الى عمله بالقناه بل نسي ان يستاذن او يطلب اجازه او لعله تذكر فشعر بعبثيه كل ذلك ومر صديقه مازن على شقته بمنطقه السد باح باحثا عنه فلم يجده ترك له رساله طالبا منه ان يطمئنه على سلامته بعد ان يائس من ان يرد على اتصالاته او رسائله قضى القروي ثلاثه ايام لا يخرج من غرفته الا ليلا ليتمشى على حافه الكورنيش وحيدا رفيقاه الحزن والغم الحزن على ما وقع في الماضي والغم مما قد تاتي به حبل الايام كان يمشي ساعات على الكورنيش كانه عاشق عذري مدله يمشي على الحافه احيانا وسط جموع المتريضين واحيانا يتجاوز الحاجز الاسمنتي لينزل الى الماء ويجلس على طرفه ساعات كانه صياد هاون او متسول مشرد وكلما تاخر الوقت ليلا وجد سلواه في هذا المكان فهو يتمتع بالليل ايما متعه وكثيرا ما فكر في ان الليل مستودع اسرار العشاق والشعراء واللصوص والساسه ورجال الاستخبارات وهو رفيق الحزانه وكاتمها وفي سواده العذب تنهل شفاه من شفاه ويشكو المحبون لمحبوبيهم وترتوي الشفاه العطش ممن سعت وراءه طويلا وفي تضاعيفه تتمرغ جباه النساك تعبدا وتسيل دموعهم المدراره بعيدا عن الاعين المتطفله وتحت ردائه العذب يبتل قلم الكاتب بعد يبس ويجري على الورق بعد حيران وتحت عباءه الليل وحده تعبر العذار في خدورهن عما يعتلج في صدورهن الفاتنه من عشق وشوق وضرام جلس على حافه مياه الخليج الناعسه في ليل الدوحه وغمس يده في الماء ثم مسح بها وجه والسؤال الذي يؤرقه لما لم ترد حصه على اتصالاته قد يكون بسبب تضايقها من رفض والدها لزواجهم لكنه يخشى ان يكون بسبب كلامه القاسي مع والدها واخوتها فهل هي غاضبه عليه ام لا؟ هل هي راضيه عنه ام مغاضبه له؟ هل انقطع التواصل لشده كلفها به ام لانزعاجها منه؟ نفض يده من الماء وعاد الى حافه الكورنيش ليتمشى فتراء له من بعيد المتحف الاسلامي متلففا في الظلام كانه حسناء منقبه تطفو على الماء كان رغم تعاسته وحزنه يجد لده دفينه في حالته تلك دون ان يكون واعيا بذلك فحاله القلق والتحول التي يعيشها يجد فيها ذاته ويجد فيها ملامح محبوبته فلا شيء يسره كلحظات التارجح بين عالمين فالتارجح هو اجمل ما في عالمه فلا الوصول الى ذروه المبتغى لدا الياس منه كذلك بل تلك اللحظه المتارجحه المشكوك في انتمائها لاحد الطرفين فاجمل المدن ما وقع بين اليابسه والماء واطيب الهواء ما وقع بين القارات واجمل النساء من تناوشت تها الاعراق وتشاغبت فيها الامزجه والالوان المختلفه فوقفت حائره بين السواد والبياض وبين جعوده الشعر وانبساطه واجمل الاشخاص محادثه من تنازعته اللغات والثقافات المتباينه وما سبب انجذابه لحصه الا ذلك التحول الابدي والتارجح الازلي في مزاجها وتدينها وعملها وانتماءاتها كانت هذه الافكار تلعب بذهنه وهو يكاد يقترب من فندق الشرتون القابع على طرف كورنيش الدوحه التفت يسارا الى القهوه التي جلس فيها ذات يوم مع محبوبته فانتزع هاتفه واتصل عليها محاولا من جديد رن الهاتف طويلا ثم انقطع الاتصال فرد الهاتف لجيبه وهو يتمتم ان المراه ظاهره متحوله فهي في تحول ها كشمس تفاجئك دائما بغروبها مع انك منذ عقلت تشاهدها تشرق وتغرب لكنها لا تفقد خاصيه المفاجاه وكذلك المراه تصحبها وقتا طويلا حتى تظن واهما انك عرفتها فتفاجئك كل يوم بطبع جديد واخلاق جديده ومراوغات جديده وصبي وتفاهات شديده فلحظه التحول وعدم الاستقرار التي تطبعها تجعلها فاتنه وساحره فمن ذا الذي يحب امراه مستقره المزاج ذاك اتعس ما في المراه اجمل النساء هي تلك التي يشبه مزاجها جو بعض المدن الساحليه حيث تمر بك الفصول الاربعه وانت جالس تحت سي قهوتك ما اسمج الرتابه وصل نهايه الدرب المخصص للمشاه على الكورنيش فاستدار راجعا وهو يتذكر محبوبته متذوقا جمالها لغويا وهو يتنتم كانت عاصفه من الجمال وانشوده قلقه للحياه يتضح من جلسه القروي بمكتبه في غرفه الاخبار انه لم ينم جيدا البارحه ولا التي قبلها يمد يديه متثائبه ثم يرجعهما وراءه متثاقلا مر رئيس التحرير بقامته القصيره وبطنه المدور راكض من وراء ظهره كانه يلهث ثم صفق بيده لمذيعه خرجت توا من موجز الاخبار قائلا يا سلام عليك ايه الجمال ده احببت تقديمك للموجز باللهجه هذا ما نريده من الان فصاعدا لقد ابتعدنا كثيرا عما يريده الشباب وسكنا في برج عاجي فصيح دهرا طويلا حان وقت الخروج منه ثم رفع رئيس التحرير هامته الصلعه الضخمه في وجه المذيعه وارده ولقد نزلت من ذلك البرج باحتراف اعجبني وامطرت المذيعه مسؤولها بعبارات الشكر وجاء صوت صحفي من قسم الاقتصاد يقول والله يا استاذنا لقد اصبحت القناه خفيفه وما عندي شك ان مشاهدتها تضعف والتفت عشرات العاملين جهه الصحفي المعروف بتملقه لمسؤوليه واجتاحت القروي موجه غضب لم يستطع السيطره عليها فالتفت جهه الصحفي قائلا كان بعض العوام يستصعبون شعر ابي تمام فساله احدهم يوما لما لا تقول ما يفهم فاجابه ولما لا تفهمون ما يقال وضجت ضحكات مختلفه من زوايا الغرفه فتشجع القروي وهو يشعر بانه في مهمه تاريخيه فهل المطلوب منا ان ننزل لدرك الضعفاء ام المطلوب ان نرتفع باذواقهم الى مقامنا اذا كان عندك تلاميذ نجباء في مدرستك وفيها بلداء فهل المطلوب ان تقمع الاذكياء وتنزل بهم لدرك الاغبياء وتبادل القروي ورئيس التحرير نظرات مترعه بالاحتقار المتبادل ورفع رئيس التحرير يده وحك صلعته وهو يتذكر بغبطه حديثه البارحه مع مدير القناه حول اتصال رجل يشكو من تحرش القروي ببنته وكيف قرر هو استغلال الموقف للتخلص من عبئه عاد رئيس التحرير راكضا الى مكتبه كانه بالون يتدحرج ردد القروي بصره في جنبات غرفه الاخبار فبدت له كئيبه بارده كانها اشرحه موتى وضجت اذناه باللهجات واللحن والتفت باحثا ببصره عن مازن فراه منهمكا في الحديث هاتفيا مع احد ضيوفه وردد نظراته مره اخرى في اطراف غرفه الاخبار فشعر بالضياع وعدم انتمائه للمكان فوقف ماشيا واخترق اذنيه صوت صحفي سوداني يغني بابيات من الشعر الشعبي في المديح النبوي وسمع شجارا بين منتج وصحفي غرفه المونتاج مختلطا بتوسلات منتج نشرات لضيف كي يقبل الحديث على النشره القادمه مشى بقدمين متتاقلتين وقلب كسلان وصعد الدرج الذي اسلمه الى الكافيتيريا لم يطلب اي شيء فلا شهيه عنده لاي شيء رمى جسمه على الكرسي وجلس قباله النافذه متاملا السيارات الغاديه والرائحه في الشارع المؤدي للكورنيش ثم تراءت له مناره مسجد خاشعه هادئه محيله لعالم بعيد وعاد بصره الى الكافيتيريا ورمى نظره على المقعد الذي راى عليه حصه اخر مره وانتابته موجه لا يعرف اهي موجه صبابه ام موجه غضب وضع ذراعيه على الطاوله ورمى بوجهه بينهما فسمع صوت احد المذيعين تقول مالك يا محمد الم تنامي البارحه؟ انا تعبان جدا ثم راى مازنا قادما يمشي بسرعه وسحب كرسيا بجانبه وجلس دون ان يمر لطلب قهوته المفضله ثم مال على القروي وقال ما سمعته صحيح وماذا سمعت؟ اذا لم يكن عندك خبر فيعني ان الامر غير صحيح لا قل لي ماذا سمعت؟ وتامل مازن وجه صاحبه فلاحظ انطفاء اللمعان الذي كان في عينيه وخيل اليه انه لم ينم منذ مده ثم اردف متلعثما سمعت ان رئيس التحرير ومدير البرامج حصلا على موافقه لاقالتك من عملك حق الله لكنه لم يمدها هذه المره كما يفعل عاده بل نطقها كانه لا يبالي فلم يشعر القروي باي مفاجاه او انزعاج مما سمعه فقد بدا يشعر منذ فتره بالرغبه الجامحه في مغادره المكان وصدم مازن من رده الفعل البارده لصديقه فبادره بلهجه متطلعه شو هل وجدت وظيفه بديله كان القروي عميق الايمان بان الارزاق بيد الله فنظر الى الفلبينيه المنشغله باعداد القهوه وقال عبارته الاثيره اذا غلى شيء ارخصته بالترك لا اريد هذه الوظيفه ولا وظيفه بديله عنها مر شهر كامل وهو يعيش مشردا على ضفاف الكورنيش كان ينام في سيارته ليلا ويقضي معظم نهاره في دار الكتب القطريه بمنطقه امغويلينا يجلس هناك للبحث والكتابه مصمما على اكمال روايه عن الجاحظ ياس كل معارفه من اقناعه بسكن في بيوتهم حتى يتيسر له قضاء القرض الذي يطالبه به البنك فبعد اقالته من وظيفته ارسل البنك اسمه للمحكمه فوضعته على قائمه الممنوعين من السفر قبل ايام جاءه احد وجوه الجاليه الموريتانيه في الدوحه مصمما على الا يتركه حتى يذهب معه الى بيته لكنه بعد محاولات لساعات فشل في اقناعه وبعد ذهاب الرجل عنه خرج من سيارته ومشى على طرف الكورنيش مرددا قول الشنفره بزهو شديد واستف ترب الارض كي لا يرى له علي من الطول امرئ متطول اتفق مع احد العمال الهنود على 100 ريال في الشهر مقابل السماح له بالاستحمام عنده كل يومين فكان يخرج اليه ثم ما يلبث ان يعود الى مكانه على الكورنيش واصبح كل من يتريض على ضفاف الكورنيش معتادا على رؤيته جالسا القرفصاء وسط سيارته او تحت نخله يقرا ويكتب اختفت معالم التانق التي عرف بها وتكاثف شعر راسه ولحيته اصبح شبيها بيساري سبعينيات القرن العشرين لكنه مع ذلك لم يكن حزينا بل كانت السعاده اغلب على مزاجه من التعاسه فقد شعر بان عليه ان يثبت انه لم يخسر بل اولئك الذين اقالوه هم الخاسرون لا يضايقه الا امر واحد وان امه اتصلت به لتخبره بانها ستبيع 20 ناقه من الابل التي ورثتها عن والدها لتسدد عنه الدين كلما تذكر كر ذلك الامر شعر بضيق خانق وحزن كاسح غير انه ضيق يدفعه الى اكمال روايته عن الجاحب لا ضيق يدعو الى الكسل والخمول ناقش امه مرات حتى اقنعها زورا بانه يطالب احد اصدقائه بدين سيرده له قريبا وان ذلك الدين كفيل باخراجه من ورطته في احد صباحات السبت كانت سياره مرسيدس فارهه تسير بهدوء على طرف الكورنيش الى ان صرخت داخلها فتاه فتوقفت اطلت الفتاه من النافذه لتتاكد من لوحه السياره التي كان القروي يجلس داخلها تاملت تاملت شعره الثائر وملابسه المتسخه وتذكرت صور المشردين الذين كانت ترثيل حالهم في مترو الانفاق خلال اجازاتها الصيفيه بباريس وانهمرت الدموع من عينيها مدرا وهي تضع يديها على زجاج نافذه السياره التي يقودها والدها والتفت اليها والدها متاملا اياها دون ان تنبس ثم عادت النظر الى الشاب واعادت عينيها الى والدها فانهمرت دموعهما معا لم يشك والدها للحظه ان الرجل اصيب بالجنون بسبب رفض الزواج من ابنته وشعر بجبال الدنيا تستقر على كتفيه شعر بالرغبه في الانتحار فكيف يجرع مخلوقا كل هذه المرارات واستيقظت داخل نفسه شيم نخوه طمرتها العصبيات طويلا اوقف سيارته على طرف الشارع الصاخب وفكر في النزول تردد ثم نزع نظارتيه ومسح دموعا ثالت من عينيه في صمت بقي صامتين يراوحان بين النظر الى القروي المندمج في قراءه كتاب داخل سيارته وتبادل نظرات ثقيله مليئه بالاسئله والحيره والتانيب والتلاوم وضغط والد حصه على دواسه الوقود بقوه فانطلقت السياره بينما كانت حصه ملتفته تنظر من الزجاج الخلفي للسياره الفاخره ودموعها تتحدر لالئ على خديها قاد سيارته بسرعه محاولا التحرر من صراع يضطرب نارا بين جوانحه ضغط دواسه الوقود وعض على شفتيه كانه يحاول الافلات من شيم وقيم تتململ لتستيقظ بين ضلوعه رغما عنه لم يلاحظ القروي اي شيء مما دار وبعد يومين رن هاتفه برقم سويسري غريب السيد محمد القروي نعم تفضل انا عمران اسحاق من شركه جوجل بزيورخ نعم هل الوقت مناسب للحديث؟ جدا بكل سرور وانطلق المتصل شارحا كيف قررت جوجل عرض وظيفه عليه للخدمات الجليله التي اسداها لها عن طريق تصحيحه للترجمات وكيف ان المختصين في الشركه انتهوا الى انه عقل لغوي لابد من تعيينه مستشارا وكان اخر ما سمعه القروي لا اشكال يمكننا منحكم قرضا رتب امرك لتاتي الى زيورخ ووقف القروي على حافه الكورنيش متاملا الزوارق الصغيره الطافيه على صفحته ودموع السعاده تنبجس من ماقيه مختلطه برذد متصاعد من حافه مياه الخليج سافر خياله بعيدا ضاجا بصور متناقضه استعادت صوره امه وهي تبيع نوقا تلادا مما ورثت من والدها مع صور موظفي جوجل بمقر الشركه بالزيورخ ثم سرح ذهنه الى بلاد يستطيع السير فيها متى شاء وانا شاء وكيف شاء صحراء لا سلطان لاحد عليه فيها
1:26:43
دانشمند (1) | أحمد فال الدين | رواية سيرة حياة الإمام الغزالي، بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
8.5K مشاهدة · 6 months ago
11:31:51
رواية الحدقي|أحمد فال الدين|الرواية كاملة | كتاب صوتي
منطوق
1.2K مشاهدة · 1 month ago
1:41:27
دانشمند (2) | أحمد فال الدين | رواية سيرة حياة الإمام الغزالي، بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
4.4K مشاهدة · 6 months ago
1:00:37
دانشمند (7) | أحمد فال الدين | رواية سيرة حياة الإمام الغزالي، بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
2.8K مشاهدة · 5 months ago
1:22:39
دانشمند (6) | أحمد فال الدين | رواية سيرة حياة الإمام الغزالي، بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
2.9K مشاهدة · 5 months ago
56:42
رواية الحدقي للأستاذ أحمد فال ولد الدين
أسمار وأفكار
18.3K مشاهدة · 8 years ago
1:15:04
دانشمند (15) | أحمد فال الدين | رواية سيرة حياة الإمام الغزالي، بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
2.6K مشاهدة · 3 months ago
1:23:39
دانشمند (20) الحلقة الأخيرة | أحمد فال الدين | رواية سيرة حياة الإمام الغزالي، بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
2.2K مشاهدة · 3 months ago
1:12:45
دانشمند (3) | أحمد فال الدين | رواية سيرة حياة الإمام الغزالي، بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
3.6K مشاهدة · 5 months ago
1:06:23
دانشمند (12) | أحمد فال الدين | رواية سيرة حياة الإمام الغزالي، بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
2.4K مشاهدة · 4 months ago
1:02:14
دانشمند (4) | أحمد فال الدين | رواية سيرة حياة الإمام الغزالي، بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
2.9K مشاهدة · 5 months ago
1:11:18
دانشمند (5) | أحمد فال الدين | رواية سيرة حياة الإمام الغزالي، بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
3K مشاهدة · 5 months ago
40:38
دانشمند (10) | أحمد فال الدين | رواية سيرة حياة الإمام الغزالي، بصوت نزار طه حاج أحمد
Lisan Arabi لسان عربي
2.3K مشاهدة · 4 months ago
54:43
دانشمند (13) | أحمد فال الدين | رواية سيرة حياة الإمام الغزالي، بصوت نزار طه حاج أحمد